Indexed OCR Text

Pages 641-660

٦٤١
كتاب الوقف
له باقياً لقيامه مقامه، وعن واقف شرط مرتباً لرجل معين، ثم من بعده للفقراء
ففرغ منه لغيره ثم مات هل ينتقل للفقراء؟ فأجبت: بالانتقال وفيها للواقف عزل
الناظر مطلقاً، به يفتى. ولم أر حكم عزله لمدرس وإمام ولاهما، ولو لم يجعا.
ناظراً فنصب القاضي لم يملك الواقف إخراجه، ولو عزل الناظر نفسه
حيث خالف في تفويضه ذلك شرط الواقف، وما اشتهر على الألسنة من أن مختار
الأرشد أرشد قدمنا رده عند قوله: ((وينزع لو غير مأمون الخ)) وتمام ذلك في كتابنا
تنقيح الفتاوى الحامدية. قوله: (شرط مرتباً) أي رتب له من ريع الوقف دراهم أو
غيرها. قوله: (وفيها) أي في الأشباه .
مَطْلَبُ: لِلْوَاقِفِ عَزْلُ النَّاظِرِ
قوله: (للواقف عزل الناظر مطلقاً) أي سواء كان بجنحة أو لا، وسواء كان شرط
له العزل أو لا، وهذا عند أبي يوسف لأنه وكيل عنه، وخالفه محمد كما في البحر: أي
لأنه وكيل الفقراء عنده. وأما عزل القاضي للناظر فقدمنا الكلام عليه عند قوله: ((وينزع
له غير مأمون الخ)». قوله: (به يفتى) والذي في التجنيس والفتوى على قول محمد: أي
بعدم العزل عند عدم الشرط، وجزم به في تصحيح القدوري للعلامة قاسم، وكذلك
المؤلف: أي ابن نجيم في رسائله، وهو من باب الاختلاف في الاختيار اهـ. بيري:
أي فيه اختلاف التصحيح.
قلت: وهو مبني على الاختلاف في اشتراط التسليم إلى المتولي فإنه شرط عند
محمد فلا تبقى للواقف ولاية إلا بالشرط، وغير شرط عند أبي يوسف فتبقى ولايته،
فاختلاف التصحيح هنا مبني على اختلافه هناك.
مَطْلَبٌ فِي عَزْلِ الْوَاقِفِ المُدَرِّسَ وَالإِمَامِ وَعَزْلِ النَّاظِرِ نَفْسَهُ
قوله: (ولم أر حكم عزله لمدرس وإمام ولاهما) أقول: وقع التصريح بذلك في
حق الإمام والمؤذن، ولا ريب أن المدرس كذلك بلا فرق. ففي لسان الحكام عن
الخانية: إذا عرض للإمام والمؤذن عذر منعه من المباشر ستة أشهر للمتولي أن يعزله
ويولي غيره، وتقدم ما يدل على جواز عزله إذا مضى شهر. بيري. أقول: إن هذا
العزل لسبب مقتض، والكلام عند عدمه ط.
قلت: وسيذكر الشارح عن المؤيدة التصريح بالجواز لو غيره أصلح، ويأتي تمام
الكلام عليه، وقدمنا عن البحر حكم عزل القاضي لمدرس ونحوه، وهو أنه لا يجوز إلا
بجنحة وعدم أهلية. قوله: (فنصب القاضي) عبارة الأشباه: فنصب القاضي له قيماً
وقضى بقوامته، وظاهره أن القضاء شرط لعدم إخراج الواقف له. وذكر البيري أن

٦٤٢
كتاب الوقف
إن علم الواقف أو القاضي صح وإلا لا.
(باج داراً) ثم باعها المشتري من آخر (ثم ادعى أني كنت وقفتها أو قال
وقف عليّ لم تصح) فلا يحلف المشتري (ولو أقام بينة) أو أبرز حجة شرعية
(قبلت) فيبطل البيع ويلزم أجر المثل فيه لا في الملك لو استحق على المعتمد.
بزازية وغيرها. وليس للمشتري حبسه بالثمن. منية من الاستحقاق.
منصوب الواقف كذلك إذا قضى القاضي بقوامته لا يملك الواقف إخراجه، وعزاه
للأجناس. قوله: (إن علم الواقف أو القاضي صح) فهو كالوكيل إذا عزل نفسه، وقدمنا
تمام الكلام على عزل نفسه وفراغه لآخر، وظاهر هذا أنه ينعزل بلا عزل، لكن في
الأشباه في بحث ما يقبل الإسقاط. قال: وفي القنية الناظر المشروط له النظر إذا عزل
نفسه لا ينعزل، إلا أن يخرجه الواقف أو القاضي اهـ. تأمل.
· مَظْلَبٌ فِيمَنْ بَاعَ دَاراً ثُمَّ أَدَّعَى أَنَّا وَثْفٌ
قوله: (ثم باعها المشتري من آخر) ليس هذا قيداً، بل ذكره ليفيد أنه لا فرق في
قبول البينة بين بقائه في يد المشتري الأول أو خروجه عنها إلى آخر، أو لأنه صورة
واقعة سئل عنها ابن نجيم فيمن يملك عقاراً فباعه من آخر وباعه المشتري من آخر
ومضى على ذلك مدة سنين ثم أظهر البائع مكتوباً شرعياً بإيقاف العقار قبل البيع
فأجاب، تسمع دعواه وتقبل بينته، وإذا ثبت بطل البيع اهـ. قوله: (أو قال وقف عليّ)
يشير إلى أنه لا فرق بين أن يكون هو الواقف أو غيره. رملي. قوله: (لم تصح) أي
الدعوى للتناقض وهو الصحيح كما في الخانية. قوله: (فلا يحلف المشتري) لأن
التحليف يترتب على دعوى صحيحة. أفاده في الهندية ط. قوله: (أو أبرز حجة
شرعية) أي كتاب وقف له أصل في ديوان القضاة الماضين، كما قدمناه عند قوله:
وتقبل فيه الشهادة حسبة لا الدعوى الخ. وفي القنية: أما الكتاب الشرعي الذي وجد
في يد الخصم هل يدفع الدعوى والفتوى على أنه يدفع ويعمل القضاة بكتاب القضاة
الماضين اهـ. وظاهر كلامهم أن هذا خاص بالوقف القديم. قوله: (قبلت) أي البينة،
لأن الدعوى وإن بطلت للتناقض بقيت الشهادة، وهي مقبولة في الوقف من غير
دعوى. هندية ط. قوله: (ويلزم أجر المثل فيه) أي يلزم المشتري لأن منافع الوقف
مضمونة وإن كانت بشبهة ملك كما مر، وقدمنا أن هذا هو الصحيح. قوله: (لا في
الملك) يستثنى منه ملك اليتيم فإنه كالوقف، وأما المعدّ للاستغلال فإنه مضمون أيضاً،
لكنه إذا سكنه بتأويل ملك كسكنى شريك أو مشتر أو بتأويل عقد رهن فإنه لا يضمن،
بخلاف عقار الوقف أو اليتيم فإنه مضمون مطلقاً كما سيأتي في الغصب. قوله:
(وليس للمشتري حبسه بالثمن) لأن الحبس بمنزلة الرهن، والوقف لا يرهن ط.

٦٤٣
كتاب الوقف
وهي إحدى المسائل السبع المستثناة من قولهم: من سعى في نقض ما تم من
جهته فسعيه مردود عليه واعتمد في الفتح والبحر أنه إن ادعى وقفاً محكوماً بلزومه
قبل، وإلا لا، وهو تفصيل حسن، اعتمده المصنف في باب الاستحقاق، لكن
اعتمد الأول آخر الكتاب تبعاً للكنز وغيره، وفي العمادية: لا تقبل عند الإمام
مَطْلَبٍ: مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ
إِلَّ فِي تِسْعِ مَسَائِلَ
قوله: (وهي) أي مسألة المتن إحدى المسائل السبع المذكورة في قضاء الأشباه
أنها تسع: الأولى: اشترى عبداً قبضه ثم ادعى أن البائع باعه قبله من فلان الغائب بكذا
ويرهن يقبل، لأنه برهن على إقرار البائع أنه ملك الغائب. الثانية: وهب جارية
واستولدهنا الموهوب له ثم ادعى الواهب أنه كان دبرها أو استولدها وبرهن يقبل
ويستردها والعقر، لأن التناقض فيما هو من حقوق الحرية لا يمنع صحة الدعوى حملاً
على أنه فعل وندم. الثالثة: باعه، ثم ادعى أنه كان أعتقه. وفي الفتح التناقض لا يضر
في الحرية وفروعها اهـ. وظاهره قبول دعوى البائع التدبير والاستيلاد فالهبة مثال.
الرابعة: اشترى أرضاً ثم ادعى أن بائعها كان جعلها مقبرة أو مسجداً. الخامسة: اشترى
عبداً ثم ادعى أن البائع كان أعتقه ويرهن يقبل عند الثاني لا عندهما. السادسة: مسألة
المتن. السابعة: باع الأب مال ولده ثم ادعى الغبن الفاحش إلا إذا أقر أنه باعه بثمن
المثل. الثامنة: إذا باع الوصي ثم ادعى كذلك. التاسعة: المتولي على الوقف كذلك.
قال في القنية بعد ذكر هذه الثلاثة: وكذا كل من باع ثم ادعى الفساد وشرط العمادي
التوفيق بأنه لم يكن عالماً به وذكر فيها اختلافاً. اهـ. ما في الأشباه ملخصاً مع زيادة.
مَطْلَبُ: بَاعَ عَقَاراً ثُمَّ أَذَّعَى أَنَّهِ وَقْفٌ
قوله: (واعتمد في الفتح والبحر الخ) أي في باب الاستحقاق من كتاب البيع فإنه
في الفتح جزم به حيث قال هناك: باع عقاراً ثم برهن أنه وقف لا يقبل، لأن مجرد
الوقف لا يزيل الملك بخلاف الإعتاق، ولو برهن أنه وقف محكوم بلزومه يقبل اهـ.
وجزم به المصنف هناك في متنه وقال في شرحه هنا: ينبغي أن يعول عليه في الإفتاء
والقضاء اهـ. قال ط: وهذا إنما يتأتى على قول الإمام أما على المفتى به من أنه يتم
بلفظ الوقف ونحوه اهـ. على أن الوقف يلزم عند الإمام أيضاً إذا كان مضافاً إلى الموت
أو كان في الحياة وبعد الموت. قوله: (وفي العمادية لا تقبل الخ) مخالف لما في شرح
المصنف حيث قال: ولو أقام بينة قبلت على المختار كما تقدم عن العمادية، وبه صرح
في الخلاصة والبزازية. وفي خزانة الأكمل: تقبل البينة وينقض البيع قال: وبه

٦٤٤
كتاب الوقف
وهو المختار، وصوبه الزيلعي(١). قال: وهو أحوط. وفي دعوى المنظومة
المحبية: وهذا في وقف هو حق الله تعالى، أما لو كان على العباد لم يجز.
قلت: قد قدمنا قبولها مطلقاً لثبوت أصله لمآله للفقراء، فتدبر. وفي فتاوى
ابن نجيم: نعم تسمع دعواه وبينته ويبطل البيع
نأخذ اهـ. قوله: (وصوبه الزيلعي) حيث قال: وإن أقام البينة على ذلك قيل تقبل،
وقيل لا تقبل، وهو أصوب وأحوط. قوله: (قلت قد قدمنا) أي عن المصنف عند
قوله: ((وتقبل فيه الشهادة بدون الدعوى)). قوله: (مطلقاً) أي سواء كان على معين ابتداء
أو على الفقراء وهو المراد من قوله: ((هو حق الله تعالى)) وقدمنا تمام الكلام عليه.
قوله: (تسمع دعواه وبينته) يعني الدعوى المقرونة بالبينة، أما الدعوى المجردة عن
البيئة فلا تسمع حتى لا يحلف المشتري كما مر، وقد صرح في الخانية بعدم سماعها
في الصحيح.
والحاصل: أن المعتمد سماع البينة دون الدعوى المجردة، وهو ما ذكره
المصنف في المتن هنا وقدمنا عن شرحه ترجيحه. وفي الخيرية أجاب: لا تسمع
دعواه، ولكن إذا أقام البينة اختلفوا فيه. والأصح القبول، نص عليه في الخلاصة وكثير
من الكتب، وعللوه بأن الوقف حق الله تعالى فتسمع فيه البينة بدون الدعوى، وفرق
بعضهم بين المسجل فتقبل، وبين غيره فلا تقبل، والأصح ما قدمنا أنه الأصح، وإذا
ثبت أنه وقف وجبت الأجرة له في تلك المدة اهـ. وقال الشارح في مسائل شتى آخر
الكتاب: تقبل على الأصح خلافاً لما صوبه الزيلعي اهـ. قلت: ويظهر لي أن التحقيق
هو التفصيل والتوفيق، وذلك أن البائع إذا ادعى فإن كان هو الموقوف عليه تقبل بينته
على إثبات أصل الوقف ولا يعطى شيئاً من الغلة لعدم صحة دعواه، وقد مر عند قوله:
((وتقبل فيه الشهادة بدون الدعوى)) تحقيق ما ذكره المصنف في شرحه من أن ثبوت أصل
الوقف لا يحتاج للدعوى، وأن المستحق لا يدفع له شيء بلا دعوى حينئذ، فإذا كان
البائع هو المستحق لا تسمع دعواه لتناقضه، بخلاف ما إذا كان المدعي غيره من
المستحقين لعدم التناقض منهم. وأما إذا كان الوقف على الفقراء أو على المسجد فتقبل
البينة ويثبت الوقف بلا فرق بين كون المدعي هو البائع أو غيره، والله سبحانه أعلم.
تنبيه: بقي ما لو اشترى داراً ثم ادعى المشتري أنها وقف تسمع دعواه على البائع
لو هو المتولي(٢) وإلا نصب القاضي له متولياً. وعلى قول أبي جعفر وغيره: وإن لم
(١) في ط (قوله الشارح وصوبه الزيلعي الخ) أي لأن موضوع مسألته وقف عليه وعلى ذريته.
(٢) في ط (قوله فتسمع دعواه على البائع لو هو المتولي) الظاهر أن مرجع الضمير المشتري، فإنه المعروف من
كلامهم اشتراط التولية في المدعي لا في المدعى عليه حتى يصح رجوعه على البائع لكن قول أبي =

٦٤٥
كتاب الوقف
(الباني) للمسجد (أولى) من القوم (بنصب الإمام والمؤذن في المختار إلا إذا عين
القوم أصلح ممن عينه) الباني (صح الوقف قبل وجود الموقوف عليه) فلو وقف
على أولاد زيد ولا ولد له أو على مكان هيأه لبناء مسجد أو مدرسة صح (في
الأصح) وتصرف الغلة للفقراء إلى أن يولد لزيد أو يبني المسجد. عمادية. زاد
تسمع الدعوى على غير المتولي للتناقض تقبل الشهادة بدون الدعوى، وتمام ذلك في
الخيرية في الثلث الثالث من كتاب الوقف. قوله: (الباني أولى) وكذا ولده وعشيرته
أولى من غيرهم أشباه. قوله: (بنصب الإمام والمؤذن) أما في العمارة فنقل في أنفع
الوسائل أن الباني أولى: أي بلا تفصيل(١). قوله: (إلا إذا عين القوم أصلح ممن عينه)
لأن منفعة ذلك ترجع إليهم أنفع الوسائل. قوله: (أو على مكان هيأه الخ) فيه نظر،
فإن المكان موجود فيكون وقفاً على موجود، والذي في المنح عن العمادية هيأ موضعاً
لبناء مدرسة وقبل أن يبني وقف على هذه المدرسة وقفاً لشرائطه وجعل آخره للفقراء
الخ، وقيد بتهيئة المكان لأنه لو وقف على مسجد سيعمره ولم يهيىء مكانه لم يصح
الوقف كما أفتى به مفتي دمشق المحقق عبد الرحمن أفندي العمادي. قوله: (وتصرف
الغلة للفقراء الخ) أقول: هذا الوقف يسمى منقطع الأول. قال في الخانية: ولو قال
أرضي صدقة موقوفة على من يحدث لي من الولد وليس له ولد يصح، فإذا أدركت
الغلة تقسم على الفقراء وإن حدث له ولد بعد القسمة تصرف الغلة التي توجد بعد ذلك
إلى هذا الولد، لأن قوله صدقة موقوفة وقف على الفقراء، وذكر الولد الحادث
للاستثناء كأنه قال: إلا إن حدث لي ولد فغلتها له ما بقي اهـ. ومنه ما في الإسعاف:
وقف على ولده وليس له إلا ولد ابن تصرف الغلة لولد الابن إلى أن يحدث للواقف ولد
لصلبه فتصرف إليه اهـ. وقد يكون منقطع الوسط. ومنه ما في الخانية: وقف على
ولديه ثم على أولادهما أبداً ما تناسلوا. قال ابن الفضل إذا مات أحدهما عن ولد يصرف
نصف الغلة إلى الباقي والنصف إلى الفقراء، فإذا مات الآخر يصرف الجميع إلى أولاد
أولاد الواقف، لأن مراعاة شرط الواقف لازم، والواقف إنما جعل أولاد الأولاد بعد
انقراض البطن الأول، فإذا مات أحدهما يصرف النصف إلى الفقراء اهـ.
مَطْلَبٌ فِي الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الأَوَّلِ وَالْمُنْقَطِعِ الوَسَطِ
تنبيه: علم من هذا أن منقطع الأول ومنقطع الوسط يصرف إلى الفقراء. ووقع
= جعفر: وإن لم تسمع الدعوى على غير المتولي، يفيد أن مرجع الضمير في عبارتنا هو البائع. وعبارة
الخيرية كذلك.
(١) في ط (قوله أي بلا تفصيل) قال شيخنا: مقتضى التعليل المذكور في مسألة المؤذن والإمام جريانه في
مسألة العمارة أيضاً، بل ربما كان التفصيل في العمارة أولى.

٦٤٦
كتاب الوقف
في النهر: وينبغي أنه لو وقفه على مدرسة يدرّس فيها المدرس مع طلبته فدرس
في غيرها لتعذر التدريس فيها أن تصرف العلوفة له لا للفقراء كما يقع في الروم.
فروع: مهمة حدثت للفتوى] أرصد الإمام أرضاً على ساقية ليصرف
خراجها لكلفتها فاستغنى عنها لخراب البلد فنقلها وكيل الإمام لساقية هي ملك
هل يصح؟ أجاب بعض الشافعية بأن الإرصاد على الملك إرصاد على المالك:
يعني فيصح فحينئذ يلزم المرصد عليه إدارتها كما كانت،
في الخيرية خلافه حيث قال في تعليل جواب ما نصه: للانقطاع الذي صرحوا به بأنه
يصرف إلى الأقرب للواقف لأنه أقرب لغرضه على الأصح اهـ. وهذا سبق قلم، فإن ما
ذكره مذهب الشافعي فقد قال نفسه في محل آخر من الخيرية والمنقطع الوسط فيه
خلاف، قيل يصرف إلى المساكين وهو المشهور عندنا والمتظافر على ألسنة علمائنا.
ثم قال بعد أسطر في جواب سؤال آخر: وفي منقطع الوسط الأصح صرفه إلى الفقراء،
وأما مذهب الشافعي فالمشهور أنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف اهـ. قوله:
(ينبغي الخ) وفي فتاوى الحانوتي بعد كلام: فعلم أنه إذا شرط الوقف المعلوم لأحد
أنه يستحقه عند قيام المانع من العمل ولم يكن بتقصيره سواء كان ناظراً أو غيره
كالجابي اهـ. قوله: (أرصد الإمام أرضاً) أي أخرجها من بيت المال وعينها لهذه الجهة
والإرصاد ليس بوقف حقيقة لعدم الملك بل يشبهه كما قدمناه. قوله: (يعني فيصح)
عبارة النهر بعده: وهذا لم أره في كلام علمائنا، إلا أنه في الخلاصة قال: المسجد إذا
خرب أو الحوض إذا خرب ولم يحج إليه لتفرق الناس عنه صرفت أوقافه في مسجد
آخر أو حوض آخراهـ. وعلى هذا فيلزم المرصد عليه أن يديرها لسقي الدواب وتسبيل
الماء كما كانت، ولا يتوهم من كونه إرصاداً على المالك أن لا يلزم ذلك فتدبره اهـ.
كلام النهر.
وحاصله: أن المنقول عندنا أن الموقوف عليه إذا خرب يصرف وقفه إلى مجانسه،
فتصرف أوقاف المسجد إلى مسجد آخر وأوقاف الحوض إلى حوض آخر والإرصاد
نظير الوقف، فحيث استغنى عن الساقية الأولى وأرصد وكيل الإمام الأرض على
الساقية الثانية المملوكة وكان ذلك إرصاداً على مالكها يلزم المالك أن يدير تلك
الأرض: أي غلتها وخراجها إلى سقي الدواب ونحوها ليكون صرفاً إلى ما يجانس
الأول كما في الوقف، لأن وكيل الإمام لم يرصدها لينتفع المالك بخراجها كيفما أراد،
بل ليكون لسقي الماء كما كانت حين أرصدها الإمام أولاً، وظاهر هذا أنه لا يلزم
المالك إرادة خراج الأرض على ساقيته التي أرصد عليها وكيل الإمام، بل عليها أو

٦٤٧
كتاب الوقف
لما في الحاوي: الحوض إذا خرب صرفت أوقافه في حوض آخر، فتدبر.
دار كبيرة فيها بيوت وقف بيتاً منها على عتيقة فلان والباقي على ذريته
وعقبه ثم على عتقائه فآل الوقف إلى العتقاء هل يدخل من خصه بالبيت في
الثاني؟ اختلف الإفتاء أخذاً من خلاف مذكور في الذخيرة لكن في الخانية:
على ساقية أخرى، إذ لا يلزمه بالإرصاد المذكور أن يسبل ملكه كما لا يخفى، وبهذا
التقرير ظهر لك أن الضمير في قوله إدارتها كما كانت عائد إلى الأرض المرصدة لا إلى
الساقية كما لا يخفى، وإلا لزم أن يجعل ساقيته سبيلاً للناس جبراً ولا يقوله أحد،
فافهم. قوله: (لما في الحاوي الخ) حاصله: أن ما خرب تصرف أوقافه إلى مجانسه
فكذا الإرصاد، فهو استدلال على قوله تلزم إدارتها: أي الأرض المرصدة كما كانت:
أي بأن يصرف خراجها في تسبيل الماء كما قررناه، والمقصود إلحاق الإرصاد بالوقف
لأنه نظيره ولا يضر كون النقل فيما ذكره من وقف إلى وقف وفي الحادثة من وقف إلى
ملك، فافهم.
مَطْلَبٌ: وَقَفَ بَيْتاً عَلَى عَتِيقَةِ فُلَاٍ وَأَلْبَاقِي عَلَى عُتَقَائِهِ
هَلْ يَدْخُلُ فُلَانٌ مَعَهُمْ؟
قوله: (في الثاني) متعلق بيدخل أي في الوقف الثاني الموقوف على الذرية
والعقب ثم على العتقاء، والمراد هل يشارك عتيقة فلان بقية العتقاء فيما آل إليهم لكونه
منهم أو لا يدخل لكون الواقف خصه بوقف على حدة. قوله: (مذكور في الذخيرة)
عبارتها: لو جعل نصف غلة أرضه لفقراء قرابته والنصف الآخر للمساكين فاحتاج فقراء
قرابته هل يعطون من نصف المساكين؟ قال هلال: لا. وهو قول إبراهيم بن خالد
السمتي، وقال إبراهيم بن يوسف وعليّ بن أحمد الفارسي وأبو جعفر الهنداوني:
يعطون. اهـ. نهر. قوله: (لكن في الخانية الخ) استدراك على قوله: ((اختلف الإفتاء»
فإن المراد به إفتاء بعض علماء الروم: يعني حيث وجد تصريح الخانية بالأصح، فلا
وجه للاختلاف، بل يلزم متابعة الأصح بعد عبارة الخانية. وقال في النهر: هذا ملخص
رسالة كبيرة لمولانا قاضي القضاة علي جلبي وضعها حين نقض حكم مولانا محمد شاه
بأدرنه، وكل منهما رد على صاحبه، وقد علمت ما هو المعتمد فاعتمده، والله سبحانه
الموفق اهـ.
مَطْلَبٌ: وَقَفَ النَّصْفَ عَلَى أَبْنِهِ زَيْدٍ وَالنَّصْفَ عَلَى أَمْرَأَتِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ
يَدْخُلُ زَبْدٌ فِيهِمْ
قلت: وقد رأيت في الخانية صريح الواقعة وهو وقف ضيعة نصفها على امرأته
ونصفها على ولد زيد على أنه إن ماتت المرأة فنصيبها لأولاده، ثم ماتت المرأة

٦٤٨
كتاب الوقف
أوصى لرجل بمال وللفقراء بمال والموصى له محتاج هل يعطى من نصيب
الفقراء؟ اختلفوا، والأصح نعم.
استأجر داراً موقوفة فيها أشجار مثمرة هل له الأكل منها؟ الظاهر أنه إذا لم
يعلم شرط الواقف لم يأكل لما في الحاوي: غرس في المسجد أشجاراً تثمر إن
غرس للسبيل فلكل مسلم الأكل، وإلا فتباع لمصالح المسجد.
فالنصف لابنه زيد ونصيب المرأة لسائر الأولاد ولزيد، لأنه جعل نصيبها بعد موتها
لأولاده وزيد منهم أيضاً اهـ ملخصاً، ولم يحك فيه خلافاً. وأما مسألة الوصية المذكورة
هنا فقد ذكر في الولوالجية فيها تفصيلاً، فقال: إن أوصى للكل دفعة واحدة لا يأخذ،
وإن أوصى له ثم أوصى بوصايا أخر ثم أوصى في آخره للفقراء بكذا فله الأخذ لأنه في
الأول لما قال بمرة واحدة ميزه بينه وبين الفقراء فلا يصح الجمع اهـ. وأفتى الحانوتي
في الوقف بمثله قياساً عليه، فيمن وقف ثلثي كذا على طائفة والثلث على الفقراء
فراجعه، لكن ما نقلناه عن الخانية يخالفه، فإن ظاهره أنه وقف الكل دفعة واحدة، وهو
ظاهر ما نقله الشارح عنها أيضاً. فالظاهر عدم التفصيل(١) في الوقف والوصية، والله
سبحانه أعلم.
مَطْلَبُ: أَسْتَأْجَرَ دَاراً فِيهَا أَشْجَارٌ
قوله: (لم يأكل) أي بل يبيعها المتولي ويصرفها في مصالح الوقف. بحر.
قوله: (إن غرس للسبيل) وهو الوقف على العامة. بحر. قوله: (وإلا) أي وإن لم
يغرسها للسبيل بأن غرسها أو لم يعلم غرضه. بحر عن الحاوي. وهذا محل الاستدلال
على قوله الظاهر: ((أنه إذا لم يعلم شرط الواقف لم يأكل)) وهو ظاهر، فافهم. وأصله
لصاحب البحر حيث قال: ومقتضاه: أي مقتضى ما في الحاوي أنه في البيت الموقوف
إذا لم يعرف الشرط أن يأخذها المتولي ليبيعها ويصرفها في مصالح الوقف، ولا يجوز
للمستأجر الأكل منها اهـ. وضمير يبيعها للثمار لا للأشجار، لما في البحر عن
الظهيرية: شجرة وقف في دار وقف خربت ليس للمتولي أن يبيع الشجرة ويعمر الدار،
ولكن يكري الدار ويستعين بالكراء على عمارة الدار لا بالشجرة اهـ. فهذا مع خراب
الدار، فكيف يجوز بيعها مع عمارها. ثم الظاهر أنه في مسألتنا يدفع الشجرة على وجه
المساقاة للمستأجر. قال في الإسعاف: ولو كان في أرض الوقف شجر فدفعه معاملة
(١) في ط (قوله فالظاهر عدم التفصيل) فيه أن هذا الظاهر مخالف لقاعدة حمل المطلق على المقيد ضد اتحاد
الحادثة، وقد تحدث فيجب حمل ما في الخانية على ما إذا كان عقد واحد، وقد رأيت في الهندية عن
المحيط ما يفيد ذلك حيث قال بعد نقل عبارة الذخيرة المارة، يجب أن يكون جواب هلال فيما إذا كان عقد
واحد .

٦٤٩
كتاب الوقف
قولهم: شرط الواقف كنص الشارع: أي في المفهوم والدلالة
بالنصف مثلاً جاز. اهـ. ثم ظاهر كلام البحر أن هذه الأشجار في الدار لا تمنع صحة
استئجارها، لأنها لا تعدّ شاغلة لأنها لا تخل بالمقصود، وهو السكنى، بخلاف الأشجار
في الأرض لأن ظلها يمنع الانتفاع بالزراعة، ولهذا شرطوا أن يتقدم عقد المساقاة على
الأشجار، وستأتي مسألة غرس المستأجر والمتولي.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ شَرْطُ الوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ
قوله: (قولهم شرط الواقف كنص الشارع) في الخيرية قد صرحوا بأن الاعتبار في
الشروط لما هو الواقع لا لما كتب في مكتوب الوقف، فلو أقيمت بينة لما لم يوجد
في كتاب الوقف عمل بها بلا ريب، لأن المكتوب خط مجرد، ولا عبرة به لخروجه عن
الحجج الشرعية اهـ ط.
مَطْلَبُ: بَيَانُ مَفْهُومِ المُخَالَفَةِ
قوله: (أي في المفهوم والدلالة الخ) كذا عبر في الأشباه، والذي في البحر عن
العلامة قاسم ((في الفهم والدلالة)) وهو المناسب، لأن المفهوم عندنا غير معتبر في
النصوص، والمراد به مفهوم المخالفة المسمى دليل الخطاب، وهو أقسام مفهوم
الصفة، والشرط والغاية والعدد واللقب: أي الاسم الجامد كثوب مثلاً، والمراد بعدم
اعتباره في النصوص أن مثل قولك: أعط الرجل العالم أو أعط زيداً إن سألك أو أعطه
إلى أن يرضى أو أعطه عشرة أو أعطه ثوباً لا يدل على نفي الحكم عن المخالف
للمنطوق، بمعنى أنه لا يكون منهياً عن إعطاء الرجل الجاهل، بل هو مسكوت عنه
وباق على العدم الأصلي، حتى يأتي دليل يدل على الأمر بإعطائه أو النهي عنه، وكذا
في البواقي. وتمام الكلام على ذلك في كتب الأصول.
مَطْلَبٌ: مَفْهُومُ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ
نعم المفهوم معتبر عندنا في الروايات في الكتب، ومنه قوله في أنفع الوسائل:
مفهوم التصنيف حجة اهـ. أي لأن الفقهاء يقصدون بذكر الحكم في المنطوق نفيه عن
المفهوم غالباً، كقولهم: تجب الجمعة على كل ذكر حرّ بالغ عاقل مقيم، فإنهم يريدون
بهذه الصفات نفي الوجوب عن مخالفها، ويستدل به الفقيه على نفي ألوجوب على
المرأة والعبد والصبيّ الخ. وقد يقال: إن مراده بقوله في المفهوم: إنه لا يعتبر مفهومه
كما لا يعتبر في نصوص الشارع.
مَطْلَبٌ: لَا يُعْتَبُ المَفْهُومُ فِي الْوَقْفِ
وفي البيري: نحن لا نقول بالمفهوم في الوقف كما هو مقرر، ونص عليه الإمام

٦٥٠
کتاب الوقف
ووجوب العمل به، فيجب عليه خدمة وظيفته أو تركها لمن يعمل، وإلا أثم، لا
الخصاف وأفتى به العلامة قاسم اهـ. وبه صرح في الخيرية أيضاً: أي فإذا قال: وقفت
على أولادي الذكور يصرف إلى الذكور منهم بحكم المنطوق، وأما الإناث فلا يعطى
لهن لعدم ما يدل على الإعطاء، إلا إذا دل في كلامه دليل على إعطائهن فيكون مثبتاً
لإعطائهن ابتداء لا بحكم المعارضة، لكن نقل البيري في محل آخر عن المصفى،
وخزانة الروايات والسراجية أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه في متفاهم
الناس وفي المعقولات وفي الروايات.
مَطْلَبٌ: المَفْهُومُ مَعْتَبر: فِي عُرْفِ النَّاسِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ
قلت: وكذا قال ابن أمير حاج في شرح التحرير عن حاشية الهداية للخبازي، عن
شمس الأئمة الكردري: أن تخصيص الشيء بالذكر، لا يدل على نفي الحكم عما عداه
في خطابات الشارع، أما في متفاهم الناس وعرفهم وفي المعاملات والعقليات بدل اهـ.
قال في شرح التحرير: وتداوله المتأخرون، وعليه ما في خزانة الأكمل والخانية: لو
قال مالك عليّ أكثر من مائة درهم، كان إقراراً بالمائة اهـ. فعلم أن المتأخرين على
اعتبار المفهوم في غير النصوص الشرعية، وتمام تحقيق ذلك في شرحنا على منظومتنا
في رسم المفتي، وحيث كان المفهوم معتبراً في متفاهم الناس وعرفهم وجب اعتباره
في كلام الواقف أيضاً، لأنه يتكلم على عرفه، وعن هذا قال العلامة قاسم: ونص أبو
عبد الله الدمشقي في كتاب الوقف عن شيخه شيخ الإسلام قول الفقهاء: نصوصه كنص
الشارع: يعني في الفهم والدلالة، لا في وجوب العمل، مع أن التحقيق أن لفظه،
ولفظ الموصي، والحالف، والناذر، وكل عاقد، يحمل على عادته في خطابه ولغته التي
يتكلم بها، وافقت لغة العرب ولغة الشرع أم لا اهـ.
قال العلامة قاسم: قلت: وإذا كان المعنى ما ذكر، فما كان من عبارة الواقف من
قبيل المفسر لا يحتمل تخصيصاً ولا تأويلاً يعمل به، وما كان من قبيل الظاهر كذلك وما
احتمل وفيه قرينة حمل عليها، وما كان مشتركاً لا يعمل به، لأنه لا عموم له عندنا، ولم
يقع فيه نظر المجتهد ليترجح أحد مدلوليه، وكذلك ما كان من قبيل المجمل إذا مات
الواقف، وإن كان حياً يرجع إلى بيانه، هذا معنى ما أفاده اهـ. قوله: (ووجوب العمل
به) هذا مخالف لما نقلناه آنفاً، مع أنه في البحر نقله أيضاً وقال عقبه: فعلى هذا إذا ترك
صاحب الوظيفة مباشرتها في بعض الأوقات المشروط عليه فيها العمل لا يأثم عند الله
تعالى، غايته أنه لا يستحق المعلوم اهـ. نعم في الأشباه جزم بما ذكره الشارح، وقواه
في النهر، وعزاه في قضاء البحر إلى شرح المجمع.
قلت: ويظهر لي عدم التنافي، وذلك أن عدم وجوب العمل به من حيث ذاته،

٦٥١
كتاب الوقف
سيما فيما يلزم بتركها تعطيل الكل. من النهر.
وفي الأشباه الجامكية في الأوقاف: لها شبه الأجرة: أي في زمن المباشرة
والحل للأغنياء، وشبه الصلة، فلو مات أو عزل لا تسترد المعجلة، وشبه
الصدقة لتصحيح أصل الوقف، فإنه لا يصح على الأغنياء ابتداء، وتمامه فيها.
بدليل أنه لو ترك الوظيفة أصلاً وباشرها غيره لم يأثم، وهذا لا شبهة فيه، ووجوب
العمل به باعتبار حلّ تناول المعلوم، بمعنى أنه لو لم يعمل به وتناول المعلوم أثم
لتناوله بغير حق. قوله: (الكل من النهر) مبتدأ وخبر: أي كل هذه الفروع مأخوذ من
النهر.
مَطْلَبٌ: الجَامِكِيَّةُ فِي الأَوْقَافِ
قوله: (الجامكية) هي ما يرتب في الأوقاف لأصحاب الوظائف كما يفيده كلام
البحر عن ابن الصائغ. وفي الفتح: الجامكية كالعطاء، وهو ما يثبت في الديوان باسم
المقاتلة أو غيرهم، إلا أن العطاء سنوي والجامكية شهرية.
مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ مَاتَ المُدَرِّسُ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ مَيءِ الْغَلَّةِ
قوله: (أي في زمن المباشرة الخ) يعني أن اعتبار شبهها بالأجرة من حيث حل
تناولها للأغنياء، إذ لو كانت صدقة محضة لم تحل لمن كان غنياً، ومن حيث إن
المدرس لو مات أو عزل في أثناء السنة قبل مجيء الغلة وظهورها من الأرض، يعطي
بقدر ما باشر، ويصير ميراثاً عنه، كالأجير إذا مات في أثناء المدة؛ ولو كانت صلة
محضة لم يعط شيئاً، لأن الصلة لا تملك قبل القبض بل تسقط بالموت قبله، بخلاف
القاضي إذا مات في أثناء المدة، فإنه يسقط رزقه، لأنه ليس فيه شبه الأجرة لعدم
جواز أخذ الأجرة على القضاء. أما على التدريس وهو التعليم، فأجازه المتأخرون،
وبخلاف الوقف على الأولاد والذرية، فإن من مات منهم قبل ظهور الغلة سقط أيضاً
لأنه صلة محضة كما حرره الطرسوسي، وتقدم تمامه عند قول المصنف: ((مات المؤذن
والإمام ولم يستوفيا وظيفتهما الخ)). قوله: (لا نسترد المعجلة) أي لو قبض جامكية
السنة بتمامها، ومات في أثناء السنة لا يسترد حصة ما بقي، لأن الصلة تملك
بالقبض، ويحل له لو فقيراً كما قدمه الشارح، ولو كانت أجرة محضة استرد منه ما بقي.
قوله: (فإنه لا يصح على الأغنياء ابتداء) لأنه لا بد أن يكون صدقة من ابتدائه، لأن
قوله صدقة موقوفة أبداً ونحوه شرط لصحته كما مر تحريره، وأشرنا إليه أول الباب،
وبينا أن اشتراط صرف الغلة لمعين يكون بمنزلة الاستثناء من صرفه إلى الفقراء،
فيكون ذلك المعين قائماً مقامهم، فصار في معنى الصدقة عليه لقيامه مقامهم. هذا
غاية ما وصل إليه فهمي في هذا المحل، فليتأمل. قوله: (وتمامه فيها) قدمنا حاصله.

٦٥٢
كتاب الوقف
يكره إعطاء نصاب لفقير من وقف الفقراء، إلا إذا وقف على فقراء قرابته.
اختيار. ومنه يعلم حكم المرتب الكثير من وقف الفقراء لبعض العلماء الفقراء،
فليحفظ .
ليس للقاضي أن يقرّر وظيفة في الوقف بغير شرط الواقف، ولا يحل
للمقرر الأخذ إلا النظر على الواقف
قوله: (يكره إعطاء نصاب لفقير الخ) لأنه صدقة فأشبه الزكاة أشباه. قوله: (إلا إذا
وقف على فقراء قرابته) أي فلا يكره لأنه كالوصية أشباه، ولأنه وقف على معينين لا
حق لغيرهم فيه فيأخذونه قلّ أو كثر. قوله: (لبعض العلماء الفقراء) متعلق بالمرتب،
فإن كان ذلك المرتب بشرط الواقف، فلا شبهة في جواز ما رتبه وإن كثر، وإن كان
من جهة غيره كالمتولي، فلا يجوز النصاب. هذا ما ظهر لي. وفي حاشية الحموي:
المرتب إعطاء شيء لا في مقابلة خدمة، بل لصلاح المعطي أو علمه أو فقره، ويسمى
في عرف الروم الزوائد اهـ.
مَطْلَبٌ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ وَظِيفَةً فِي الْوَقْفِ إِلَّ النَّظَرَ
قوله: (ليس للقاضي أن يقرر وظيفة في الوقف الخ) يعني وظيفة حادثة لم
يشرطها الواقف، أما لو قرر في وظيفة مشروطة جاز، إلا إذا شرط الواقف التقرير
للمتولي كما قدمناه عن الخيرية. وقال الخير الرملي في حاشية البحر: وهذا: أي عدم
التقرير بغير شرط إذا لم يقل وقفت على مصالحه، فلو قال يفعل القاضي كل ما هو من
مصالحه اهـ. وهذا أيضاً في غير أوقاف الملوك والأمراء، أما هي فهي أوقاف صورية لا
تراعى شروطها كما أفتى به المولى أبو السعود، ويأتي قريباً في الشرح عن المبسوط.
قوله: (إلا النظر على الوقف) اعلم أن عدم جواز الأحداث مقيد بعدم الضرورة كما في
فتاوى الشيخ قاسم، أما ما دعت إليه الضرورة واقتضت المصلحة كخدمة الربعة الشريفة
وقراءة العشر والجباية وشهادة الديوان فيرفع إلى القاضي، ويثبت عنده الحاجة فيقرّر
من يصلح لذلك، ويقدر له أجر مثله، أو يأذن للناظر في ذلك. قال الشيخ قاسم:
والنص في مثل هذا في الولوالجية أبو السعود على الأشباه، وعليه فالاقتصار على النظر
فيه نظر، كما أفاده ط.
قلت: لكن في الذخيرة وغيرها: ليس للقاضي أن يقرّر فراشاً في المسجد بلا
شرط الواقف. قال في البحر: إن في تقريره مصلحة، لكن يمكن أن يستأجر المتولي
فراشاً، والممنوع تقريره في وظيفة تكون حقاً له، ولذا صرح في الخانية بأن للمتولي
أن يستأجر خادماً للمسجد بأجرة المثل، واستفيد منه عدم صحة تقرير القاضي، بلا
شرط في شهادة ومباشرة وطلب بالأولى اهـ.

٦٥٣
كتاب الوقف
بأجر مثله. قنية.
تجوز الزيادة من القاضي على معلوم الإمام إذا كان لا يكفيه وكان عالماً
تقياً، ثم قال بعد ورقتين: والخطيب يلحق بالإمام، بل هو إمام الجمعة. قلت:
مَطْلَبٌ: المُرَادُ مِنَ العُشْرِ لِلْمُتَوَّي أَجْرُ المِثْلِ
قوله: (بأجر مثله) وعبر بعضهم بالعشر، والصواب أن المراد من العشر أجر
المثل، حتى لو زاد على أجر مثله رد الزائد كما هو مقرر معلوم؛ ويؤيده أن صاحب
الولوالجية بعد أن قال: جعل القاضي للقيم عشر غلة الوقف فهو أجر مثله؛ ثم رأيت
في إجابة السائل، ومعنى قول القاضي للقيم عشر غلة الوقف: أي التي هي أجر مثله،
لا ما توهمه أرباب الأغراض الفاسدة الخ. بيري على الأشباه من القضاء.
قلت: وهذا فيمن لم يشرط له الواقف شيئاً، وأما الناظر بشرط الواقف فله ما
عينه له الواقف، ولو أكثر من أجر المثل كما في البحر، ولو عين له أقل فللقاضي أن
يكمل له أجر المثل بطلبه كما بحثه في أنفع الوسائل، ويأتي قريباً ما يؤيده، وهذا مقيد
لقوله الآتي: ((ليس للمتولي أخذ زيادة على ما قرر له الواقف أصلاً)).
مَطْلَبٌ فِي زِيَادَةِ الْقَاضِي فِي مَعْلُومِ الإِمَامِ
قوله: (تجوز الزيادة من القاضي الخ) أي إذا اتحد الواقف والجهة كما مر في المتن،
وفي البحر عن القنية قبيل فصل أحكام المسجد: يجوز صرف شيء من وجوه مصالح
المسجد للإمام إذا كان يتعطل لو لم يصرف إليه يجوز صرف الفاضل عن المصالح للإمام
الفقير بإذن القاضي؛ ولو زاد القاضي في مرسومه من مصالح المسجد، والإمام مستغن
وغيره يؤم بالمرسوم المعهود تطيب له الزيادة لو عالماً تقياً؛ ولو نصب إمام آخر له أخذ
الزيادة إن كانت لقلة وجود الإمام لا لو كانت لمعنى في الأول كفضيلة أو زيادة
حاجة اهـ. فعلم أنه تجوز الزيادة إذا كان يتعطل المسجد بدونها أو كان فقيراً أو عالماً
تقياً، فالمناسب العطف بأو في قوله: ((وكان عالماً تقياً) وأما ما في قضاء البحر لو قضى
بالزيادة لا ينفذ، فهو محمول على ما إذا فقدت منه الشروط المذكورة كما أجاب به
بعضهم، ومقتضى التقييد بالقاضي أن المتولي ليس له أن يزيد للإمام. قوله: (ثم قال)
أي في الأشباه. قوله: (يلحق بالإمام) الظاهر أنه يلحق به كل من في قطعه ضرر إذا كان
المعين لا يكفيه: كالناظر، والمؤذن، ومدرس المدرسة، والبواب ونحوهم إذا لم يعملوا
بدون الزيادة، يؤيده ما في البزازية: إذا كان الإمام والمؤذن لا يستقر لقلة المرسوم
للحاكم الدين أن يصرف إليه من فاضل وقف المصالح والعمارة باستصواب أهل الصلاح
من أهل المحلة لو اتحد الواقف، لأن غرضه إحياء وقفه لا لو اختلف، أو اختلفت الجهة
بأن بنى مدرسة ومسجداً وعين لكل وقفاً وفضل من غلة أحدهما لا يبدل شرطه.

٦٥٤
كتاب الوقف
واعتمده في المنظومة المحبية ونقل عن المبسوط أن السلطان يجوز له مخالفة
مَطْلَبٌ: لِلسُّلْطَانِ مُخالَفَةُ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ الوَقْفُ مِنْ بَيْتِ المَالِ
قوله: (ونقل) أي صاحب المحبية عن المبسوط): أي مبسوط خواهر زاده.
والذي في الأشباه بعد ما نقل عن ينبوع السيوطي ما يفيد أن الوظائف المتعلقة بأوقاف
الأمراء والسلاطين، إن كان لها أصل من بيت المال، أو ترجع إليه، يجوز لمن كان
بصفة الاستحقاق من عالم بعلم شرعي، وطالب علم كذلك أن يأكل مما وقفوه غير
مقيد بما شرطوه ما نصه: وقد اغتر بذلك كثير من الفقهاء في زماننا فاستباحوا تناول
معاليم الوظائف بغير مباشرة، ومخالفة الشروط، والحال أن ما نقله السيوطي عن فقهائهم
إنما هو فيما بقي لبيت المال، ولم يثبت له ناقل، أما الأراضي التي باعها السلطان
وحكم بصحة بيعها ثم وقفها المشتري فإنه لا بد من مراعاة شرائطه؛ ولا فرق بين
أوقاف الأمراء والسلاطين، فإن للسلطان الشراء من وكيل بيت المال، وهي جواب
الواقعة التي أجاب عنها المحقق ابن الهمام في فتح القدير، فإنه سئل عن الأشريف
برسباي أنه اشترى من وكيل بيت المال أرضاً وقفها، فأجاب بما ذكرناه. وأما إذا وقف
السلطان من بيت المال أرضاً للمصلحة العامة: فذكر في الخانية جوازه، ولا يراعى ما
شرطه دائماً اهـ. فحينئذ ينبغي التفصيل فيما نقله في المحبية، فإن كان السلطان اشترى
الأراضي والمزارع من وكيل بيت المال يجب مراعاة شرائطه، وإن وقفها من بيت المال
لا تجب مراعاتها اهـط.
قلت: ويفهم من قول الأشباه: إنما هو فيما بقي من بيت المال ولم يثبت له
ناقل الخ، أنه إنما يراعى شروطه إذا ثبت الثاقل، وهو كون الواقف ملكها بشراء أو
إقطاع رقبة بأن كانت مواتاً لا ملك لأحد فيها فأقطعها السلطان لمن له حق في بيت
المال، أما بدون ثبوت الناقل فلا، لأنها بعدما علم أنها من بيت المال فالأصل بقاؤها
على ما كانت فيكون وقفها أرصاداً، وهو ما يفرزه الإمام من بيت المال ويعينه
لمستحقيه من العلماء ونحوهم عوناً لهم على وصولهم إلى بعض حقهم من بيت
المال، فتجوز مخالفة شرطه لأن المقصود وصول المستحق إلى حقه. وعن هذا قال
المولى أبو السعود مفتي دار السلطنة: إن أوقاف الملوك والأمراء لا يراعى شرطها،
لأنها من بيت المال أو ترجع إليه(١) اهـ.
قلت: والمراد من عدم مراعاة شرطها أن للإمام أو نائبه أن يزيد فيها وينقص
(١) في ط (قوله أو ترجع إليه) صورته، اشترى الإمام مملوكاً لبيت المال ودفع ثمنه منه ثم أعتقه ثم اشترى هذا
العتيق أشياء ووقفها، فهذا الوقف لا ترى شروط لرجوعه لبيت المال لعدم صحة إعتاق الإمام، فإن تصرفه
في بيت المال مشروط بالمصلحة.

٦٥٥
كتاب الوقف
الشرط إذا كان غالب جهات الوقف قرى ومزارع فيعمل بأمره. وإن غاير شرط
الواقف، لأن أصلها لبيت المال يصح تعليق التقرير في الوظائف، فلو قال
ونحو ذلك وليس المراد أنه يصرفها عن الجهة المعينة بأن يقطع وظائف العلماء،
ويصرفها إلى غيرهم، فإن بعض الملوك أراد ذلك ومنعهم علماء عصرهم، وقد
أوضحنا ذلك كله في باب العشر والخراج، وقدمنا شيئاً منه قبيل الفصل عند قوله:
((أما وقف الاقطاعات)) ولا يقاس على ذلك أوقاف غير الملوك والأمراء، بل تجب
مراعاة شروطهم، لأن أوقافهم كانت أملاكاً لهم.
مَطْلَبٌ: يَصِحُ تَعْلِيقُ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ
قوله: (يصح تعليق التقرير في الوظائف) هذا ذكره في أنفع الوسائل تفقهاً أخذاً
من جواز تعليق القضاء والإمارة بجامع الولاية، فلو مات المعلق بطل التقرير، وهو نفقة
حسن. أشباه .
قلت: ودليله من السنة ما في صحيح البخاري من ((أنه و ﴿ أمر في غزوة موتة(١)
زيد بن حارثة، وقال : ((إن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر
فعبد الله بن رواحة)) الحديث. ثم رأيت الإمام السرخسي في شرح السير الكبير ذكر
الحديث دليلاً على ذلك وقال فيه أيضاً ما حاصله: لو جاء مع المدد أمير وعزل الأمير
الأول بطل تنفيله فيما يستقبل لزوال ولايته بالعزل، لا لو مات أميرهم فأمروا عليهم
غيره، لأن الثاني قائم مقامه، إلا إذا أبطله الثاني؛ أو كان الخليفة قال لهم: إن مات
أميركم فأميركم فلان، فإنه يبطل تنفيل الأول، لأن الثاني نائب الخليفة بتقليده من
جهته، فكأنه قلده ابتداء فينقطع رأي الأول برأي فوقه اهـ ملخصاً.
وحاصله: بطلان تنفيل الأمير بعزله، وكذا بموته إذا نصب غيره من جهة الخليفة
لا من جهة العسكر إلا إذا أبطله الثاني، ولا يخفى أن التنفيل بقوله من قتل قتيلاً فله
سلبه، فيه تعليق استحقاق النفل بالقتل، ففيه دليل على قوله: فلو مات المعلق بطل
التقرير، ويدل أيضاً على بطلانه بالعزل. بقي هل له الرجوع قبل الموت أو الشغور؟
فالذي حرره في أنفع الوسائل أنه لا يصح عزله، لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجود
الشرط، والتعليق ليس بسبب للحال عندنا. وفرق بين هذه المسألة وبين ما لو وكله
وكالة مرسلة ثم قال له: كلما عزلتك فأنت وكيل في ذلك وكالة مستقبلة، ثم قال:
عزلتك في تلك الوكالة كلها، فروي عن محمد أنه ينعزل عن المعلقة، وعن أبي
يوسف: لا ينعزل. ووجه الفرق أن التعليق عند محمد حصل في ضمن الوكالة المنجزة،
(١) في ط (قوله موتة) بضم الميم وتسهيل الواو وفتح المثناة الفوقية: اسم الأرض بجهة الشام.

٦٥٦
كتاب الوقف
القاضي: إن مات فلان أو شغرت وظيفة كذا فقد قررتك فيها صح. ليس للقاضي
عزل الناظر بمجرد شكاية المستحقين حتى يثبتوا عليه خيانة. وكذا الوصي
والناظر إذا آجر إنساناً فهرب ومال الوقف عليه لم يضمن، ولو فرط في خشب
الوقف حتی ضاع ضمن.
فصار المجموع سبباً، وقد يثبت ضمناً ما لا يثبت قصداً، فلا يمكن أن يقول هنا بصحة
العزل لأنه قصدي، فيبقى جواب محمد وجواب أبي يوسف هنا واحداً في أنه لا يصح
العزل. هذا خلاصة ما أطال به.
قلت: لكن علمت أن للأمير الثاني إبطال التنفيل، والظاهر أن الأول كذلك فكذا
يقال هنا لو رجع عن التعليق يصح لأنه قبل موت فلان ليس عزلًا بلا جنحة لأنه لا
يتقرر في الوظيفة إلا بعد موت فلان، وقبله لم يثبت له استحقاق فيها إذ لو ثبت لم
يبطل التقرير بموت المعلق فافهم. قوله: (أو شغرت) بفتح الشين والغين المعجمتين أي
خلت عن العمل والبلد الشاغر الخانية عن النصر والسلطان ط .
مَطْلَبُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُ النَّاظِرِ
قوله: (ليس للقاضي عزل الناظر) قيد بالقاضي لأن الواقف له عزله ولو بلا
جنحة، به يفتى كما قدمناه عند قوله: ((وينزع لو غير مأمون)) وقدمنا هناك عن الأشباه
أنه لا يجوز للقاضي عزل الناظر المشروط له النظر بلا خيانة، ولو عزله لا يصير الثاني
متولياً، ويصح عزله لو منصوب القاضي. وأنه في جامع الفصولين قال: لا يملك
القاضي عزله مطلقاً إلا لموجب، وتقدم تمامه. وأنه في البحر أخذ منه عدم العزل
لصاحب وظيفة إلا بجنحة أو عدم أهلية، وقدمنا هناك أيضاً بعض موجبات العزل،
وأحكام الفراغ والتقرير في الوظائف.
مَطْلَبُ: لِلْقَاضِي أَنْ يُدْخِلَ مَعَ النَّاظِرَ غَيَرَهُ بِمُجَرَّدِ الشِّكَايَةِ
قوله: (حتى يثبتوا عليه خيانة) نعم له أن يدخل معه غيره بمجرد الشكاية والطعن
كما حرره في أنفع الوسائل أخذاً من قول الخصاف: إن طعن عليه في الأمانة لا ينبغي
إخراجه إلا بخيانة ظاهرة، وأما إذا أدخل معه رجلاً فأجره باق، وإن رأى الحاكم أن
يجعل ذلك الرجل منه شيئاً فلا بأس، وإن كان المال قليلاً فلا بأس أن يجعل للرجل رزقاً
من غلة الوقف ويقتصد فيه اهـ ملخصاً. وسيأتي حكم تصرفه عند قوله: ((ولو ضم
القاضي للقيم ثقة الخ)). قوله: (وكذا الوصيّ) أي وصي الميت ليس للقاضي عزله
بمجرد الشكاية، بخلاف الوصي من جهة القاضي كما سيأتي في بابه آخر الكتاب.
قوله: (إذا آجر إنساناً) أي وامتنع عن مطالبته. بزازية. قوله: (ولو فرط في خشب
الوقف الخ) وعلى هذا إذا قصر المتولي في عين ضمنها إلا فيما كان في الذمة كما في
.

٦٥٧
كتاب الوقف
لا تجوز الاستدانة على الوقف إلا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف كتعمير
وشراء بذر، فيجوز بشرطين: الأول إذن القاضي، فلو ببعد منه يستدين بنفسه.
الثاني: أن لا تتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها، والاستدانة القرض والشراء
نسيئة .
البحر، فلو ترك بساط المسجد بلا نفض حتى أكلته الأرضة ضمن إن كان له أجرة،
وكذا خازن الكتب الموقوفة كما في الصيرفية. ط عن الحموي والبيري.
مَطْلَبٌ فِي الاسْتِدَانَةِ عَلَى الوَقْفِ
قوله: (لا تجوز الاستدانة على الوقف) أي إن لم تكن بأمر الواقف، وهذا
بخلاف الوصي فإن له أن يشتري لليتيم شيئاً بنسيئة بلا ضرورة، لأن الدين لا يثبت
ابتداء إلا في الذمة، واليتيم له ذمة صحيحة، وهو معلوم فتتصور مطالبته، أما الوقف
فلا ذمة له. والفقراء وإن كانت لهم ذمة لكن لكثرتهم لا تتصور مطالبتهم، فلا يثبت
إلا على القيم، وما وجب عليه لا يملك قضاء من غلة للفقراء، ذكره هلال. وهذا
هو القياس، لكنه ترك عند الضرورة كما ذكره أبو الليث(١) وهو المختار: أنه إذا لم
يكن من الاستدانة بدّ تجوز بأمر القاضي إن لم يكن بعيداً عنه، لأن ولايته أعم في
مصالح المسلمين. وقيل تجوز مطلقاً للعمارة. والمعتمد في المذهب الأول. أما ما
له منه بد كالصرف على المستحقين فلا كما في القنية، إلا الإمام والخطيب والمؤذن
فيما يظهر لقوله في جامع الفصولين: لضرورة مصالح المسجد اهـ. وإلا للحصر
والزيت بناء على القول بأنهما من المصالح وهو الراجح. هذا خلاصة ما أطال به في
البحر. قوله: (الأول أذن القاضي) فلو ادعى الإذن، فالظاهر أنه لا يقبل إلا ببينة وإن
كان المتولي مقبول القول، لما أنه يريد الرجوع في الغلة وهو إنما يقبل قوله فيما في
يده؛ وعلى هذا فإذا كان الواقع أنه لم يستأذن يحرم عليه الأخذ من الغلة لأنه بلا إذن
متبرع. بحر. قوله: (الثاني أن لا تتيسر إجارة العين الخ) أطلق الإجارة، فشمل
الطويلة منها، ولو بعقود فلو وجد ذلك لا يستدين. أفاده البيري. وما سلف من أن
المفتى به بطلان الإجارة الطويلة فذاك عند عدم الضرورة، كما حررناه سابقاً، فافهم.
قوله: (والاستدانة القرض والشراء نسيئة) صوابه الاستقراض اهـح. وتفسير الاستدانة
كما في الخانية أن لا يكون للواقف غلة فيحتاج إلى القرض والاستدانة، أما إذا كان
للواقف غلة فأنفق من مال نفسه لإصلاح الوقف كان له أن يرجع بذلك في غلة
(١) في ط (قوله كما ذكره أبو الليث الخ) الذي ذكره أبو الليث هو أنه إذا لم يكن من الاستدانة بدّ تجوز بأمر
القاضي فعليّ فحق التركيب هكذا. والمختار كما ذكره أبو الليث أنه إذا الخ وعبارة البحر قال الصدر
الشهيد: والمختار ما ذكره أبو الليث إذا لم يكن الخ.

٦٥٨
كتاب الوقف
الوقف اهـ. ومفاده أن المراد بالقرض الإقراض من ماله لا الاستقراض من مال غيره
لدخوله في الاستدانة.
مَطْلَبٌ فِي إِنْقَاقِ النَّاظِرِ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ
وفي فتاوى الحانوتي الذي وقفت عليه في كلام أصحابنا: أن الناظر إذا أنفق من
مال نفسه على عمارة الوقف، ليرجع في غلته له الرجوع ديانة، لكن لو ادعى ذلك لا
يقبل منه، بل لا بد أن يشهد أنه أنفق ليرجع كما في الرابع والثلاثين من جامع
الفصولين، وهذا يقتضي أن ذلك ليس من الاستدانة على الوقف، وإلا لما جاز إلا بإذن
القاضي ولم یکف الإشهاد اهـ.
قلت: لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا كان للوقف غلة، وإلا فلا بد من إذن
القاضي، كما أفاده ما ذكرناه عن الخانية؛ ومثله قوله في الخانية أيضاً: لا يملك
الاستدانة إلا بأمر القاضي، وتفسير الاستدانة أن يشتري للوقف شيئاً وليس في يده شيء
من الغلة، أما لو كان في يده شيء، فاشترى للوقف من مال نفسه ينبغي أن يرجع، ولو
بلا أمر قاض اهـ. وما ذكرناه في إنفاقه بنفسه يأتي مثله في إذنه للمستأجر أو غيره
بالإنفاق فليس من الاستدانة.
مَطْلَبٌ فِي إِذْنِ النَّاظِرِ لِلْمُسْتَأَجِرِ بِالْعِمَارَةِ
وفي الخيرية: سئل في علية جارية في وقف تهدمت، فأذن الناظر لرجل بأن
يعمرها من ماله، فما الحكم فيما صرفه من ماله بإذنه؟ أجاب: اعلم أن عمارة الوقف
بإذن متوليه: ليرجع بما أنفق يوجب الرجوع باتفاق أصحابنا وإذا لم يشترط الرجوع.
ذكر في جامع الفصولين في عمارة الناظر بنفسه قولين، وعمارة مأذونه كعمارته فيقع
فيها الخلاف، وقد جزم في القنية والحاوي بالرجوع وإن لم يشترطه إذا كان يرجع
معظم العمارة إلى الوقف اهـ.
قلت: وفي الفصل الثاني من إجارات التاترخانية عن الحاوي: سئل عمن آجر
منزلاً لرجل وقفه والده عليه وعلى أولاده، وأنفق المستأجر في عمارته بأمر المؤجر.
قال: إن كان للمؤجر ولاية على الوقف يرجع بما أنفق على الوقف، وإلا كان
المستأجر متطوعاً ولا يرجع على المؤجر اهـ. وظاهره مع ما مر عن الخيرية أنه يرجع،
وإن لم يكن في يد القيم مال من غلة الوقف، وهو خلاف ما قدمناه عن الخانية فيما لو
أنفق من مال نفسه، فلعل ما هنا مبني على رواية أنه لا يشترط في الاستدانة إذن
القاضي، وإلا فهو مشكل، فليتأمل. وإذا قلنا ببنائه على ذلك فعلى هذا ما يفعل في

٦٥٩
كتاب الوقف
وهل للمتولي شراء متاع فوق قيمته ثم بيعه للعمارة ويكون الربح على
الوقف؟ الجواب: نعم.
أقرّ بأرض في يد غيره أنها وقف وكذبه ثم ملكها صارت وقفاً.
يعمل بالمصادفة على الاستحقاق
زماننا في إثبات المرصد من تحكيم قاض حنبلي يرى الصحة إذن الناظر للمستأجر
بالعمارة الضرورية بلا أمر قاض غير لازم. قوله: (فوق قيمته) أي شراء بثمن مؤجل
فوق ما يباع بثمن حال، لأن قيمة المؤجل فوق قيمة الحال. قوله: (ويكون الربح) أي
ما ربحه بائع المتاع بسبب التأجيل.
مَطْلَبٌ: لَوْ اشْتَرَى الْقَيْمِ الْعَشْرَةِ بِثَلَاثَةِ عَشَرَ فَلِرِبِّحِ عَلَيْهِ
قوله: (الجواب نعم) كذا حرره ابن وهبان. أشباه. لكن في القنية لو لم يكن فيه
غلة للعمارة في الحال فاستقرض العشرة بثلاثة عشر في السنة واشترى من المقرض شيئاً
يسيراً ثلاثة دنانير يرجع في غلته العشرة وعليه الزيادة اهـ. قال في البحر وبه اندفع ما
ذكره ابن وهبان من أنه لا جواب للمشايخ فيها اهـ. ومثله في شرح المقدسي، وكذا
نقل البيري عن التاترخانية مثل ما في القنية وقال: وهذا الذي نفتي به، ومنشأ ما حرره
ابن وهبان عدم الوقوف على تحرير الحكم ممن تقدمه، والعجب من المصنف: أي
صاحب الأشباه كيف اختاره ورضي به(١) اهـ. قوله: (وكذبه) أي الغير. قوله: (ثم
ملكها) أي المقرّ ولو بسبب جبري. أشباه. قوله: (صارت وقفاً) مؤاخذة له بزعمه
أشباه.
مَطْلَبٌ فِي الْمُصَادَقَةِ عَلَى الاسْتِخْقَاقِ
قوله: (يعمل بالمصادقة على الاستحقاق الخ) أقول: اغتر كثير بهذا الإطلاق،
وأفتوا بسقوط الحق بمجرد الإقرار، والحق الصواب أن السقوط مقيد بقيود يعرفها
الفقيه. قال العلامة الكبير الخصاف: أقر فقال: غلة هذه الصدقة لفلان دوني ودون
الناس جميعاً بأمر حق واجب ثابت لازم عرفته، ولزمني الإقرار له بذلك، قال: أصدقه
على نفسه، وألزم ما أقرّ به ما دام حياً، فإذا مات رددت الغلة إلى من جعلها الواقف
له، لأنه لما قال ذلك جعلته كأن الواقف هو الذي جعل ذلك للمقر له. وعلله أيضاً
(١) في ط (قوله كيف اختاره ورضي به) اعلم أنه أن تصرف الناظر في الوقت مشروط بالمصلحة، حتى لو
اشترى ما يساوي عشرة بخمسة عشر لا ينفذ هذا التصرف على الوقف، وحينئذ يكون ما ذكره ابن وهبان
غير معارض بنقول المحشي لحصول الغبن الفاحش في شراء الشيء اليسير بالثلاثة دنانير فينفذ الشراء على
المتولي، وأما العشرة فقد تم القرض فيها على الوقف بعقد على حدة، بخلاف ما ذكره ابن وهبان فإنه إنما
اشتراه بقيمته فقط، وإن زادت على قيمته في الحال.

٦٦٠
كتاب الوقف
وإن خالفت كتاب الوقف لكن في حق المقرّ خاصة فلو أقرّ المشروط له الريع
بقوله: لجواز أن الواقف قال إن له أن يزيد وينقص، وأن يخرج وأن يدخل مكانه من
رأی فیصدق زيد على حقه اهـ.
أقول: يؤخذ من هذا أنه لو علم القاضي أن المقرّ إنما أقرّ بذلك لأخذ شيء من
المال من المقر له عوضاً عن ذلك لكي يستبد بالوقف أن ذلك الإقرار غير مقبول، لأنه
إقرار خال عما يوجب تصحيحه مما قاله الإمام الخصاف وهو الإقرار الواقع في زماننا،
فتأمله، ولا قوة إلا بالله. بيري: أي لو علم أنه جعله لغيره ابتداء لا يصح كما أفاده
الشارح بعد. قوله: (وإن خالفت كتاب الوقف) حملاً على أن الواقف رجع عما شرطه،
وشرط ما أقر به المقر ذكره الخصاف في باب مستقل. أشباه.
أقول: لم أر شيئاً منه في ذلك الباب، وإنما الذي فيه ما نقله البيري آنفاً، وليس
فيه التعليل بأنه رجع عما شرطه ولذا قال الحموي: إنه مشكل، لأن الوقف إذا لزم لزم
ما في ضمنه من الشروط، إلا أن يخرج على قول الإمام بعدم لزومه قبل الحكم ويحمل
كلامه على وقف لم يسجل اهـ ملخصاً.
قلت: ويؤيده ما مر عن الدرر قبيل قول المصنف: ((اتحد الواقف والجهة)) وهذا
التأويل يحتاج إليه بعد ثبوت النقل عن الخصاف، والله تعالى أعلم. قوله: (لكن في
حق المقر خاصة) فإذا كان الوقف على زيد وأولاده ونسله، ثم على الفقراء فأقرّ زيد
بأن الوقف عليهم وعلى هذا الرجل لا يصدق على ولده ونسله في إدخال النقص
عليهم، بل تقسم الغلة على زيد وعلى من كان موجوداً من ولده ونسله، فما أصاب
زيداً منها كان بينه وبين المقر له ما دام زيد حياً، فإذا مات بطل إقراره ولم يكن للمقر
له حق، وإن كان الوقف على زيد ثم من بعده على الفقراء فأقر زيد بهذا الإقرار لهذا
الرجل شاركه الرجل في الغلة ما دام حياً، فإذا مات زيد كانت للفقراء ولم يصدقه زيد
عليهم وإن مات الرجل المقرّ له وزيد حيّ فنصف الغلة للفقراء والنصف لزيد، فإذا مات
زيد صارت الغلة كلها للفقراء اهـ. خصاف ملخصاً.
قلت: وإنما عاد نصف الغلة للفقراء إذا مات المقر له مع أن استحقاق الفقراء بعد
موت زيد في هذه الصورة الأخيرة، لأن إقراره المذكور يتضمن الإقرار بأنه لا حق له
في النصف الذي أقرّ به للرجل، فلا يرجع إليه بعد موت الرجل، فيرجع إلى الفقراء
لعدم من يستحقه غيرهم، هذا ما ظهر لي. ويؤخذ منه أنه لو كان الوقف على زيد
وأولاده وذريته ثم على الفقراء كما في الصورة الأولى فمات الرجل المقر له، يرجع ما
كان يأخذه إلى الفقراء لا إلى زيد لإقراره بأنه لا حق له فيه ولا إلى أولاده، لأنه لم يقر
لهم به ولم ينقص عليهم شيئاً من حقهم؛ وكذا لو كان الوقف على زيد ثم من بعده
: