Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ كتاب الوقف بل يتهايؤون (إلا عندهما) وهذا معنى قول المصنف: ((إلا عندهما)) إذا كانت بين الواقف والمالك لا الموقوف عليهم. مَطْلَبٌ فِي التَّهَايُؤْ فِي أَرْضِ الوَقْفِ بَيْنْ الْمُسْتَحِقِين قوله: (بل يتهايؤون) قال في فتاوى ابن الشلبي: القسمة بطريق التهايؤ، وهو التناوب في العين الموقوفة كما إذا كان الموقوف أرضاً مثلاً بين جماعة، فتراضوا على أن كل واحد منهم يأخذ له من الأرض الموقوفة قطعة معينة يزرعها لنفسه هذه السنة، ثم في السنة الأخرى يأخذ كلّ منهم قطعة غيرها، فذلك سائغ، ولكنه ليس بلازم، فلهم إبطاله، وليس ذلك في الحقيقة بقسمة، إذ القسمة الحقيقية أن يختص ببعض من العين الموقوفة على الداوم اهـ. ونحوه في البحر عن الإسعاف، ومقتضاه: أنه ليس لهم استدامة هذه القسمة بل يجب عليهم نقضها، واستبدال الأماكن بعضها ببعض، إذ لو استديمت صارت من القسمة الممنوعة بالإجماع، لتأديها في طول الزمان إلى دعوى الملكية، أو دعوى كلّ منهم أو بعضهم أن ما في يده موقوف عليه بعينه، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر؛ ثم لا يخفى أن ما قيل من أن المهايأة في الوقف لا يمكن إبطالها، لأنه لا يكون إلا بطلب القسمة، والقسمة في الوقف متعذرة، فهو ممنوع، بل يمكن نقضها وإبطالها بإعادته كما كان، أو باستبدال الأماكن كما قلنا، ولو ثبت عدم إمكان إبطالها لبطل ما نقلوه من الإجماع، على أن الوقف لا يقسم: أي قسمة مستدامة، فقد ظهر لك أن هذا كلام ناشىء عن عدم التدبر، لمخالفته للإجماع، فتدبر. مَطْلَبٌ فِيمَا إِذَا ضَاقَتِ الذَّارُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّين بقي ما لو كان الموقوف دار شرط الواقف سكناها لأولاده ونسائه: قال في الإسعاف: تكون سكناها لهم ما بقي منهم أحد، فلو لم يبق إلا واحد وأراد أن يؤجرها أو ما فضل عنه منها ليس له ذلك، وإنما له السكنى فقط؛ ولو كثرت أولاد الواقف، وضاقت الدار عليهم ليس لهم أن يؤجروها، وإنما تسقط سكناها على عددهم، ومن مات منهم بطل ما كان له من سكناها، ويكون لمن بقي منهم؛ ولو كانوا ذكوراً وإناثاً وأراد كل من الرجال والنساء أن يسكنوا معهم نساءهم وأزواجهن معهن جاز لهم ذلك إن كانت الدار ذات مقاصير وحجر يغلق على كل واحدة باب، وإن كانت داراً واحدة لا يمكن أن تسقط بينهم لا يسكنها إلا من جعل لهم الواقف السكنى دون غيرهم من نساء الرجال ورجال النساء اهـ: أي لأن الواقف قصد صيانتهم، وسترهم، فلو سكن زوج امرأة معها، ولها في هذه الدار أخوات مثلاً كان فيه بذلة لهن بدخول الرجل عليهن، كما في الخصاف، بخلاف ما إذا كان لكلّ منهم حجرة لها باب يغلق، فإن لكل أن ٥٤٢ كتاب الوقف فيقسم المشاع، وبه أفتى قارىء الهداية وغيره (إذا كانت) القسمة (بين الواقف و) يسكن بأهله وحشمه وجميع من معه كما في الخصاف أيضاً. وقدمنا في السرقة: أن المقصورة الحجرة بلسان أهل الكوفة، وإنه ذكر محمد فيما لو أخرج السارق السرقة إلى صحن الدار أنه إن كان فيها مقاصير، فأخرجها من مقصورة إلى صحن الدار قطع. قال في الفتح هناك: أي إذا كانت الدار عظيمة فيها بيوت كل بيت يسكنه أهل بيت على حدتهم، ويستغنون به استغناء أهل المنازل بمنازلهم عن صحن الدار وإنما ينتفعون به انتفاعهم بالسكنة اهـ. وهل المراد هنا بالحجرة كذلك؟ الظاهر نعم، كما يفيده قول الخصاف لكلّ أن يسكن في حجرة بأهله وحشمه وجميع من معه. ثم قد صرح الخصاف بأنه إذا لم يكن فيها حجر، لا تقسم، ولا يقع فيها مهايأة بينهم، وظاهره أنه لو كان فيها حجر لا تكفيهم، فهي كذلك: أي يسكنها المستحقون فقط، دون نساء الرجال ورجال النساء ولذا قال في الفتح بعد نقله كلام الخصاف: وعن هذا تعرف أنه لو سكن بعضهم، فلم يجد الآخر موضعاً يكفيه لا يستوجب أجرة حصته على الساكنين، بل إن أحبّ أن يسكن معه في بقعة من تلك الدار، بلا زوجة أو زوج وإلا ترك المتضيق وخرج، أو جلسوا معاً في كل بقعة إلى جنب الآخر، ثم ذكر أن الخصاف لم يخالفه أحد فيما ذكر، كيف وقد نقلوا إجماعهم على الأصل المذكور: أي على قولهم: لو كان الكل وقفاً على أربابه وأرادوا القسمة لا يجوز التهايؤ اهـ. لكن هذا يشكل على قول الشارح: ((بل يتهايؤون)). والتوفيق كما أفاده الخير الرملي بحمل ما في الخصاف وغيره من عدم جواز القسمة، والتهايؤ على قسمة التملك جبراً، وما في الشرح تبعاً للإسعاف وغيره على قسمة التراضي بلا لزوم، ولذا قالوا: ولمن أبى منهم بعد ذلك إبطاله . مَطْلَبٌ فِي قِسْمَةِ الوَاقِفٍ مَعَ شَرِيْكِهِ قوله: (فيقسم المشاع) فإذا تقاسم الواقف مع شريكه، فوقع نصيب الواقف في موضع لا يلزمه أن يقفه ثانياً، لأن القسمة تعيين الموقوف، وإذا أراد الاجتناب عن الخلاف يقف المقسوم ثانياً. بحر عن الخلاصة: أي إذا لم يكن محكوماً بصحته، إذ بعد الحکم لم يبق خلاف. مَطْلَبْ: قَاسَمَ وَجَمَعَ حِصَّةَ الوَقْفِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ جَازَ وفي البحر عن الظهيرية: ولو كانت له أرضون ودور بينه وبين آخر فوقف نصيبه، ثم أراد أن يقاسم شريكه ويجمع الوقف كله في أرض واحدة ودار واحدة، فإنه جائز في قول أبي يوسف وهلال اهـ. ٥٤٣ كتاب الوقف شريكه (المالك) أو الواقف الآخر أو ناظره إن اختلفت جهة وقفهما. قارىء الهداية. ولو وقف نصف عقار كله اله نفالقاضي يقسمه مع الواقف. صدر الشريعة وابن الكمال. وبعد موته لورثته ذلك فيفرز القاضي الوقف من الملك، ولهم بيعه، به أفتى قارىء الهداية، واعتمده في المنظومة المحبية (لا الموقوف عليهم) فلا يقسم الوقف بين مستحقيه إجماعاً. درر وكافي وخلاصة وغيرها. لأن حقهم ليس في العين، وبه جزم ابن نجيم في فتاواه، وفي فتاوى قارىء الهداية: هذا هو المذهب، وبعضهم جوز ذلك. ولو سكن بعضهم ولم يجد الآخر موضعاً مَطْلَبُ: لَوْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ فَضْلُ دَرَاهم مِنَ الوَقْفِ صَحَّ لَا مِنَ الشَّرِيْكِ وفي الفتح: ولو كان في القسمة فضل دراهم بأن كان أحد النصفين أجود، فجعل بإزاء الجودة دراهم، فإن كان الآخذ للدراهم هو الواقف بأن كان غير الموقوف هو الأحسن لا يجوز، لأنه يصير بائعاً بعض الوقف، وإن كان الآخذ شريكه بأن كان نصيب الوقف أحسن جاز، لأن الواقف مشتر لا بائع، فكأنه اشترى بعض نصيب شريكه فوقفه اهـ. لكن في الإسعاف، وما اشتراه ملك له ولا يصير وقفاً، ومثله في الخانية، وكذا في البحر عن الظهيرية. تأمل. مَطْلَبُ: إِذَا وُقِفَ كُلُّ نِصْفٍ عَلَى حِدَةٍ صَارَا وَقْفَين قوله: (إن اختلفت جهة وقفهما) أي بأن كان كل وقف منهما على جهة غير الجهة الأخرى، لكن هذا التقييد مخالف لما في الإسعاف، حيث قال: ولو وقف نصف أرضه على جهة معينة، جعل الولاية عليه لزيد في حياته وبعد مماته، ثم وقف النصف الآخر على تلك الجهة أو غيرها وجعل الولاية عليه لعمره في حياته، وبعد وفاته يجوز لهما أن يقتسما ويأخذ كلّ واحد منهما النصف فيكون في يده، لأنه لما وقف كل نصف على حدة صارا وقفين وإن اتحدت الجهة كما لو كانت لشريكين فوقفاها كذلك اهـ. قوله: (فالقاضي يقسمه مع الواقف) أي بأن يأمر رجلاً بأن يقاسمه وله طريق آخر كما في الفتح، وهو أن يبيع نصيبه الثاني من رجل، ثم يقاسم المشتري، ثم يشتري ذلك منه إن أحب، وهذا لأن الواحد لا يصلح أن يكون مقاسماً ومقاسماً اهـ. قوله: (به أفتى قارئ الهداية) حيث قال: نعم تجوز القسمة ويفرز الوقف من الملك، ويحكم بصحتها، ويجوز للورثة بيع ما صار إليهم بالقسمة، وإذا قسم بينهم من هو عالم بالقسمة إن شاء عين جهة الوقف وجهة الملك بقوله: والأولى أن يقرع بين الجزءين نفياً للتهمة عن نفسه اهـ. قوله: (فلا يقسم الوقف بين مستحقيه إجماعاً) وكذا لا يجوز التهايؤ فيه جبراً كما حررناه آنفاً. قوله: (وبعضهم جوز ذلك) هذا ضعيف ٥٤٤ كتاب الوقف يكفيه فليس له أجرة، ولا له أن يقول أنا أستعمل بقدر ما استعملته، لأن المهايأة إنما تكون بعد الخصومة. قنية. نعم لو استعمله كله أحدهم بالغلبة بلا إذن الآخر، لزمه أجر حصة شريكه، ولو وقفا على سكناهما، بخلاف الملك المشترك ولو معداً للإجارة. قنية. قلت: ولو بعضه ملك وبعضه وقف، ويأتي في الغصب (ويزول ملكه عن المسجد والمصلى) لمخالفته الإجماع. قوله: (لأن المهايأة إنما تكون بعد الخصومة) مفهومه ثبوت المهاياة له بعد الخصومة في المستقبل، وقد علمت أنه لا مهايأة في الوقف. نعم هذا في الملك كما مر قبيل الوقف نظماً. قوله: (لزمه أجر حصة شريكه) لأنه لما استعمله. بالغلبة صار غاصباً ومنافع الوقف مضمونة على المفتى به، بخلاف المسألة التي قبل هذه، لأن الساكن فيها غير غاصب، كما أفاده في النهر والخير الرملي خلافاً لما توهمه في البحر. قوله: (ولو وقفا على سكناهما) أي وإن كان من له السكنى ليس له الإيجار كما قدمناه عن الإسعاف لأن هذا تضمين لا إيجار قصدي. قوله: (بخلاف الملك المشترك) أي بين بالغين، فلو أحدهما يتيماً وسكنه الآخر لزمه أجر حصة اليتيم. قوله: (ولو معداً للإجارة) لأنه سكنه بتأويل ملك كما يأتي في الغصب اهـح. قوله: (ولو بعضه ملك وبعضه وقف) جملة المبتدأ والخبر، وما عطف عليها خبر كان المقدرة بعد ((لو)) واسمها مستتر فيها عائد على المكان المستعمل المحدث عنه، والولوع بالاعتراض يمنع الاهتداء إلى طريق الصواب، فافهم. قوله: (ويأتي في الغصب) في بعض النسخ بدون واو على أنه جواب ((لو)) الأخيرة، لكن نسخ إثباتها أحسن، لأن غالب ما ذكر هنا من مسائل الغصب يأتي في بابه، وإن كانت الأخيرة لم تذكر فيه نصّاً لكنها معلومة، لأنهم نصوا هناك على تضمين منافع الوقف ولم يقيدوه بما إذا لم يكن بعضه ملكاً على أنه في الغصب. قال: أما في الوقف إذا سكنه أحدهما بالغلبة بلا إذن لزم الآخراهـ. فقوله: إذا سكنه أحدهما أي أحد الشريكين، يشمل الشريك في الملك أو في الوقف، واحترز بالغلبة عمّا إذا لم يجد شريك الوقف موضعاً يسكن فيه فخرج باختياره كما مر، وأما إذا كانت الدار كلها وقفاً، فإن الساكن يلزمه أجرها، ولو كانت تأويل ملك كما إذا اشتراها ثم ظهر أنها وقف كما قدمنا. قوله: (ويزول ملكه عن المسجد الخ) اعلم أن المسجد يخالف سائر الأوقاف في عدم اشتراط التسليم إلى المتولي عند محمد وفي منع الشيوع عند أبي يوسف، وفي خروجه عن ملك الواقف عند الإمام وإن لم يحكم به حاكم، كما في الدرر وغيره. قوله: (والمصلى) شمل مصلى الجنازة ومصلي العيد. قال بعضهم: يكون مسجداً حتى إذا مات لا يورث عنه. ٥٤٥ كتاب الوقف بالفعل و (بقوله جعلته مسجداً) عند الثاني (وشرط محمد) والإمام الصلاة فيه) وقال بعضهم: هذا في مصلى الجنازة. أما مصلى العيد لا يكون مسجداً مطلقاً، وإنما يعطي له حكم المسجد في صحة الاقتداء بالإمام، وإن كان منفصلاً عن الصفوف، وفيما سوى ذلك فليس له حكم المسجد. وقال بعضهم: يكون مسجداً حال أداء الصلاة لا غير وهو والجبانة سواء، ويجنب هذا المكان عما يجنب عنه المساجد احتياطاً أهـ. خانية وإسعاف. والظاهر ترجيح الأول، لأنه في الخانية يقدم الأشهر. قوله: (بالفعل) أي بالصلاة فيه ففي شرح الملتقى أنه يصير مسجداً بلا خلاف، ثم قال عند قول الملتقى، وعند أبي يوسف: يزول بمجرد القول، ولم يرد أنه لا يزول بدونه لما عرفت أنه يزول بالفعل أيضاً بلا خلاف اهـ. مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ المَسْجِدِ قلت: وفي الذخيرة وبالصلاة بجماعة يقَع التسليم بلا خلاف، حتى أنه إذا بنى مسجداً وأذن للناس بالصلاة فيه جماعة فإنه يصير مسجداً اهـ. ويصح أن يراد بالفعل الإفراز، ويكون بياناً للشرط المتفق عليه عند الكل كما قدمناه من أن المسجد لو كان مشاعاً لا يصح إجماعاً، وعليه فقوله عند الثاني مرتبط بقول المتن بقوله: ((جعلته مسجداً، وليست الواو فيه بمعنى ((أو)) فافهم، لكن عنده لا بد من إفرازه بطريقة. ففي النهر عن القنية جعل وسط داره مسجداً وأذن للناس بالدخول والصلاة فيه إن شرط معه الطريق صار مسجداً في قولهم جميعاً، وإلا فلا عند أبي حنيفة، وقالا: يصير مسجداً ويصير الطريق من حته من غير شرط كما لو آجر أرضه ولم يشترط الطريق اهـ. وفي القهستاني: ولا بد من إفرازه: أي تمييزه عن ملكه من جميع الوجوه، فلو كان العلو مسجداً والسفل حوانيت أو بالعكس لا يزول ملكه لتعلق حق العبد به كما في الكافي. تنبيه: ذكر في البحر أن مفاد كلام الحاوي اشتراط كون أرض المسجد ملكاً للباني اهـ. لكن ذكر الطرسوسي جوازه على الأرض المستأجرة أخذاً من جواز وقف البناء، كما سنذكره هناك، وسئل في الخيرية عمن جعل بيت شعر مسجداً فأفتى بأنه لا يصح. قوله: (وشرط محمد والإمام الصلاة فيه) أي مع الإفراز كما علمته، واعلم أن الوقف إنما احتيج في لزومه إلى القضاء عند الإمام، لأن لفظه لا ينبئ عن الإخراج عن الملك، بل عن الإبقاء فيه، لتحصل الغلة على ملكه، فيتصدق بها بخلاف قوله: ((جعلته مسجداً) فإنه لا ينبىء عن ذلك ليحتاج إلى القضاء بزواله، فإذا أذن بالصلاة فيه، قضى العرف بزواله عن ملكه، ومقتضى هذا أنه لا يحتاج إلى قوله وقفت ونحوه وهو كذلك، وأنه لو قال وقفته مسجداً ولم يأذن بالصلاة فيه ولم يصلّ فيه أحد أنه لا يصير مسجداً بلا حكم، وهو بعيد، كذا في الفتح ملخصاً. ولقائل أن يقول: إذا قال سـ ٥٤٦ كتاب الوقف بجماعة وقيل: يكفي واحد وجعله في الخانية ظاهر الرواية. فرع: أراد أهل المحلة نقض المسجد وبناءه أحكم من الأول أن الباني من جعلته مسجداً فالعرف قاض وماض بزواله عن ملكه أيضاً غير متوقف على القضاء، وهذا هو الذي ينبغي أن لا يتردد فیه. نهر . قلت يلزم على هذا(١) أن يكتفي فيه بالقول عنده، وهو خلاف صريح كلامهم. تأمل. وفي الدر المنتقى وقدم في التنوير والدرر والوقاية وغيرها قول أبي يوسف وعلمت أرجحيته في الوقف والقضاء اهـ. قوله: (بجماعة) لأنه لا بد من التسليم عندهما خلافاً لأبي يوسف، وتسليم كل شيء بحسبه، ففي المقبرة بدفن واحد، وفي السقاية بشربه، وفي الخان بنزوله كما في الإسعاف، واشتراط الجماعة لأنها المقصودة من المسجد، ولذا شرط أن تكون جهراً بأذان وإقامة وإلا لم يصر مسجداً. قال الزيلعي: وهذه الرواية هي الصحيحة. وقال في الفتح: ولو اتحد الإمام والمؤذن وصلى فيه وحده صار مسجداً بالاتفاق، لأن الأداء على هذا الوجه كالجماعة. قال في النهر: وإذ قد عرفت أن الصلاة فيه أقيمت مقام التسليم، علمت أنه بالتسليم إلى المتولي يكون مسجداً دونها: أي دون الصلاة، وهذا هو الأصح كما في الزيلعي وغيره. وفي الفتح: وهو الأوجه لأن بالتسليم إليه يحصل تمام التسليم إليه تعالى، وكذا لو سلمه إلى القاضي أو نائبه كما في الإسعاف، وقيل لا، واختاره السرخسي اهـ. قوله: (وقيل يكفي واحد) لكن لو صلى الواقف وحده فالصحيح أنه لا يكفي، لأن الصلاة إنما تشترط لأجل القبض للعامة، وقبضه لنفسه لا يكفي، فكذا صلاته. فتح وإسعاف. قوله: (وجعله في الخانية ظاهر الرواية) وعليه المتون كالكنز والملتقى وغيرهما، وقد علمت تصحيح الأول، وصححه في الخانية أيضاً، وعليه اقتصر في كافي الحاكم فهو ظاهر الرواية أيضاً. قوله: (إن الباني الخ) المتبادر من العبارة (٢) أن المراد باني المسجد أو لا، لكن المناسب أن يراد مريد البناء الآن. وفي ط عن الهندية: مسجد مبني أراد رجل أن ينقضه ويبنيه: أحكم ليس له ذلك، لأنه لا ولاية له مضمرات، إلا أن يخاف أن ينهدم إن لم يهدم. تاترخانية، وتأويله: إن لم يكن الباني من أهل تلك المحلة وأما أهلها فلهم أن يهدموه ويجددوا بناءه ويفرشوا الحصير، ويعلقوا القناديل، لكن من مالهم (١) في ط (قوله قلت يلزم على هذا الخ) فيه أن الإذن بالصلاة قول أيضاً، على قوله جعلته مسجداً صرح في الإذن بالصلاة فيه، وفرق شيخنا بين القولين بأن الإذن بالصلاة يقتضي إلى العامة ويفيد جعله مسجداً أيضاً وشرط الإمام الفعل ليس إلا لما فيه من التسليم، وقد وجد في الإذن دون قوله ((جعلته مسجداً)). (٢) في ط (قوله المتبادر من العبارة الخ) وجه التبادر أن موضوع المسألة في أن مريد الهدم والبناء هم أهل المحلة، وحيث كان الموضوع ذلك لا يصح التفصيل بقوله: فإن كان الباقي من أهل تلك المحلة الخ؟ فعلى كل حال لا تخلو العبارة عن محذور. ٥٤٧ كتاب الوقف أهل المحلة لهم ذلك وإلا لا. بزازية. (وإذا جعل تحته سرداباً لمصالحه) أي المسجد (جاز) كمسجد القدس (ولو جعل لغيرها أو) جعل (فوقه بيتاً وجعل باب المسجد إلى طريق وعزله عن ملكه لا) يكون مسجداً (وله بيعه يورث عنه) خلافاً لهما (كما لو جعل وسط داره مسجداً وأذن للصلاة فيه) حيث لا يكون مسجداً إلا إذا شرط الطريق. زيلعي. لا من مال المسجد إلا بأمر القاضي. خلاصة. ويضعوا حيضان الماء للشرب والوضوء إن لم يعرف للمسجد بان، فإن عرف فالباني أولى، وليس لورثته منعهم من نقضه والزيادة فيه، ولأهل المحلة تحويل باب المسجد. خانية. وفي جامع الفتاوى: لهم تحويل المسجد إلى مكان آخر إن تركوه بحيث لا يصلي فيه، ولهم بيع مسجد عتيق لم یعرف بانیه وصرف ثمنه في مسجد آخر اهـ. سائحاني اهـ. قلت: وفي الهندية آخر الباب الأول من إحياء الموات نقلاً عن الكبرى: أراد أن يحفر بئراً في مسجد من المساجد إذا لم يكن في ذلك ضرر بوجه من الوجوه وفيه نفع من كل وجه، فله ذلك، كذا قال هنا. وذكر في باب المسجد قبل كتاب الصلاة: لا يحفر، ويضمن، والفتوى على المذكور هنا اهـ. وقد ذكر في البحر جملة وافية من أحكام المسجد، فراجعه. قوله: (وإذا جعل تحته سرداباً) جمعه سراديب: بيت يتخذ تحت الأرض لغرض تبريد الماء وغيره، كذا في الفتح، وشرط في المصباح أن يكون ضيقاً. نهر. قوله: (أو جعل فوقه بيتاً الخ) ظاهره أنه لا فرق بين أن يكون البيت للمسجد أو لا، إلا أنه يؤخذ من التعليل أن محل عدم كونه مسجداً فيما إذا لم يكن وقفاً على مصالح المسجد، وبه صرح في الإسعاف فقال: وإذا كان السرداب أو العلو لمصالح المسجد أو كانا وقفاً عليه صار مسجداً اهـ. شرنبلالية. قال في البحر: وحاصله أن شرط كونه مسجداً أن يكون سفله وعلوه مسجداً لينقطع حق العبد عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن ١٨] بخلاف ما إذا كان(١) السرداب والعلو موقوفاً لمصالح المسجد، فهو كسرداب بيت المقدس، هذا هو ظاهر الرواية، وهناك روايات ضعيفة مذكورة في الهداية اهـ. قوله: (كما لو جعل الخ) ظاهره أنه لا خلاف فيه مع أن فيه خلافهما أيضاً كما قدمناه عن القنية ونحوه في الهداية، فكان المناسب ذكر قوله: ((خلافاً لهما)) بعد هذه المسألة ليكون راجعاً للمسائل الثلاث. قوله: (وأذن للصلاة) اللام للتعليل لا صلة ((أذن)) والأوضح، وأذن للناس (١) في ط (قوله بخلاف ما إذا كان الخ) هذه العبارة توهم أنه لا يكون مسجداً إذا كان العلو والسفل موقوفاً، وهو خلاف ما صرح في الإسعاف، ولعل في العبارة كلاماً سقط من قلم الناسخ يترتب عليه قوله: ((بخلاف الخ)). ٥٤٨ کتاب الوقف فرع: لو بنى فوقه بيتاً للإمام لا يضرّ لأنه من المصالح، أما لو تمت المسجدية ثم أراد البناء منع ولو قال عنيت ذلك لم يصدق. تاتر خانية. فإذا كان هذا في الواقف فكيف بغيره فيجب هدمه ولو على جدار المسجد، ولا يجوز أخذ الأجرة منه ولا أن يجعل شيئاً منه مستغلاً ولا سكنى. بزازية (ولو خرّب ما حوله واستغنى عنه يبقى مسجداً عند الإمام، والثاني) أبداً إلى قيام الساعة (وبه يفتى) حاوي القدسي (وعاد إلى الملك) أي ملك الباني أو ورثته (عند محمد) بالصلاة فيه، والمراد الإذن مع الصلاة إذا لو لم يصل فيه أحد لا يصح في المسجد الفرز، فهنا أولى كما لا يخفى. قوله: (أما لو تمت المسجدية) أي بالقول على المفتى به أو بالصلاة فيه على قولهما ط. وعبارة التاترخانية: وإن كان حين بناه خلى بينه وبين الناس ثم جاء بعد ذلك يبني لا يترك اهـ. وبه علم أن قوله في النهر: وأما لو تمت المسجدية ثم أراد هدم ذلك البناء فإنه لا يمكن من ذلك الخ، فيه نظر، لأنه ليس في عبارة التاترخانية ذكر الهدم، وإن كان الظاهر أن الحكم كذلك. قوله: (فإذا كان هذا في الواقف الخ) من كلام البحر والإشارة إلى المنع من البناء. قوله: (ولو على جدار المسجد) مع أنه لم يأخذ من هواء المسجد شيئاً اهـ ط. ونقل في البحر قبله: ولا يوضع الجذع على جدار المسجد وإن كان من أوقافه اهـ. قلت: وبه علم حكم ما يصنعه بعض جيران المسجد من وضع جذوع على جداره فإنه لا يحل ولو دفع الأجرة قوله: (ولا أن يجعل الخ) هذا ابتداء عبارة البزازية، والمراد بالمستغل أن يؤجر منه شيء لأجل عمارته، وبالسكنى محلها. وعبارة البزازية: على ما في البحر. ولا مسكناً. وقد رد في الفتح ما بحثه في الخلاصة من أنه لو احتاج المسجد إلى نفقة تؤجر قطعة منه بقدر ما ينفق عليه بأنه غير صحيح. قلت: وبهذا علم أيضاً حرمة إحداث الخلوات في المساجد كالتي في رواق المسجد الأموي، ولا سيما ما يترتب على ذلك من تقذير المسجد بسبب الطبخ والغسل ونحوه؛ ورأيت تأليفاً مستقلاً في المنع من ذلك. مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ خَرِبَ المَسْجِدُ أَوْ غَيرِهُ قوله: (ولو خرب ما حوله) أي ولو مع بقائه عامراً، وكذا لو خرب وليس له ما يعمر به وقد استغنى الناس عنه لبناء مسجد آخر. قوله: (عند الإمام والثاني) فلا يعود ميراثاً، ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، سواء كانوا يصلون فيه أو لا، وهو الفتوى. حاوي القدسي. وأكثر المشايخ عليه. مجتبى. وهو الأوجه فتح اهـ. بحر. قال في الإسعاف: وذكر بعضهم أن قول أبي حنيفة كقول أبي يوسف، وبعضهم ذكره كقول محمد. قوله: (وعاد إلى الملك عند محمد) ذكر في الفتح ما معناه أنه يتفرّع على ٥٤٩ كتاب الوقف وعن الثاني ينقل إلى مسجد آخر بإذن القاضي (ومثله) في الخلاف المذكور (حشيش المسجد وحصره مع الاستغناء عنهما، و) كذا (الرباط والبئر إذا لم ينتفع بهما فيصرف وقف المسجد والرباط والبتر) والحوض (إلى أقرب مسجد أو رباط أو بئر) أو حوض (إليه) تفريع على قولهما درر وفيها: وقف ضيعة على الفقراء الخلاف المذكور ما إذا انهدم الوقف، وليس له من الغلة ما يعمر به، فيرجع إلى الباني أو ورثته عند محمد، خلافاً لأبي يوسف؛ لكن عند محمد: إنما يعود إلى ملكه ما خرج عن الانتفاع المقصود للواقف بالكلية، كحانوت احترق، ولا يستأجر بشيء ورباط وحوض محلة خرب، وليس له ما يعمر به. وأما ما كان معداً للغلة فلا يعود إلى الملك إلا نقضه وتبقى ساحته وقفاً تؤجر ولو بشيء قليل، بخلاف الرباط ونحوه، فإنه موقوف للسكنى وامتنعت بانهدامه. أما دار الغلة فإنها قد تخرب وتصير كوماً وهي بحيث لو نقل نقضها يستأجر أرضها من يبني أو يغرس ولو بقليل فيغفل عن ذلك وتباع لواقفها مع أنه لا يرجع إليه منها إلا النقض، واستند في ذلك للخانية وغيرها، وظاهر كلامه اعتماده. قوله: (وعن الثاني الخ) جزم به في الإسعاف حيث قال: ولو خرب المسجد وما حوله وتفرّق الناس عنه لا يعود إلى ملك الواقف عند أبي يوسف، فيباع نقضه بإذن القاضي ويصرف ثمنه إلى بعض المساجد اهـ. قوله: (ومثله حشيش المسجد الخ) أي الحشيش الذي يفرش بدل الحصر، كما يفعل في بعض البلاد كبلاد الصعيد كما أخبرني به بعضهم. قال الزيلعي: وعلى هذا حصير المسجد وحشيشه إذا استغنى عنهما يرجع إلى مالكه عند محمد، وعند أبي يوسف: ينقل إلى مسجد آخر، وعلى هذا الخلاف الرباط أو البئر إذا لم ينتفع بهما اهـ. وصرح في الخانية بأن الفتوى على قول محمد. قال في البحر: وبه علم أن الفتوى على قول محمد في آلات المسجد، وعلى قول أبي يوسف في تأبيد المسجد اهـ. والمراد بآلات المسجد نحو القنديل والحصير، بخلاف أنقاضه لما قدمنا عنه قريباً من أن الفتوى على أن المسجد لا يعود ميراثاً، ولا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر. قوله: (وكذا الرباط) هو الذي يبنى للفقراء. بحر عن المصباح. قوله: (إلى أقرب مسجد أو رباط الخ) لفّ ونشر مرتب، وظاهره أنه لا يجوز صرف وقف مسجد خرب إلى حوض وعكسه. وفي شرح الملتقى: يصرف وقفها لأقرب مجانس لها اهـ. ط. قوله: (تفريع على قولهما) أي قوله: ((فيصرف الخ)) مفرع على قول الإمام وأبي يوسف: إن المسجد إذا خرب يبقى مسجداً أبداً، لكن علمت أن المفتى به قول أبي يوسف إنه لا يجوز نقله ونقل ماله إلى مسجد آخر كما مر عن الحاوي؛ نعم هذا التفريع إنما يظهر على ما ذكره الشارح من الرواية الثانية عن أبي يوسف، وقدمنا أنه جزم بها في الإسعاف. وفي الخانية: رباط بعيد استغنى عنه المارة وبجنبه رباط ٥٥٠ كتاب الوقف آخر: قال السيد الإمام أبو الشجاع: تصرف غلته إلى الرباط الثاني كالمسجد إذا خرب واستغنى عنه أهل القرية، فرفع ذلك إلى القاضي فباع الخشب وصرف الثمن إلى مسجد آخر جاز. وقال بعضهم: يصير ميراثاً، وكذا حوض العامة إذا خرب اهـ. ونقل في الذخيرة عن شمس الأئمة الحلواني أنه سئل عن مسجد أو حوض خرب، ولا يحتاج إليه لتفرّق الناس عنه هل للقاضي أن يصرف أوقافه إلى مسجد أو حوض آخر؟ فقال: نعم، ومثله في البحر عن القنية، وللشرنبلالي رسالة في هذه المسألة اعترض فيها ما في المتن تبعاً للدرر بما مرّ عن الحاوي وغيره؛ ثم قال: وبذلك تعلم فتوى بعض مشايخ عصرنا، بل ومن قبلهم كالشيخ الإمام أمين الدين بن عبد العال والشيخ الإمام أحمد بن يونس الشلبي والشيخ زين بن نجيم والشيخ محمد الوفائي، فمنهم من أفتى بنقل بناء المسجد، ومنهم من أفتى بنقله ونقل ماله إلى مسجد آخر، وقد مشى الشيخ الإمام محمد بن سراج الدين الحانوتي على القول المفتى به من عدم نقل بناء المسجد، ولم يوافق المذكورين اهـ. ثم ذكر الشرنبلالي: أن هذا في المسجد، بخلاف حوض وبئر ورباط ودابة وسيف بثغر وقنديل وبساط وحصير مسجد، فقد ذكر في التاترخانية وغيرها جواز نقلها اهـ. مَطْلَبٌ فِي نَقْلِ أَنْقَاضِ المَسْجَدِ وَنَحْوِهِ قلت: لكن الفرق غير ظاهر، فليتأمل. والذي ينبغي متابعة المشايخ المذكورين في جواز النقل بلا فرق بين مسجد أو حوض، كما أفتى به الإمام أبو شجاع والإمام الحلواني وكفى بهما قدوة، ولا سيما في زماننا فإن المسجد أو غيره من رباط أو حوض إذا لم ينقل يأخذ أنقاضه اللصوص والمتغلبون كما هو مشاهد، وكذلك أوقافه يأكلها النظار أو غيرهم، ويلزم من عدم النقل خراب المسجد الآخر المحتاج إلى النقل إليه، وقد وقعت حادثة سألت عنها في أمير أراد أن ينقل بعض أحجار مسجد خراب في سفح قاسيون بدمشق ليبلط بها صحن الجامع الأموي فأفتيت بعدم الجواز متابعة للشرنبلالي، ثم بلغني أن بعض المتغلبين أخذ تلك الأحجار لنفسه، فندمت على ما أفتيت به، ثم رأيت الآن في الذخيرة قال: وفي فتاوى النسفي: سئل شيخ الإسلام عن أهل قرية رحلوا وتداعى مسجدها إلى الخراب، وبعض المتغلبة يستولون على خشبه، وينقلونه إلى دورهم هل لواحد لأهل المحلة (١) أن يبيع الخشب بأمر القاضي، ويمسك الثمن ليصرفه إلى بعض المساجد أو إلى هذا المسجد؟ قال: نعم، وحكى أنه وقع مثله في زمن سيدنا الإمام الأجلّ في رباط في بعض الطرق خرب ولا ينتفع المارة به، وله (١) في ط (قوله هل لواحد لأهل المحلة الخ) هكذا بخطه، ولعل الأول ((أهل المحلة)). ٥٥١ كتاب الوقف وسلمها للمتولي ثم قال لوصيه أعط من غلتها فلاناً كذا وفلاناً كذا لم يصح، لخروجه عن ملكه بالتسجيل، فلو قبله صح. قلت: لكن سيجيء معزياً لفتاوى مؤيد زاده أن للواقف الرجوع في الشروط، ولو مسجلًا (اتحد الواقف والجهة وقل مرسوم بعض الموقوف عليه) بسبب خراب وقف أحدهما (جاز للحاكم أن يصرف من فاضل الوقف الآخر عليه) لأنهما حينئذ كشيء واحد (وإن اختلف أحدهما بأن بنى رجلان مسجدين) أو رجل مسجداً ومدرسة ووقف عليهما أوقافاً (لا) يجوز له ذلك أوقاف عامرة، فسئل هل يجوز نقلها إلى رباط آخر ينتفع الناس به؟ قال: نعم، لأن الواقف غرضه انتفاع المارة، ويحصل ذلك بالثاني اهـ. قوله: (فلو قبله) أي قبل التسجيل الذي هو الحكم لا مجرد التسليم الذي في صدر العبارة، لكن هذا إنما يظهر على قول الإمام بعد لزوم الوقف قبل الحكم، ولذا لم يذكر التسجيل في الخانية، حيث قال: وقف ضيعة في صحته على الفقراء، وأخرجها من يده إلى المتولي ثم قال لوصيه عند الموت: أعط من غلتها لفلان كذا ولفلان كذا فجعله لأولئك باطل، لأنها صارت للفقراء، أو فلا يملك إبطال حقهم إلا إذا شرط في الوقف أن يصرف غلتها إلى من شاء اهـ. والمراد ببطلانه أنه لا يكون حقاً لازماً لفلان في غلة الوقف، فلو كان فلان فقيراً لا يلزم إعطاؤه، بل له أن يعطي غيره. قوله: (لكن سيجيء) أي آخرا الفصل الآتي وفيه كلام سيأتي. قوله: (اتحد الواقف والجهة) بأن وقف وقفين على المسجد أحدهما على العمارة والآخر إلى إمامه أو مؤذنه والإمام والمؤذن لا يستقرّ لقلة المرسوم للحاكم الدين أن يصرف من فاضل وقف المصالح والعمارة إلى الإمام والمؤذن باستصواب أهل الصلاح من أهل المحلة إن كان الوقف متحداً، لأن غرضه إحياء وقفه، وذلك يحصل بما قلنا. بحر عن البزازية. وظاهره اختصاص ذلك بالقاضي دون الناظر. قوله: (بسبب خراب وقف أحدهما) أي خراب أماكن أحد الوقفين. قوله: (بأن بنى رجلان مسجدين) الظاهر أن هذا من اختلافهما معاً، أما اختلاف الواقف ففيما إذا وقف رجلان وقفين على مسجد. قوله: (لا يجوز له ذلك) أي الصرف المذكور، لكن نقل في البحر بعد هذا عن الولوالجية: مسجد له أوقاف مختلفة لا بأس للقيم أن يخلط غلتها كلها، وإن خرب حانوت منها فلا بأس بعمارته من غلة حانوت آخر، لأن الكل للمسجد ولو كان مختلفاً، لأن المعنى يجمعهما اهـ. ومثله في البزازية. تأمل. تنبيه: قال الخير الرملي: أقول: ومن اختلاف الجهة ما إذا كان الوقف منزلين أحدهما للسكنى والآخر للاستغلال فلا يصرف أحدهما للآخر، وهي واقعة الفتوى اهـ. ٥٥٢ كتاب الوقف (ولو وقف العقار ببقره وأكرته) بفتحتين عبيده الحراثون (صح) استحساناً تبعاً للعقار، وجاز وقف القنّ على مصالح الرباط. خلاصة. مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ المَنْقُولِ تَبَعاً لِلْعَقَّارِ قوله: (ولو وقف العقار) هو الأرض مبنية أو غير مبنية فتح. وفي القاموس: هو الضيعة، وهو المناسب لقوله: ((ببقره الخ) نهر. قوله: (عبيده الحراثون) الأكرة: الحراثون، من أكرت الأرض حرثتها، واسم الفاعل أكار للمبالغة. مصباح. والمراد أنهم إذا كانوا عبيده صح وقفهم تبعاً للأرض، وكذا آلات الحراثة كما في البحر. قوله: (صح استحساناً الخ) فإنه قد يثبت من الحكم تبعاً ما لا يثبت مقصوداً كالشرب في البيع والبناء في الوقف، وهذا قول أبي يوسف ومحمد معه، لأنه أجازه إفراد بعض المنقول بالوقف فالتبع أولى. قال في الإسعاف: ويدخل في وقف الأرض ما فيها من الشجر والبناء دون الزرع والثمرة كما في البيع، ويدخل أيضاً للشرب والطريق كالإجارة، ولو جعلها مقبرة وفيها أشجار عظام وأبنية لا تدخل؛ ولو زاد في وقف الأرض بحقوقها وجميع ما فيها ومنها وعلى الشجرة ثمرة قائمة يوم الوقف قال هلال: لا تدخل قياساً، وفي الاستحسان: يلزمه التصدق بها على وجه النذر لا الوقف. وذكر الناطفي إذا قال بحقوقها تدخل في الوقف، وهذا أولى خصوصاً إذا زاد بجميع ما فيها، ومنها: ولو وقف داراً بجميع ما فيها، وفيها حمامات يطرن أو بيتاً وفيه كورات عسل يدخل الحمام والنحل تبعاً للدار والعسل، كما لو وقف ضيعة وذكر ما فيها من العبيد والدواليب وآلات الحراثة اهـ. ملخصاً. وقوله: ((وذكر ما فيها الخ)) يفيد عدم الدخول بلا ذكره، وبه صرح في الفتح، وقد اختصر في البحر عبارة الإسعاف اختصاراً مخلاً. مَطْلَبٌ: لَا يُشْترَطُ النَّحْديدُ فِي وَقْفِ الْعَقَارِ تنبيه: لم يذكر المصنف لصحة الوقف اشتراط تحديد العقار، لأن الشرط كونه معلوماً، وقول الفتح: إذا كانت الدار مشهورة معروفة صح وقفها وإن لم تحدد استغناء بشهرتها عن تحديدها اهـ. ظاهره اشتراط التحديد، ولا يخفى ما فيه، بل ذلك شرط لقبول الشهادة بوقفيتها، وتمامه في البحر. وقال في [أنفع الوسائل] بعدما قسم مسألة التحديد إلى سبع صور: وأما الصورة الثالثة: أي ما لو لم يحددها أصلاً وهم لا يعرفونها، فقال الخصاف: فيها الوقف باطل، إلا أن تكون مشهورة. وقال هلال: الشهادة باطلة، ولا شك أن الأول يحتاج إلى تأويل بمعنى أن الشهادة باطلة كما قال هلال وغيره، ولا يجوز العمل بظاهره، لأن الوقف لا يشترط لصحته التحديد في نفس الأمر، ولا يجوز الحكم بإبطاله بمجرد قول الشهود لم يحددها لنا ولا نعرفها ولا هي مشهورة اهـ. ملخصاً. قوله: (وجاز وقف القن على مصالح الرباط) ظاهره جواز وقفه ٥٥٣ كتاب الوقف ونفقته وجنايته في مال الوقف، ولو قتل عمداً لا قود فيه. بزازية. بل تجب قيمته ليشتري بها بدله (ك)-ما صح وقف (مشاع قضى بجوازه) لأنه مجتهد فيه، استقلالًا، ويؤيده أنه ذكره في الفتح عن الخلاصة في مسائل وقف المنقول الذي جرى فيه التعامل، فكان ينبغي للشارح ذكره بعد قول المصنف، ومنقول فيه تعامل، لئلا يتوهم أن المراد أنه وقفه تبعاً للرباط كما توهمه في البحر حيث قال: وأما وقف العبيد تبعاً للمدرسة والرباط فسيأتي أنه جوّزه بعض المسايخ اهـ. مع أنه فيما سيأتي إنما ذكر ما في الفتح عن الخلاصة. قوله: (ونفقته) أي وإن لم يشرطها الواقف. وفي الإسعاف: لو شرطها من الغلة ثم مرض بعضهم استحقها إن شرط إجراءها عليهم ما داموا أحياء، وإن قال لعملهم لا يجري شيء على من تعطل عن العمل، ولو باع العاجز واشترى بثمنه عبداً مكانه جاز اهـ. وقال في موضع آخر: وكذلك الدواليب والآلات يبيعها ويشتري بثمنها ما هو أصلح للوقف. قوله: (وجنايته في مال الوقف) وعلى المتولي ما هو الأصلح من الدفع أو الفداء، ولو فداه بأكثر من أرش الجناية كان متطوعاً في الزائد فيضمنه من ماله، وإن فداه أهل الوقف كانوا متطوعين ويبقى العبد على ما كان عليه من العمل. إسعاف. قوله: (لا قود فيه) كأن وجهه أن في القود ضرر الوقف بفوات البدل اهـح. والظاهر أن محل ما ذكر فيما إذا رضي القاتل بدفع البدل، أما إذا لم يرض إلا بتسليم نفسه للقصاص، فإنه لا يجبر لأن القصاص عندنا هو الأصل ط. قوله: (بل تجب قيمته) كما لو قتل خطأ ويشتري به المتولي عبداً ويصير وقفاً، كما لو قتل المدبر خطأ وأخذ مولاه قيمته فإنه يشتري بها عبداً ويصير مدبراً، وقد صرح به في الذخيرة عن الخصاف. بحر. مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ المَشَاعِ المَقْضِيِّ بِهِ قوله: (كما صح وقف مشاع قضى بجوازه) ويصير بالقضاء متفقاً عليه والخلاف في وقف المشاع مبني على اشتراط التسليم وعدمه، لأن القسمة من تمامه، فأبو يوسف أجازه لأنه لم يشترط التسليم، ومحمد لم يجزه لاشتراطه التسليم كما مر عند قوله: ((ويفرز)) وقدمنا أن محل الخلاف فيما يقبل القسمة بخلاف ما لا يقبلها فيجوز اتفاقاً، إلا في المسجد والمقبرة، وقدمنا بعض فروع ذلك. قوله: (لأنه مجتهد فيه) أي يسوغ فيه الاجتهاد لعدم مخالفته لنص أو إجماع. مَطْلَبٌ مُهِمَّ إذا حكم الحنفي بما ذهب إليه أبو يوسف أو محمد لم يكن حاكماً بخلاف مذهبه. ٥٥٤ كتاب الوقف فللحنفي المقلد أن يحكم بصحة وقف المشاع وبطلانه لاختلاف الترجيح، وإذا كان في المسألة قولان مصححان جاز الإفتاء والقضاء بأحدهما. بحر ومصنف (و) قوله: (فللحنفي المقلد الخ) أفاد أن المراد بقوله: قضى بجوازه)) ما يشمل قضاء الحنفي، وإنما خصه بالتفريع لئلا يتوهم أن المراد به من مذهب آخر، لأن إمام مذهبنا غير قائل به، لكن لما كان قول أصحابه غير خارج عن مذهبه صح حکم مقلده به، ولذا قال في الدرر من كتاب القضاء عند الكلام على قضاء القاضي: بخلاف مذهبه أن المراد به خلاف أصل المذهب كالحنفي إذا حكم على مذهب الشافعي، وأما إذا حكم الحنفي بما ذهب إليه أبو يوسف أو محمد أو نحوهما من أصحاب الإمام فليس حكماً بخلاف رأيه اهـ. فقد أفاد أن أقوال أصحاب الإمام غير خارجة عن مذهبه، فقد نقلوا عنهم أنهم ما قالوا قولًا إلا هو مرويّ عن الإمام كما أوضحت ذلك في شرح منظومتي في رسم المفتي. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي إِشْكَالٍ وَقْفِ المَنْقُولِ عَلَى النَّفْسِ وبهذا يرتفع الإشكال المشهور الذي ذكره الإمام الطرسوسي في أنفع الوسائل والعلامة ابن الشلبي في فتاواه، وهو أن وقف الإنسان على نفسه أجازه أبو يوسف، ومنعه محمد كما سيأتي، ووقف المنقول كالبناء بدون أرض، والكتب والمصحف منعه أبو يوسف وأجازه محمد، فوقف المنقول على النفس لا يقول به واحد منهما، فيكون الحكم به ملفقاً من قولين، والحكم الملفق باطل بالإجماع كما مر أول الكتاب، وبه يندفع ما أجاب به الطرطوسي من أنه في منية المفتي أفاد جواز الحكم الملفق، وتمام ذلك مبسوط فى كتابنا ((تنقيح الحامدية)) في الباب الأول من الوقف. قوله: (لاختلاف الترجيح) فإن كلًّا من قول أبي يوسف وقول محمد صحح بلفظ الفتوى كما مر. مَطْلَبٌ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي المَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُصَحَّحَانٍ قوله: (قولان مصححان) أي وقد تساويا في لفظي التصحيح، وإلا فالأولى الأخذ بما هو آكد في التصحيح كما لو كان أحدهما بلفظ الصحيح والآخر بلفظ عليه الفتوى، فإن الثاني أقوى، وكذا لو كان أحدهما في المتون أو كان ظاهر الرواية أو كان عليه الأكثر أو كان هو الأرفق فإنه إذا صحح هو ومقابله كان الأخذ به أولى كما قدمناه في أول الكتاب. قوله: (بأحدهما) أي بأي واحد منهما أراد، لكن إذا قضى بأحدهما في حادثة ليس له القضاء فيها بالقول الآخر؛ نعم يقضي به في حادثة غيرها وكذا المفتي، وينبغي أن يكون مطمح نظره إلى ما هو الأرفق والأصلح، وهذا معنى قولهم: إن المفتي يفتي بما يقع عنده من المصلحة: أي المصلحة الدينية لا مصلحته الدنيوية. ٠٠٠. ٥٥٥ كتاب الوقف كما صح أيضاً وقف كل (منقول) قصداً (فيه تعامل) للناس (كفأس وقدوم) بل (ودراهم ودنانیر). مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الْمَنْقُولِ قَصْداً قوله: (كل منقول قصداً) أما تبعاً للعقار فهو جائز بلا خلاف عندهما كما مر لا خلاف في صحة وقف السلاح والكراع: أي الخيل للآثار المشهورة والخلاف فيما سوى ذلك، فعند أبي يوسف: لا يجوز، وعند محمد: يجوز ما فيه تعامل من المنقولات، واختاره أكثر فقهاء الأمصار كما في الهداية، وهو الصحيح كما في الإسعاف، وهو قول أكثر المشايخ كما في الظهيرية، لأن القياس قد يترك بالتعامل. ونقل في المجتبى عن السير جواز وقف المنقول مطلقاً عند محمد، وإذا جرى فيه التعامل عند أبي يوسف، وتمامه في البحر والمشهور الأول. قوله: (وقدوم) بفتح أوله وضم ثانيه مخففاً ومثقلاً. مَطْلَبٌ فِي وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَائِير قوله: (بل ودراهم ودنانير) عزاه في الخلاصة إلى الأنصاري وكان من أصحاب زفر، وعزاه في الخانية إلى زفر حيث قال: وعن زفر شرتبلالية. وقال المصنف في المنح: ولما جرى التعامل في زماننا في البلاد الرومية وغيرها في وقف الدراهم والدنانير دخلت تحت قول محمد المفتى به في وقف كل منقول فيه تعامل كما لا يخفى؛ فلا يحتاج على هذا إلى تخصيص القول بجواز وقفها بمذهب الإمام زفر من رواية الأنصاري والله تعالى أعلم، وقد أفتى مولانا صاحب البحر بجواز وقفها ولم يحك خلافاً اهـ. ما في المنح. قال الرملي: لكن في إلحاقها بمنقول فيه تعامل نظر، إذ هي مما ينتفع بها مع بقاء عينها على ملك الواقف، وإفتاء صاحب البحر بجواز وقفها بلا حكاية خلاف لا يدل على أنه داخل تحت قول محمد المفتى به في وقف منقول فيه تعامل، لاحتمال أنه اختار قول زفر وأفتى به، وما استدل به في المنح من مسألة البقرة الآتية ممنوع بما قلنا إذ ينتفع بلبنها وسمنها مع بقاء عينها، لكن إذا حكم به حاكم ارتفع الخلاف اهـ. ملخصاً. قلت: إن الدراهم لا تتعين بالتعيين، فهي وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها لكن بدلها قائم مقامها لعدم تعينها فكأنها باقية، ولا شك في كونها من المنقول، فحيث جرى فيها تعامل دخلت فيما أجازه محمد ولهذا لما مثل محمد بأشياء جرى فيها التعامل في زمانه قال في الفتح: إن بعض المشايخ زادوا أشياء من المنقول على ما ذكره محمد لما رأوا جريان التعامل فيها، وذكر منها مسألة البقرة الآتية ومسألة الدراهم والمكيل حيث قال: ففي الخلاصة: وقف بقرة على أن ما يخرج من لبنها وسمنها يعطى لأبناء ٥٥٦ كتاب الوقف قلت: بل ورد الأمر للقضاة بالحكم به كما في معروضات المفتي أبي السعود ومكيل وموزون فيباع ويدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة، فعلى هذا لو وقف كراً على شرط أن يقرضه لمن لا بذر له ليزرعه لنفسه، فإذا أدرك أخذ مقداره ثم أقرضه لغيره وهكذا جاز. خلاصة. وفيها: وقف بقرة على أن ما خرج من لبنها أو سمنها للفقراء إن اعتادوا ذلك رجوت أن يجوز (وقدر وجنازة) وثيابها ومصحف و کتب، لأن التعامل يترك به القياس السبيل، قال: إن كان ذلك في موضع غلب ذلك في أوقافهم رجوت أن يكون جائزاً، وعن الأنصاري وكان من أصحاب زفر فيمن وقف الدراهم، أو ما يكال أو ما يوزن: أيجوز ذلك؟ قال: نعم، قيل وكيف؟ قال: يدفع الدراهم مضاربة، ثم يتصدق بها في الوجه الذي وقف عليه، وما يكال أو يوزن يباع ويدفع ثمنه لمضاربة أو بضاعة. قال: فعلى هذا القياس إذا وقف كراً من الحنطة على شرط أن يقرض للفقراء الذين لا بذر لهم ليزرعوه لأنفسهم، ثم يؤخذ منهم بعد الإدراك قدر القرض، ثم يقرض لغيرهم من الفقراء أبداً على هذا السبيل، يجب أن يكون جائزاً. قال: ومثل هذا كثير في الري وناحية دوماً ونداهـ. وبهذا ظهر صحة ما ذكره المصنف من إلحاقها بالمنقول المتعارف على قول محمد المفتى به، وإنما خصوها بالنقل عن زفر لأنها لم تكن متعارفة إذ ذاك، ولأنه هو الذي قال بها ابتداء. قال في النهر: ومقتضى ما مر عن محمد عدم جواز ذلك: أي وقف الحنطة في الأقطار المصرية لعدم تعارفه بالكلية؛ نعم وقف الدراهم والدنانير تعورف في الديار الرومية اهـ. قوله: (ومكيل) معطوف على قول المصنف: ((ودراهم)). قوله: (ويدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة) وكذا يفعل في وقف الدراهم والدنانير، وما خرج من الربح يتصدق به في جهة الوقف وهذا هو المراد في قول الفتح عن الخلاصة: ثم يتصدق بها، فهو على تقدير مضاف: أي بربحها، وعبارة الإسعاف: ثم يتصدق بالفضل. قوله: (فعلي هذا) أي القول بصحة وقف المكيل. قوله: (وجنازة) بالكسر النعش وثيابها ما يغطى به الميت وهو في النعش ط. مَطْلَبٌ فِي التَّعَامُلِ وَالْعُرْفِ قوله: (لأن التعامل يترك به القياس) فإن القياس عدم صحة وقف المنقول، لأن من شرط الوقف التأبيد، والمنقول لا يدوم والتعامل كما في البحر عن التحرير، هو الأكثر استعمالاً وفي شرح البيري عن المبسوط أن الثابت بالعرف كالثابت بالنص اهـ. وتمام تحقيق ذلك في رسالتنا المسماة [نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف] وظاهر ما مر في مسألة البقرة اعتبار العرف الحادث، فلا يلزم كونه من عهد الصحابة، وكذا هو ظاهر ما قدمناه آنفاً من زيادة بعض المشايخ أشياء جرى التعامل فيها، وعلى ٥٥٧ كتاب الوقف لحديث ((مَا رَآهُ المسلِمُونَ حَسَناً فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ)) (١) بخلاف ما لا تعامل فيه كثياب ومتاع، وهذا قول محمد، وعليه الفتوى اختيار. وألحق في البحر السفينة بالمتاع. وفي البزازية: جاز وقف الأكسية على الفقراء فتدفع إليهم شتاء ثم يردونها بعده. وفي الدرر: وقف مصحفاً على أهل مسجد للقراءة إن يحصون هذا فالظاهر اعتبار العرف في الموضع، أو زمان الذي اشتهر فيه دون غيره، فوقف الدراهم متعارف في بلاد الروم دون بلادنا، ووقف الفأس والقدوم كان متعارفاً في زمن المتقدمين ولم نسمع به في زماننا، فالظاهر أنه لا يصح الآن، ولئن وجد نادراً لا يعتبر لما علمت من أن التعامل هو الأكثر استعمالاً، فتأمل. قوله: (لحديث الخ) رواه أحمد في كتاب السنة، ووهم من عزاه للمسند من حديث أبي وائل عن ابن مسعود وهو موقوف حسن، وتمامه في حاشية الحموي عن المقاصد الحسنة للسخاوي. قوله: (ومتاع) ما يتمتع به فهو عطف عام على خاص، فيشمل ما يستعمل في البيت من أثاث المنزل كفراش وبساط وحصير لغير مسجد والأواني والقدور؛ نعم تعورف وقف الأواني من النحاس ونص المتقدمون على وقف الأواني والقدور المحتاج إليها في غسل الموتى. قوله: (وهذا) أي جواز وقف المنقول المتعارف. قوله: (وألحق في البحر السفينة بالمتاع) أي فلا يصح لكن قال شيخ مشايخنا السائحاني: إنهم تعاملوا وقفها فلا تردد في صحته اهـ. وكأنه حدث بعد صاحب البحر، وألحق في المنح وقف البناء بدون الأرض، وكذا وقف الأشجار بدونه لأنه منقول فيه تعامل، وتمامه في الدر المنتقى. وسيأتي عند قول المصنف: ((بني على أرض الخ)). قوله: (جاز وقف الأكسية الخ) قلت: وفي زماننا قد وقف بعض المتولين على المؤذنين الفراء شتاء ليلاً فينبغي الجواز سيما على ما مر عن الزاهدي فتدبر. شرح الملتقى: أي ما ذكره الزاهدي في المجتبى من جواز وقف المنقول مطلقاً عند محمد، ولا يخفى أن هذا في وقف نفس الأكسية، أما لو وقف عقاراً وشرط أن يشتري من ريعه أكسية للفقراء أو المؤذنين فلا كلام فيه، كما أفاده ط . مَطْلَبٌ: مَتَى ذَكَرَ لِلْوَقْفِ مَصْرِفَاً لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيْهِمْ تَنْصِيْصُ عَلَى الْحَاجَةِ قوله: (إن يحصون جاز) هذا الشرط مبني على ما ذكره شمس الأئمة من الضابط، وهو أنه إذا ذكر للوقف مصرفاً لا بد أن يكون فيهم تنصيص على الحاجة حقيقة كالفقراء أو استعمالاً بين الناس کالیتامی والزمني، لأن الغالب فيهم الفقر، فيصح الأغنياء والفقراء منهم إن كانوا يحصون، وإلا فلفقرائهم فقط، ومتى ذكر مصرفاً يستوي (١) لا أصل له مرفوعاً. ٥٥٨ كتاب الوقف جاز، وإن وقف على المسجد جاز ويقرأ فيه، ولا يكون محصوراً على هذا المسجد. وبه عرف حكم نقل كتب الأوقاف من محالها للانتفاع بها والفقهاء بذلك مبتلون، فإن وقفها على مستحقي وقفه لم يجز نقلها وإن على طلبة العلم وجعل فيه الأغنياء والفقراء، فإن كانوا يحصون صح باعتبار أعيانهم، وإلا بطل. وروى عن محمد أن ما لا يحصى عشرة، وعن أبي يوسف مائة، وهو المأخوذ به عند البعض، وقيل أربعون، وقيل ثمانون، والفتوى أنه مفوض إلى رأي الحاكم. إسعاف وبحر. قوله: (وإن وقف على المسجد جاز) ظاهره أنه لا يشترط فيه كون أهله ممن يحصون، لأن الوقف على المسجد لا على أهله كما هو المتبادر من المقابلة، ولعل وجهه أنه يصير كالتنصيص على التأبيد بمنزلة الوقف على عمارة مسجد معين فإنه يصح في المختار لتأبده مسجداً كما قدمناه عند قوله: ((ويجعل آخره لجهة قربة)). قوله: (ولا يكون محصوراً على هذا المسجد) هذا ذكر في الخلاصة بقوله: وفي موضع آخر ولا يكون الخ: أي وذكر في كتاب آخر فهو قول آخر مقابل لقوله: ويقرأ فيه، فإن ظاهره أنه يكون مقصوراً على ذلك المسجد، وهذا هو الظاهر حيث كان الواقف عين ذلك المسجد، فما فعله صاحب الدرّ حيث نقل العبارة عن الخلاصة، وأسقط منها قوله: وفي موضع آخر غير مناسب لإيهامه أنه من تتمة ما قبله، إلا أن يكون قد فهم أن قوله: ((ويقرأ فيه)) محمول على الأولوية فيكون ما في موضع آخر غير مخالف له. تأمل. لكن في القنية: سبل مصحفاً في مسجد بعينه للقراءة ليس له بعد ذلك أن يدفعه إلى آخر من غير أهل تلك المحلة للقراءة. قال في النهر: وهذا يوافق القول الأول لا ما ذكر في موضع آخر اهـ. فهذا يفيد أنهما قولان متغايران، خلافاً لما فهمه في الدرر وتبعه الشارح. قوله: (وبه عرف حكم الخ) الحكم هو ما بينه بعد بقوله: ((فإن وقفها الخ)» ط. قوله: (لم يجز نقلها) ولا سيما إذا كان الناقل ليس منهم. نهر. ومفاده أنه عين مكانها بأن بنى مدرسة وعين وضع الكتب فيها لانتفاع سكانها. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْوَقْفِ عَلَى طَلَبَّةِ العِلْمِ قوله: (وإن على طلبة العلم الخ) ظاهره صحة الوقف عليهم، لأن الغالب فيهم الفقر كما علم من الضابط المار آنفاً. وفي البحر قال شمس الأئمة: فعلى هذا إذا وقف على طلبة العلم في بلدة كذا يجوز، لأن الفقر غالب فيهم، فكان الاسم منبئاً عن الحاجة ثم ذكر الضابط المار. قلت: ومقتضاه أنهم إذا كانوا لا يحصون يختص بفقرائهم، فعلى هذا وقف المصحف في المسجد والكتب في المدارس لا يحل لغير فقير، وهو خلاف المتبادر من عبارة الخلاصة والقنية في المصحف. وقد يقال: إن هذا مما يستوي في الانتفاع به ٥٥٩ كتاب الوقف مقرّها في خزانته التي في مكان كذا ففي جواز النقل تردد. نهر (ويبدأ من غلته بعمارته) الغني والفقير كما سيأتي من أن الوقف على ثلاثة أوجه: منها؛ ما يستوي فيه الفريقان کرباط وخان ومقابر وسقاية، وعلله في الهداية بأن أهل العرف يريدون فيه التسوية بينهم، ولأن الحاجة داعية، وهنا كذلك فإن واقف الكتب يقصد نفع الفريقين، ولأنه ليس كل غنيّ يجد كل كتاب يريده خصوصاً وقت الحاجة إليه. مَطْلَبٌ فِي نَقْلِ كُتُبٍ الوَقْفِ مِنْ مِلُّهَا قوله: (ففي جواز النقل تردد) الذي تحصل من كلامه أنه إذا وقف كتباً وعين موضعها فإن وقفها على أهل ذلك الموضع، لم يجز نقلها منه لا لهم ولا لغيرهم، وظاهره أنه لا يحل لغيرهم الانتفاع بها وإن وقفها على طلبة العلم، فلكل طالب الانتفاع بها في محلها، وأما نقلها منه ففيه تردد ناشئ مما قدمه عن الخلاصة من حكاية القولين، من أنه لو وقف المصحف على المسجد: أي بلا تعيين أهله قيل يقرأ فيه: أي يختص بأهله المترددين إليه؛ وقيل: لا يختص به أي فيجوز نقله إلى غيره، وقد علمت تقوية القول الأول بما مر عن القنية وبقي ما لو عمم الواقف بأن وقفه على طلبة العلم لكنه شرط أن لا يخرج من المسجد أو المدرسة كما هو العادة، وقدمنا عند قوله: ((ولا يرهن عن الأشباه)) أنه لو شرط أن لا يخرج إلا برهن لا يبعد وجوب اتباع شرطه وحمل الرهن على المعنى اللغوي تبعاً لما قاله السبكي، ويؤيده ما قدمناه قبيل قوله: ((والملك يزول)) عن الفتح من قوله: ((إن شرائط الوقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع)) وهو مالك، فله أن يجعل ماله حيث شاء ما لم يكن معصية، وله أن يخص صنفاً من الفقراء، وكذا سيأتي في فروع الفصل الأول أن قولهم شرط الواقف كنص الشارع: أي في المفهوم والدلالة، ووجوب العمل به. قلت: لكن لا يخفى أن هذا إذا علم أن الواقف نفسه شرط ذلك حقيقة، أما مجرد كتابة ذلك على ظهر الكتب كما هو العادة فلا يثبت به الشرط، وقد أخبرني بعض قوّام مدرسة أن واقفها كتب ذلك ليجعل حيلة لمنع إعارة من يخشى منه الضياع، والله سبحانه أعلم. مَطْلَبٌ: يَبْدَأُ مِنْ غَلَّةِ الوَقْفِ بِعِمَارَتِهِ قوله: (ويبدأ من غلته بعمارته) أي قبل الصرف إلى المستحقين. قال القهستاني: العمارة بالكسر مصدر أو اسم: ما يعمر به المكان، بأن يصرف إلى الموقوف عليه حتى يبقى على ما كان عليه دون الزيادة إن لم يشترط ذلك، كما في الزاهدي وغيره، فلو كان الوقف شجراً يخاف هلاكه كان له أن يشتري من غلته قصيلاً فيغرزه، لأن الشجر ٥٦٠ كتاب الوقف ثم ما هو أقرب لعمارته كإمام مسجد ومدرس مدرسة يعطون يفسد على امتداد الزمان، وكذا إذا كانت الأرض سبخة لا ينبت فيها شيء كان له أن يصلحها كما في المحيط اهـ. مَطْلَبٌ: دَفْعُ المَرْصَدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّفْعِ لِلْمُسْتَحِقِّين ومثله في الخانية وغيرها، ودخل في ذلك دفع المرصد الذي على الدار، فإنه مقدم على الدفع للمستحقين كما في فتاوى تلميذ الشارح المرحوم الشيخ إسماعيل، وهذه فائدة جليلة قل من تنبه لها، فإن المرصدين على الوقف لضرورة تعميره، فإذا وجد في الوقف مال ولو في كل سنة شيء حتى تتخلص رقبة الوقف ويصير يؤجر بأجرة مثله لزم الناظر ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. مَطْلَبٌ: كَوْنُ التَّعْمِيرِ مِنَ الغَلَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الخَرَابُ بِصُنْعِ أَحَدٍ وذكر في البحر أن كون التعمير من غلة الوقف إذا لم يكن الخراب بصنع أحد، ولذا قال في الولوالجية: رجل آخر دار الوقف فجعل المستأجر رواتها مربطاً للدواب وخربها يضمن لأنه فعل بغير إذن اهـ. مَطْلَبٌ: عِمَارَةُ الوَقْفِ عَلَى الصَّفَةِ الَّتِي وَقَفَهُ تنبيه: لو كان الوقف على معين فالعمارة في ماله كما سيأتي بقدر ما يبقى الموقوف على الصفة التي وقفه، فإن خرب يبني كذلك، ولا تجوز الزيادة بلا رضاء، ولو كان على الفقراء فكذلك، وعند البعض تجوز، والأول أصح. هداية ملخصاً. وبه علم أن عمارة الوقف زيادة على ما في زمن الواقف لا تجوز بلا رضا المستحقين، وظاهر قوله: ((بقدر ما يبقى الخ)) منع البياض والحمرة(١) على الحيطان من مال الوقف إن لم يكن فعله الواقف، وإن فعله فلا منع. بحر. مَطْلَبٌ: يَبْدَأُ بَعْدَ العِمَارَةِ بِمَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهَا قوله: (ثم ما هو أقرب لعمارته الخ) أي فإن انتهت عمارته وفضل من الغلة شيء يبدأ بما هو أقرب للعمارة، وهو عمارته المعنوية التي هي قيام شعائره. قال في الحاوي القدسي: والذي يبدأ به من ارتفاع الوقف: أي من غلته عمارته شرط الواقف أولًا، ثم ما هو أقرب إلى العمارة وأعم للمصلحة كالإمام للمسجد، والمدرس للمدرسة يصرف إليهم إلى قدر كفايتهم، ثم السراج والبساط كذلك إلى آخر المصالح هذا إذا لم يكن معيناً؛ فإن كان الوقف معيناً على شيء يصرف إليه بعد عمارة البناء اهـ. قال في البحر: والسراج بالكسر: القناديل، ومراده مع زيتها، والبساط بالكسر أيضاً: (١) في ط (قوله منع البياض والحمرة الخ) قال شيخنا وقد رأيت تقييد ذلك بما إذا لم يورث البياض والحمرة زيادة في الأجرة فإن كان كذلك فلا منع ثم قال: وهو تقييد حسن ويظهر أن الزيادة في أماكنه كذلك.