Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب اللقطة
الرجوع لم يكن ديناً في الأصح (أو يصدقه اللقيط بعد بلوغه) كذا في المجمع:
أي يصدقه على أن القاضي قال له ذلك لا ما زعمه ابن الملك. نهر. والمديون
ربّ اللقطة وأبو اللقيط أو سيده أو هو بعد بلوغه (وإن كان لها نفع آجرها) بإذن
الحاكم (وأنفق عليها) منه كالضال، بخلاف الآبق، وسيجيء في بابه (وإن لم
يكن باعها) القاضي وحفظ ثمنها، ولو الإنفاق أصلح أمر به لأن ولايته نظرية
اختيار، فلو لم يكن ثمة نظر لم ينفذ أمره به. فتح بحثاً.
(وله منعها من ربها ليأخذ النفقة)
إقامة البينة من الملتقط كما شرطه في الأصل وصححه في الهداية، لاحتمال أن يكون
غصباً في يده، والبينة لكشف الحال لا للقضاء فلا يشترط لها خصم، وصرح في
الظهيرية بأن الملتقط كذلك، وإن قال لا بينة لي يقول له بين يدي ثقات أنفق عليها إن
كنت صادقاً، وقدمنا أن القاضي لو جعل ولاء اللقيط للملتقط جاز، لأنه قضاء في
فصل مجتهد فيه فعليه لا يكون متبرّعاً بالإنفاق بلا أمره إذا أشهد ليرجع كالوصي. بحر
ملخصاً. قوله: (لم يكن ديناً في الأصح) لأن الأمر متردد بين الحسبة والرجوع، فلا
يكون ديناً بالشك. بحر. قوله: (لا ما زعمه ابن الملك) من أنه إذا لم يأمره بالإنفاق
فادعاه به بلوغه وصدقه اللقيط رجع عليه ح. قوله: (نهر) أصله للبحر. قوله:
(والمديون) أي الذي يثبت للملتقط الرجوع عليه بما أنفقه بقول القاضي أنفق لترجع.
قوله: (أو سيده) أي إن ظهر له سيد بإقراره. بحر. قوله: (أو هو بعد بلوغه) فلو مات
صغيراً يرجع على بيت المال كما في القهستاني عن النظم. قوله: (وإن كان لها نفع)
بأن كانت بهيمة يحمل عليها كالحمار والبغل. قوله: (بإذن الحاكم) الذي في الملتقى
وغيره أنه يؤجرها القاضي، لكن لا يخفى أن إذنه كفعله. قوله: (منه) أي من بدل
الإجارة. قوله: (كالضالٌ) أي العبد الذي ضلّ عن سيده. قوله: (بخلاف الآبق) فإنه لا
يؤجره القاضي لأنه يخاف عليه أن يأبق، كذا في التبيين، وسوّى بينهما في الهداية
بقوله: كذلك يفعل العبد الآبق. بحر. ووفق المقدسي في شرحه بحمل ما في الهداية
على ما إذا كان معه علامة تمنع من الإباق كالراية. ونقل الشرنبلالي عنه وجهاً آخر،
وهو حمله على ما إذا كان المستأجر ذا قوة ومنعة لا يخاف عليه أو على الإيجار مع إعلام
المستأجر بحاله ليحفظ غاية الحفظ اهـ. قال في البحر: ولم أر حكم اللقيط إذا صار
مميزاً ولا مال له هل يؤجره القاضي للنفقة أو لا؟. قوله: (ولو الإنفاق أصلح الخ)
قالوا: إنما يأمر بالإنفاق يومين أو ثلاثة على قدر ما يرى رجاء أن يظهر مالكها، فإذا لم
يظهر يأمر ببيعها لأن دارة النفقة مستأصلة فلا نظر في الإنفاق مدة مديدة. هداية. قوله:
(وله منعها من ربها ليأخذ النفقة) فإن لم يعطه باعها القاضي وأعطى نفقته ورد عليه

٤٤٢
كتاب اللقطة
فإن هلكت بعد حبسه سقطت، وقبله لا (ولا يدفعها إلى مدعيها) جبراً عليه (بلا
بينة فإن بين علامة حل الدفع) بلا جبر (وكذا) يحل (إن صدّقه مطلقاً) بين أو لا،
وله أخذ كفيل إلا مع البينة في الأصح نقاية.
(التقط لقطة فضاعت منه ثم وجدها في يد غيره فلا خصومة بينهما، بخلاف
الوديعة) مجتبى ونوازل. لكن في السراج الصحيح أن له الخصومة لأن يده أحق.
الباقي، ولا فرق بين أن يكون الملتقط أنفق من ماله أو استدل بأمر القاضي ليرجع على
صاحبها كما في الحاوي، وقد صرحوا في نفقة الزوجة المستدانة بإذن القاضي أن
المرأة تتمكن من الحوالة عليه بغير رضاه، وقياسه هنا كذلك. بحر. قوله: (فإن
هلكت بعد حبسه) أي مع الملتقط اللقطة عن صاحبها سقطت النفقة لأنها تصير
كالرهن. قال في النهر: ولم يحك المصنف في الكافي تبعاً لصاحب الهداية فيه خلافاً
فيفهم أنه المذهب، وجعله القدوري في تقريبه قول زفر. وعند أصحابها: لا يسقط لو
هلك بعده، وعزاه في الينابيع إلى علمائنا الثلاثة اهـ.
قلت: وظاهر الفتح اعتماد ما ذكره القدوري، فإنه قال: إنه المنقول، وكذا نقل
في الشرنبلالية عن خط العلامة قاسم أن ما في الهداية ليس بمذهب لأحد من علمائنا
الثلاثة، وإنما هو قول زفر ولا يساعده الوجه؛ ثم نقل عن المقدسي أنه يمكن أن يكون
عن علمائنا فيه روايتان، أو اختار في الهداية قول زفر فتأمله اهـ. وعلى ما في الهداية
جرى في الملتقى والدرر والنقاية وغيرها. قوله: (جبراً عليه) أفاد أن المراد بعدم الدفع
عدم لزومه كما في البحر. قوله: (بلا بينة) أراد بها القضاء بها. بحر. قوله: (فإن بين
علامة) أي مع المطابقة، ومر في اللقيط أن الإصابة في بعض العلامات لا تكفي.
وظاهر قول التاترخانية: أصاب في علامات اللقطة كلها أنه شرط، ولم أر ما لو بين كل
من المدعيين وأصابا، وينبغي حل الدفع لهما. بحر. قوله: (بين أولًا) لكن هل يجبر:
قيل نعم كما لو برهن، وقيل لا كالوكيل يقبض الوديعة إذا صدقه المودع. ودفع الفرق
بأن المالك هنا غير ظاهر والمودع في مسألة الوديعة ظاهر فتح.
تتمة: دفع بالتصديق أو بالعلامة وأقام آخر بينة أنها له، فإن قائمة أخذها، وإن
هالكة ضمن أيها شاء؛ فإن ضمن القابض لا يرجع على أحد أو الملتقط فكذلك في
رواية، وفي أخرى: يرجع وهو الصحيح، لأنه وإن صدّقه إلا أنه بالقضاء عليه صار
مكذباً شرعاً فبطل إقراره. نهر عن الفتح. قوله: (لأن يده أحق) لعل وجهه كونها أسبق
وأن له حق تملكها بعد التعريف لو فقيراً، ويفهم منه بالأولى أنه لو انتزعها من يده آخر
له أخذها منه كما قالوا في اللقيط، وهو خلاف ما في الولوالجية حيث سوّى بين
مسألتي الضياع والانتزاع في أنه لا خصومة له، ولا يخفى أن ما في السراج يشملها.

٤٤٣
كتاب اللقطة
(عليه ديون ومظالم جهل أربابها وأيس) من عليه ذلك (من معرفتهم فعليه
التصدق بقدرها من ماله وإن استغرقت جميع ماله) هذا مذهب أصحابنا لا نعلم
بينهم خلافاً، كمن في يده عروض لا يعلم مستحقيها اعتباراً للديون بالأعيان (و)
متى فعل ذلك (سقط عنه المطالبة) من أصحاب الديون (في العقبى) مجتبى. وفي
العمدة: وجد لقطة وعرّفها ولم ير ربها فانتفع بها لفقره ثم أيسر يجب عليه أن
يتصدق بمثله.
(مات في البادية جاز لرفيقه بيع متاعه ومركبه وحمل ثمنه إلى أهله. حطب
قوله: (جهل أربابها) يشمل ورثتهم، فلو علمهم لزمه الدفع إليهم لأن الدين صار
حقهم. وفي الفصول العلامية: من له على آخر دين فطلبه ولم يعطه فمات رب الدين
لم تبق له خصومة في الآخرة عند أكثر المشايخ، لأنها بسبب الدين وقد انتقل إلى
الورثة. والمختار أن الخصومة في الظلم بالمنع للميت، وفي الدين للوارث. قال محمد
ابن الفضل: من تناول مال غيره بغير إذنه ثم ردّ البدل على وارثه بعد موته برئ عن
الدين وبقي حق الميت لظلمه إياه، ولا يبرأ عنه إلا بالتوبة والاستغفار والدعاء له اهـ.
قوله: (فعليه التصدق بقدرها من ماله) أي الخاص به أو المتحصل من المظالم اهـ ط.
وهذا إن كان له مال. وفي الفصول العلامية: لو لم يقدر على الأداء لفقره أو لنسيانه أو
لعدم قدرته، قال شداد والناطفي رحمهما الله تعالى: لا يؤاخذ به في الآخرة إذا كان
الدين ثمن متاع أو قرضاً، وإن كان غصباً يؤاخذ به في الآخرة، وإن نسي غصبه، وإن
علم الوارث دين مورّثه والدين غصب أو غيره فعليه أن يقضيه من التركة، وإن لم يقض
فهو مؤاخذ به في الآخرة، وإن لم يجد المديون ولا وارثه صاحب الدين ولا وارثه
فتصدق المديون أو وارثه عن صاحب الدين برىء في الآخرة.
مَطْلَبٌ فِيمَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَمَظَالِمُ جَهِلَ أَرْبَابَهَا
قوله: (كمن في يده عروض لا يعلم مستحقيها) يشمل ما إذا كانت لقطة علم
حكمها، وإن كانت غيرها فالظاهر وجوب التصدق بأعيانها أيضاً. قوله: (سقط عنه المطالبة
الخ) كأنه والله تعالى أعلم لأنه بمنزلة المال الضائع والفقراء مصرفه عند جهل أربابه،
وبالتوبة يسقط إثم الإقدام على الظلم ط. قوله: (يجب عليه أن يتصدق بمثله) المختار أنه لا
يلزمه ذلك في القهستاني عن الظهيرية، وكذا في البحر والنهر عن الولوالجية.
مَطْلَبٌ فِيمَنْ مَاتَ فِي سَفَرِهِ فَبَاعَ رَفِيقُهُ مَتَاعَهُ
قوله: (جاز لرفيقه الخ) الظاهر أنه احتراز عن الأجنبي، إذ الرفيق في السفر مأذون
بذلك دلالة، كما قالوا في جواز إحرامه عن رفيقه إذا أغمي عليه، وكذا إنفاقه عليه. وهذه

٤٤٤
كتاب اللقطة
وجد في الماء، إن له قيمة فلقطة، وإلا فحلال لآخذه) كسائر المباحات الأصلية
درر. وفي الحاوي: غريب مات في بيت إنسان ولم يعرف وارثه فتركته كلقطة،
ما لم يكن كثيراً فلبيت المال بعد الفحص عن ورثته سنين، فإن لم يجدهم فله لو
مصرفاً .
(محضنة) أي برج (حمام اختلط بها أهلي لغيره لا ينبغي له أن يأخذه، وإن
المسألة وقعت لمحمد رحمه الله تعالى في سفره: مات بعض أصحابه فباع كتبه وأمتعته،
فقيل له: كيف تفعل ذلك ولست بقاض، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ
الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] يعني أن ذلك من المصلح المأذون فيه عادة، فإنه لو حمل متاعه
إلى أهلَه يحتاج إلى نفقة ربما استغرقت المتاع، لكن للورثة الخيار. ففي أدب الأوصياء
عن المحيط عن المنتقى: مات في السفر فباع رفقاؤه تركته وهم في موضع ليس فيه
قاض. قال محمد: جاز بيعهم وللمشتري الانتفاع بما اشتراه منهم، ثم إذا جاء الوارث إن
شاء أجاز البيع وإن شاء أخذ ما وجده من المتاع وضمن ما لم يجد، كاللقطة إذا جاء
صاحبها يأخذها، فإن لم يجد فله أن يضمن الذي أصابها وله أن يجيز التصدق اهـ.
مَطْلَبٌ فِيمَنْ وَجَدَ خَطَباً فِي نهرٍ أَوْ وَجَدَ جَوْزاً أَوْ كُمُثْرَى
قوله: (إن له قيمة فلقطة) وقيل إنه كالتفاح الذي يجده في الماء. وذكر في شرح
الوهبانية ضابطاً، وهو أن ما لا يسرع إليه الفساد ولا يعتاد رميه كحطب وخشب فهو لقطة
إن كانت له قيمة ولو جمعه من أماكن متفرقة في الصحيح، كما لو وجد جوزة ثم أخری
وهكذا حتى بلغ ماله قيمة. بخلاف تفاح أو كمثرى في نهر جار فإنه يجوز أخذه وإن کثر
لأنه مما يفسد لو ترك، وبخلاف النوى إذا وجد متفرّقاً وله قيمة فيجوز أخذه، لأنه مما
يرمي عادة فيصير بمنزلة المباح، ولا كذلك الجوز، حتى لو تركه صاحبه تحت الأشجار
فهو بمنزلته. قوله: (ما لم يكن كثيراً) ذكر الضمير على تأويل التركة بالمتروك، والظاهر
: أن المراد بالكثير ما زاد على خمسة دراهم لما في البحر عن الخلاصة والولوالجية: مات
غريب في دار رجل ومعه قدر خمسة دراهم فله أن يتصدق على نفسه إن كان فقيراً
كاللقطة. وفي الخانية: ليس له ذلك لأنه ليس كاللقطة. قال في البحر: والأول أثبت،
وصرح به في المحيط. قوله: (فإن لم يجدهم فله لو مصرفاً) هذا ذكره في النهر وهو زائد
على ما نقله في البحر عن الحاوي القدسي، وقد راجعت الحاوي فلم أجده فيه أيضاً.
قوله: (محضنة) بالحاء المهملة والضاد المعجمة في المصباح: حضن الطائر بيضه إذا
جثم عليه. قوله: (أي برج) في المصباح: برج الحمام مأواه. قوله: (اختلط بها أهليّ
لغيره) المراد بالأهلي ما كان مملوكاً. قوله: (لا ينبغي له أن يأخذه) لأنه ربما يطير

٤٤٥
كتاب اللقطة
أخذه طلب صاحبه ليرده عليه) لأنه كاللقطة (فإن فرخ عنده، فإن) كانت (الأم
غريبة لا يتعرض لفرخها) لأنه ملك الغير (وإن الأم لصاحب المحضنة والغريب
ذكر فالفرخ له) وإن لم يعلم أن ببرجه غريباً لا شيء عليه إن شاء الله.
قلت: وإذا لم يملك الفرخ، فإن فقيراً أکله، وإن غنياً تصدق به ثم
اشتراه، وهكذا كان يفعل الإمام الحلواني ظهيرية. وفي الوهبانية: مرّ بثمار تحت
أشجار في غير أمصار لا بأس بالتناول ما لم يعلم النهي صريحاً أو دلالة، وعليه
الاعتماد. [الطويل]
وفيها :
أَخْذُكَ تُفَّاحاً مِنَ النَّهْرِ جَارِيا يجوزُ وَكُمّثْرَى وَفِي الجُوْزِ يُنْكَرُ
فيذهب إلى محله الأصلي، فلا ينافي ما مر أن اللقطة يندب أخذها. أفاده ط. قوله: (لأنه
ملك الغير) لأن ولد الحيوان يتبع أمه. قوله: (وإذا لم يملك الفرخ) أي ولم يعلم
مالكه. قوله: (وفي الوهبانية الخ) نقل بالمعنى، وترك مما في الوهبانية قيد كون الثمار مما
لا یبقی، وکون ذلك في بستان احتراز عن القرى والسواد.
وحاصل ما في شرحها عن الخانية وغيرها أن الثمار إذا كانت ساقطة تحت
الأشجار، فلو في المصر لا يأخذ شيئاً منها ما لم يعلم أن صاحبها أباح ذلك نصاً أو
دلالة، لأنه في المصر لا يكون مباحاً عادة، وإن كان في البستان، فلو الثمار مما يبقى
ولا يفسد كالجوز واللوز لا يأخذه ما لم يعلم الإذن، ولو مما لا يبقى، فقيل كذلك،
والمعتمد أنه لا بأس به إذا لم يعلم النهي صريحاً أو دلالة أو عادة، وإن كان في
السواد والقرى، فلو الثمار مما يبقى لا يأخذ ما لم يعلم الإذن ولو مما لا يبقى اتفقوا
على أن له الأخذ ما لم يعلم النهي، ولو كان الثمر على الشجر فالأفضل أن لا يؤخذ
ما لم يؤذن له، إلا في موضع كثير الثمار يعلم أنهم لا يشحون بمثل ذلك فله الأكل
دون الحمل. قوله: (وفي الجوز ينكر) لأنه مما يبقى ولا يرمى عادة، بخلاف التفاح
والكمثرى، لأنه لو ترك يفسد، وبخلاف النوى؛ لأنه مما يرى كما مر بيانه في مسألة
الحطب.
مَطْلَبُ: أَلْقَى شَيْئاً وَقَالَ مَن أَخَذَهُ فَهُوَ لَهُ
فروع: ألقى شيئاً وقال من أخذه فهو له، فلمن سمعه أو بلغه ذلك القول أن
يأخذه، وإلا لم يملكه لأنه أخذه إعانة لمالكه ليرده عليه، بخلاف الأول لأنه أخذه
على وجه الهبة وقد تمت بالقبض. ولا يقال: إنه إيجاب لمجهول فلا يصح هبة. لأنا
نقول: هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة والملك يثبت عند الأخذ. وعنده هو متعين

٤٤٦
كتاب اللقطة
معلوم، أصله: ((أنه عليه الصلاة والسلام قرّب بدنات ثمّ قال: مَنْ شَاءَ أَقْتَطَعَ))(١).
مَطْلَبُ: لَهُ الأَخْذُ مِنْ نِثَارِ السُّكَّرِ فِي الْعُرْسِ
ويقرّره أن مجرد الإلقاء من غير كلام يفيد هذا الحكم، كمن ينثر السكر والدراهم
في العرس وغيره، فمن أخذ شيئاً ملكه، لأن الحال دليل على الإذن، وعلى هذا لو
وضع الماء والجمد على بابه يباح الشرب منه لمن مرّ به من غنيّ أو فقير، وكذا إذا
غرس شجرة في موضع لا ملك فيه لأحد وأباح للناس ثمارها، وكل ذلك مأخوذ من
الحديث اهـ. ملخصاً من شرح السير الكبير.
مَطْلَبٌ: مَنْ وَجَدَ دَرَاهِمٍ فِي الْجِدَارِ أَوِ اسْتَيْقَظَ وَفِي بَدِهِ صُرَّةٌ
وفي التاترخانية عن الينابيع: اشترى داراً فوجد في بعض الجدار دراهم. قال أبو
بكر: إنها كاللقطة. قال الفقيه: وإن ادعاه البائع ردّ عليه، وإن قال: ليست لي فهي
لقطة اهـ.
وفيها سأل رجل عطاء رحمه الله تعالى عمن بات في المسجد فاستيقظ وفي يده
صرة دنانير؟ قال: إن الذي صرّها في يدك لا يريد إلا أن يجعلها لك. وفي البحر: وجد
في البادية بعيراً مذبوحاً قريب الماء لا بأس بالأكل منه إن وقع في قلبه أن مالكه أباحه.
مَطْلَبُ: أَخَذَ صُوفَ مَيْتَةٍ أَوْ جِلْدَهَا
وعن الثاني: طرح ميتة فأخذ آخر صوفها له الانتفاع به وللمالك أخذه منه، ولو
سلخ الجلد ودبغه للمالك أن يأخذه ويردّ عليه ما زاد الدبغ فيه. وفي الخانية: وضعت
ملاءتها ووضعت الأخرى ملاءتها ثم أخذت الأولى ملاءة الثانية لا ينبغي للثانية الانتفاع
بملاءة الأولى، فإن أرادت ذلك قالوا: ينبغي أن تتصدق بها على بنتها الفقيرة بنية كون
الثواب لصاحبتها إن رضيت، ثم تستوهب الملاءة من البنت لأنها بمنزلة اللقطة.
مَطْلَبٌ: سُرِقَ مُكَتَّبُهُ وَوَجَدَ مِثْلَهَ أَوْ دُوْنُ
وكذلك الجواب في المكعب إذا سرق اهـ. وقيده بعضهم بأن يكون المكعب
الثاني كالأول أو أجود، فلو دونه له الانتفاع به بدون هذا التكلف، لأن أخذ الأجود
وترك الأدون دليل الرضا بالانتفاع به، كذا في الظهيرية وفيه مخالفة للقطة من جهة جواز
التصدق قبل التعريف وكأنه للضرورة اهـ. ملخصاً.
قلت: ما ذكر من التفصيل بين الأدون وغيره إنما يظهر في المكعب المسروق،
وعليه لا يحتاج إلى تعريف، لأن صاحب الأدون معرض عنه قصداً، فهو بمنزلة الدابة
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٣٥٠ والحاكم ٢٢١/٤.

٤٤٧
كتاب الآبق
كِتَابُ آلآبِقٍ
مناسبته عرضية التلف والزوال. والإباق: انطلاق الرقيق تمرداً، كذا عرفه
ابن الكمال ليدخل الهارب من مؤجره ومستعیرہ
المهزولة التي تركها صاحبها عمداً بل بمنزلة إلقاء النوى وقشور الرمان. أما لو أخذ
مكعب غيره وترك مكعبه غلطاً لظلمة أو نحوها ويعلم ذلك بالقرائن فهو في حكم
اللقطة لا بد من السؤال عن صاحبه بلا فرق بين أجود وأدون، وكذا لو اشتبه كونه غلطاً
أو عمداً لعدم دليل الإعراض، هذا ما ظهر لي فتأمله.
فائدة(١): ذكر ابن حجر في حاشية الإيضاح عن بعض الصوفية قدّس الله تعالى
أسرارهم ما نصه: إذا ضاع منك شيء فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا
يخلف الميعاد، اجمع بيني وبين كذا ويسميه باسمه، فإنه مجرب. قال النووي: وقد جرّبته
فوجدته نافعاً لوجود الضالة عن قرب غالباً. ونقل عن بعض مشايخه مثل ذلك اهـ. والله
سبحانه أعلم.
بِسمِ اللهِ الْرّخمُنِ الْرْحِيْمِ
كِتَابُ الَآبِقٍ
اسم فاعل، من أبق كضرب وسمع ومنع. قاموس. والأكثر الأول. مصباح،
ومصدره أبق ويحرك، وإباق ككتاب وجمعه ككفار وركع. قاموس. قوله: (مناسبته) أي
مناسبة الآبق للقيط واللقطة ((عرضية التلف)) أي الهلاك والزوال أي زوال يد المالك:
أي توقع عروض الأمرين أو أحدهما في الثلاثة وهو وجه ذكرها عقب الجهاد، فإن
الأنفس والأموال فيه على شرف الزوال كما مر.
واعترض في الفتح بأن عرضية ذلك في الآبق بفعل فاعل مختار، فالأولى ذكره
عقب الجهاد. وأجاب في البحر بأن خوف التلف من حيث الذات في اللقيط أكثر من
اللقطة فذكرا عقبه، وأما التلف في الآبق فمن حيث الانتفاع للمولى لا من حيث الذات
لأنه لو لم يعد إلى مولاه لا يموت، بخلاف اللقيط فإنه لصغره إن لم يرفع يموت
فالأنسب ترتيب المشايخ. قوله: (والإباق انطلاق الرقيق تمرداً) وهو في اللغة: الهرب
كما في المغرب. والتمرد: الخروج عن الطاعة احترز به عن الضالّ: وهو المملوك
الذي ضل عن الطريق إلى منزل سيده بلا قصد. قوله: (من مؤجره) بفتح الجيم اهـ ح:
(١) في ط. قرر الزيادي أن الإنسان إذا ضاع له شيء وأراد أن يرده الله سبحانه عليه، فليقف على مكان عال
مستقبل القبلة ويقرأ الفاتحة ويهدي ثوابها للنبي ول#، ثم يهدي ثواب ذلك لسيدي أحمد بن علوان ويقول: يا
سيدي أحمد يا ابن علوان إن لم ترد علي ضالتي وإلا نزعتك من ديوان الأولياء، فإن الله تعالى يرد على من
قال ذلك ضالته ببر كته. أجهوري مع زيادة.

٤٤٨
کتاب الآبق
ومودعه ووصيه.
(أخذه فرض إن خاف ضياعه، ويحرم) أخذه (لنفسه، ويندب) أخذه (إن قوي
عليه) وإلا فلا ندب لما في البدائع: حكم أخذه كلقطة (فإن ادعاه آخر دفعه إليه إن
برهن واستوثق) منه (بكفيل) إن شاء لجواز أن يدعيه آخر (ويحلفه) الحاكم أيضاً بالله
أي متسأجره، ولو عبر لكان أولى ط. قوله: (ومودعه) بفتح الدال اهـح. قوله:
(ووصيه) أي الوصي عليه بأن مات سيده عن أولاد صغار وأقام هو أو القاضي عليهم
وصياً، فإن العبد يكون داخلاً تحت وصايته. قوله: (أخذه فرض إن خاف ضياعه) أي إن
غلب على ظنه ذلك، وهذا ذكره في البحر أخذاً من عبارة البدائع، ويأتي ما فيه. وذكر
في الفتح بحثاً فتبعه المصنف. قوله: (ويندب أخذه إن قوي عليه) عبارة كافي الحاكم:
وإذا وجد عبداً آبقاً وهو قوي على أخذه قال: يسعه تركه، وأحب إليّ أن يأخذه فيرده
على صاحبه اهـ. ومفهومه أن قيد القوة على أخذه تأكيد لإفادة جواز الترك وأنه لا يجب
أخذه بل يندب، فهو في الحقيقة لدفع توهم الوجوب عند القوة علیه. وبه اندفع ما
أورد على المصنف من أن هذا الشرط لا يخص ما نحن فيه بل هو عام في سائر
التكليف. على أن كون القدرة شرطاً عاماً لا يوجب عدم ذكرها في معرض بيان
الأحكام. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [العمران:
٩٧] ولم يصرح باشتراط عدم خوف ضياعه لعلمه من قوله: ((فرض إن خاف ضياعه))
فافهم. قوله: (لما في البدائع الخ) تعليل لقوله: ((أخذه فرض إن خاف ضياعه الخ)
وقد تبع في ذلك البحر.
واعترضه في النهر بأنه قدم عن البدائع أن القول بفرضية أخذ اللقطة عند خوف
الضياع قول الشافعي، فقول البدائع هنا: إن حكم أخذ الآبق كحكم اللقطة لا يدل على
فرضية أخذه عندنا؛ نعم في الفتح: يمكن أن يجري فيه التفصيل في اللقطة بين أن يغلب
على ظنه تلفه على المولى إن لم يأخذه مع قدرة تامة عليه فيجب أخذه، وإلا فلا اهـ.
قلت: لكن تقدم أن ما نسبه في البدائع إلى الشافعي مذهبنا، فقوله هنا: ((حكمه
كحكم اللقطة)» يفيد أنه إذا كان أخذها واجباً يكون أخذه مثلها، وقد صرح في غير
البدائع بأن أخذها واجب فأخذ الآبق كذلك، فليتأمل. قوله: (واستوثق منه بكفيل إن
شاء) قال في الفتح: ثم إذا دفعه إليه عن بينة ففي أولوية أخذ الكفيل وتركه
روايتان اهـ. وظاهره أن ذلك في حق القاضي، وهو صريح ما في كافي الحاكم.
قال ط: وذكر العلامة نوح: قيل رواية عدم أخذ الكفيل أصح لأنه لما أقام البينة أنه له
حرم تأخيره لأن الدفع في هذه الصورة واجب اهـ.
قلت: لكن في التاتر خانية أن رواية الأخذ أحوط. قوله: (أيضاً) أي مع الاستيثاق

٤٤٩
کتاب الآبق
ما أخرجه عن ملكه بوجه (وإن لم يبرهن) عطف على إن برهن (وأقرّ) العبد (أنه
عبده أو ذكر) المولى (علامته وحليته دفع إليه بكفيل، فإن أنكر المولى إياقه) مخافة
جعله (حلف) إلا أن يبرهن على إباقه أو على إقرار المولى بذلك. زيلعي (فإن
طالت المدة) أي مدة مجيء المولى (باعه القاضي ولو علم مكانه) لئلا يتضرر
المولى بكثرة النفقة (وحفظ ثمنه لصاحبه و) أمسك من ثمنه ما (أنفق منه، وإن جاء)
المولى (بعده وبرهن) أو علم (دفع باقي الثمن إليه، ولا يملك) المولى (نقض
بيعه) أي بيع القاضي لأنه بأمر الشرع كحكمه لا ينقض.
قلت: لكن رأيت في معروضات المرحوم أبي السعود مفتي الروم أنه
منه بكفيل. قوله: (بوجه) كبيع أو هبة بنفسه أو بوكيله. قوله: (دفع إليه بكفيل) أخذه
الكفيل هنا رواية واحدة كما في الفتح. قال في التاترخانية: ولم يذكر في الكتاب أن
القاضي يتخير في الدفع إليه أو يجب عليه الدفع، وقد اختلف المشايخ فيه اهـ.
قلت: ينبغي وجوب الدفع في صورة إقرار العبد وعدمه في صورة ذكر العلامة.
تأمل. قوله: (مخافة جعله) أي أخذ جعله. قوله: (بذلك) أي بإباقه. قوله: (فإن طالت
المدة) سيأتي أن القاضي يحبس الآبق تعزيراً. وفي التاتر خانية يحبسه إلى أن يجيء طالبه،
ويكون هذا الحبس بطريق التعزير وينفق عليه في مدة الحبس من بيت المال. ثم قال:
فإن لم يجىء له طالب وطال ذلك باعه بعد ما حبسه ستة أشهر ويدفع الثمن إلى صاحبه
إذا وصف حليته وعلامته اهـ. وجواز بيعه ظاهر على أنه لا يؤجره خوف إباقه كما مر
في اللقطة ويأتي. قوله: (ولو علم مكانه) في الحواشي اليعقوبية ينبغي أن يكون هذا
إذا تعذر إيصاله إلى مالكه وخيف تلفه. وقد ذكر في القنية أن مال الغائب لا يباع إذا
علم مکان الغائب لإمكان إيصاله اهـ. نهر.
قلت: قد يكون إيصاله إلى مالكه موجباً لكثرة النفقة فيتضرر مالكه، وقد لا
يمكن معه أخذ ما أنفقه عليه القاضي. قوله: (وأمسك من ثمنه ما أنفق منه) الضمير في
((منه)) للقاضي، والمراد ما أنفقه من بيت المال: أي يمسك قدر ما أنفق ليرده إلى بيت
المال. قوله: (أو علم) بتشديد اللام: أي وصف علامته. وفي المصباح: علمت له
علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرفها. قوله: (دفع باقي الثمن إليه) نقل في التاتر خانية
عن التهذيب أنه لا يدفع إليه الثمن إلا بالبينة ولا يكتفي بالحلية. ونقل عن الكافي أنه
يجوز أن یکتفي بها.
قلت: يمكن التوفيق بأن الأول في وجوب الدفع والثاني في جوازه. قوله: (عن

٤٥٠
کتاب الآبق
صدر أمر سلطاني بمنع القضاة عن إعطاء الإذن ببيع عبيد العسكرية، وحينئذ فلا
يصح بيع عبيد السباهية فلهم أخذها من مشتريها ويرجع المشتري بثمنه على
البائع. وأما عبيد الرعايا فكذلك إذا كان يغبن فاحش، وإلا فللرعايا الثمن،
وبذلك ورد الأمر أيضاً. انتهى بالمعنى فليحفظ فإنه مهم (ولو زعم) المولى
(تدبيره أو كتابته) أو استيلادها (لم يصدق في نقضه) إلا أن يكون عنده ولد منها
أو یبرهن على ذلك. نهر.
(واختلف في الضالّ) قيل أخذه أفضل، وقيل تركه؛ ولو عرف بيته فإيصاله
إليه أولى.
(أبق عبد فجاء به رجل وقال لم أجد معه شيئاً) من المال (صدق) ولا شيء
إعطاء الإذن) أي لواحد الآبق. قوله: (فحينئذ فلا يصح الخ) لأنه لا يصح بيعه بلا إذن
القاضي، وحيث كان القاضي ممنوعاً من إعطاء الإذن لا يصح إذنه لأنه يستفيد الولاية من
السلطان، ولكن هذا المنع السلطاني لا يبقى بعد موت السلطان المانع على ما أفاده
الخير الرملي في فتاواه. تأمل. قوله: (فكذلك) أي لا يصح بيع القاضي لأن تصرفه
منوط بالمصلحة وخصوصاً بعد ورود الأمر له بذلك. قوله: (لم يصدق في نقضه) أي
لم يصدق في زعمه المذكور في حق نقض البيع، وإلا فهو مؤاخذ بإقراره على نفسه.
قوله: (إلا أن يكون عنده وند منها) أي ولد ولدته في ملكه فيدعي أنه ولده منها فيصدق
عليه ويثبت النسب ويفسخ البيع اهـ. كافي الحاكم الشهيد. قوله: (أو يبرهن على
ذلك) أي على ما زعمه من التدبير ونحوه. وأفاد أن ما ذكره المصنف محمول على ما
إذا كان مجرد دعوی بلا برهان.
وبه اندفع ما في البحر من اللقطة من أن عدم تصديقه مشكل، لأنه: أي المالك
لو باع بنفسه ثم قال هو مدبر أو مكاتب أو أم ولد وبرهن قبل برهانه، لأن التناقض في
دعوى الحرية وفروعها لا يمنع اهـ. قال في النهر: فيحمل على ما إذا لم يبرهن أهـ.
وبه أجاب المقدسي أيضاً. قوله: (واختلف في الضال) الأولى للمصنف ذكر هذا بعد
قوله: ((ويندب إن قوي عليه)) لئلا يوهم أن الاختلاف في نقض البيع. قوله: (قيل الخ)
وعليه فهو مما خالف فيه الآبق، ويخالفه أيضاً في أنه لا جعل لراده، وأنه لا يحبس، وأنه
يؤجره وينفق عليه من أجرته كاللقطة كما في البحر وسيأتي. قوله: (ولو عرف بيته
الخ) يشير إلى أن محل الاختلاف ما إذا لم يعلم الواجد مولاه ولا مكانه. قال في
الفتح: أما إذا علم فلا ينبغي أن يختلف في أفضلية أخذه ورده. قوله: (صدق) أي

٤٥١
کتاب الآبق
عليه (ولمن رده) خبر لقوله الآتي ((أربعون درهماً)) (إليه من مدة سفر) فأكثر (وهو)
أي والحال أن الراد ولو صبياً أو عبداً لكن الجعل لمولاه (ممن يستحق الجعل)
قيد به لأنه لا جعل لسلطان وشحنة وخفير ووصيّ يتيم وعائله ومن استعان به
کإن وجدته فخذه فقال نعم أو كان في عياله
بيمينه كافي. قوله: (من مدة سفر) الظاهر أن المعتبر في هذه المسافة ما بين مكان
الأخذ ومكان سيد العبد، سواء أبق من مكان سيده أو غيره، كما يشعر به قول الهداية:
ومن ردّ الآبق على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام فصاعداً فقد اعتبر مكان الرد ومكان
المولى، وعليه فلو خرج في حاجة لمولاه مسافة يومين ثم أبق منها مسافة يوم فأخذه
رجل ورده على مولاه فله أربعون درهماً اعتباراً لمكان المولى. والظاهر أيضاً كما
أفاده ط أن المعتبر في مكان المولى المكان الذي يحصل فيه الرد عليه، حتى لو لحقه
المولى وقد سار يوماً فلقيه الواجد بعد ما سار يومين فله جعل اليومين فقط. قوله:
(ولو صبياً أو عبداً الخ) جملة معترضة بين اسم ((إن)) وخبرها، وهو قوله: (ممن يستحق
الجعل)) ودخل في هذا التعميم ما إذا تعدد الراد كاثنين، فيشتركان في الأربعين إذا رداه
إلى مولاه، وما إذا رداه بنفسه أو بنائبه، كما إذا دفعه إلى رجل وأمره أن يأتي به إلى
مولاه وأن يأخذه منه الجعل، وما إذا اغتصبه منه رجل وجاء به إلى مولاه وأخذ جعله
ثم جاء الآخذ وبرهن أنه أخذه من مسيرة سفر فله الجعل، ويرجع المولى على
الغاصب بما دفعه إليه لأنه أخذه بغير حق. قوله: (ممن يستحق الجعل) بأن لم يكن ممن
يعمل متبرعاً، بخلاف المتبرع إما لوجوب ذلك العمل عليه كالسلطان أو أحذ نوابه، أو
لكونه يحفظ مال سيد العبد كوصي اليتيم وعائله أو لكونه ممن جرت العادة برده عليه
تبرعاً، إما لاستعانة به لأنه ممن في عياله، أو الزوجية أو بنوة أو شركة. قوله: (وشحنة)
هو حافظ المدينة اهـح. قوله: (وخفير) هو بمعنى المعاهد: أي من يعاهدك على
النصرة، ولعل المراد به من ينصبه الحاكم في الطريق لدفع القطاع عن المسافرين، ثم
رأيت نقلاً عن الحموي أن المراد به هنا الحارس. قوله: (وعائله) أي من يعول اليتيم
ويربيه في حجره بلا وصاية. قوله: (فقال نعم) كذا شرطه في التاترخانية معللاً بأنه قد
وعد له الإعانة. بحر. قال المقدسي: والظاهر أنه ليس بشرط لأن الظاهر منه التبرع
بالعمل حيث لم يشرط عليه جعلاً اهـ.
قلت: وفيه نظر، فإن عدم شرط الجعل لا يدل على التبّع، وإلا لزم شرطه في
كل المواضع، بخلاف ما إذا استعان به ووعده الإعانة فإن إجابته بالقول لما طلب دليل
التبرع. تأمل. قوله: (أو كان في عياله) عطف على استعان، وشمل أحل الأبوين إذا

٤٥٢
کتاب الآبق.
وابن أحد الزوجين مطلقاً. زيلعي. وشريك. نتف. ووهبانية والولوالجية.
فالمستثنى أحد عشر (أربعون درهماً) فبطل صلحه فيما زاد عليها (ولو بلا شرط)
ردّ عبد الابن فلا جعل له إذا كان في عيال الابن كحكم بقية المحارم، كما في الهداية
وشروحها. كفاية البيان والمعراج والفتح والعناية. وكذا في البزازية والجوهرة
والقهستاني والنهر، على خلاف ما في البحر والمنح، حيث سوى بين الأبوين والابن،
ومثله قول الحاوي القدسي، إذا كان الراد في عيال مالك الغلام لا جعل له، وإلا فله
الجعل سواء كان أجنبياً أو ذا رحم محرم إلا الوالدين والمولودين. قوله: (وابن) عطف
على سلطان ح. قوله: (مطلقاً) أي سواء كان الابن في عيال الأب وأحد الزوجين في
عيال الآخر أو لا. قال الزيلعي: لأن ردّ الآبق على المولى نوع خدمة للمولى وخدمة
الأب مستحقه على الابن فلا تقابل بالأجر، وكذا خدمة أحد الزوجين الآخر اهـح.
قوله: (وشريك) لأن عمله يكون في حصته وحصة شريكه بلا تمييز فلا أجر له، كمن
استأجر شريكه على حمل الحمل المشترك بينهما لا يستحق أجراً، ومنه ما في
الولوالجية: لو جاء به وارث الميت، إن أخذه وسار به ثلاثة أيام وسلمه في حياة
المولى يستحق الجعل إن لم يكن في عياله، وإن سلمه بعد موته وليس ولد المولى ولا
في عياله وكان معه وارث آخر. قال محمد: له الجعل في حصة شركائه. وقال أبو
يوسف: لا. وقيل قول أبي حنيفة كقول محمد اهـ. ملخصاً.
قلت: ولعل وجه الخلاف أنه إن نظر إلى أن العمل الموجب للجعل وهو سير
ثلاثة أيام حصل في حياة المولى قبل أن يصير الراد شريكاً وجب الجعل، وإن نظر إلى
أن الاستحقاق بالتسليم وهو لم يحصل إلا بعد الموت والاشتراك لم يجب الجعل،
ويؤيد الثاني عدم استحقاق الجعل في موت مولى أم الولد والمدبر كما يأتي قريباً.
تأمل. قوله: (ووهبانية) كذا في بعض النسخ. والذي رأيته في عدة نسخ ((ورهبان))
وهكذا رأيته معزياً إلى نسخة الشارح وهو الصواب، لأن الشارح عزاه للولوالجية،
والذي رأيته فيها: ورهبان وشحنة، وهكذا رأيته في التجنيس: والظاهر أنه في عرفهم
اسم لنوع ممن يرهب منه من أهل الولايات بقرينة ذكره مع الشحنة، وحينئذ يتم قول
الشارح فالمستثنى أحد عشر، فإن به يتم العدد، فافهم. قوله: (أربعون درهماً) بوزن
سبعة مثاقيل. فتح. وإن أنفق أضعافها بغير أمر القاضي كافي الحاكم. أما لو أنفق بأمره
فإن له الأربعين مع جميع ما أنفق فلا يستحق الأربعين فقط، إلا إذا كان إنفاقه بغير أمر
القاضي، وبه سقط اعتراضه في الدرّ المنتقى على شارح الوهبانية بأن تعبيره بلفظ غير
من سبق القلم. قوله: (فبطل صلحه فيما زاد عليها) لأنه زيادة على ما ثبت بالنص كما
بطل صلح القاتل فيما زاد على الدية. قال في البحر: بخلاف الصلح على الأقل لأنه

٤٥٣
کتاب الآبق
استحساناً. ولو ردّ أمة ولها ولد يعقل الإباق فجعلان. نهر بحثاً (وإن لم يعدلها)
عند الثاني لثبوته بالنص فلذا عوّل عليه أرباب المتون (إن أشهد أنه أخذه ليرده)
حط منه. قوله: (استحساناً) والقياس أن لا يكون له شيء إلا بالشرط، كما إذا ردّ بهيمة
ضالة أو عبداً ضالاً. وجه الاستحسان أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على
أصل الجعل. واختلفوا في مقداره، فأوجبنا الأربعين في مدة السفر وما دونها فيما دونه
جمعاً بين الروايتين. نهر. قوله: (ولو رد أمة الخ) اعلم أنه في كافي الحاكم عمم أولًا
في وجوب الجعل في ردّ الآبق فقال بالغاً أو غير بالغ. ثم قال: وإذا أبقت الأمة ولها
صبيّ رضيع فردها رجل كان له جعل واحد، فإن كان ابنها غلاماً قد قارب الحلم فله
الجعل ثمانون درهماً اهـ. قال في الفتح: لأن من لم يراهق لم يعتبر آبقاً اهـ. ومقتضاه
أن المراد بقوله: ((أو غير بالغ)) هو المراهق. ووفق في البحر بين عبارتي الكافي بأن
الولد إن كان مع أحد أبويه اشترط كونه مراهقاً: أي اشترط ذلك لوجوب جعل آخر لرد
الولد، وإن لم يكن مع أحدهما لا يشترط أن يكون مراهقاً، لكن يشترط عقله لقول
التاترخانية: وما ذكر من الجواب في الصغير محمول على ما إذا كان يعقل الإباق، وإلا
فهو ضالّ لا يستحق له الجعل اهـ. ووفق في النهر بأن قوله: ((قد قارب الحلم)) غير
قيد، لقول شارح الوهبانية: اتفق الأصحاب أن الصغير الذي يجب الجعل برده في قول
محمد هو الذي يعقل الإباق.
وحاصله أنه لا يشترط كونه مراهقاً في وجوب الجعل برده سواء كان مع أحد
أبويه أو وحده، بل الشرط أن يعقل الإباق، فبحث النهر إنما هو تقييد الولد في مسألة
الكافي بكونه يعقل الإباق إشارة إلى أنه المراد من قوله: ((قد قارب الحلم)). قوله:
(لثبوته بالنص) فلا يحط منه لنقصان القيمة، كصدقة الفطر لا يحط منها لو كانت قيمة
الرأس أنقص من صدقة الفطر. قاله العيني. وقال محمد: يقضي بقيمته إلا درهماً، لأن
المقصود إحياء مال المالك فلا بد أن يسلم له شيء تحقيقاً للفائدة. وذكر صاحب
البدائع والإسبيجابي الإمام مع محمد فكان هو المذهب. بحر. والذي عليه المتون
مذهب أبي يوسف كما لا يخفى، فينبغي أن يعوّل عليه لموافقته للنص والله تعالى أعلم
منح ط. قوله: (إن أشهد الخ) شرط لاستحقاق الجعل المذكور، وهذا عند التمكن من
الإشهاد، وإلا فلا يشترط، والقول قوله في أنه لم يتمكن منه كما صرح به في
التاترخانية. بحر. وفي الكافي: أخذه رجل فاشتراه منه رجل وجاء به فلا جعل له لأنه
لم يأخذه ليرده، وكذلك الهبة والوصية والميراث، وإن أشهد حين اشتراه أنه إنما اشتراه
ليرده على صاحبه لأنه لا يقدر عليه إلا بالشراء فله الجعل اهـ. ويكون متبرعاً بالثمن.

٤٥٤
كتاب الآبق
وإلا لا شيء له (و) لراده (من أقل منها بقسطه، وقيل يرضخ له برأي الحاكم) أو
يقدر باصطلاحهما (به يفتى) تاترخانية بحر (ولو من المصر) فيرضخ له أو يقسطه
كما مر.
(وأم ولد ومدبر) ومأذون (كقن) في الجعل.
(وإن مات المولى قبل وصوله) أي الآبق (وهو مدبر أو أم ولد فلا جعل له)
لعتقهما بموته (وإن أبق منه بعد إشهاده) المتقدم (لم يضمن) لأنه أمانة، حتى لو
استعمل في حاجة نفسه ثم إنه أبق ضمن. ابن ملك عن القنية. وفي الوهبانية:
لو أنكر المولى إباقه قبل قوله بيمينه ويلزم مريد الرد قيمته ما لم يبين إباقه
(وضمن لو) أبق أو مات (قبله) مع تمكنه منه لأنه غاصب (ولا جعل له في
الوجهين) خلافاً للثاني في الثاني، لأن الإشهاد عنده ليس شرطاً فيه وفي اللقطة
(ولا جعل برد مكاتب) لحريته يداً.
نهر. قوله: (بقسطه) أي بأن تقسم الأربعون على الأيام لكل يوم ثلاثة عشر وثلث.
نهر. قوله: (يرضخ له) يقال رضخ له كمنع وضرب أعطاه عطاء غير كثير قاموس،
واعتبار رأي الحاكم عند عدم الاصطلاح على شيء ط. قوله: (به يفتى) أي بالرضخ
برأي الحاكم. قوله: (ولو من المصر) تعميم لقوله: ((ومن أقل)) وعنه أنه لا شيء له.
قهستاني عن المضمرات. لكن الأول هو المذكور في الأصل وهو الصحيح. بحر.
قوله: (كقنّ في الجعل) أي في وجوبه، وهذا إذا ردّ المدبر وأم الولد في حياة المولى
كما أفاده ما بعده. قوله: (لعقتهما بموته) فيقع رد حر لا مملوك، وهذا في أم الولد
ظاهر، وكذا في المدبر لو يخرج من الثلث لأنه حينئذ يعتق بالموت اتفاقاً، وإلا فكذلك
عندهما. وعنده يصير كالمكاتب لأنه يسعى في قيمته ليعتق، ولا جعل في رد
المكاتب، وتمامه في الفتح. قوله: (وإن أبق منه) وكذا لو مات في يده. نهر. قوله:
(ثم إنه أبق) أي في حال استعماله، أما لو بعد فراغه وعزمه على أن يرده إلى صاحبه
فينبغي عدم الضمان لعوده إلى الوفاق ط. قوله: (ويلزم مريد الرد قيمته) أي إذا أبق منه
أو مات في يده، سواء أشهد أنه أخذه ليرده أو لا كما هو ظاهر لأنه غير مقيد عند
إنكار المولى إباقه. قوله: (ما لم يبين إباقه) أي بإقامة البينة على إباقه، أو على إقرار
المولى به. زيلعي. قوله: (في الوجهين) أي فيما إذا أبق منه بعد الإشهاد أو قبله. قال
في المنح: أما الأول فلأنه لم يرده إلى مولاه، وأما الثاني فلأنه بترك الإشهاد صار
غاصباً. قوله: (خلافاً للثاني في الثاني) أي في قوله: ((وضمن لو قبله)) فإنه لا يضمن
عند أبي يوسف وإن لم يشهد، والأولى ذكر الخلاف قبل قوله: ((ولا جعل له)) لئلا

٤٥٥
کتاب الآبق
(وجعل عبد الرهن على المرتهن لو قيمته مساوية للدين أو أقل، ولو أكثر
من الدين فعليه بقدر دينه والباقي على الراهن) لأن حقه بالقدر المضمون منه.
(وجعل عبد أوصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر على صاحب الخدمة) في
الحال لأن المنفعة له (فإذا انقضت) الخدمة (رجع صاحبها على صاحب الرقبة أو
بيع العبد فيه) أي في الجعل.
(وجعل مأذون مديون على من يستقر له الملك) فإن بيع بدىء بالجعل
والباقي للغرماء (كما يجب جعل) آبق جنى خطأ لا في يد الآخذ على من سيصير
له، و (مغصوب على غاصبه، وموهوب على موهوب له وإن رجع الواهب) بعد
الرد، لأن زوال ملكه بالرجوع بتقصير منه وهو ترك التصرف (و) جعل عبد
(صبيّ في ماله، و) الآبق (نفقته كنفقة لقطة) كما مر (وله حبسه لدين نفقته، ولا
يوهم أن الخلاف في الجعل وليس كذلك، لأن أبا يوسف وإن أوجب الجعل بدون
إشهاد لكن لا بد فيه أن يرده على مولاه، والكلام فيما إذا أبق أو مات قبل الرد،
فافهم. قوله: (أو بيع العبد فيه) أي إن لم يدفع صاحب الرقبة الجعل. والظاهر أن
الذي يبيعه هو القاضي. قوله: (على من يستقر له الملك) وهو المولى إن اختار قضاء
دينه أو الغرماء إن اختار بيعه في الدين فيجب الجعل في الثمن، وفي كلامه تسامح لأن
الملك لم يستقرّ لهم فيه بل في ثمنه، وإنما استقر ملكه للمشتري ولا شيء عليه كما
في الفتح. قوله: (جنى خطأ) أي قبل الإباق أو بعده قبل الأخذ كما يفيده قوله: ((لا
في يد الآخذ» واحترز به عما لو جنى في يد الاخذ فلا جعل له على أحد كما لو قتل
عمداً ثم رده. قوله: (على من سيصير له) وهو المولى إن اختار فداءه، أو الأولياء إن
اختار دفعه إليهم، فلو دفع المولى الجعل ثم قضى عليه بالدفع إلى الأولياء له الرجوع
على المدفوع إليه بالجعل. بحر عن المحيط. تأمل. قوله: (على غاصبه) لأنه أحياه له
لتبرأ ذمته بدفعه، وظاهره لزوم الجعل له ولو رده إلى مالكه، ويحرر ط. قوله: (وهو
ترك التصرف) أي تصرفه بما يمنع رجوع الواهب في هبته. قوله: (عبد صبيّ)
بالإضافة: أي جعل عبد الصبي في مال الصبي. قوله: (كنفقة لقطة) لأنه لقطة حقيقة
فإذا أنفق عليه الآخذ بلا أمر القاضي كان متبرعاً، وبإذنه كان له الرجوع بشرط أن يقول
على أن ترجع على الأصح. بحر. قوله: (وله حبسه لدين نفقته) فإن طالت المدة ولم
مجئ صاحبه باعه القاضي وحفظ ثمنه كما قدمناه. بحر.
قلت: وله حبسه أيضاً للجعل. قال في الكافي: ولمن جاء بالآبق أن يمسكه

٤٥٦
كتاب المفقود
يؤجره القاضي) خشية إباقه ثانياً (و) لكن (يحبسه تعزيراً) له، وقيل يؤجره للنفقة،
وبه جزم في الهداية والكافي (بخلاف) اللقطة و (الضال) وقدر في التاتر خانية مدة
حبسه بستة أشهر، ونفقته فيها من بيت المال ثم بعدها يبيعه القاضي كما مر.
فرع: أبق بعد البيع قبل القبض للمشتري رفع الأمر للقاضي ليفسخ، والله
أعلم.
كِتَابُ الْمَفْقُودِ
(هو) لغة: المعدوم. وشرعاً (غائب لم يدر أحيّ هو فيتوقع) قدومه (أم
ميت أودع اللحد البلقع) أي القفر جمعه بلاقع، فدخل الأسير ومرتدّ لم يدر ألحق
حتى يأخذ الجعل، فإن مات في يده بعد ما قضى له القاضي بإمساكه بالجعل فلا ضمان
عليه ولا جعل، وكذلك لو مات قبل أن يرفعا إلى القاضي. قوله: (وقيل يؤجره للنفقة)
تقدم الكلام عليه في اللقطة. قوله: (بخلاف اللقطة والضال) فإن الدابة اللقطة تؤجر
لينفق عليها من أجرتها الضال لا يحبس، وظاهره أنه يؤجره لينفق عليه من أجرته، وبه
صرح في كتاب اللقطة. قوله: (ثم بعدها يبيعه القاضي) أي ويرد لبيت المال ما أنفقه
منه كما قدمناه ح، والله سبحانه أعلم.
بِسمِ اللَّهِ الْرّخمُنِ الْرَحِيْمِ
كتاب المفقود
مناسبته للآبق أن كلَّ منهما فقده أهله وهم في طلبه، وأخر عنه لقلة وجوده.
قوله: (هو غائب الخ) أفاد أن قول الكنز ((هو غائب)) لم يدر موضعه معناه لم تدر حياته
ولا موته. قال في البحر: فالمدار إنما هو على الجهل بحياته وموته لا على الجهل
بمكانه، فإنهم جعلوا منه كما في المحيط المسلم الذي أسره العدوّ ولا يدري أحيّ أم
ميت مع أن مكانه معلوم وهو دار الحرب، فإنه أعم من أن يكون عرف أنه في بلدة
معينة من دار الحرب أو لا اهـ. لكن في الملتقى وغيره: هو غائب لا يدري مكانه ولا
حياته ولا موته، قيل فهذا صريح في اشتراط جهل المكان فيكون التعويل عليه.
قلت: الظاهر أن علم المكان يستلزم العلم بالموت والحياة غالباً وعدمه عدمه،
فالعطف للتفسير، ولو علم مكانه من دار الحرب مع تحقق الجهل بحاله وعدم إمكان
الاطلاع عليه لا شك في أنه مفقود، فافهم. قوله: (فيتوقع قدومه) أي يطلب أو ينتظر
وقوعه، وقوله: ((قدومه)) بدل اشتمال من الضمير في ((يتوقع)) العائد إلى قوله: ((غائب))
لا نائب فاعل، لأن حذفه لا يجوز. قوله: (ومرتدّ لم يدر ألحق أم لا) أي فإنه يوقف
ميراثه كما يوقف ميراث المسلم كافي الحاكم، لأنه إذا جهل لحاقه لا يمكن الحكم

٤٥٧
كتاب المفقود
أم لا؟ (وهو في حق نفسه حي) بالاستصحاب، هذا هو الأصل فيه (فلا ينكح
عرسه غيره ولا يقسم ماله) قلت: وفي معروضات المفتي أبي السعود أنه ليس
لأمين بيت المال نزعه من يد من بيده ممن أمنه عليه قبل ذهابه، لما سيجيء معزياً
الخزانة المفتين (ولا تنفسخ إجارته، ونصب القاضي من) أي وكيلاً (يأخذ حقه)
كغلاته وديونه المقر بها (ويحفظ ماله ويقوم عليه) عند الحاجة، فلو له وكيل فله
به، بخلاف ما إذا علم فإنه يحكم به ويكون موتاً حكماً فيقسم ميراثه على ما مر في
بابه. قوله: (وهو في حق نفسه حي) مقابله قوله الآتي: ((وميت في حق غيره).
وحاصله أنه يعتبر حياً في حق الأحكام التي تضره وهي المتوقفة على ثبوت موته
ويعتبر ميتاً فيما ينفعه ويضرّ غيره، وهو ما يتوقف على حياته لأن الأصل أنه حيّ وأنه
إلى الآن كذلك استصحاباً للحال السابق، والاستصحاب حجة ضعيفة تصلح للدفع لا
للإثبات: أي تصلح لدفع ما ليس بثابت لا لإثباته. قوله: (نزعه) أي نزع مال المفقود.
قوله: (لما سيجيء الخ) فيه أن ما هنا أودعه بنفسه وما يجيء في مال مورثه ط.
قلت: لكن يأتي قريباً أنه لو كان وكيل له حفظ ماله: أي لأنه لا ينعزل بفقد
الموكل كما يأتي، لكن نقل ابن المؤيد عن جامع الفصولين: لو أخذ القاضي وديعة
المفقود ممن هي بيده ووضعها عند ثقة لا بأس به اهـ. وهذا يخالف ما في المعروضات،
إلا أن يقال: ما فيها هو في حق أمين بيت المال، فليس له ذلك وإن كان المفقود لا
وارث له إلا بيت المال، لأن الوارث حقيقة ليس له ذلك فأمين بين المال بالأولى وما
نقلناه إنما هو في القاضي الذي له ولاية حفظ مال الغائب. والظاهر أنه محمول على ما
إذا رأى المصلحة في ذلك، بأن كان من المال بيده غير ثقة إلا فهو عبث تأمل. قوله:
(ولا تنفسخ إجارته) لأنها وإن كانت تفسخ بموت المؤجر أو المستأجر لكنه لم يثبت
موته. قوله: (المقر بها) بالبناء للمجهول: أي التي أقرّ بها غرماؤه، قيد به لما في
النهر: ويخاصم في دين وجب بعقده بلا خلاف، لا فيما وجب بعقد المفقود، ولا في
نصيب له في عقار أو عرض في يد رجل، ولا في حق من الحقوق إذا جحده من هو
عنده أو عليه لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه وإنما هو وكيل من جهة القاضي وهولا
يملك الخصومة بلا خوف. قوله: (ويقوم عليه) أعم مما قبله لأنه يشمل الحفظ وغيره
كحصاد ودياس مثلاً. قوله: (عند الحاجة الخ) متعلق بقوله: ((ونصب القاضي)) وهذا
بحث ذكره في البحر، أصله أنه إنما ينصب إذا لم يكن له وكيل في الحفظ أقامه الغائب
قبل فقده، لأنه لا ينعزل بفقده؛ لما في التجنيس: جعل داره بيد رجل ليعمرها أو دفع
ماله ليحفظه وفقد الدافع فله الحفظ لا التعمير إلا بإذن الحاكم، لأنه لعله مات ولا
يكون الرجل وصياً اهـ. وأجاب في النهر بأن الظاهر أنه: أي وكيل المفقود لا يملك

٤٥٨
كتاب المفقود
حفظ ماله لا تعمير داره إلا بإذن الحاكم، لأنه لعله مات، ولا يكون وصياً.
تجنيس (لكنه) أي هذا الوكيل المنصوب (ليس بخصم فيما يدعي على المفقود
من دين ووديعة وشركة في عقار أو رقيق ونحوه) لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه،
وإنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي، وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف؛
ولو قضى بخصومته لم ينفذ. زاد الزيلعي في القضاء وتبعه الكمال: إلا بتنفيذ
قبض ديونه التي أقرّ بها غرماؤه ولا غلاته، وحينئذ فيحتاج إلى النصب، وكأن هذا هو
السرّ في إطلاقهم نصب الوكيل اهـ.
قلت: وفيه نظر، لأن مراد البحر أن القاضي إنما ينصب له من يأخذ حقه ويحفظ
ماله إذا لم يكن له وكيل في ذلك، لأن وكيله لا ينعزل بفقده؛ وقول النهر: الظاهر أنه
لا يملك قبض ديونه الخ غير مسلم إلا بنقل صريح، لأنه إذا لم ينعزل وقد وکله بذلك
فما المانع له منه؟ فلذا والله أعلم لم يعوّل الشارح على كلامه. قوله: (ليس بخصم
فيما يدعي على المفقود) ولا فيما يدعي له كما علمته. قال في البحر: وكذا ليس
للورثة ما ذكر لأنهم يرثونه بعد موته ولم يثبت. ثم نقل عن البزازية: مات عن ابنين
أحدهما مفقود فزعم ورثة المفقود أنه حيّ وله الميراث والابن الآخر بزعم موته لا
خصومة بينهما، لأن ورثة المفقود اعترفوا أنه لا حق لهم في التركة فكيف يخاصمون
عمهم اهـ. لأن اعترافهم بحياته اعتراف بأن الحق له. قوله: (ونحوه) أي نحو ما ذكر
من رد بعيب أو مطالبة لاستحقاق. بحر. قوله: (بلا خلاف) لما فيه من تضمن الحكم
على الغائب وإنما الخلاف المعروف بينهم فيمن وكله المالك بقبض الدين هل يملك
الخصومة أم لا؟ فعنده يملكها وعندهما: لا اهـح عن الزيلعي.
مَطْلَبْ: قَضَاءُ الْقَاضِي ثَلاثَةُ أَقْسَامِ
قوله: (لم ينفذ) اعلم أن قضاء القاضي ثلاثة أقسام: قسم يرد بكل حال، وهو ما
خالف النص أو الإجماع. وقسم يمضي بكل حال، حتى لو رفع إلى قاض آخر لا يراه
نفذه وأمضاه ولا يبطله، وهو ما يكون الخلاف فيه لا في نفس القضاء بل في سببه.
وأمثلته كثيرة: منها لو قضى شافعي بشهادة المحدودين بعد التوبة أو قضى لامرأة
بشهادة زوجها وأجنبي نفذ؛ ولو رفع إلى حنفي لزمه تنفيذه لأن الاختلاف في سبب
القضاء، وهو أن شهادة هؤلاء هل تصير حجة للحكم أم لا، أما نفس الحكم فلا
اختلاف فيه. والقسم الثالث: الحكم المجتهد فيه، وهو ما يقع الخلاف فيه في نفس
الحكم؛ فقيل ينفذ أيضاً، وقيل لا ينفذ إلا إذا نفذه قاض آخر، فإذا نفذه الثاني نفذ،
حتى لو رفع إلى ثالث أمضاه، وإذا أبطله الثاني فليس لأحد أن يجيزه، وهذا هو

٤٥٩
كتاب المفقود
قاض آخر، لكن في الخلاصة: الفتوى على النفاذ: يعني لو القاضي مجتهداً.
نهر.
(ولا يبيع) القاضي (ما لا يخاف فساده في نفقة ولا في غيرها، بخلاف ما
يخاف فساده) فإنه يبيعه القاضي ويحفظ ثمنه.
قلت: لكن في معروضات المفتي أبي السعود أن القضاة وأمناء بيت المال
في زمننا مأمورون بالبيع مطلقاً وإن لم يخف فساده، فإن ظهر حياً فله الثمن لأن
الصحيح. وبعضهم صحح الأول، وذلك كما لو قضى لولده على أجنبي أو لامرأته
بشهادة رجلين، لأن نفس القضاء مختلف فيه.
واختلفوا فيما لو قضى على الغائب: فقيل هو من هذا القسم فلا ينفذ إلا بتنفيذ
قاض آخر، وهو ما نقله عن الزيلعي والكمال، بناء على أن الاختلاف في نفس القضاء
على الغائب. وقيل هو من القسم الثاني فينفذ بلا توقف على تنفيذ قاض آخر، وهو ما
نقله عن الخلاصة بناء على أن الاختلاف لا في نفس القضاء بل في سببه، وهو أن البينة
هل تكون حجة من غير خصم حاضر أو لا؟. قوله: (يعني لو القاضي مجتهداً) ومثله ما
لو كان مقلد المجتهد، وهذا ترجيح لما حققه في البحر من كتاب القضاء من أن
الخلاف في نفاذ القضاء على الغائب، محله ما إذا كان مذهب القاضي صحة هذا
القضاء، بخلاف القاضي الحنفي، وسيأتي في القضاء إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك.
قوله: (ولا يبيع القاضي ما لا يخاف فساده) منقولًا كان أو عقاراً، لأن القاضي لا ولاية
له على الغائب إلا في الحفظ، وفي البيع ترك حفظ الصورة بلا ملجىء، وما يخاف
عليه الفساد كالثمار ونحوها يبيعه، لأنه تعذر حفظ صورته ومعناه فينظر للغائب بحفظ
معناه اهـ. من الهداية والفتح.
وفي جامع الفصولين وشرح الوهبانية: للقاضي بيع مال المفقود والأسير من
المتاع والرقيق والعقار إذا خيف عليه الفساد، وليس له بيعها لنفقة عيالهما، وإن باعها
لخوف الضياع فصارت دراهم أو دنانير يعطي النفقة منها بطريقة اهـ. وفيه شراه فغاب
قبل قبضه غيبة منقطعة ولا يدري أين هو جاز للقاضي بيع المبيع وإبقاء الثمن للبائع لو
كان المبيع منقولاً لا لو عقاراً. وعلى هذا لو رهن المديون وغاب غيبة منقطعة فرفع
المرتهن الأمر للقاضي ليبيع الرهن بدينه ينبغي أن يجوز كما في هذه المسألة اهـ.
قلت: ومسألة بيع المبيع ذكرها المصنف في متفرّقات البيوع، وذكر في النهر
هناك أنه لو غاب بعد قبض المبيع ليس للقاضي بيعه، ومسألة بيع الرهن ذكرها الشارح
في كتاب الرهن، ومقتضى قياس هذه على المسألة الأولى تخصيص الرهن بكونه
منقولًا. تأمل. قوله: (مأمورون بالبيع) أي أمرهم السلطان بذلك.

٤٦٠
كتاب المفقود
القضاة غير مأمورين بفسخه؛ نعم إذا بيع بغبن فاحش فله فسخه اهـ. فليحفظ.
(وينفق على عرسه وقريبه ولاداً) وهم أصوله وفروعه (ولا يفرق بينه وبينها
ولو بعد مضيّ أربع سنين) خلافاً لمالك
أقول: كيف يتجه هذا الأمر مع مخالفته لما ذكره المصنف تبعاً لما في كتب
المذهب كالهداية وغيرها وكافي الحاكم الشهيد بلا حكاية خلاف. إلا أن يقال: إنه إذن
للقضاة بالحكم على مذهب الغير، لكن في حكم القاضي بخلاف مذهبه كلام مذكور
في كتاب القضاء، على أن أمر قضاة زمانه لا يسري على غيرهم كما حرره. في
الخيرية. قوله: (وينفق) أي الوكيل المنصوب. نهر: أي ينفق من مال المفقود لحاصل
في بيته والواصل من ثمن ما يتسارع إليه الفساد ومن مال مودوع عند مقرّ ودين على
مقر، وتمامه في الفتح والبحر. قوله: (ولاداً) نصب على التمييز. نهر. قوله: (وهم
أصوله وفروعه) أعاد الضمير بالجمع على القريب لأنه يصدق على الواحد والأكثر،
والمراد الأصول وإن علوا والفروع وإن سفلوا، ولم يشترط الفقر في الأصول استغناء
بما مر في النفقات؛ وإنما ينفق عليهم لأن وجوب النفقة لهم ولا يتوقف على القضاء
فكان إعانة لهم، بخلاف غير الولاد من الأخ ونحوه فإن وجوبها يتوقف عليه، فكان
قضاء على الغائب وهو لا يجوز، وهذا الإطلاق مقيد بالدراهم والدنانير والتبر لأن
حقهم في المطعوم والملبوس، فإن لم يكن ذلك في ماله احتيج إلى القضاء بالقيمة
وهي النقدان، وقد علمت أنه على الغائب لا يجوز إلا في الأب، فإن له بيع العرض
لنفقته استحساناً كما في المبسوط، وقدم المصنف في النفقات أن لهؤلاء أخذ النفقة من
مودعه ومديونه المقرين بالنكاح والنسب إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي، فإن ظهرا
لم يشترط أو أحدهما اشترط الإقرار بما خفي هو الصحيح، فإن أنكر الوديعة والدين لم
ينتصب أحد من هؤلاء خصماً فيه والمسألة بفروعها مرت نهر: أي مرت في النفقات.
مَطْلَبٌ فِي الإِقْتَاءِ بِمَذْهَبٍ مَالِكِ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ
قوله: (خلافاً لمالك) فإن عنده تعتدّ زوجة المفقود عدة الوفاة بعد مضيّ أربع
سنين، وهو مذهب الشافعي القديم، وأما الميراث فمذهبهما كمذهبنا في التقدير بتسعين
سنة، أو الرجوع إلى رأي الحاكم. وعند أحمد: إن كان يغلب على حاله الهلاك كمن
فقد بين الصفين أو في مركب قد انكسر أو خرج لحاجة قريبة فلم يرجع ولم يعلم خبره
فهذا بعد أربع سنين يقسم ماله وتعتد زوجته، بخلاف ما إذا لم يغلب عليه الهلاك
كالمسافر لتجارة أو لسياحة فإنه يقوّض للحاكم في رواية عنه، وفي أخرى: يقدر
بتسعين من مولده كما في شرح ابن الشحنة، لكنه اعترض على الناظم بأنه لا حاجة
للحنفي إلى ذلك: أي لأن ذلك خلاف مذهبنا فحذفه أولى. وقال في الدرّ المنتقى: