Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الجهاد/ باب البغاة
(وبيع ما يتخذ منه كالحديد) ونحوه يكره لأهل الحرب (لا) لأهل البغي لعدم
تفرغهم لعمله سلاحاً لقرب زوالهم، بخلاف أهل الحرب زيلعي.
قلت: وأفاد كلامهم أن ما قامت المعصية بعينه يكره بيعه تحريماً، وإلا
فتنزيهاً . نهر .
وفي الفتح: ينفذ حكم قاضيهم لو عادلاً، وإلا لا، ولو كتب قاضيهم إلى
قاضينا كتاباً، فإن علم أنه قضى بشهادة عدلين نفذه، وإلا لا.
السلاح فإن المقصود الأصلي منه هو المحاربة به فكان عينه منكراً إذا بيع لأهل الفتنة،
فصار المراد بما تقام المعصية به ما كان عينه منكراً بلا عمل صنعة فيه، فخرج نحو
الجارية المغنية لأنها ليست عين المنكر، ونحو الحديد والعصير، لأنه وإن كان يعمل
منه عين المنكر لكنه بصنعة تحدث فلم يكن عينه، وبهذا ظهر أن بيع الأمرد ممن يلوط به
مثل الجارية المغنية فليس مما تقوم المعصية بعينه، خلافاً لما ذكره المصنف والشارح
في باب الحظر والإباحة، ويأتي تمامه قريباً. قوله: (يكره لأهل الحرب) مقتضى ما
نقلناه عن الفتح عدم الكراهة، إلا أن يقال: المنفي كراهة التحريم والمثبت كراهة
التنزيه، لأن الحديد وإن لم تقم المعصية بعينه لكن إذا كان بيعه ممن يعمله سلاحاً كان
فيه نوع إعانة. تأمل. قوله: (نهر) عبارته: وعرف بهذا أنه لا يكره بيع ما لم تقم
المعصية به كبيع الجارية المغنية والكبش النطوح والحمامة الطيارة والعصير والخشب
الذي يتخذ منه المعازف، وما في بيوع الخانية من أنه يكره بيع الأمرد من فاسق يعلم
أنه يعصي به مشكل. والذي جزم به في الحظر والإباحة أنه لا يكره بيع جارية ممن
يأتيها في دبرها أو بيع الغلام من لوطي وهو الموافق لما مر. وعندي أن ما في الخانية
محمول على كراهة التنزيه والمنفي هو كراهة التحريم، وعلى هذا فيكره في الكل
تنزيهاً، وهو الذي إليه تطمئن النفس لأنه تسبب في الإعانة، ولم أر من تعرّض لهذا،
والله تعالى الموفق اهـ. قوله: (ينفذ) بالتشديد مبنياً للمجهول. قوله: (لو عادلًا) أي لو
كان حكم قاضيهم عادلًا: أي على مذهب أهل العدل. قال في الفتح: وإذا ولى البغاة
قاضياً على مكان غلبوا عليه فقضى ما شاء ثم ظهر أهل العدل فرفعت أقضيته إلى
قاضي العدل نفذ منها ما هو عدل، وكذا ما قضى برأي بعض المجتهدين، لأن قضاء
القاضي في المجتهدات نافذ وإن كان مخالفاً لرأي قاضي العدل اهـ. قوله: (ولو كتب
قاضيهم الخ) محله إذا كان من أهل العدل، وإلا لا يقبل كتابه لفسقه كما في الفتح.
وأفاد صحة تولية البغاة القضاء كما سيأتي في بابه، والله سبحانه أعلم.

٤٢٢
كتاب اللقيط
كِتَابُ الْلَّقِيْطِ
عقبه مع اللقطة بالجهاد لعرضيتهما لفوات النفس والمال، وقدم اللقيط
لتعلقه بالنفس، وهي مقدمة على المال.
(هو) لغة: ما يلقط، فعيل بمعنى مفعول، ثم غلب على الولد المنبوذ
بِسمَّ اللَّهَ الرّحمنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْلَّقِيْطِ(١)
أي كتاب لقط اللقيط. قهستاني، والأولى قول الحموي كتاب في بيان أحكام
اللقيط، لأن الكتاب معقود لبيان ما هو أعم من لقطه كنفقته وجنايته وإرثه وغیر
ذلك ط. قوله: (عقبه مع اللقطة بالجهاد) تبع في هذا التعبير صاحب النهر، وفيه قلب،
وصوابه عقب الجهاد به مع اللقطة ط .
قلت: لكن في المصباح: كل شيء جاء بعد شيء فقد عاقبه وعقبه تعقيباً، ثم
قال: وعقبت زيداً عقباً من باب قتل وعقوباً جئت بعده، ثم قال: والسلام يعقب
التشهد: أي يتلوه، فهو عقيب له اهـ. فعلى هذا إذا قلت أعقبت زيداً عمراً كان معناه:
جعلت زيداً تالياً لعمرو، لأن زيداً فاعل في الأصل كما في ألبست زيداً جبة، وكذا
تقول أعقبت السلام التشهد: أي أتيت بالسلام بعد التشهد، ومثله أعقبت السلام
بالتشهد بزيادة الباء، وعليه فقوله عقب اللقيط بالجهاد معناه: أتى به عقب الجهاد فلا
قلب فيه، هذا ما ظهر لي. قوله: (لعرضيتهما) بفتح العين والراء اهـح: أي لتوقع
عروض الهلاك والزوال فيهما: أي كما أن الأنفس والأموال في الجهاد على شرف
الهلاك، وإنما قدمه عليهما لكونه فرضاً لإعلاء كلمة الله تعالى والالتقاط مندوب.
قوله: (ما يلقط) أي يرفع من الأرض فتح. قوله: (ثم غلب) أي في اللغة كما هو ظاهر
(١) اللقيط لغة: ما يُلقط أي يرفع من الأرض وقد غلب على الصبي المنبوذ، وفي الصحاح المنبوذ: الصبي
الذي تلقيه أمه في الطريق.
انظر: الصحاح ٥٧١/٢، والمصباح المنير ٨٥٨/٢، والمغرب ٢٤٧/٢.
اصطلاحاً:
عرفه الحنفية بأنه: اسم لحي مولود طرحه أهله خوفاً من العيلة أو فراراً من تهمة الزنا.
عرفه الشافعية بأنه: طفل نبيذ بنحو شارع لا يعرف له مدع، وطفل باعتبار الغالب وإلا فقد يكون صغيراً
مميزاً.
عرفه المالكية بأنه: صغير آدمي لم يعرف أبوه ولا أمه.
عرفه الحنابلة بأنه: طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل عن الطريق ما بين ولادته إلى سن التمييز على
الصحيح من المذهب، وقيل المميز لقيط.
انظر: شرح فتح القدير ٦/ ١٠٩. ١١٠، نهاية المحتاج ٤٤٢/٥، كشاف القناع ٢٢٦/٤.

٤٢٣
كتاب اللقيط
باعتبار المآل وشرعاً (اسم لحي مولود طرحه أهله خوفاً من العيلة أو فراراً من تهمة
الريبة) مضيعه آثم محرزه غانم (التقاطه فرض كفاية إن غلب على ظنه هلاكه لو لم
يرفعه) ولو لم يعلم به غيره ففرض عين، ومثله رؤية أعمى يقع في بئر. شمني
(وإلا فمندوب) لما فيه من الشفقة والإحياءُ و(هو حر) مسلم تبعاً للدار
المغرب والمصباح، فهو كاستعمالهم اللفظ بمعنى الملفوظ ثم تخصيصه بما يلفظه الفم
من الحروف. قوله: (باعتبار المآل) لأنه يؤول أمره إلى الالتقاط في العادة، وظاهره أنه
مجاز لغوي بعلاقة الأول مثل - أعصر خمراً . وانظر ما قدمناه في باب كيفية القسمة عند
قوله: ((سماه قتيلاً الخ)). قوله: (وشرعاً اسم لحي مولود الخ) كذا في البحر، وظاهر
الفتح اتحاد المعنى الشرعي واللغوي، وعلى ما هنا فالمغايرة بينهما بزيادة قيد الحياة
وهو غير ظاهر، لأن الميت كذلك فيما يظهر حتى يحكم بإسلامه تبعاً للدار فيغسل
ويصلى عليه، ولو وجد قتيلاً في محلة تجب فيه الدية والقسامة كما سنذكره. تأمل.
والمراد به ما كان من بني آدم كما نقل عن الإتقاني وقيد بقوله: ((طرحه أهله)) احترازاً
عن الضائع. قوله: (خوفاً من العيلة) بالفتح: الفقر. مصباح. قوله: (فراراً من تهمة
الريبة) التهمة: بفتح الهاء وسكونها: الشك والريبة. مصباح. وفيه أيضاً: الريبة: الظن
والشك، لكن المراد بها هنا الزنا. قوله: (مضيعة) أي طارحه أو تاركه حتى ضاع أي
هلك. قوله: (إن غلب على ظنه هلاكه) بأن وجده في مفازة ونحوها من المهالك،
وليس مراد الكنز من الوجوب الاصطلاحي بل الافتراض، فلا خلاف بيننا وبين باقي
الأئمة كما قدم توهم. بحر. قال في النهر: وفيه إيماء إلى أنه يشترط في الملتقط كونه
مكلفاً، فلا يصح التقاط الصبيّ والمجنون، ولا يشترط كونه مسلماً عدلًاً رشيداً لما
سيأتي من أن التقاط الكافر صحيح والفاسق أولى، وأن العبد المحجور عليه يصح
التقاطه أيضاً، فالمحجور عليه بالسفه أولى اهـ. ويأتي قريباً تمام الكلام على
المحجور. قوله: (وإلا فمندوب) قال في البحر: وينبغي أن يحرم طرحه بعد التقاطه،
لأنه وجب عليه بعد التقاطه حفظه فلا يملك رده إلى ما كان عليه. قوله: (وهو حرّ)
أي في جميع أحكامه حتى يحدّ قاذفه، لأن الأصل في بني آدم الحرية لأنهم أولاد خيار
المسلمين آدم وحوّاء وإنما عرض الرق بعروض الكفر لبعضهم، وكذا الدار دار
الأحرار. فتح. وشمل ما إذا كان الواجد حرّاً أو عبداً أو مكاتباً ولا يكون تبعاً للواجد
والولوالجية.
وفي المحيط: لو وجده المحجور ولا يعرف إلا بقوله قال المولى كذبت بل
هو عبدي فالقول للمولى، لأنه ذو اليد إذ لا يد للعبد على نفسه وإن كان العبد
مأذوناً فالقول له لأن له يداً، وتمامه في البحر. قوله: (مسلم تبعاً للدار) أفاد أن "

٤٢٤
كتاب اللقيط
(إلا بحجة رقه) على خصم وهو الملتقط لسبق يده (وما يحتاج إليه) من نفقة
وكسوة وسكنى ودواء ومهر إذا زوّجه السلطان (في بيت المال) إن برهن على
التقاطه (وإن كان له مال) أو قرابة (ففي ماله) أو على قرابته (وارثه) ولو دية(في
بيت المال كجنايته) لأن الغرم بالغنم
المعتبر في ثبوت إسلامه المكان، سواء كان الواجد مسلماً أو كافراً، وفيه خلاف
سيأتي. قوله: (إلا بحجة رقه) يستثنى منه ما لو كان الملتقط عبداً محجوراً وادعى
مولاه أنه عبده كما مر آنفاً، وكذا لو ادعاه الملتقط الحرّ إن لم يكن أقرّ بأنه لقيط كما
في البحر. قوله: (على خصم وهو الملتقط) هذا إذا كان اللقيط صغيراً، فلو كبيراً
يثبت رقه بإقامة البينة عليه وبإقراره أيضاً كما في القهستاني عن النظم، لكن إقراره
يقتصر عليه ويأتي بيانه في الفروع. قوله: (وما يحتاج إليه) عبارة المتون: ونفقته في
بيت المال. قال في البحر: ولو قال وما يحتاج إليه كان أولى، لما في المحيط من
أن مهره إذا زوّجه السلطان في بيت المال، وإن كان له مال ففي ماله اهـ. قوله: (من
نفقة وكسوة الخ) في النهر: قد مر أن النفقة اسم للطعام والشراب والكسوة
والسكنى. قوله: (ودواء) ذكره في النهر بحثاً لأنه أولى من التزويج. قوله: (إذا زوّجه
السلطان) أي أو وكيله، وقيد به لأن الملتقط لا يملك تزويجه كما يأتي. والظاهر أن
تزويج السلطان له مقيد بالحاجة، كما لو احتاج إلى خادم فزوّجه امرأة تخدمه أو نحو
ذلك، وإلا ففيه الإتفاق من بيت المال بلا ضرورة. والظاهر أن نفقة زوجته في بيت
المال أيضاً، فتأمل. قوله: (إن يرهن على التقاطه) لأنه عساه ابنه والوجه أن لا
يتوقف على البيئة بل ما يرجح صدقه لأنها لم تقم على خصم حاضر، ولذا قال في
المبسوط: هذه لكشف الحال، والبينة لكشف الحال مقبولة وإن لم تقم على خصم.
فتح.
تنبيه: أفاد أنه لو أنفق الملتقط من ماله فهو متبرّع إلا إذا أذن له القاضي بشرط
الرجوع، وسيأتي تمامه في اللقطة. قوله: (ولو دية) قال في الفتح: حتى لو وجد
اللقيط قتيلًا في محلة كان على أهلها ديته لبيت المال وعليهم القسامة، وكذا إذا قتله
الملتقط أو غيره خطأ فالدية على عاقلته لبيت المال، ولو عمداً فالخيار إلى
الإمام اهـ: أي بين القتل والصلح على الدية، وليس له العفو. بحر. قوله: (كجنايته)
أي على غيره.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ: الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ
قوله: (لأن الغرم بالغنم) تعليل لقوله كجنايته. قال في المصباح: والغنم بالغرم:

٤٢٥
كتاب اللقيط
(وليس لأحد أخذه منه قهراً) وهل للإمام الأعظم أخذه بالولاية العامة في الفتح
لا، وأقره المصنف تبعاً للبحر وحرّر في النهر؛ نعم لكن لا ينبغي أخذه إلا
بموجب (فلو أخذه أحد وخاصمه الأول رد إليه) إلا إذا دفعه باختياره لأنه أبطل
حقه (و) هذا إذا اتحد الملتقط، فلو تعدد وترجح أحدهما كما (لو وجده مسلم
وكافر فتنازعا قضى به للمسلم) لأنه أنفع للقيط خانية، ولو استويا فالرأي
للقاضي. بحر بحثاً.
أي مقابل به، فكما أن المالك يختص بالغنم ولا يشاركه فيه أحد فكذلك يتحمل الغرم
ولا يتحمل معه أحد، وهذا معنى قولهم: الغرم مجبور بالغنم اهـ. قوله: (وليس لأحد
أخذه منه قهراً) لأنه ثبت حق الحفظ له لسبق يده، وينبغي أن ينتزع منه إذا لم يكن أهلاً
لحفظه كما قالوا في الحاضنة، وكما يفيده قول الفتح الآتي إلا بسبب يوجب ذلك.
بحر.
قلت: وكذا يفيده ما سيأتي من أنه يثبت نسبه من ذمي، ولكن هو مسلم فينزع
من يده قبيل عقل الأديان. والظاهر أن النزع فيه واجب، كما لو كان الملتقط فاسقاً
يخشى عليه منه الفجور باللقيط فينزع منه قبيل حدّ الاشتهاء ولا ينافيه ما في الخانية
من أنه إذا علم القاضي عجزه عن حفظه بنفسه وأتى به إليه فإن الأولى له أن
يقبله اهـ، لأنه إذا لم يرد بالأولى الوجوب فوجهه أنه إذا لم يقبله منه بعد ما أتى به
إليه علم أمانته وديانته وأنه حيث لم يقبله منه يدفعه هو إلى من يحفظه فلم يتعين
القاضي لأخذه منه، بخلاف ما إذا كان يخشى عليه من الملتقط، وبه اندفع ما في
النهر. قوله: (في الفتح لا) حيث قال: لا ينبغي للإمام أن يأخذه من الملتقط إلا
بسبب يوجب ذلك؛ لأن يده سبقت إليه فهو أحق منه. قوله: (وحرر في النهر نعم)
حيث قال: وأقول المذكور في المبسوط أن للإمام الأعظم أن يأخذه بحكم الولاية
العامة إلا أنه لا ينبغي له ذلك، وهو الذي ذكره في الفتح. قوله: (وهذا) أي عدم
أخذه من الملتقط. قوله: (لأنه أنفع للقيط) لأنه يعلمه أحكام الإسلام ولأنه محكوم له
بالإسلام، فكان المسلم أولى بحفظه. أفاده في البحر.
قلت: وهذا إذا لم يعقل الأديان وإلا نزع من الكافر ولو كان هو الملتقط وحده
كما يأتي. تأمل. قوله: (ولو استويا) بأن كانا مسلمين أو كافرين. قوله: (فالرأي
للقاضي) وينبغي أن يرجح ما هو أنفع للقيط. نهر. بأن يقدم العدل على الفاسق والغني
على الفقير، بل ظاهر تعليل الخانية بأنه أنفع للقيط عدم اختصاص الترجيح بالإسلام
فيعم ما ذكر، فيقضي به للعدل والغني حيث كان هو الأنفع، ولذا قال في البحر: وهو
يفيد أنه إن أمكن الترجيح اختص به الراجح اهـ. وعلى هذا يحمل قوله ولو استويا: أي

٤٢٦
كتاب اللقيط
(ويثبت نسبه من واحد) بمجرد دعواه ولو غير الملتقط استحساناً لو حياً
وإلا فالبينة. خانية (ومن اثنين) مستويين كولد أمة مشتركة. وعبارة المنية: ادعاه
أكثر من اثنين فعن الإمام أنه إلى خمسة ظاهرة في عدم قبول دعوى الزائد. ولا
يشترط اتحاد الإمام نهر،
في صفات الترجيح كلها. قوله: (استحساناً) والقياس أن لا تصح دعواهما، أما الملتقط
فلتناقضه، وأما غيره فلأن فيه إبطال حق ثابت بمجرد دعوى: أعني الحفظ للملتقط
وحق الولد للعامة. وجه الاستحسان أنه إقرار للصبيّ بما ينفعه والتناقض لا يضرّ في
دعوى النسب، وإبطال حق الملتقط ضمناً ضرورة ثبوت النسب، وكم من شيء يثبت
ضمناً لا قصداً؛ ألا ترى أن شهادة القابلة بالولادة تصح ثم يترتب عليها استحقاقه
للإرث، ولو شهدت عليه ابتداء لم يصح. نهر. قوله: (لو حيّاً) أي لو كان اللقيط حياً
وهو مرتبط بقوله: ((بمجرد دعواه). قوله: (وإلا فبالبينة) أي وإن كان اللقيط ميتاً وترك
مالاً أو لم يترك فادعى رجل بعد موته أنه ابنه لا يصدق إلا بحجة. بحر عن الخانية:
أي لاحتمال ظهور مال له، ولعل وجه الفرق أن دعوى الحي تتمحض للنسب، بخلاف
الميت لاستغنائه عنه بالموت فصارت دعوى الإرث، ثم رأيته صريحاً في الفتح. وأيضاً
فإنه في دعوى الحي غير متهم لإقراره على نفسه بوجوب النفقة. تأمل. قوله: (ومن
اثنين مستويين) أي إذا ادعياه معاً فلو سبق أحدهما فهو ابنه ما لم يبرهن الآخر، وقيد
الاستواء، إذ لو كان لأحدهما مرجح، فهو أولى كملتقط وخارج فيحكم به للملتقط ولو
ذمياً وبإسلام الولد؛ ولو خارجين يقدم من برهن على من لم يبرهن، والمسلم على
الذمي، والحر على العبد، والذمي الحرّ على العبد المسلم، أفاده في البحر. وكأن
الشارح ترك التقييد بالمعية لكون الأسبق له مرجح وهو السبق لعدم المنازع، ومن
المرجح وصف أحدهما علامة كما يأتي. قوله: (كولد أمة مشتركة) أي فإنه لو ادعاه كل
من الشريكين أو الشركاء معاً ثبت من الكل، فهو تشبيه لمسألة المتن بهذه كما نبه عليه
في الدر المنتقى لا تقييد لما في المتن بما إذا ادعاه كل من الملتقطين من جارية
مشتركة، خلافاً لما فهمه في البحر من عبارة الخانية كما نبه عليه في النهر، ولذا قال
بعده: ولا يشترط اتحاد الأم، وبه صرح في التاترخانية كما يأتي. قوله: (وعبارة المنية)
مبتدأ ومضاف إليه، وقوله: ((ادعاه الخ)) بدل من عبارة، وقوله: (ظاهرة)) خبر المبتدأ،
ومثل ما في المنية ما في الفتح حيث قال: ولا يلحق بأكثر من اثنين عند أبي يوسف،
وهو رواية عن أحمد. وعند محمد: لا يلحق بأكثر من ثلاثة. وفي شرح الطحاوي: وإن
كان المدعي أكثر من اثنين، فعن أبي حنيفة أنه جوّزه إلى خمسة اهـ. قال في البحر:
ولم أر توجيه هذه الأقوال. قوله: (ولا يشترط اتحاد الأم) لما في النهر عن التاتر خانية:

٤٢٧
كتاب اللقيط
لكن في القهستاني عن النظم ما يفيد ثبوته من الأكثر فليحرر.
(ولو ادعته امرأة) واحدة (ذات زوج، فإذا صدّقها زوجها أو شهدت لها
القابلة أو قامت بينة) ولو رجلًا وامرأتين على الولادة (صحت) دعوتها (وإلا لا)
لما فيه من تحمل النسب على الغير (وإن لم يكن لها زوج فلا بد من شهادة
رجلين؛ ولو ادعته امرأتان وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به، وإن أقامتا جميعاً
فهو ابنهما) خلافاً لهما. الكل من الخانية (وإن) ادعاه خارجان و(وصف أحدهما
علامة به) أي بجسده لا بثوبه (ووافق فهو أحق) إذا لم يعارضها أقوى منها، كبينة
لو عين كل واحد منهما امرأة أخرى قضى بالولد بينهما، وهل يثبت نسب الولد من
المرأتين على قياس قوله: ((يثبت)) وعلى قولهما: ((لا)). قوله: (لكن في القهستاني الخ)
استدراك على ما في المنية، وعبارة القهستاني هكذا: وفيه: أي في قول النقاية: ولو
رجلين إشارة إلى أنه لو ادعاه أكثر من رجلين لم يثبت منه، وهذا عند أبي يوسف. وأما
عند محمد فيثبت من الثلاث لا الأكثر. وعند أبي حنيفة: يثبت من الأكثر اهـ. فقوله:
((من الأكثر)) يشمل ما فوق الخمسة، لكن حيث قيده غيره بالخمسة يحمل إطلاقه عليه
لأنه صريح. قوله: (ولو رجلًا وامرأتين) لعله أتى بالمبالغة إشارة إلى أن قوله الآتي:
((فلا بد من شهادة رجلين)) ليس المراد به الحصر في الرجلين بل المراد به تصاب
الشهادة فهو نفي لقبول شهادة الفرد، فلا ينافي قبول شهادة رجل وامرأتين لأن الشهادة
على النسب لا يشترط فيها الرجال، بخلاف نحو الحدود والقود، فافهم. قوله: (على
الغير) أي على الزوج لأنه يلزم من ثبوته منها ثبوته منه لأن الولد للفراش. قوله: (فلا بد
من شهادة رجلين) ذكر في النهر أن هذا يخالف ما في المنية من أنها تصدق ولو ادعت أنه
ابنها منه اهـ. وذكر في الخانية الفرق بين هذا وبين قبول دعوى الرجل بلا بينة، وهو أن
في قبول قول الرجل دفع العار عن اللقيط، وليس ذلك في دعوى المرأة فلا يقبل قولها
بلا بينة اهـ. ولذا قبل قولها بتصديق الزوج وشهادة القابلة، لأنه يثبت نسبه من الزوج
فيندفع عنه العار: أي عاره بكونه لا أب له فإنه مظنة كونه ابن زنا. قوله: (خلافاً لهما)
فعندهما لا يكون لواحدة منهما، لكن عن محمد روايتان: إحداهما كقول الإمام كما في
البحر عن البدائع. قوله: (الكل من الخانية) أي ما ذكر من مسائل دعوى المرأة
والمرأتين. قوله: (وإن ادعاه خارجان) أي لا يد لأحدهما عليه، وقيد به لما في البحر
من أن ظاهر ما في الفتح تقديم ذي اليد على الخارج ذي العلامة. قوله: (أي بجسده)
أي كشامة وسلعة. قوله: (لا بثوبه) لأن الثوب غير ملازم له فلا يفيد التعيين ط.
قلت: وهذا ذكره في النهر أخذاً من مفهوم قول القدوري «بجسده)). قوله:
(ووافق) قيد به لأنه لو لم يوافق فلا ترجيح وهو ابنهما وكذا لو أصاب في البعض دون

٤٢٨
كتاب اللقيط
الآخر وحريته وسبقه وسنه إن أرّخا، فإن اشتبه فبينهما وإسلامه، ولو ادعى
أحدهما أنه ابنه والآخر أنه ابنته فإذا هو خنثى: فلو مشكلًا قضى لهما، وإلا فلمن
ادعى أنه ابنه؛ ولو شهد للمسلم ذميان وللذمي مسلمان قضى به للمسلم.
تاتر خانية .
(و) يثبت نسبه (من ذمي و) لكن (هو مسلم) استحساناً فينتزع من يده قبيل
عقل الأديان ما لم يبرهن بمسلمين أنه ابنه فيكون كافراً. نهر (إن لم يكن) أي
البعض أو وصفاً ولم يصب واحد منهما أما لو أصاب أحدهما دون الآخر فهو لمن
أصاب. بحر عن الظهيرية. قوله: (وسبقه) أي لو كانت دعوى أحدهما سابقة على الآخر
كان ابنه ولو وصف الثاني علامة لثبوته في وقت لا منازع له فيه اهـ. فتح. فعلم أن
المراد السبق في الدعوى لا في وضع اليد، لأن الكلام في الخارجين فافهم. قوله:
(وحريته) ذكره في النهر بحثاً. قوله: (وسنه إن أرخا، فإن اشتبه فبينهما) هذا يوجد في
بعض النسخ. قال في البحر: وفي الظهيرية: رجلان ادعياه وأرخت بينة كل منهما يقضي
لمن يشهد له سن الصبيّ، فلو السن مشتبهاً فعلى قولهما يسقط اعتبار التاريخ ويقضي
لهما. وعلى قوله، وفي رواية كذلك، وفي أخرى لأسبقهما تاريخاً. وفي التاتر خانية:
يقضي به بينهما في عامة الروايات، وهو الصحيح اهـ. ملخصاً. وحيث كانت العلامة
مرجحة فالظاهر اعتبارها هنا أيضاً فيقضي به لذي العلامة. قال في الفتح: وكلما لم
يترجح دعوى واحد من المدعين يكون ابناً لهما. وعند الشافعي يرجع إلى القافة. قوله:
(قضى لهما) لأنه لم يظهر ترجيح أحدهما على الآخر فاستويا، كما لو وصف به وصفاً
ولم يصب واحد منهما كما مر، فافهم. قوله: (وإلا فلمن ادعى أنه ابنه) مقتضاه ولو
ظهر أنه أنثى، وهو مخالف للمسائل المارة، ولذا قال المقدسي: ينبغي أنه لمن وافق.
قلت: على أن الذي رأيته في التاترخانية: وإن لم يكن مشكلًا وحكم بكونه ابناً
فهو الذي يدعي أنه ابنه اهـ. وهذا لا إشكال فيه، والشارح تبع في التعبير صاحب البحر،
وفيه اختصار مخل. قوله: (قضى به للمسلم) لأن الذميين شهدا على ذمي والمسلمين
على مسلم فصحت الشهادتان وترجح المسلم اهـح. قوله: (استحساناً) والقياس أن لا
يثبت نسبه، لأن فيه نفي إسلامه الثابت بالدار. وجه الاستحسان أن دعواه تضمنت شيئين:
النسب وهو نفع للصغير ونفي الإسلام الثابت بالدار وهو ضرر به، وليس من ضرورة
ثبوت النسب من الكافر الكفر لجواز مسلم هو ابن كافر، بأن أسلمت أمه فصححنا دعواه
فيما ينفعه دون ما يضره. فتح. قوله: (ما لم يبرهن) وذكر ابن سماعة عن محمد: لو عليه
زي أهل الشرك كصليب ونحوه فهو ابنه وهو نصراني. فتح. قوله: (بمسلمين) فلو أقام
بينة من أهل الذمة لا يكون ذمياً، لأنا حكمنا بإسلامه فلا يبطل هذا الحكم بهذه البينة لأنها

٤٢٩
كتاب اللقيط
يوجد (في مكان أهل الذمة) كقريتهم أو بيعة أو كنيسة والمسألة رباعية، لأنه إما
أن يجده مسلم في مكاننا فمسلم، أو كافر في مكانهم فكافر، أو كافر في مكاننا
أو عكسه فظاهر الرواية اعتبار المكان لسبقه اختيار (و) يثبت (من عبد وهو حرّ)
وإن ادعى أنه ابنه من زوجته الأمة عند محمد. وكلام الزيلعي ظاهر في اختياره.
(ولو ادعاه حرّان أحدهما أنه ابنه من هذه الحرة والآخر من الأمة فالذي
يدعيه من الحرة أولى) لثبوته من الجانبين. زيلعي (وإن وجد معه مال فهو له)
عملاً بالظاهر ولو فوقه أو تحته أو دابة هو عليها، لا ما كان بقربه (فيصرفه
الواجد) أو غيره (إليه بأمر القاضي) في ظاهر الرواية لأنه مال ضائع.
شهادة قامت في حق الدين على مسلم فلا تقبل. بحر عن الخانية. قوله: (أو عكسه) أي
مسلم في مكانهم. قوله: (فظاهر الرواية اعتبار المكان) أي في الصورتين وفي بعض نسخ
المبسوط: اعتبر الواجد، وفي بعضها: اعتبر الإسلام: أي ما يصير به الولد مسلماً نظراً
له، ولا ينبغي أن يعدل عن ذلك. وقيل يعتبر بالسيما والزي. فتح. وعلى مارجحه في
الفتح يصير مسلماً في ثلاث صور وذمياً في صورة واحدة وهي ما لو وجده ذمي في
مكانهم وهو ظاهر الكنز وغيره. وقال في البحر أيضاً: ولا يعدل عنه. قوله: (لسبقه) أي
سبق المكان على يد الواجد. قوله: (وهو حر) أي إلا بحجة رقه كما قدمه المصنف.
قوله: (عند محمد) وقال أبو يوسف: يكون عبداً لأنه يستحيل أن يكون الولد حرّاً بين
رقيقين. قلنا: لا يستحيل لجواز عتقه قبل الانفصال وبعده، فلا تبطل الحرية بالشك.
زيلعي. وتمامه في النهر. قوله: (لثبوته من الجانبين) فيه أن النسب يثبت من جانب الأم
أيضاً سواء كانت الأمة زوجة له أو مملوكة له، فالمراد ثبوت أحكامه كما عبر به الزيلعي:
أي كالإرث وحق الحضانة ووجوب النفقة ونحو ذلك، وهذا مختص بالحرة فكانت هذه
البينة أكثر إثباتاً. قوله: (عملاً بالظاهر) أورد عليه أن الظاهر يصلح للدفع لا للإثبات. قلنا
نعم يدفع بهذا الظاهر دعوى ملك غيره عنه، ثم يثبت ملكه بقيام يده مع حريته المحكوم
بها. أفاده في الفتح. قوله: (ولو فوقه أو تحته) دخل فيه الدراهم الموضوعة عليه، وينبغي
أن تكون الدراهم التي فوق فراشه أو تحته كلباسه ومهاده ودثاره، بخلاف المدفونة تحته
ولم أره. بحر. قوله: (أو دابة) بالنصب عطفاً على ((فوقه)) أي ولو كان ذلك المال دابة
هو عليها اهـح. قوله: (لا ما كان بقربه) في بعض النسخ لا مكان بقربه، وعليها كتب ح
فقال الظاهر أنه سقط لفظ ((في)) والأصل لا في مكان بقربه عطفاً على ((فوقه)) اهـ. قال في
النهر: وبه عرف أن الدار التي هو فيها: وكذا البستان لا يكون له بالأولى اهـ. وقد توقف
فيه في البحر بعد أن نقل عن الشافعية أن الدار له وفي البستان وجهان. قوله: (لأنه مال

٤٣٠
كتاب اللقيط
(ولو قرر القاضي ولاءه للملتقط صح) ظهيرية. لأنه قضاء في فصل مجتهد
فيه؛ نعم له بعد بلوغه أن يوالي من شاء ما لم يعقل عنه بيت المال، خانية (ويدفعه
في حرفة ويقبض هبته) وصدقته (وليس له ختنه) فلو فعل فهلك ضمن، ولو علم
الختان أنه ملتقط ضمن. ذخيرة (وله نقله حيث شاء) وينبغي منعه من مصر إلى
قرية. بحر (ولا ينفذ للملتقط عليه نكاح وبيع و) كذا (إجارة) في الأصح، لأن
الولاية عليه في ماله ونفسه للسلطان، لحديث ((السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ)).
ضائع) قال في الفتح: أي لا حافظ له ومالكه وإن كان معه فلا قدرة له على الحفظ،
وللقاضي ولاية صرف مثله إليه وكذا لغير الواجد بأمره، والقول له في نفقة مثله وقيل له
صرفه عليه بغير أمر القاضي. قوله: (ولو قرر القاضي ولاءه للملتقط صح) أي بأن يقول
له: جعلت ولاء هذا اللقيط لك ترثه إذا مات وتعقل عنه إذا جنى. قوله: (لأنه قضاء في
فصل مجتهد فيه) فإن من العلماء من قال: إن الملتقط يشبه المعتق من حيث إنه أحياه
كالمعتق، فعلى هذا لا يكون متبّعاً بالإنفاق بغير أمر القاضي إذا أشهد ليرجع كالوصي.
بحر من كتاب اللقطة ط. قوله: (نعم له الخ) ظاهره أن له ذلك ولو بعد ما قرّر القاضي
ولاءه للملتقط، والظاهر خلافه لأنه تأكد بالقضاء، وقد راجعت عبارة الخانية فرأيته ذكر
المسألة الثانية ولم يذكر مسألة تقرير القاضي. قوله: (ما لم يعقل عنه بيت المال) فإن
جنى ثم عقل عنه تقرّر إرثه له، لأن الغنم بالغرم. قوله: (ويدفعه في حرفة) ينبغي أن
يقال: ما قيل في وصيّ اليتيم أنه يعلمه العلم أولاً، فإن لم يجد فيه قابلية سلمه لحرفة.
نهر. قوله: (ويقبض هبته وصدقته) أي ما وهبه له الغير أو تصدق به عليه إذا كان فقيراً.
قوله: (وليس له ختنه) الظاهر أن هذا لو بدون إذن السلطان أو نائبه، فلو أذن صح لأن
ولايته له كما يأتي، لذا كان لوصيّ اليتيم أن يختنه. قوله: (ولو علم الختان الخ) نقله في
البحر عن الذخيرة بقيل. قوله: (ولا ينفذ للملتقط عليه نكاح) لأنه يعتمد الولاية من
القرابة والملك والسلطنة، ولا وجود لواحد منها. نهر. وقدم الشارح أن مهره في بيت
المال إذا زوّجه السلطان. قوله: (وبيع) أي بيع ماله، وكذا شراء شيء ليستحق الثمن ديناً
عليه، لأن الذي إليه ليس إلا الحفظ والصيانة، وما من ضروريات ذلك اعتباراً بالأم فإنها
لا يجوز لها ذلك، مع أنها تملك تزويجه عند عدم العصبة، وتمامه في الفتح. قوله: (في
الأصح) لأنه يملك إتلاف منافعه ولا يملك تمليكها فأشبه العم، بخلاف الأم لأنها تملك
إتلاف منافعه بالاستخدام والإعارة بلا عوض فبالعوض بالإجارة أولى. فتح. وقوله ولا
يملك تمليكها يشمل ما إذا آجره ليأخذ الأجرة لنفسه أو للقيط، بل المتبادر الثاني لأن
الأول معلوم من قوله: لا يملك إتلاف منافعه. وعليه فيشكل قول القهستاني لا يجوز أن
يؤجره ليأخذ الأجرة لنفسه مع أنه خلاف إطلاق المتون. وعلى هذا فلا يصح أن يحمل

٤٣١
كتاب اللقطة
فروع: لو باع أو كفل أو دبر أو كاتب أو أعتق أو وهب أو تصدق وسلم
ثم أقر أنه عبد لزيد لا يصدق في إبطال شيء من ذلك لأنه متهم، وتمامه في
الخانية؛ ومجهول نسب كلقيط.
كِتَابُ الْلُّقْطَةِ
(هي) بالفتح وتسكن: اسم وضع للمال الملتقط. عيني.
مقابل الأصح من جواز إيجاره على ما إذا آجره ليأخذ الأجرة لنفسه توفيقاً بين القولين،
فافهم. قوله: (لو باع الخ) أي اللقيط بعد بلوغه. قوله: (وسلم) قيد في وهب وتصدق،
لأن به يحصل الملك للموهوب له والمتصدق عليه. قوله: (لا يصدق في إيطال شيء من
ذلك) مفهومه أنه يصدق في إقراره بالرقّ لزيد، وهذا إذا كان زيد يدعيه وكان قبل أن
يقضي عليه بما لا يقضي به إلا على الأحرار كالحد الكامل ونحوه، فلو بعد القضاء بنحو
ذلك لا يقبل، لأن فيه إبطال حكم الحاكم، ولأنه مکذب شرعاً فهو كما لو کذبه زيد،
ولو كانت اللقيطة امرأة لها زوج كانت أمة للمقر له، ولا تصدق في إبطال النكاح، ولو
كان رجلاً عليه مهر لزوجته لا يصدق في إبطاله لأنه دين ظهر وجوبه اهـ. فتح. ملخصاً،
وتمامه في البحر. وفيه عن التاتر خانية، إذا أقرّ أنه عبد لا يصدق على إبطال شيء كان
فعله إلا النكاح، لأنه زعم أنه لم يصح لعدم إذن من يزعم أنه مولاه فيؤاخذ بزعمه،
بخلاف المرأة لا يبطل نكاحها اهـ. قوله: (ومجهول نسب كلقيط) أي فيما ذكر من الإقرار
لا في جميع أحكامه كما لا يخفى، وهذه المسألة ستأتي في آخر كتاب الإقرار بتفاصيلها إن
شاء الله تعالى، والله سبحانه أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرّخمُنِ الرّحِيْمِ
كِتَابُ اللُّقْطَةِ(١)
تقدم وجه تقديم اللقيط عليها. وقال في العناية: هما متقاربان لفظاً ومعنى،
وخص اللقيط ببني آدم واللقطة بغيرهم للتمييز بينهما، وقدم الأول لشرف بني آدم.
قوله: (بالفتح) أي فتح القاف مع ضم اللام وبفتحهما كما في القاموس. قوله:
(وتسكن) قال الأزهري: الفتح قول جميع أهل اللغة وحذاق النحويين. وقال الليث: هي
بالسكون، ولم أسمعه لغيره. ومنهم من يعد السكون من لحن العوام. مصباح. قوله:
(اسم وضع للمال الملتقط) فهو حقيقة لا مجاز، وهذا هو المتبادر من كتب اللغة، لكن
(١) اللقطة لغة: اسم لما يلقط، وفيها أربع لغات، نظمها شيخنا أبو عبد الله بن مالك فقال:
لُقَاطَةٌ، ولُقْطَةٌ، ولُقَطَه ولَقَطْ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَه
فالثلاث الأول بضم اللام، والرابعة بفتح اللام والقاف، وروي عن الخليل: واللقطة، بضم اللام =

٤٣٢
كتاب اللقطة
وشرعاً: مال يوجد ضائعاً ابن كمال. وفي التاترخانية عن المضمرات: مال يوجد
اختار في الفتح أنها مجاز لأنها بالفتح وصف مبالغة للفاعل كهمزة ولمزة لكثير الهمز
واللمز، وبالسكون للمفعول كضحكة وهزأة لمن يضحك منه ويهزأ به؛ وإنما قيل للمال
لقطة بالفتح، لأن الطباع في الغالب تبادر إلى التقاطه لأنه مال فصار باعتبار أنه داع إلى
أخذه لمعنى فيه كأنه الكثير الالتقاط مجازاً، وإلا فحقيقته الملتقط الكثير الالتقاط؛ وما
عن الأصمعي وابن الأعرابي أنه بالفتح اسم للمال أيضاً محمول على هذا اهـ. قوله:
(وشرعة مال یوجد ضائعاً) الظاهر أنه مساو للمعنى اللغوي المذکور، ومثله قول
المصباح: الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه، ويدل عليه أن ابن كمال لم يذكر المعنى
اللغوي، وهو ظاهر كلام الفتح أيضاً. وعليه فلا يلزم في حقيقتها عدم معرفة المالك
ولا عدم الإباحة. أما الأول فلأنه إذا وجب رده إلى مالكه الذي ضاع منه لا يخرج عن
كونه لقطة. وأما كونها يجب تعريفها فذاك إذا لم يعرف مالكها، إذ لا يلزم اتحاد الحكم
في جميع أفراد الحقيقة كالصلاة وغيرها. وأما المباح كالساقط من حربي فكذلك، ومثله
ما يلقط من الثمار كجوز ونحوه كما يأتي، فهو يسمى لقطة شرعاً ولغة وإن لم يجب
تعريفه ولا رده إلى مالكه. وبه علم مغايرة هذا التعريف لما بعده، ولا ضرر في ذلك،
فافهم. قوله: (مال يوجد الخ) فخرج ما عرف مالكه فليس لقطة بدليل أنه لا يعرف بل
يرد إليه، وبالأخير مال الحربي. لكن يرد عليه ما كان محرزاً بمكان أو حافظ فإنه داخل
في التعريف، فالأولى أن يقال: هو مال معصوم معرض للضياع. بحر.
وأقول: الحرز بالمكان ونحوه خرج بقوله يوجد: أي في الأرض ضائعاً، إذ لا
يقال في المحرز ذلك. على أنه في المحيط جعل عدم الإحراز من شرائطها وعرفها بما
= وفتح القاف: الكثير الالتقاط، وبسكون القاف: ما يلتقط، وقال أبو منصور: وهو قياس اللغة، لأن
فعلة بفتح العين أكثر ما جاء فاعل، ويسكونها مفعول كَضُحَكة للكثير الضحك، وضُحكة لمن يضحك منه.
انظر: المغرب: ٢/ ١٧٠، المطلع: ٢٨٢، القاموس المحيط: ٢٩٧/٢.
واصطلاحاً:
عرفها الحنفية بأنها: أمانة إذا أشهد الملتقط أنه يأخذها ليحفظها ويردها على صاحبها وهي الشيء الذي
يجده ملقى ليأخذه أمانة. واللقطة مال معصوم عرض للضياع.
عرفها الشافعية بأنها: مال أو اختصاص محترم ضاع بنحو غفلة بمحل غير مملوك لم يحرز ولا عرف الواحد
مستحقه ولا امتنع بقوته.
عرفها المالكية بأنها: مال معصوم عرض للضياع وإن كلباً أو فرساً.
عرفها الحنابلة بأنها: المال الضائع من ربه يلتقطه غيره.
انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام: ١١٨/٦، تبيين الحقائق: ٣٠١/٣، نهاية المحتاج: ٤٢٦/٥،
الشرقاوي على التحرير: ١٣٥/٢، جواهر الاكليل: ٢١٧/٢، حاشية الدسوقي: ١١٧/٤، الشرح
الصغير: ٣/ ٣٥٠، المغني لابن قدامة: ٦٦٣/٥، كشف القناع: ٤/ ٢٠٩.٢٠٨.

٤٣٣
كتاب اللقطة
ولا يعرف مالكه، وليس بمباح كمال الحربي. وفي المحيط: (رفع شيء ضائع
للحفظ على الغير لا للتمليك) وهذا يعم ما علم مالكه كالواقع من السكران،
وفيه أنه أمانة لا لقطة، لأنه لا يعرف بل يدفع لمالكه (ندب رفعها لصاحبها) إن
أمن على نفسه تعريفها وإلا فالترك أولى. وفي البدائع: وإن أخذها لنفسه حرم
لأنها كالغصب (ووجب) أي فرض. فتح وغيره
يأتي، وهذا يفيد أن عدم معرفة المالك ليس شرطاً في مفهومهما. نهر. قوله: (رفع
شيء الخ) هذا تعريف لها بالمعنى المصدري: أعني الالتقاط لأنه لازمها، وهذا يقع
في كلامهم كثيراً، ومنه الأضحية فإنها اسم لما يضحى به. وعرفوها شرعاً بذبح حيوان
مخصوص الخ، وهذا التعريف يخرج ما كان مباحاً. قوله: (لا للتمليك) الأولى لا
للتملك. قوله: (وفيه أنه أمانة لا لقطة الخ) فيه نظر، فإن اللقطة أيضاً أمانة، وعدم
وجوب تعريفه لا يخرجه عن كونه لقطة كما قدمنا، لأنه وإن علم مالكه فهو مال ضائع:
أي لا حافظ له نظير ما مر في المال الذي يوجد مع اللقيط. وفي القاموس: ضاع
الشيء صار مهملاً، ولهذا ذكر في النهر أن هذا الفرع يدل على ما استفيد من هذا
التعريف من أن عدم معرفة المالك ليس شرطاً في مفهومهما. قوله: (ندب رفعها) وقيل
الأفضل عدمه. والصحيح الأول، وهو قول عامة العلماء خصوصاً في زماننا، كما في
شرح الوهبانية .
قلت: ويمكن التوفيق بالأمن وعدمه. قوله: (إن أمن على نفسه تعريفها) أي عدم
تعريفها كما لا يخفى اهـح: أي لأن الأمن مما يخاف منه والمخوف عدم التعريف لا
التعريف، إلا أن يدعي تضمين أمن على نفسه معنى وثق منها. تأمل. قوله: (وإلا) أي
وإن لم يأمن بأن شك، فلا ينافي ما في البدائع لأنه فيما إذا أخذها لنفسه، فإذا تيقن من
نفسه منعها من صاحبها فرض الترك، وإذا شك ندب. أفاده ط. لكن إن أخذها لنفسه
لم يبرأ من ضمانها إلا بردها إلى صاحبها كما في الكافي. قوله: (لأنها كالغصب) أي
حكماً من جهة الحرمة والضمان، وإلا فحقيقة الغصب رفع اليد المحقة ووضع
المبطلة، ولا يد محقة هنا. تأمل. قوله: (ووجب أي فرض) ظاهره أن المراد الفرض
القطعي الذي يكفر منكره، وفيه نظر. علم أنه في الفتح لم يفسر الوجوب بالافتراض
كما فعل الشارح، بل قال: وإن غلب على ظنه ذلك: أي ضياعها إن لم يأخذها ففي
الخلاصة يفترض الرفع اهـ. تأمل. قوله: (فتح وغيره) أي كالخلاصة والمجتبى، لكن
في البدائع أن الشافعي قال: إنه واجب وهو غير سديد، لأن الترك ليس تضييعاً بل
امتناع عن حفظ غير ملتزم كالامتناع عن قبول الوديعة اهـ. وأشار في الهداية إلى التبّي
من الوجوب بقوله: وهو واجب إذا خاف الضياع على ما قالوا. بحر ملخصاً. وجزم

٤٣٤
كتاب اللقطة
(عند خوف ضياعها) كما مر، لأن المال المسلم حرمة كما لنفسه، فلو تركها
حتى ضاعت أثم، وهل يضمن؟ ظاهر كلام النهر لا، وظاهر كلام المصنف نعم
لما في الصيرفية: حمار يأكل حنطة إنسان فلم يمنعه حتى أكل. قال في البدائع:
في النهر بأن ما في البدائع شاذ وأن ما في الخلاصة جرى عليه في المحيط والتاتر خانية
والاختیار وغيرها اهـ.
قلت: وكذا في شرح الوهبانية تبعاً للذخيرة. قوله: (عند خوف ضياعها) المراد
بالخوف غلبة الظن كما نقلناه آنفاً عن الفتح، وهذا إذا أمن على نفسه، وإلا فالترك أولى
كما في البحر عن المحيط. تأمل. قوله: (كما مر) أي في اللقيط من قوله: ((التقاطه
فرض كفاية)) إذا غلب على ظنه هلاكه لو لم يرفعه، ولو لم يعلم به غيره ففرض
عين اهـ. وينبغي هذا التفصيل هنا حموي. قوله: (فلو تركها) أي وقد أمن على نفسه
وإلا فالترك أفضل ط. قوله: (ظاهر كلام النهر لا) الأولى أن يقول: استظهر في النهر
لا، وأصله لصاحب البحر استدلالاً بما في جامع الفصولين: لو انفتح زقّ فمر به رجل
فلو لم يأخذه برىء، ولو أخذه ثم ترك ضمن لو مالكه غائباً لا لو حاضراً، وكذا لو
رأى ما وقع من كم رجل اهـ. فقوله وكذا يدل على أنه لا يضمن بترك أخذه، لكنه يدل
على أنه لو أخذه ثم تركه يضمنه، وهو خلاف ما يأتي قريباً عن الفتح، والفرق بينه
وبين الزقّ أن الزقّ إذا انفتح ثم تركه بعد أخذه لا بد من سيلان شيء منه فالهلاك فيه
محقق، بخلاف الواقع من الكم لو تركه بعد أخذه لاحتمال أن يلتقطه أمين غيره.
تنبيه: أفاد أنه لا يلزم من الإثم الضمان، واستدل له في البحر بما قالوا: لو منع
المالك عن أمواله حتى هلكت یأثم ولا يضمن اهـ.
قلت: وكذا لو حلّ دابة مربوطة ولم يذهب بها فهربت أو فتح باب قفص فيه طير
أو دار فيها دواب فذهبت فلا يضمن، بخلاف ما إذا حل حبلاً علق فيه شيء أو شقّ زقاً
فيه زيت كما في كافي الحاكم، لأن السقوط والسيلان محقق بنفس الحلّ والشق،
بخلاف ذهاب الدوابّ أو الطير فإنه بفعلها لا بنفس فتح الباب، ومثله ترك اللقطة بعد
أخذها، فإن هلاكها ليس بالترك بل بفعل الآخذ بعده، وكذا لو تركها قبل أخذها
بالأولى، بخلاف ترك الزق المنفتح بعد أخذه فإن سيلانه بتركه، أما لو تركه قبل أخذه
فإنه لا ينسب سيلانه إليه أصلاً. قوله: (لما في الصيرفية الخ) ذكر الزاهدي هذا الفرع
بلفظ: رأى حماره. قال الخير الرملي: فلو الحمار لغيره أفتيت بعدم الضمان اهـ. ولا
يخفى ظهور الفرق بين حماره وحمار غيره، فإنه إذا كان الحمار له وتركه صار الفعل
منسوباً إليه والنفع عائداً عليه، بخلاف حمار غيره فإنه وإن كان الإتلاف محققاً وهو يعاهده
لكنه لا ينتفع به فهو كما لو رأى زقاً منفتحاً كا مر؛ وإذا لم يضمن هنا لا يضمن بترك

٤٣٥
كتاب اللقطة
الصحيح أنه يضمن انتهى. وفي الفتح وغيره: لو رفعها ثم ردها لمكانها لم
يضمن في ظاهر الرواية: وصح التقاط صبيّ وعبد، لا مجنون ومدهوش ومعتوه
وسكران لعدم الحفظ منهم (فإن أشهد عليه) بأنه أخذه ليرده على ربه ويكفيه أن
يقول: من سمعتموه ينشد لقطة فدلوه عليّ (وعرّف)
اللقطة بالأولى لعدم تحقق التلف به كما قلنا، فافهم. قوله: (لم يضمن في ظاهر
الرواية) هذا إذا أخذها ليعرّفها فلو ليأكلها لا يبرأ ما لم يردّها إلى ربها كما في
[نور العين] عن الخانية، وقدمناه عن كافي الحاكم وأطلقه فشمل ما إذا ردها قبل أن
يذهب بها أو بعده. قال في الفتح: وقيده بعض المشايخ بما إذا لم يذهب بها، فلو
بعده ضمن، وبعضهم ضمنه مطلقاً، والوجه ظاهر المذهب اهـ. وشمل أيضاً ما لو
خاف بإعادتها الهلاك، وهو مؤيد لما استظهره في النهر كما مر. قوله: (وصح التقاط
صبي وعبد) أي ويكون التعريف إلى وليّ الصبي كما في المجتبى. وينبغي أن يكون
التعريف إلى مولى العبد كالصبي بجامع الحجر فيهما، أما المأذون والمكاتب فالتعريف
إليهما. نهر. وصح أيضاً التقاط الكافر لقول الكافي: لو أقام مدعيها شهوداً كفاراً على
ملتقط كافر قبلت اهـ. وعليه فتثبت الأحكام من التعريف والتصدق بعده أو الانتفاع،
ولم أره صريحاً. بحر. قوله: (لا مجنون الخ) مأخوذ من قوله في النهر: ينبغي أن لا
يتردد في اشتراط كونه عاقلاً صاحياً فلا يصح التقاط المجنون الخ، لكن الشارح زاد
عليه المعتوه، وقدمنا أول باب المرتد أن حكمه حكم الصبي العاقل، ومقتضاه صحة
التقاطه. تأمل. قال ط: وفائدة صحة التقاط المجنون ونحوه أنه بعد الإفاقة ليس له
الأخذ ممن أخذها منه. ومفاد التعليل تقييد الصحة في الصبيّ بالعقل اهـ. قوله: (فإن
أشهد عليه) ظاهر المبسوط اشتراط العدلين فتح. قوله: (ويكفيه) أي في الإشهاد أن
یقول الخ، وكذا قوله عندي ضالة أو شيء فمن سمعتموه الخ، ولا فرق بین کون
اللقطة واحدة أو أكثر لأنها اسم جنس، ولا يجب أن يعين ذهباً أو فضة خصوصاً في هذا
الزمان فتح. وقوله أو شيء يدل على أنه لا يشترط التصريح بكونه لقطة، وبه صرح في
البحر عن الولوالجية. قوله: (ينشد) في المصباح نشدت الضالة نشداً من باب قتل
طلبتها: وكذا إذا عرّفتها والاسم نشدة ونشدان بكسرهما وأنشدتها بالألف عرفتها. قوله:
(وعرف) معطوف على أشهد فظاهره أن الإشهاد لا يكفي لنفي الضمان، وهكذا شرط
في المحيط لنفي الضمان الإشهاد وإشاعة التعريف. وحكى فيه في الظهيرية اختلافاً.
فقال الحلواني: يكفي عن التعريف إشهاده عند الأخذ بأنه أخذها ليردها وهو المذكور
في السير. ومنهم من قال: يأتي على أبواب المساجد وينادي.
وحاصله أن الإشهاد لا بد منه على قول الإمام باتفاقهم، والخلاف في أنه هل

٤٣٦
كتاب اللقطة
أي نادى عليها حيث وجدها، وفي المجامع (إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها
أو أنها تفسد إن بقيت كالأطعمة) والثمار (كانت أمانة) لم تضمن بلا تعدّ، فلو لم
یشهد مع التمكن منه
يكفي عن التعريف بعده أو لا؟ ولم يقل أحد إن التعريف بعد الأخذ يكفي عن الإشهاد
وقت الأخذ خلافاً لما فهمه في الفتح، هذا حاصل ما في البحر والنهر. قوله: (أي نادى
عليها الخ) أشار إلى أن المراد بالتعريف الجهر به كما في الخلاصة لا كما فعله بعضهم
حيث دلى رأسه في بئر خارج المصر فنادى عليها فاتفق أن صاحبها كان هناك فسمعه كما
حكاه السرخسي. ومر أن لقطة الصبيّ يعرفها وليه، زاد في القنية: أو وصيه. وهل
للملتقط دفعها إلى غيره ليعرّفها؟ فقيل: نعم إن عجز، وقيل لا ما لم يأذن القاضي. بحر
ملخصاً. وفي القهستاني: له دفعها لأمين، وله استردادها منه، وإن هلکت في يده لم
يضمن. قوله: (وفي المجامع) أي محلات الاجتماع كالأسواق وأبواب المساجد. بحر.
وكبيوت القهوات في زماننا. قوله: (إلى أن علم أن صاحبها لا يطلبها) لم يجعل للتعريف
مدة اتباعاً للسرخسي، فإنه بنى الحكم على غالب الردى، فيعرف القليل والكثير إلى أن
يغلب على رأيه أن صاحبه لا يطلبه، وصححه في الهداية، وفي المضمرات والجوهرة،
وعليه الفتوى، وهو خلاف ظاهر الرواية من التقدير بالحول في القليل والكثير كما ذكره
الإسبيجاني، وعليه قيل يعرّفها كل جمعة وقيل كل شهر، وقيل كل ستة أشهر. بحر.
قلت: والمتون على قول السرخسي، والظاهر أنه رواية أو تخصيص لظاهر الرواية
بالكثير. تأمل. قال في الهداية: فإن كانت شيئاً يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشر
الرمان يكون إلقاؤه إباحة، حتى جاز الانتفاع به بلا تعريف، ولكنه يبقى على ملك
مالكه، لأن التمليك من المجهول لا يصح. وفي شرح السير الكبير: لو وجد مثل
السوط والحبل فهو بمنزلة اللقطة، وما جاء في الترخيص في السوط فذاك في المنكسر
ونحوه مما لا قيمة له ولا يطلبه صاحبه بعد ما سقط منه، وربما ألقاه مثل النوى وقشور
الرمان وبعر الإبل وجلد الشاة الميتة. أما ما يعلم أن صاحبه يطلبه فهو بمنزلة اللقطة
والدابة العجفاء التي يعلم أن صاحبها تركها إذا أخذها إنسان فعليه ردها استحساناً، لأن
صاحبها إنما تركها عجزاً فلا يزول ملكه عنها بذلك، والسوط إنما ألقاه رغبة عنه لقدرته
على حمله؛ ولو ادعى على صاحب الدابة أنك قلت من أخذها فهي له فالقول لصاحبها
بيمينه، إلا إذا نكل أو برهن الآخذ فهي له، وإن لم يكن حاضراً حين هذه المقالة وبعد
صحة الهبة إذا سمنت الدابة في يده فليس للواهب الرجوع، لأن الزيادة المتصلة تمنع
الرجوع اهـ. ملخصاً. قوله: (كانت أمانة) جواب قوله: ((فإن أشهد الخ)). قوله: (مع
التمكن منه) أي من الإشهاد؛ أما لو لم يجد من يشهده عند الرفع أو خاف أنه لو أشهد

٤٣٧
كتاب اللقطة
أو لم يعرّفها ضمن إن أنكر ربها أخذه للرد، وقبل الثاني قوله بيمينه، وبه نأخذ.
حاوي. وأقره المصنف وغيره (ولو من الحرم أو قليلة أو كثيرة) فلا فرق بين
مكان ومكان ولقطة ولقطة (فينتفع) الرافع
عنده يأخذه منه الظالم فتركه لا يضمن. بحر عن الخانية. قوله: (أو لم يعرّفها) مبني
على ما مر من أن الإشهاد لا يكفي عن التعريف. قوله: (إن أنكر ربها) أما لو صدّقه فلا
ضمان إجماعاً. بحر. قوله: (وبه نأخذ الخ) وكذا ذكر الطحاوي كما في النهر عن
الإتقاني.
قال في البحر: وفي الولوالجية: محل الاختلاف فيما إذا اتفقا على كونها لقطة،
لكن اختلفا هل التقطها للمالك أو لا. أما إذا اختلفا في كونها لقطة فقال المالك أخذتها
غصباً وقال الملتقط لقطة وقد أخذتها لك، فالملتقط ضامن بالإجماع. قوله: (ولو من
الحرم) لإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام ((أَعْرِفْ عِفَاصَهَا))(١) أي وعاءها، ووكاءها:
أي رباطها ((وعرفها سنة)) وأما قوله عليه الصلاة والسلام في مكة ((وَلَا تِحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّ
لِمُنْشِدٍ (٢)) فقال في الفتح: لا يعارضه، لأن معناه: لا يحل إلا لمن يعرف ولا يحل
لنفسه، وتخصيص مكة حينئذ لدفع وهم سقوط التعريف بها بسبب أن الظاهر أن ما وجد
بها من لقطة فالظاهر أنه للغرباء وقد تفرقوا، فلا يفيد التعريف فيسقط. قوله: (ولقطة
ولقطة) أي لا فرق بينهما: أي في وجوب أصل التعريف ليناسب قوله: ((إلى أن علم
أن صاحبها لا يطلبها)) فإنه يقتضي تعريف كل لقطة بما يناسبها، بخلاف ما مر عن ظاهر
الرواية من التعريف حولًا للكل. قوله: (فينتفع الرافع) أي من رفعها من الأرض: أي
التقطها وأتى بالفاء، فدل على أنه إنما ينتفع بها بعد الإشهاد والتعريف إلى أن غلب
على ظنه أن صاحبها لا يطلبها، والمراد جواز الانتفاع بها والتصدّق، وله إمساكها
لصاحبها، وفي الخلاصة: له بيعها أيضاً وإمساك ثمنها، ثم إذا جاء ربها ليس له نقض
البيع لو بأمر القاضي، وإلا فلو قائمة له إبطاله؛ وإن هلكت، فإن شاء ضمن البائع وعند
ذلك ينفذ بيعه في ظاهر الرواية، وله دفعها للقاضي فيتصدق بها أو يقرضها من ملىء أو
يدفعها مضاربة، والظاهر أن له البيع أيضاً. وفي الحاوي القدسي: الدفع إلى القاضي
أجود ليفعل الأصلح. وفي المجتبى: التصدق بها في زماننا أولى، وينبغي التفصيل بين
من يغلب على الظن ورعه وعدمه نهر ملخصاً.
تنبيه: ظاهر كلامهم متوناً وشروحاً أن حلّ الانتفاع للفقير بعد التعريف لا يتوقف
على إذن القاضي، ويخالفه ما في الخانية من أنه لا يحل ذلك للفقير بلا أمره عند عامة
(١) أخرجه البخاري ٨٤/٥ (٢٤٢٩) ومسلم ١٣٤٦/٣ (١٧٢٢/١).
(٢) أخرجه البخاري ٢٠٥/١ (١٢٢، ٦٨٨٠) ومسلم ٩٨٩/٢ (١٣٥٥/٤٤٨).

٤٣٨
كتاب اللقطة
(بها لو فقيراً وإلا تصدق بها على فقير ولو على أصله وفرعه وعرسه، إلا إذا عرف
أنها لذمي فإنها توضع في بيت المال) تاترخانية. وفي القنية: لو رجا وجود
المالك وجب الإيصاء (فإن جاء مالکها) بعد التصدق (خیر بین إجازة فعله ولو
العلماء. وقال بشر: يحل اهـ. بحر. ومثله في الشرنبلالية عن البرهان؛ نعم في الهداية
والعناية جواز الانتفاع للغني بإذن الإمام لأنه مجتهد فيه، ويأتي قريباً عن النهر. وفي
النهر: معنى الانتفاع بها صرفها إلى نفسه كما في الفتح، وهذا لا يتحقق ما بقيت في
يده لا تملكها كما توهمه في البحر، لأنها باقية على ملك صاحبها ما لم يتصرف بها،
حتى لو كانت أقل من نصاب وعنده ما تصير به نصاباً حال عليه الحول تحت يده لا
يجب عليه زکاة اهـ.
قلت: متقضاه أنها لو كانت ثوباً فلبسه لا يملكها مع أنه يصدق عليه أنه صرفها
إلى نفسه؛ فمراد البحر التصرّف بها على وجه التملك، فلو دراهم يكون بإنفاقها وغيرها
بحسبه، فهو احتراز عن التصرف بطريق الإباحة على ملك صاحبها، ولذا قال: وإنما
فسرنا الانتفاع بالتملك لأنه ليس المراد الانتفاع بدونه كالإباحة لذا ملك بيعها وصرف
الثمن إلى نفسه كما في الخانية اهـ. قوله: (لو فقيراً) قيد به، لأن الغني لا يحل له
الانتفاع بها إلا بطريق القرض، لكن بإذن الإمام. نهر. قوله: (على فقير) أي ولو ذمياً
لا حربياً كما في شرح السير. قال في النهر: قالوا ولا يجوز على غنيّ ولا على طفله
الفقير وعبده، ولو فعل ينبغي أن لا يتردد في ضمانه. قوله: (وفرعه) الضمير عائد إلى
الغني المفهوم من قوله: ((وإلا تصدق بها)) فلا بد أن يراد بفرعه الكبير الفقير، لما
علمت من أنه لا يجوز على طفل الغنيّ، ولو فقيراً. قوله: (توضع في بيت المال)
للنوائب. بحر ط. قوله: (وفي القنية الخ) عبارتها: وما يتصدق به الملتقط بعد
التعريف وغلبة ظنه أنه لا يوجد صاحبه لا يجب إیصاؤه، وإن كان يرجو وجود المالك
وجب الإيصاء اهـ. والمراد الإيصاء بضمانها إذا ظهر صاحبها ولم يجز تصدق الملتقط لا
الإيصاء بعينها قبل التصدق بها، لكنه مفهوم بالأولى فلذا عمم الشارح. وفي النهر: ثم
إذا أمسكها وحضرته الوفاة أوصى بها ثم الورثة يعرفونها. قال في الفتح: ومقتضى النظر
أنهم لو لم يعرفوها حتى هلكت وجاء صاحبها أنهم يضمنون لأنهم وضعوا أيديهم على
اللقطة ولم يشهدوا: أي لم يعرفوا. قال في البحر: وقد يقال: إن التعريف عليهم غير
واجب حيث عرفها الملتقط اهـ.
قلت: الظاهر أن كلام الفتح فيما إذا لم يشهد الملتقط ولم يعرّفها بناء على ما
قدمناه عنه من أن الشرط التعريف قبل هلاكها لا الإشهاد وقت الأخذ، وتقدم ما فيه.
قوله: (بعد التصدق) أراد به ما يشمل انتفاع الملتقط بها إذا كان فقيراً كما في البحر.

٤٣٩
كتاب اللقطة
بعد هلاكها) وله ثوابها (أو تضمينه) والظاهر أنه ليس للوصيّ والأب إجازتها.
نهر. وفي الوهبانية: الصبي كبالغ فيضمن إن لم يشهد، ثم لأبيه أو وصيه
التصدق وضمانها في مالهما لا مال الصغير (ولو تصدق بأمر القاضي) في الأصح
(كما) له أن (يضمن القاضي) أو الإمام (لو فعل ذلك) لأنه تصدق بمال الغير بغير
إذنه. ذخيرة (أو) يضمن (المسكين وأيهما ضمن لا يرجع به على صاحبه) ولو
العين قائمة أخذها من الفقير (ولا شيء للملتقط) لمال أو بهيمة أو ضال (من
الجعل أصلاً) إلا بالشرط، كمن رده فله كذا فله أجر مثله. تاترخانية كإجارة
فاسدة.
قوله: (أو تضمينه) فيملكها الملتقط من وقت الأخذ ويكون الثواب له خانية. قوله:
(إجازتها) الأولى إجازته: أي إجازة فعل الملتقط. قوله: (الصبي كبالغ) أي في اشتراط
الإشهاد. قال في البحر: وفي القنية: وجد الصبيّ لقطة ولم يشهد يضمن كالبالغ اهـ.
قلت: والمراد ما يشمل إشهاد وليه أو وصيه. قوله: (ثم لأبيه أو وصيه التصدق)
أي بعد الإشهاد والتعريف كما في القنية. قال في البحر: وكذا له تمليكها للصبيّ لو
فقيراً بالأولى. قوله: (وضمانها في مالهما) كذا بحثه في شرح منظومة ابن وهبان
للمصنف حيث قال: ينبغي على قول أصحابنا إذا تصدق بها الأب أو الوصي ثم ظهر
صاحبها وضمنها أن يكون الضمان في مالهما دون الصبي اهـ.
قلت: قد يؤيد بحثه بما يأتي من أن للملتقط تضمين القاضي. تأمل. وبه يندفع
بحث البحر بأن في تصدقهما بها إضراراً بالصغير إذا حضر المالك والعين مالكة من يد
الفقير. قوله: (ولو تصدق بأمر القاضي) مرتبط بقوله: ((أو تضمينه)) لأن أمر القاضي لا
يزيد على تصدقه بنفسه. قوله: (وأيهما ضمن لا يرجع به على صاحبه) فإن ضمن
الملتقط ملكها الملتقط من وقت الأخذ ويكون الثواب له. خانية. وبه علم أن الثواب
موقوف. بحر. قوله: (أو ضال) الضال: هو الإنسان، والضالة الحيوان الضائع من ذكر
أو أنثى، ويقال لغير الحيوان ضائع ولقطة. مصباح. فعلم أن الضالة بالتاء تشمل
الإنسان الضائع وغيره من الحيوان، وبدون تاء خاص بالإنسان، وهو المناسب هنا
لعطفه على البهيمة. قوله: (أصلا) أي سواء التقطه من مكان قريب أو بعيد، بخلاف
الآبق كما يأتي. وفي كافي الحاكم: وإن عوضه شيئاً فحسن. قوله: (فله أجر مثله)
علله في المحيط بأنها إجارة فاسدة.
واعترضه في البحر بأنه لا إجارة أصلاً لعدم من يقبل. وأجاب المقدسي بحمله
على أنه قال ذلك لجمع حضر.

٤٤٠
كتاب اللقطة
(وندب التقاط البهيمة الضالة وتعريفها ما لم يخف ضياعها) فيجب، وكره
لو معها ما تدفع به عن نفسها كقرن البقر وكدم الإبل. تاترخانية (ولو) كان
الالتقاط (في الصحراء) إن ظن أنها ضالة حاوي (وهو في الإنفاق على اللقيط
واللقطة متبّع) لقصور ولايته (إلا إذا قال له قاض أنفق لترجع) فلو لم يذكر
قلت: يؤيده ما في إجارات الولوالجية: ضاع له شيء فقال من دلني عليه فله
كذا، فالإجارة باطلة لأن المستأجر له غير معلوم والدلالة ليست بعمل يستحق به الأجر
فلا يجب الأجر؛ وإن خصص بأن قال لرجل بعينه إن دللتني عليه فلك كذا، إن مشى له
ودله يجب أجر المثل في المشي، لأن ذلك عمل يستحق بعقد الإجارة إلا أنه غير مقدر
بقدر فيجب أجر المثل، وإن دله بلا مشي فهو والأول سواء اهـ. وبه ظهر أنه هنا إن
خصص فالإجارة فاسدة لكون مكان الرد غير مقدر فيجب أجر المثل، وإن عمم فباطلة
ولا أجر، فقوله: ((كإجارة فاسدة)) الأولى ذكره بصيغة التعليل كما فعل في المحيط.
قوله: (وندب التقاط البهيمة الخ) وقال الأئمة الثلاثة: إذا وجد البقر والبعير في
الصحراء فالترك أفضل، لأن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة وإباحة الالتقاط مخافة
الضياع، وإذا كان معها ما تدفع به عن نفسها كالقرن مع القوة في البقر والرفس مع
الكدم في البعير والفرس يقل ظن ضياعها ولكنه يتوهم.
ولنا أنها لقطة يتوهم ضياعها فيستحب أخذها وتعريفها صيانة لأموال الناس
كالشاة، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ، مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا
وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يجِدَهَا رَبُها (١))) أجاب عنه في المبسوط
بأنه كان إذ ذاك لغلبة أهل الصلاح والأمانة، وأما في زماننا فلا يأمن وصول يد خائنة
إليها بعده، ففي أخذها إحياؤها وحفظها فهو أولى، ومقتضاه إن غلب على ظنه ذلك
أن يجب الالتقاط، وهذا حق، فإنا نقطع بأن مقصود الشارع وصولها إلى ربها، فإذا تغير
الزمان وصار طريق التلف فحكمه عنده بلا شك خلافه وهو الالتقاط للحفظ، وتمامه
في الفتح. قوله: (وكره الخ) قال في البحر: وبه علم أن التقاط البهيمة على ثلاثة
أوجه، لكن ظاهر الهداية أن صورة الكراهة إنما هي عند الشافعي لا عندنا اهـ.
قلت: وهو أيضاً ظاهر ما قدمناه آنفاً عن الفتح. قوله: (وكدم) بفتح الكاف
وسكون الدال فعله من باب ضرب وقتل وهو العض بأدنى الفم. قوله: (إن ظن أنها
ضالة) أي غلب على ظنه بأن كانت في موضع لم يكن بقربه بيت مدر أو شعر أو قافلة
نازلة أو دوابّ في مراعيها. بحر عن الحاوي. قوله: (إلا إذا قال له قاض الخ) أي بعد
(١) أخرجه البخاري ٩١/٥ (٢٤٣٦) ومسلم ١٣٤٨/٣ (١٧٢٢/٢).