Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ کتاب الجهاد/ باب المرتد لو مصرفاً (وصح تصرفها) لأنها لا تقتل (وأكسابها) مطلقاً (لورثتها) ويرثها زوجها المسلم لو مريضة وماتت في العدة كما مر في طلاق المريض. قلت: وفي الزواهر أنه لا يرثها لو صحيحة لأنها لا تقتل فلم تكن فارة؛ فتأمل. (ولدت أمته ولداً فادعاه فهو ابنه حراً يرثه في) أمته (المسلمة مطلقاً) ولدته لأقل من نصف حول أو أكثر لإسلامه تبعاً لأمه، والمسلم يرث المرتد (إن مات المرتد) أو لحق بدارهم، وكذا في (أمته النصرانية) أي الكتابية (إلا إذا جاءت به لأكثر من نصف حول منذ ارتد) وكذا لنصفه لعلوقه من ماء المرتد فيتبعه لقربه للإسلام بالجبر عليه، والمرتد لا يرث المرتد (وإن لحق بماله) أي مع ماله متلصصاً وسبى منهم، وهذا ليس مبنياً على رواية النوادر لأن الاسترقاق وقع في دار الحرب لا في دار الإسلام. قوله: (وصح تصرفها) أي لا تتوقف تصرفاتها من مبايعة ونحوها، بخلاف المرتد؛ نعم يبطل منها ما يبطل من تصرفاته المارة. قوله: (لأنها لا تقتل) فلم تكن ردتها سبباً لزوال ملكها فجاز تصرفها في مالها بالإجماع. بحر عن البدائع. قال المقدسي: فلو كانت ممن يجب قتلها كالساحرة والزنديقة ينبغي أن تلحق بالمرتد. قوله: (وأكسابها مطلقاً لورثتها) أي سواء كانت كسب إسلام أو كسب ردة. قال في النهر تبعاً للبحر: وينبغي أن يلحق بها من لا يقتل إذا ارتد لشبهة في إسلامه كما مر. قوله: (لو مریضة) لأنها تکون فارة کما قدمناه. قوله: (لو صحیحة) أي لو ارتدت حال كونها صحيحة. قوله: (فلم تكن فارة) لأنها إذا كانت لا تقتل لم تكن ردتها في حكم مرض الموت فلم تكن فارّة فلا يرثها لأنها بانت منه وقد ماتت كافرة، بخلاف ردته لأنها في حكم مرض الموت مطلقا فترثه مطلقاً. قوله: (فتأمل) ما ذكره في الزواهر مفهوم مما قبله، وقدمنا التصريح به عن البحر، وتقدم متناً في باب طلاق المريض أيضاً فلم يظهر وجه الأمر بالتأمل؛ نعم يوجد في بعض النسخ قبل قوله: قلت ما نصه: ويرثها زوجها المسلم استحساناً إن ماتت في العدة وترث المرتدة زوجها المرتد اتفاقاً. خانية. قلت: وفي الزواهر الخ، وعليه فالأمر بالتأمل وارد على إطلاق قول الخانية ويرثها زوجها المسلم، والله سبحانه أعلم. قوله: (ولدته لأقل من نصف حول) أي من وقت الارتداد ط. قوله: (أي الكتابية) فسره به ليعم اليهودية ط. قوله: (إلا إذا جاءت به لأكثر الخ) استثناء من قوله: ((يرثه)) أما إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر كان العلوق في حالة الإسلام فيكون مسلماً يرث المرتد. درر. قوله: (بالجبر عليه) أي على ٤٠٢ کتاب الجهاد/ باب المرتد (وظهر عليه فهو) أي ماله (فيء) لا نفسه، لأن المرتد لا يسترق (فإن رجع) أي بعدما لحق بلا مال سواء قضى بلحاقه أوّلًا في ظاهر الرواية وهو الوجه. فتح (فلحق) ثانياً (بماله وظهر عليه فهو لوارثه) لأنه باللحاق انتقل لوارثه فكان مالكاً قديماً، وحكمه ما مر أنه له (قبل قسمته بلا شيء وبعدها بقيمته) إن شاء، ولا يأخذه لو مثلياً لعدم الفائدة (وإن قضى بعبد) شخص (مرتد لحق) بدارهم (لابنه فكاتبه) الابن (فجاء) المرتد (مسلماً فبدلها) والولاء كلاهما (الأب) الذي عاد مسلماً لجعل الابن كالوكيل. الإسلام، فالظاهر من حاله أن يسلم درر: أي بخلاف ما إذا اتبع أمه الكتابية لأنها لا تجبر عليه. قوله: (وظهر عليه) بالبناء للمجهول: أي غلب وقهر. قوله: (فيء) أي غنيمة يوضع في بيت المال لا لورثته. بحر. قوله: (لأن المرتد لا يسترق) بل يقتل إن لم يسلم. ولا يشكل كون ماله فيئاً دون نفسه لأن مشركي العرب كذلك. بحر. قوله: (بلا مال) متعلق بلحق. بقي ما إذا لحق ببعض ماله ثم رجع ولحق بالباقي، ومقتضى النظر أن ما لحق به أولًا فيء، وما لحق به ثانياً لورثته اهـ ح. قوله: (في ظاهر الرواية) لأن عوده وأخذه ولحاقه ثانياً يرجح جانب عدم العود ويؤكده، فيقتّر موته، وما احتيج للقضاء باللحاق لصيرورته ميراثاً إلا ليترجح عدم عوده فتقرر إقامته ثمة فيتقرر موته، فكان رجوعه ثم عوده ثانياً بمنزلة القضاء. وفي بعض روايات السير جعله فيئاً، لأن بمجرد اللحاق لا يصير المال ملكاً للورثة، والوجه ظاهر الرواية، كذا في الفتح تبعاً للنهاية والعناية وفخر الإسلام من أن ظاهر الرواية الإطلاق، واعتمده في الكافي، وبه سقط إشكال الزيلعي على النهاية. أفاده في البحر. قوله: (وحکمه) أي حکم المالك القديم إذا وجد ملکه في الغنيمة ما مر في الجهاد من التفصيل المذكور. قوله: (لعدم الفائدة) أي في أخذه ودفع مثله. قوله: (لحق بدارهم) أي بدار أهل الحرب. قوله: (فجاء المرتد مسلماً) يعني قبل أداء البدل للابن، إذ لو كان بعده يكون الولاء للابن، وقيد بالكتابة لأن الابن إذا دبره ثم جاء الأب مسلماً فإن الولاء للابن دون الأب كما في البحر عن التاتر خانية، وكأن الفرق أن الكتابة تقبل الفسخ بالتعجيز فلم تكن في معنى العتق من كل وجه، بخلاف التدبير. نهر. قوله: (كلاهما للأب) قال في البحر: أشار به إلى أنه لا يملك فسخ الكتابة لصدورها عن ولاية شرعية، وقد صرح به الزيلعي، وقدمنا عن الخانية أنه يملك إبطال كتابة الوارث قبل أداء جميع البدل؛ إلا أن يقال: إن مرادهم أنه لا يملك فسخها بمجرد مجيئه من غير أن يفسخها، أما إذا فسخها انفسخت إلا أن جعلهم الوارث ٤٠٣ كتاب الجهاد/ باب المرتد (مرتد قتل رجلاً خطأ فلحق أو قتل فديته في كسب الإسلام) إن كان، وإلا ففي كسب الردة. بحر عن الخانية. وكذا لو أقرّ بغصب. أما لو كان الغصب بالمعاينة أو بالبينة فإنه في الكسبين اتفاقاً. ظهيرية. واعلم أن جناية العبد والأمة والمكاتب والمدبر كجنايتهم في غير الردة (قطعت يده عمداً فارتدّ والعياذ بالله ومات منه أو لحق) فحكم به (فجاء مسلماً فمات منه ضمن القاطع نصف الدية في ماله لوارثه) في المسألتين لأن السراية حلت محلاً غير معصوم فأهدرت، قيد بالعمد لأنه في الخطإ على العاقلة (و) قيدنا بالحكم بلحاقه لأنه (إن) عاد قلبه أو کالوكيل من جهته يأباه اهـ. قوله: (فلحق) أما لو قتل بعد اللحاق ثم جاء تائباً فلا شيء عليه، وكذا لو غصب أو قذف لصيرورته في حكم أهل الحرب. بحر. قوله: (فديته في كسب الإسلام) هذا بناء على رواية الحسن المصححة كما قدمناه من أن دين المرتد يقضي من كسب إسلامه، إلا أن لا يفي، فمن كسب ردته كما يظهر من عبارة البحر، وهذا خلاف ما مشى عليه المصنف كغيره في الدين. قوله: (عن الخانية) صوابه عن التاترخانية: وفيه ردّ على قول الفتح: لو لم يكن له إلا كسب ردة فقط فجنايته هدر عنده خلافاً لهما. قال في البحر: والظاهر أنه سھو، ثم قال: وإن كان له الکسبان قالا: يستوفي منهما. وقال الإمام: من كسب الإسلام أولًا، فإن فضل شيء استوفى من كسب الردة. قوله: (وكذا) ظاهره أن الإشارة إلى ما قبله من وجوبه ((في كسب الإسلام إن كان الخ)» وهو صريح عبارة النهر عن الفوائد الظهيرية، لكن في الشرنبلالية عن فوائد الظهيرية: وإن ثبت ذلك بإقراره فعندهما: يستوفي من الكسبين جميعاً، وعنده: من كسب الردة، لأن الإقرار تصرف منه فيصح في ماله وكسب الردة ماله عنده اهـ. ومثله في البحر عن التاترخانية. قوله: (كجنايتهم في غير الردة) فيخير السيد بين الدفع والفداء، والمكاتب موجب جنايته في كسبه، وأما الجناية عليهم فهدر. أفاده في البحر. وأما جناية المدبر فستأتي في الجنايات ط. قوله: (فارتد) أفاد أن الردة بعد القطع، فلو قبله لا يضمن قاطعه، إذ لو قتله لا يضمن كما مر. قوله: (والعياذ بالله) مبتدأ وخبر، أو بالنصب مفعول مطلق: أي نعوذ العياذ بالله تعالى. قوله: (ومات منه) أي من القطع: أي مات مرتداً، فلو مسلماً فيأتي. قوله: (نصف الدية) أي ضمن دية اليد فقط وذلك نصف دية النفس، ولا يضمن بالسراية إلى النفس شيئاً. قوله: (لوارثه) إنما كانت له لأنها بمنزلة كسب الإسلام ط. قوله: (لأن السراية الخ) تعليل للمسألة الأولى. وعلل الثانية في الهداية بأنه صار ميتاً تقديراً، والموت يقطع السراية، وإسلامه حياة حادثة في التقدير فلا يعود حكم الجناية الأولى اهـ. وإنما سقط القصاص لاعتراض الردة. قوله: (لأنه في الخطإ على العاقلة) الضمير يرجع إلى ما ذكر من ٤٠٤ کتاب الجهاد/ باب المرتد (أسلم هاهنا) ولم يلحق (فمات منه) بالسراية (ضمن) الدية (كلها) لكونه معصوماً وقت السراية أيضاً، ارتد القاطع فقتل أو مات ثم سرى إلى النفس فهدر لو عمد الفوات محل القود ولو خطأ فالدية على العاقلة في ثلاث سنين من يوم القضاء عليهم خانية. ولا عاقلة لمرتد. (ولو ارتدّ مكاتب ولحق) واكتسب مالاً (وأخذ بماله و) لم يسلم فقتل (فبدل مكاتبته لمولاه، وما بقي) من ماله (لوارثه) لأن الردة لا تؤثر في الكتابة. (زوجان ارتدا ولحقا فولدت) المرتدة (ولداً وولد له) أي لذلك المولود (ولد فظهر عليهم) جميعاً (فالولدان فيء) كأصلهما ضمان نصف الدية، وفيه أن العاقلة لا تعقل الأطراف فليتأمل ط. أقول: لم نر من قال ذلك، وإنما المصرّح به أن العاقلة لا تعقل ما دون نصف عشر الدية، والواجب هنا نصف الدية فتتحمله العاقلة بلا شبهة. قوله: (كلها) هذا عندهما، وعند محمد: النصف. بحر. قوله: (ارتد القاطع) لما بين حكم المقطوع المرتد أراد بيان حكم القاطع المرتد ط. قوله: (لفوات محل القود) مقتضاه عدم الفرق في القاطع بين أن يرتد أو لا ط. قلت: وقد صرحوا في الجنايات بأن موت القاتل قبل المقتول مسقط للقود. قوله: (فالدية على العاقلة) لأنه حين القطع كان مسلماً وتبين أن الجناية قتل. بحر. قوله: (ولا عاقلة لمرتد) اعترض بأنه لا محل له هنا، بل محله عند قوله: ((مرتد قتل رجلاً خطأ)). قلت: أشار بذكره هنا إشارة خفية كما هو عادته شكر الله تعالى سعيه إلى فائدة التقييد بكون الردة بعد القطع في قوله: ((ارتد القاطع) وهي ما لو كان القطع في حال الردة فإنه لا شيء على العاقلة فإنه لا عاقلة للمرتد، فاستغنى بالتعليل عن التصريح بالمعلل لانفهامه مما قبله، ولا تنس قوله في خطبة الكتاب «فربما خالفت في حكم أو دليل)) فحسبه من لا اطلاع له ولا فهم عدولاً عن السبيل الخ، فافهم. قوله: (وأخذ بماله) أي أسر مع ماله الذي اكتسبه في زمن ردته. نهر. قوله: (فبدل مكاتبته لمولاه الخ) أما على أصلهما فظاهر، لأن كسب الردة ملكه إذا كان حراً فكذا إذا كان مكاتباً؛ وأما عنده فلأن المكاتب إنما يملك أكسابه بالكتابة والكتابة لا تتوقف بالردة، فكذا أكسابه. بحر. قوله: (ولحقا فولدت) وكذا إذا ولدت قبل الردة ثم لحقا به أو أحدهما إلى دار الحرب فإنه خرج عن الإسلام لأنه كان بالتبعية لهما أو للدار، وقد انعدم الكل فیکون الولد فیئاً، ويجبر علی الإسلام إذا بلغ کالأم، فإن كان الأب ذهب به وحده والأم مسلمة في دار الإسلام لم يكن الولد فيئاً لأنه بقي مسلماً تبعاً لأمه. بحر. قوله: (فالولدان في كأصلهما) هذا ظاهر في الولد، فإن أمه تسترق والولد يتبع أمه في ٤٠٥ کتاب الجهاد/ باب المرتد (و) الولد (الأول يجبر) بالضرب (على الإسلام) وإن حبلت به ثمة لتبعيته لأبويه (لا الثاني) لعدم تبعية الجد على الظاهر فحكمه كحربي (و) قيد بردتهما، لأنه (لو مات مسلم عن امرأة حامل فارتدت ولحقت فولدت هناك ثم ظهر عليهم) أي على أهل تلك الدار (فإنه لا يسترق ويرث أباه) لأنه مسلم (ولو لم تكن ولدته حتى سبيت ثم ولدته في دار الإسلام فهو مسلم) تبعاً لأبيه (مرقوق) تبعاً لأمه (فلا يرث أباه) لرقه. بدائع. (وإذا ارتدّ صبيّ عاقل صح) خلافاً للثاني، الحرية والرق. أما ولد الولد فلا يتبعها لأنه لا يتبع الجد كما يأتي وهذه جدة في حكم الجد؛ ولا أباه لأن أباه تبع والتبع لا يستتبع غيره كما يأتي. وأجيب بأنه تبع لأمه الحربية، وفيه أنه قد تكون أمه ذمية مستأمنة، فالمناسب كون العلة في كونه فيئاً أن حكمه حكم الحربي كما يأتي، فافهم. قوله: (والولد الأول يجبر بالضرب) أي والحبس. نهر: أي بخلاف أبويه فإنهما يجبران بالقتل. قوله: (وإن حبلت به ثمة) أشار إلى أنها لو حبلت به في دار الإسلام يجبر بالأولى. وبه يظهر أن تقييد الهداية بالحبل في دار الحرب غير احترازي. أفاده في البحر. قوله: (لتبعيته لأبويه) أي في الإسلام والردة وهما يجبران، فكذا هو وإن اختلفت كيفية الجبر ط. قوله: (لعدم تبعية الجد) ولعدم تبعيته لأبيه، لأن ردة أبيه كانت تبعاً والتبع لا يستتبع، خصوصاً وأصل التبعية ثابتة على خلاف القياس، لأنه لم يرتد حقيقة، ولذا يجبر بالحبس لا بالقتل، بخلاف أبيه. بحر. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية وفي رواية الحسن عنه أنه يتبع الجد. وجه الأول أنه لو تبع الجد لكان الناس كلهم مسلمين تبعاً لآدم وحواء عليهما السلام ولم يوجد في ذريتهما كافر غير مرتد، وتمامه في الزيلعي. والمسائل التي يخالف فيها الجد الأب ثلاثة عشر ستأتي في الفرائض، وذكر في البحر منها هنا إحدى عشرة ذكرها المحشي. قوله: (فحكمه كحربي) في أنه يسترقّ وتوضع عليه الجزية أو يقتل. وأما الجد فيقتل لا محالة لأنه المرتد بالأصالة أو يسلم. بحر عن الفتح. قوله: (لأنه مسلم) أي تبعاً لأبيه، ولا يتبع أمه في الرق لعدم تحقق الملك عليها وقت ولادته، بخلاف ما إذا ولدته بعد السبي ط. مَطْلَبٌ فِي رِدَّةِ الصَّبِيِّ وَإِسْلَامِهِ قوله: (وإذا ارتد صبي عاقل صح) سواء كان إسلامه بنفسه أو تبعاً لأبويه ثم ارتد قبل البلوغ فتحرم عليه امرأته ولا يبقى وارثاً. قهستاني. ولكن لا يقتل كما مر لأن القتل عقوبة وهو ليس من أهلها في الدنيا، ولكن لو قتله إنسان لم يغرم شيئاً كالمرأة إذا ارتدت لا تقتل ولا يغرم قاتلها، كما في الفتح عن المبسوط. قوله: (خلافاً للثاني) فلا ٤٠٦ كتاب الجهاد/ باب المرتد ولا خلاف في تخليده في النار لعدم العفو عن الكفر. تلويح (كإسلامه) فإنه يصح اتفاقاً (فلا يرث أبويه الكافرين) تفريع على الثاني (ويجبر عليه) بالضرب تفريع على الأول (والعاقل المميز) وهو ابن سبع فأكثر. مجتبى وسراجية (وقيل الذي يعقل أن الإسلام سبب النجاة ويميز الخبيث من الطيب والحلو من المر) قائله الطرسوسي في أنفع الوسائل قائلاً: ولم أر من قدّره بالسن. قلت: وقد رأيت نقله، ويؤيده ((أنه عليه الصلاة والسلام عرض الإسلام علی عليّ رضي الله تعالى عنه وسنه سبع» وکان یفتخر به، تصح عنده لأنه ضرر محض. وفي التاترخانية عن الملتقى أن الإمام رجع إليه، ومثله في الفتح. قوله: (ولا خلاف في تخليده في النار) فالخلاف إنما هو في أحكام الدنيا فقط. بحر. لأن العفو عن الكفر دخول الجنة مع الشرك خلاف حكم الشرع والعقل كما في الأصول. قهستاني. قوله: (كإسلامه) فتترتب عليه أحكامه من عصمة النفس والمال وحل الذبح ونكاح المسلمة والإرث من المسلم. قهستاني. قوله: (فإنه يصح اتفاقاً) أي من أئمتنا الثلاثة، وإلا فقد خالف في صحة إسلامه زفر والشافعي كما في الفتح. فإن قيل: هو غير مكلف. قلنا: إنما يلزم إذا قلنا بوجوبه عليه قبل البلوغ كما عن أبي منصور والمعتزلة، وأنه يقع مسقطاً للواجب، لكنا إنما نختار أنه يصح ليترتب عليه الأحكام الدنيوية والأخروية فتح. قوله: (ويجبر عليه بالضرب) أي والحبس كما مر. قلت: والظاهر أن هذا بعد بلوغه، لما مر أن الصبيّ ليس من أهل العقوبة، ولما في كافي الحاكم: وإن ارتدّ الغلام المراهق عن الإسلام لم يقتل، فإن أدرك كافراً حبس ولم يقتل. قوله: (وقيل الذي يعقل الخ) قال في الفتح: بين: أي صاحب الهداية أن الكلام في الصبيّ الذي يعقل الإسلام. زاد في المبسوط كونه بحيث يناظر ويفهم ويفحم أهـ. قلت: والظاهر أن ما ذكره المصنف بيان لقوله: ((يعقل الإسلام)) ومعنى تمييزه المذكور أن يعرف أن الصدق مثلاً حسن والكذب قبيح يلام فاعله، وأن العسل حلو والصبر مر؛ ومعنى كونه بحيث يناظر أن يقول: إن المسلم في الجنة والكافر في النار، وإذا قيل له: لا ينبغي لك أن تخالف دين أبويك، يقول: نعم لو كان دينهما حقاً، أو نحو ذلك. ولا يخفى أن ابن سبع لا يعقل ذلك غالباً، ويحتمل أن يكون المراد المناظرة ولو في أمر دنيوي؛ كما لو اشترى شيئاً ودفع إلى البائع الثمن وامتنع البائع من تسليم المبيع قائلًا لا أسلمه إلا إلى أبيك لأنك قاصر فيقول له لم أخذت مني الثمن؛ فإن لم تسلمني المبيع ادفع لي الثمن، فهذا ونحوه يقع من ابن سبع غالباً، وعليه يتحد القولان. تأمل. قوله: (وقد رأيت) بفتح تاء المخاطب. قوله: (وسنه سبع) وقيل ثمان ٤٠٧ كتاب الجهاد/ باب المرتد ٠٠ حتى قال: [الوافر] سَبَقْتُكُمُ إلَى الْإسلامِ طُرّاً غُلَاماً مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حِلْمي وَسُقْتُكُمُ إِلَى إِلاسْلَامَ قَهْراً بِصَارِمِ همتي وَسنانِ عَزْمِي هل يقع فرضاً قبل البلوغ؟ ظاهر كلامهم نَعَم اتفاقاً. وفي التحرير: المختار وهو الصحيح، وأخرجه البخاري في تاريخه عن عروة، وقيل عشر أخرجه الحاكم في المستدرك، وقيل خمسة عشر وهو مردود، وتمام ذلك مبسوط في الفتح، وهو أول من أسلم من الصبيان الأحرار، ومن الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، وتمام تحقيق ذلك في الدر المنتقى، ونقل عبارته المحشي. قوله: (حتى قال الخ) ذكر في القاموس في مادة ودق. قال المازني: لم يصح أن علياً رضي الله تعالى عنه تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين. تلكم قريش تمناني لتقتلني، الخ، وصوّبه الزمخشري اهـ. ومقتضاه أن نسبة ما هنا إليه لم تصح. قوله: (ظاهر كلامهم نعم اتفاقاً) فائدة وقوعه فرضاً عدم فرضية تجديد إقرار آخر بعد البلوغ. قال في الفتح: ومقتضى الدليل أنه يجب عليه بعد البلوغ. ثم قال: لكنهم اتفقوا على أن لا يجب على الصبيّ بل يقع فرضاً قبل البلوغ. أما عند فخر الإسلام فلأنه يثبت أصل الوجوب به على الصبي بالسبب، وهو حدوث العالم وعقلية دلالته دون وجوب الأداء لأنه بالخطاب وهو غير مخاطب، فإذا وجد بعد السبب وقع الفرض كتعجيل الزكاة. وأما عند شمس الأئمة: لا وجوب أصلاً لعدم حكمه وهو وجوب الأداء، فإذا وجد وجد، فصار كالمسافر يصلي الجمعة يسقط فرضه وليست الجمعة فرضاً عليه، لكن ذلك للترفيه عليه بعد سببها، فإذا فعل تم اهـ. مَطْلَبُ: هَلْ يُحِبُ عَلَى الصَّبِيّ الإِيمَانُ؟ قوله: (وفي التحرير الخ) هذا قول ثالث. وعبارة التحرير في الفصل الرابع: وعن أبي منصور الماتريدي وكثير من مشايخ العراق والمعتزلة إناطة وجوب الإيمان به: أي بعقل الصبيّ وعقابه بتركه. ونفاه باقي الحنفية دراية لقوله عليه الصلاة والسلام ((رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى نِتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ (١)) ورواية لعدم انفساخ نكاح المراهقة بعدم وصف الإيمان اهـ. موضحاً من شرحه لابن أمير حاج. وقال في أول الفصل الثاني: وزاد أبو منصور إيجابه على الصبي العاقل. ونقلوا عن أبي حنيفة: لو لم يبعث الله تعالى للناس رسولًا لوجب عليهم معرفته بعقولهم. وقال البخاريون: لا تعلق لحكم الله تعالى بفعل المكلف قبل البعثة (١) أخرجه أحمد ٦/ ١٠٠ وابن خزيمة (١٠٠٣) والدار قطني ١٣٩/٣ وأبو نعيم في تاريخ أصفهان ٣١٤/٢ وسعيد بن منصور (٢٠٨٠، ٢٠٨١، ٢٠٨٢) وابن أبي شيبة ٢٦٨/٥ والطحاوي في المعاني ٢ /٧٤. ٤٠٨ كتاب الجهاد/ باب المرتد عند الماتريدي أنه مخاطب بأداء الإيمان كالبالغ، حتى لو مات بعده بلا إيمان خلد في النار. نهر. وفي شرح الوهبانية: [الطويل] بِدَرْويشَ دَرْوِيشَاِن كُفْرَ بَعْضُهُمْ وَصُحِّحَ أَنْ لَاكُفْرَ وَهُوَ المُحَرر كَذَا قَوْلُ شَيْءٍ لله قِيلَ يُكفر وَيَا حَاضِرٌ يَا نَاظِرٌ لَيْسَ يَكْفُرُ وَمَنْ يَسْتَحِلُّ الرَّقْصَ قَالُوا بِكُفْرِهِ وَلَا سِيمَا بِالدُّفِّ يَلْهُو وَيَزْمَرُ والتبليغ كالأشاعرة، وهو المختار، وحكموا بأن المراد من رواية: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه بعد البعثة، وحينئذ فيجب حمل الوجوب في قول الإمام لوجب عليهم معرفته على معنى ينبغي، وتمامه في شرحه المذكور. قوله: (لو مات بعده) أي بعد العقل. مَطْلَبٌ فِي مَعْنَی دَرْوِیش ◌َرْوِیشَانِ قوله: (كفر بعضهم) لأن معناه جميع الأشياء مباحة فيدخل فيه ما لا تجوز إباحته فيكون مبيح الحرام وهو كفر، وهذا باطل، لأن معناه مسكنة المساكين أو فقر الفقراء فكأنه قال تمسكنا بمسكنة المساكين أو افتقرنا إليك بفقر الفقراء، ولا دلالة فيه قط على ما ذكر، كذا في البزازية. ونازعه في [نور العين] بأن ما ذكره من المعنى هو معناه الوضعي، أما العرفي الذي جرى عليه اصطلاح الملاحدة والقلندرية فهو أن جميع الأشياء مباحة لك. فالحق أن يكفر القائل إن كان من تلك الفئة، أو أراد ما أرادوه، أو لم يعلم معناه لكنه قاله تقليداً وتشبيهاً بهم أو يخشى عليه الكفر فيجدد وجوباً أو احتياطاً إيمانه؛ وإن قاله غير عالم ولا متأمل فهو مخطئ يلزمه أن يستغفر، وغاية الأمر أن لا يرخص في التكلم بأمثال هذه المقالة اهـ. ملخصاً. قوله: (قيل بكفره) لعل وجهه أنه طلب شيئاً لله تعالى والله تعالى غنيّ عن كل شيء، والكل مفتقر ومحتاج إليه، وينبغي أن يرجح عدم التكفير فإنه يمكن أن يقول: أردت أطلب شيئاً إكراماً لله تعالى اهـ. شرح الوهبانية . قلت: فينبغي أو يجب التباعد عن هذه العبارة، وقد مر أن ما فيه خلاف يؤمر بالتوبة والاستغفار وتجديد النكاح، لكن هذا إن كان لا يدري ما يقول، أما إن قصد المعنى الصحيح فالظاهر أنه لا بأس به. قوله: (ليس يكفر) فإن الحضور بمعنى العلم شائع ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] والنظر بمعنى الرؤية ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] فالمعنى: يا عالم من يرى. بزازية. مَطْلَبٌ فِي مُسْتَحِلُّ الرَّقْصِ قوله: (ومن يستحل الرقص قالوا بكفره) المراد به التمايل والخفض والرفع ٤٠٩ کتاب الجهاد/ باب المرتد وَمَنْ لوَلِيٍّ قَالَ طَيُّ مَسَافَة يجوزُ جَهُولٌ ثُمَّ بَعْضٌ يُكَفْرُ وَإِثْبَاتُها فِي كُلُّ مَا كَانَ خَارِقاً عَنِ النَّسَفِيِّ النَّجْمِ يُرْوَى وَيُنْصَرُ بحركات موزونة كما يفعله بعض من ينتسب إلى التصوّف. وقد نقل في البزازية عن القرطبي إجماع الأئمة على حرمة هذا الغناء وضرب القضيب والرقص. قال: ورأيت فتوى شيخ الإسلام جلال الملة والدين الكرماني أن مستحل هذا الرقص كافر، وتمامه في شرح الوهبانية. ونقل في نور العين عن التمهيد أنه فاسق لا كافر. ثم قال: التحقيق القاطع للنزاع في أمر الرقص والسماع يستدعي تفصيلاً ذكره في عوارف المعارف وإحياء العلوم، وخلاصته ما أجاب به العلامة النحرير ابن كمال باشا بقوله: [البسيط] مَا فِي التَّوَاجُدِ إِنْ حَقَّقْتَ مِنْ حَرَجِ وَلَا الثَّمَايُلِ إِنْ أَخْلَصْتَ مِنْ بَاسٍ فَقُمْتَ تَسْعَى عَلَى رِجْلِ وَحُقَّ لِمَنَّ دَعَاهُ مَوْلَاهُ أَنْ يَسْعَى عَلَى الرَّاسِ الرخصة فيما ذكر من الأوضاع، عند الذكر والسماع، للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال، السالكين المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال، فهم لا يستمعون إلا من الإله، ولا يشتاقون إلا له، إن ذكروه ناحوا وإن شكروه باحوا، وإن وجدوه صاحوا، وإن شاهدوه استراحوا، وإن سرحوا في حضرة قربه ساحوا، إذا غلب عليهم الوجد بغلباته، وشربوا من موارد إرادته، فمنهم من طرقته طوارق الهيبة فخر وذاب، ومنهم من برقت له بوارق اللطف فتحرك وطاب، ومنهم من طلع عليه الحب من مطلع القرب فسكر وغاب، هذا ما عنّ لي في الجواب، والله تعالى أعلم بالصواب. [الوافر] وَمَنْ يَكُ وَجْدُهُ وَجْداً صَحِيحاً فَلَمْ يُحتَجْ إِلَى قَوْلِ المُغَنِّي لَهُ مِنْ ذَاتهِ طَرَبٌ قَدِيمٌ وَسُكْرٌ دَائِمٌ مِنْ غَيرِ دَنِّ مَطْلَبٌ فِي كَرَامَاتِ الأَوْلِيَاءِ قوله: (ومن لولي الخ) ((من) مبتدأ و((قال)) صلته و ((جهول)) خبره و ((لولي)) متعلق بيجوز، و((طي)) مبتدأ خبره ((يجوز)) وأصل التركيب: ومن قال طيّ مسافة يجوز لوليّ جهول، وهذا قول الزعفراني، والقائل بكفره هو ابن مقاتل ومحمد بن يوسف ط. قوله: (وإثباتها الخ) قال في البزازية: وقد ذكر علماؤنا أن ما هو من المعجزات الكبار: كإحياء الموتى، وقلب العصا حية، وانشقاق القمر، وإشباع الجمع من الطعام، وخروج الماء من بين الأصابع لا يمكن إجراؤه كرامة للولي، وطيّ المسافة منه لقوله عليه الصلاة والسلام ((زُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ(١)) فلو جاز لغيره لم يبق فائدة للتخصيص، لكن في كلام القاضي أبي زيد ما يدل على أنه ليس بكفر اهـ. (١) أخرجه ابن ماجه (٣٩٥٢). ٤١٠ كتاب الجهاد/ باب البغاة بَابُ البُغَاةِ البغي لغة: الطلب، ومنه ـ ذلك ما كنا نبغيـ وعرفاً: طلب ما لا يحل من قلت: ويدل له ما قالوا فيمن كان بالمشرق وتزوج امرأة بالمغرب فأتت بولد يلحقه، فتأمل. وفي التاترخانية أن هذه المسألة تؤيد الجواز. وقد قال العلامة التفتازاني بعد أن حكى عن أكثر المعتزلة المنع من إثبات الكرامات للأولياء، وأن الأستاذ أبا إسحاق يميل إلى قريب من مذهبهم، وحكى ما قدمناه، وأن إمام الحرمين قال: المرضيّ عندنا تجويز جملة خوارق العادات في معرض الكرامات. ثم قال: نعم قد يرد في بعض المعجزات نص قاطع، على أن أحداً لا يأتي بمثله أصلاً كالقرآن، ثم ذكر بقية الأقوال؛ ثم قال: والإنصاف ما ذكره الإمام النسفي حين سئل عما يحكى أن الكعبة كانت تزور واحداً من الأولياء، هل يجوز القول به فقال: نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة. قلت: النسفي هذا هو الإمام نجم الدين عمر مفتي الإنس والجن، رأس الأولياء في عصره اهـ. من شرح الوهبانية. وتمامه فيه، والله سبحانه أعلم. بَابُ الْبُغَاةِ(١) أخره لقلة وجوده، ولبيان حكم من يقتل من المسلمين بعد من يقتل من الكفار. بحر. قلت: ولم يترجم له بكتاب إشارة إلى دخوله تحت كتاب الجهاد، لأن القتال معهم في سبيل الله تعالى ولذا كان المقتول منّا شهيداً كما سيأتي، إذا لا يختص الجهاد بقتال الكفار، وبه اندفع ما في النهر. قال في الفتح: والبغاة جمع باغ، وهذا الوزن مطرد في كل اسم فاعل معتل اللام كغزاة ورماة وقضاة اهـ. وإنما جمعه لأنه قلما يوجد واحد يكون له قوّة الخروج. قهستاني. قوله: (البغي لغة الطلب الخ) عبارة الفتح: (١) البغي لغة: من بغى على الناس بغياً أي ظلم واعتدى فهو باغ والجمع بغاة ويعني سعى بالفساد ومنه الفرقة الباغية لأنها عدلت عن القصد وهو لغة التعدي، وقال النووي في التحرير: هو الظلم والعدول عن الحق. انظر: المصباح المنير ٢٢٤/١. واصطلاحاً: عرفه الحنفية بأنه: الخارج عن طاعة إمام الحق. عرفه الشافعية بأنه: البغاة هم مخالفو الإمام بخروجهم عليه وترك الانقياد له أو منع حق توجه عليهم بشرط شوکه لهم وتأويل. عرفه المالكية بأنه: الامتناع عن طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولاً. عرفه الحنابلة بأنه: قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام ويرون خلعه لتأويل سائغ عندهم وفيهم منعه يحتاج من كفهم إلى جمع الجيش. انظر: فتح القدير ٩٩/٦، نهاية المحتاج ٤٠٢/٧، حاشية الدسوقي ٢٩٨/٤، المغني ٤٨/١٠. ٤١١ كتاب الجهاد/ باب البغاة جور وظلم. فتح. وشرعاً: (هم الخارجون عن الإمام الحق بغير حق) فلو بحق فليسوا بيغاة، وتمامه في جامع الفصولين. البغي في اللغة: الطلب، بغيت كذا: أي طلبته. قال تعالى حكاية ذلك ((مَا كُنَّا نَبْغِي)) ثم اشتهر في العرف في طلب ما لا يحل من الجور والظلم. والباغي في عرف الفقهاء: الخارج على إمام الحق(١) اهـ. لكن في المصباح: بغيته أبغيه بغياً: طلبته، وبغى على الناس بغياً: ظلم واعتدى فهو باغ والجمع بغاة، وبغى: سعى في الفساد، ومنه الفرقة الباغية لأنها عدلت عن القصد، وأصله من بغى الجرح: إذا ترامى إلى الفساد اهـ. وفي القاموس: الباغي: الطالب، وفئة باغية: خارجة عن طاعة الإمام العادل اهـ. قال في البحر: فقوله في فتح القدير: الباغي في عرف الفقهاء الخارج عن إمام الحق تساهل، لما علمت أنه في اللغة أيضاً اهـ. قلت: قد اشتهر أن صاحب القاموس يذكر المعاني العرفية مع المعاني اللغوية، وذلك مما عيب به عليه، فلا يدل ذكره لذلك أنه معنى لغوي، ويؤيده أهل اللغة لا يعرفون معنى الإمام الحق الذي جاء في الشرع بعد اللغة؛ نعم قد يعترض على الفتح بأن كلامه يقتضي اختصاص البغي بمعنى الطلب، وأن استعماله في الجور والظلم معنى عرفي فقط، وقد سمعت أنه لغوي أيضاً. وقد يجاب بأن مراده بقوله: ((ثم اشتهر في العرف الخ)» العرف اللغوي، وأن الأصل: ومدار اللفظ على معنى الطلب، لكن ينافيه قول المصباح: وأصله من بغى الجرح الخ، فتأمل. قوله: (وشرعاهم الخارجون) عطفه على ما قبله يقتضي أن يكون التقدير والبغي شرعاً هم الخارجون وهو فاسد، كما أفاده ح، فكان المناسب أن يقول: فالبغاة عرفاً: الطالبون لما لا يحل من جور وظلم، وشرعاً الخ. أفاده ط. ويمكن أن يكون على تقدير مبتدأ: أي والبغاة شرعاً الخ. قوله: (على الإمام الحق) الظاهر أن المراد به ما يعم المتغلب، لأنه بعد استقرار سلطنته ونفوذ قهره لا يجوز الخروج عليه كما صرحوا به، ثم رأيت في الدر المنتقى قال: إن هذا في زمانهم؛ وأما في زماننا فالحكم للغلبة؛ لأن الكل يطلبون الدنيا فلا يدري العادل من الباغي كما في العمادية اهـ. وقوله: ((بغير حق)) أي في نفس الأمر، وإلا فالشرط اعتقادهم أنهم على حق بتأويل وإلا فهم لصوص، ويأتي تمام بيانه. قوله: (وتمامه في جامع الفصولين) حيث قال في أول الفصل الأول: بيانه أن المسلمين إذا اجتمعوا على إمام وصاروا آمنين به فخرج عليه طائفة من المؤمنين، فإن فعلوا ذلك لظلم ظلمهم به فهم ليسوا من أهل البغي وعليه أن يترك الظلم وينصفهم. ولا ينبغي للناس أن يعينوا (١) في ط (قوله عن إمام الحق) الذي في عبارة الفتح ((على إمام الحق) كما نقله هو قبل ذلك بأسطر، والخطب سهل. ٤١٢ كتاب الجهاد/ باب البغاة ثم الخارجون عن طاعة الإمام ثلاثة: قطاع طريق وعلم حكمهم: وبغاة ويجيء حكمهم. وخوارج وهم قوم لهم منعة خرجوا عليه بتأويل يرون أنه على الإمام عليهم لأن فيه إعانة على الظلم، ولا أن يعينوا تلك الطائفة على الإمام أيضاً لأن فيه إعانة على خروجهم على الإمام، وإن لم يكن ذلك لظلم ظلمهم ولكن لدعوى الحق والولاية فقالوا: الحق معنا فهم أهل البغي، فعلى كل من يقوى على القتال أن ينصروا إمام المسلمين على هؤلاء الخارجين، لأنهم ملعونون على لسان صاحب الشرع، قال عليه الصلاة والسلام (الفِتْنَةُ نَائِمَةٌ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَهَا)) فإن كانوا تكلموا بالخروج لكن لم يعزموا على الخروج بعد، فليس للإمام أن يتعرض لهم، لأن العزم على الجناية لم يوجد بعد، كذا ذكر في واقعات اللامشي، وذكر، القلانسي في تهذيبه قال بعض المشايخ: لولا علي رضي الله عنه ما درينا القتال مع أهل القبلة، وكان عليّ ومن تبعه من أهل العدل وخصمه من أهل البغي، وفي زماننا الحكم للغلبة ولا تدري العادلة والباغية كلهم يطلبون الدنيا اهـ ط. لكن قوله: ولا أن يعينوا تلك الطائفة على الإمام، فيه كلام سيأتي. قوله: (قطاع طريق) وهم قسمان: أحدهما الخارجون بلا تأويل بمنعة وبلا منعة، يأخذون أموال المسلمين ويقتلونهم ويخيفون الطريق. والثاني قوم كذلك، إلا أنهم لا منعة لهم لكن لهم تأويل، كذا في الفتح، لكنه عدّ الأقسام أربعة، وجعل هذا الثاني قسماً منهم مستقلاً ملحقاً بالقطاع من جهة الحكم. وفي النهر: هنا تحريف فتنبه له. قوله: (وبغاة) هم كما في الفتح قوم مسلمون خرجوا على إمام العدل ولم يستبيحوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين وسبي ذراريهم اهـ. والمراد خرجوا بتأويل وإلا فهم قطاع كما علمت. وفي الاختيار: أهل البغي كل فئة لهم منعة يتغلبون ويجتمعون ويقاتلون أهل العدل بتأويل ويقولون الحق معنا ويدّعون الولاية اهـ. قوله: (وخوارج وهم قوم الخ) الظاهر أن المراد تعريف الخوارج الذين خرجوا على عليّ رضي الله تعالى عنه؛ لأن مناط الفرق بينهم وبين البغاة هو استباحتهم دماء المسلمين وزراريهم بسبب الكفر، إذ لا تسبى الذراري ابتداء بدون كفر، لكن الظاهر من كلام الاختيار وغيره أن البغاة أعم، فالمراد بالبغاة ما يشمل الفريقين، ولذا فسر في البدائع البغاة بالخوارج لبيان أنهم منهم وإن كان البغاة أعم، وهذا من حيث الاصطلاح، وإلا فالبغي والخروج متحققان في كل من الفريقين على السوية، ولذا قال عليّ رضي الله تعالى عنه في الخوارج: إخواننا بغوا علينا. قوله: (لهم منعة) بفتح النون: أي عزّة في قومهم فلا يقدر عليهم من يريدهم مصباح. قوله: (بتأويل) أي بدليل يؤوّلونه على خلاف ظاهره، كما وقع للخوارج الذين خرجوا من عسکر عليّ عليه بزعمهم أنه كفر هو ومن معه من الصحابة، حيث حكم جماعة في أمر الحرب ٤١٣ كتاب الجهاد/ باب البغاة باطل كفر أو معصية توجب قتاله بتأويلهم، ويستحلون دماءنا وأموالنا ويسبون نساءنا، ويكفرون أصحاب نبينا وَّر، وحكمهم حكم البغاة بإجماع الفقهاء كما حققه في الفتح، وإنما لم نكفرهم لكونه عن تأويل وإن كان باطلاً، الواقع بينه وبين معاوية وقالوا: إن الحكم إلا الله، ومذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر؛ وأن التحكيم كبيرة لشبه قامت لهم استدلوا بها مذكورة مع ردها في كتب العقائد. مَطْلَبْ فِي اتَّبَاعِ عَبْدِ أَلَوَهَّابٍ الْخَوَارِجَ فِي زَمَانِتَا قوله: (ويكفرون أصحابَ نبينا ﴿) علمت أن هذا غير شرط في مسمى الخوارج، بل هو بيان لمن خرجوا على سيدنا عليّ رضي الله تعالى عنه، وإلا فيكفي فيهم اعتقادهم كفر من خرجوا عليه، كما وقع في زماننا في اتباع عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد وتغلبوا على الحرمين وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم، حتى كسر الله تعالى شوكتهم وخرّب بلادهم وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين وألف. قوله: (كما حققه في الفتح) حيث قال: وحكم الخوارج عند جمهور الفقهاء والمحدثين حكم البغاة. وذهب بعض المحدثين إلى كفرهم. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً وافق أهل الحديث على تكفيرهم، وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء. مَطْلَبٌ فِي عَدَمٍ تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وقد ذكر في المحيط أن بعض الفقهاء لا يكفر أحداً من أهل البدع. وبعضهم يكفر من خالف منهم ببدعته دليلاً قطعياً ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الأول أثبت؛ نعم يقع في كلام أهل مذهب تكفير كثير، لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون بل من غیرهم. مَطْلَبٌ: لَا عِبْةَ بِغَير الفُقَهَاءِ: يَعْنِي المُجْتَهِدِينَ ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا، وابن المنذر أعرف بنقل مذاهب المجتهدين اهـ. لكن صرح في كتابه المسايرة بالاتفاق على تكفير المخالف فيما كان من أصول الدين وضرورياته: كالقول بقدم العالم، ونفي حشر الأجساد، ونفي العلم بالجزئيات، وأن الخلاف في غيره كنفي مبادئ الصفات، ونفي عموم الإرادة، والقول بخلق القرآن الخ. وكذا قال في شرح منية المصلي: إن سابّ الشيخين ومنكر خلافتهما ممن بناه على شبهة له لا يكفر، بخلاف من ادعى أن عليّاً إله وأن جبريل غلط، لأن ذلك ليس عن شبهة واستفراغ وسع في الاجتهاد بل محض هوی اهـ. وتمامه فيه. ٤١٤ كتاب الجهاد/ باب البغاة بخلاف المستحل بلا تأويل كما مر في باب الإمامة. (والإمام يصير إماماً) بأمرين (بالمبايعة من الأشراف والأعيان، وبأن ينفذ حكمه في رعيته خوفاً من قهره وجبروته، فإن بايع الناس) الإمام (ولم ينفذ حكمه فيهم لعجزه) عن قهرهم (لا يصير إماماً، فإذا صار إمام فجاز لا ينعزل إن) كان (له قهر وغلبة) لعوده بالقهر فلا يفيد (وإلا ينعزل به) لأنه مفيد. خانية. وتمامه في قلت: وكذا يكفر قاذف عائشة ومنكر صحبة أبيها، لأن ذلك تكذيب صريح القرآن كما مر في الباب السابق. قوله: (بخلاف المستحل بلا تأويل) أي من يستحل دماء المسلمين وأموالهم ونحو ذلك، مما كان قطعي التحريم ولم يبنه على دليل كما بناه الخوارج كما مر، لأنه إذا بناه على تأويل دليل من كتاب أو سنة كان في زعمه اتباع الشرع لا معارضته ومنابذته، بخلاف غيره. قوله: (والإمام) أي الإمام الحق الذي ذكره أولًا ولم يذكر شروطه استغناء بما قدمه في باب الإمامة من كتاب الصلاة، وقدمنا الكلام عليها هناك، فراجعها. مَطْلَبٌ: الإِمَامُ يَصِير إِمَاماً بِالمُبَايَعَةِ أَوْ بِالاسْتِخْلَافِ ممنْ قَبْلَهُ قوله: (يصير إماماً بالمبايعة) وكذا باستخلاف إمام قبله، وكذا بالتغلب والقهر كما في شرح المقاصد. قال في المسايرة: ويثبت عقد الإمامة إما باستخلاف الخليفة إياه كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وإما بيعه جماعة من العلماء أو من أهل الرأي والتدبير. وعند الأشعري: يكفي الواحد من العلماء المشهورين من أولي الرأي بشرط كونه بمشهد شهود لدفع الإنكار إن وقع. وشرط المعتزلة خمسة. وذكر بعض الحنفية اشتراط جماعة دون عدد مخصوص اهـ. ثم قال: لو تعذر وجود العلم والعدالة فيمن تصدّى للإمامة وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق حكمنا بانعقاد إمامته كي لا تكون كمن يبني قصراً ويهدم مصراً، وإذا تغلب آخر على المتغلب وقعد مكانه انعزل الأول وصار الثاني إماماً وتجب طاعة الإمام عادلًا كان أو جائراً إذا لم يخالف الشرع، فقد علم أنه يصير إماماً بثلاثة أمور، لكن الثالث في الإمام المتغلب وإن لم تكن فيه شروط الإمامة، وقد يكون بالتغلب مع المبايعة وهو الواقع في سلاطين الزمان نصرهم الرحمن. قوله: (وبأن ينفذ حكمه) أي يشترط مع وجود المبايعة نفاذ حكمه، وكذا هو شرط أيضاً مع الاستخلاف فيما يظهر، بل يصير إماماً بالتغلب ونفاذ الحكم والقهر بدون مبايعة أو استخلاف كما علمت. قوله: (فلا يفيد) أي لا يفيد عزله. مَطْلَبٌ فِيمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْخَلِيْفَةُ العَزْلَ قوله: (وإلا ينعزل به) أي إن لم يكن له قهر ومنعة ينعزل به: أي بالجور. قال ٤١٥ كتاب الجهاد/ باب البغاة كتب الكلام (فإذا خرج جماعة مسلمون عن طاعته) أو طاعة نائبه الذي الناس به في أمان درر (وغلبوا على بلد دعاهم إليه) أي إلى طاعته (وكشف شبهتهم) استحباباً (فإن تحيزوا مجتمعين حل لنا قتالهم بدءاً حتى نفرّق جمعهم) إذ الحكم يدار في شرح المقاصد: ينحل عقد الإمامة بما يزول به مقصود الإمامة كالردّة والجنون المطبق، وصيرورته أسيراً لا يرجى خلاصه، وكذا بالمرض الذي ينسبه المعلوم، وبالعمي والصمم والخرس، وكذا بخلعه نفسه لعجزه عن القيام بمصالح المسلمين وإن لم يكن ظاهراً بل استشعره من نفسه، وعليه يحمل خلع الحسن نفسه. وأما خلعه لنفسه بلا سبب ففيه خلاف، وكذا في انعزاله بالفسق. والأكثرون على أنه لا ينعزل، وهو المختار من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى. وعن محمد روايتان، ويستحق العزل بالاتفاق اهـ. وقال في المسايرة: وإذا قلد عدلًا ثم جار وفسق لا ينعزل، ولكن يستحق العزل إن لم يستلزم فتنة اهـ. وفي المواقف وشرحه: إن للأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين كما كان لهم نصبه وإقامته لانتظامها وإعلائها، وإن أدى خلعه إلى فتنة احتمل أدنى الضرّتين اهـ. قوله: (فإذا خرج جماعة مسلمون) قيد بذلك لأن أهل الذمة إذا غلبوا على بلدة صاروا أهل حرب كما مر، ولو قاتلونا مع أهل البغي لم يكن ذلك نقضاً للعهد منهم، وهذا لا يرد على المصنف لأنهم أتباع للبغاة المسلمين. نهر: أي فلهم حكمهم بطريق التبعية. قوله: (عن طاعته) أي طاعة الإمام، وقيده في الفتح بأن يكون الناس به في أمان والطرقات آمنة اهـ. ومثله ما ذكره عن الدرر، وجهه أنه إذا لم يكن كذلك يكون عاجزاً أو جائراً ظالماً يجوز الخروج عليه وعزله إن لم يلزم منه فتنة كما علمته آنفاً. قوله: (وغلبوا على بلد) الظاهر إن ذكر البلد بيان للواقع غالباً، لأن المدار على تجمعهم وتعسكرهم، وهو لا يكون إلا في محل يظهر فيه قهرهم والغالب كونه بلدة، فلو تجمعوا في برية فالحكم كذلك. تأمل. قوله: (أي إلى طاعته) أشار إلى أنه على تقدير مضاف. قوله: (وكشف شبهتهم استحباباً) أي بأن يسألهم عن سبب خروجهم، فإن كان لظلم منه أزاله، وإن لدعوى أن الحق معهم والولاية لهم فهم بغاة فلو قاتلهم بلا دعوة جاز، لأنهم علموا ما يقاتلون عليه كالمرتدين وأهل الحرب بعد بلوغ الدعوة. بحر. قوله: (فإن تحيزوا مجتمعين) أي مالوا إلى جهة مجتمعين فيها أو إلى جماعة، وهذا في معنى قوله: ((وغلبوا على بلد)) فكان أحدهما يغني عن الآخر على ما قلنا. قوله: (حل لنا قتالهم بدءاً) هذا اختيار لما نقله خواهر زاده عن أصحابنا أنا نبدؤهم قبل أن يبدؤونا، لأنه لو انتظر حقيقة قتالهم (ربما) لا يمكنه الدفع، فيدار على الدليل ضرورة دفع شرهم. ونقل القدوري أنه لا يبدؤهم حتى يبدؤوه. وظاهر كلامهم ٤١٦ كتاب الجهاد/ باب البغاة على دليله وهو الاجتماع والامتناع (ومن دعاه الإمام إلى ذلك) أي قتالهم (افترض عليه إجابته) لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض، فكيف فيما هو طاعة؟ بدائع (لو قادراً) وإلا لزم بيته. درر. وفي المبتغى: لو بغوا لأجل ظلم السلطان ولا يمتنع عنه لا ينبغي للناس معاونة السلطان ولا معاونتهم. (ولو طلبوا الموادعة أجيبوا) إليها (إن خيراً للمسلمين) كما في أهل الحرب أن المذهب الأول. بحر. ولو اندفع شرهم بأهون من القتل وجب بقدر ما يندفع به شرهم. زيلعي. مَطْلَبٌ فِي وُجُوبٍ طَاعَةِ الإِمَامِ قوله: (افترض عليه إجابته) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وقال وَ﴿ (اسْمَعُوا وَأَطِيْعُوا وَلَوْ أَمِّرُ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٍّ أَجْدَعُ(١)) وروى ((مجدع)) وعن ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمَّرُ عَلَيْكُمْ مَا لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِمُنْكَرٍ (٢)) ففي المنكر لا سمع ولا طاعة، ثم إذا أمر العسكر بأمر فهو على وجه: إن علموا أنه نفع بيقين أطاعوه، وإن علموا خلافه كأن كان لهم قوة وللعدو مدد يلحقهم لا يطيعونه، وإن شكوا لزمهم إطاعته، وتمامه في الذخيرة. قوله: (وإلا لزم بيته) أي إن لم يكن قادراً، وعليه يحمل ما روى عن جماعة من الصحابة، أنهم قعدوا في الفتنة، وربما كان بعضهم في تردد من حل القتال. والمروي عن أبي حنيفة من قول الفتنة: إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة ويقعد في بيته محمول على ما إذا لم يكن لهم إمام. وما روى ((إذًا اٌلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَائِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ)) محمول على اقتتالهما حمية وعصبية كما يتفق بين أهل قريتين ومحلتين، أو لأجل الدنيا والملك، وتمامه في الفتح. قوله: (وفي المبتغى الخ) موافق لما مر من جامع الفصولين، ومثله في السراج، لكن في الفتح: ويجب على كل من أطاق الدفع أن يقاتل مع الإمام، إلا أن أبدوا ما يجوز لهم القتال كان ظلمهم أو ظلم غيرهم ظلماً لا شبهة فيه، بل يجب أن يعينوهم حتى ينصفهم ويرجع عن جوره، بخلاف ما إذا كان الحال مشتبهاً أنه ظلم مثل تحميل بعض الجبايات التي للإمام أخذها وإلحاق الضرر بها لدفع ضرر أعم منه اهـ. قلت: ويمكن التوفيق بأن وجوب إعانتهم إذا أمكن امتناعه عن بغيه، وإلا فلا كما يفيده قول المبتغى، ولا يمتنع عنه. تأمل. قوله: (ولو طلبوا الموادعة) أي الصلح من (١) أخرجه مسلم ٩٤٤/٢ (١٢٩٨/٣١١) وقوله مُجدَّع بتشديد الدال المفتوحة أي مقطوع الأنف والأذن. (٢) أخرجه البخاري ١٢١/١٣ (٧١٤٤) ومسلم ١٤٦٩/٣ (١٨٣٩/٣٨). ٤١٧ كتاب الجهاد/ باب البغاة (وإلا لا) يجابوا. بحر (ولا يؤخذ منهم شيء، فلو أخذنا منهم رهوناً وأخذوا منا رهوناً، ثم غدروا بنا وقتلوا رهوننا لا نقتل رهونهم، ولكنهم يحبسون إلى أن يهلك أهل البغي أو يتوبوا، وكذلك أهل الشرك) إذا فعلوا برهوننا ذلك لا نفعل برهونهم (و) لكن (يجبرون على الإسلام أو يصيروا ذمة) لنا. (ولو لهم فئة أجهز على جريحهم) أي أتمّ قتله (واتبع موليهم وإلا لا) لعدم الخوف (والإمام بالخيار في أسيرهم، إن شاء قتله، وإن شاء حبسه) حتى يتوب أهل البغي، فإن تابوا حبسه أيضاً حتى يحدث توبة. سراج (ونقاتلهم بالمنجنيق والإغراق وغير ذلك كأهل الحرب، وما لا يجوز قتله من أهل الحرب) كنساء وشيوخ (لا يجوز قتله منهم) ما لم يقاتلوا، ولا يقتل عادل محرمه مباشرة ما لم يرد قتله (ولم تسب لهم ذرية، وتحبس أموالهم إلى ظهور توبتهم) فترد عليهم ترك قتالهم ط. قوله: (ولا يؤخذ منهم شيء) أي على الموادعة لأنهم مسلمون، ومثله في المرتدين. فتح. قوله: (لا نقتل رهونهم) أي وإن وقع الشرط على أن أيهما غدر يقتل الآخرون الرهن، لأنهم صاروا آمنين بالموادعة أو بإعطاء الأمان لهم حين أخذناهم رهناً، والغدر من غيرهم لا يؤاخذون به، والشرط باطل، وتمامه في الفتح. قوله: (أو يصيروا ذمة لنا) أو بمعنى إلا، فلذلك حذف النون ح. قوله: (أجهز على جريحهم) بالبناء للمفعول فيه وفي اتبع. قوله: (أي أتم قتله) في المصباح: جهزت على الجريح من باب نفع، وأجهزت إجهازاً: أتممت عليه وأسرعت قتله. قوله: (واتبع موليهم) أي هاربهم لقتله أو أسره كي لا يلحق هو أو الجريح بفئته. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم يكن لهم فئة يلحقون بها لا يجهز ولا يتبع. قوله: (إن شاء قتله) أي إن كان له فئة وإلا لا كما في القهستاني عن المحيط. قال في الفتح: ومعنى هذا الخيار أن يحكم نظره فيما هو أحسن الأمرين في كسر الشوكة لا بهوى النفس والتشفي. قوله: (كنساء وشيوخ) أدخلت الكاف الصبيان والعميان كما في البحر ط. قوله: (ما لم يقاتلوا) أي فيقتلون حال القتال وبعد الفراغ إلا الصبيان والمجانين. بحر. قوله: (ولا يقتل) أي یکره له كما في الفتح. قوله: (ما لم يرد قتله) فإذا أراده فله دفعه ولو بقتله، وله أن يتسبب ليقتله غيره كعقر دابته، بخلاف أهل الحرب فله أن يقتل محرمه منهم مباشرة إلا الوالدين. بحر: أي فإنه لا يجوز له قتل الوالدين الحربيين مباشرة، بل له منعهما ليقتلهما غيره إلا إذا أراد قتله ولا يمكن دفعه إلا بالقتل فله قتلهما مباشرة كما مر أول الجهاد. والحاصل أن المحرم هنا كالوالدين، بخلاف أهل الحرب، فإن له قتل المحرم فقط. والفرق كما في الفتح أنه اجتمع في الباغي حرمتان: حرمة الإسلام، وحرمة القرابة. وفي الكافر حرمة القرابة فقط. قوله: (ولم تسب لهم ذرية) أي أولاد صغار، وكذا النساء، لأن ٤١٨ كتاب الجهاد/ باب البغاة وبيع الكراع أولى لأنه أنفع. فتح. ويقاس عليه العبيد. نهر (ونقاتل بسلاحهم وحيلهم عند الحاجة، ولا ينتفع بغيرهما من أموالهم مطلقاً) ولو عند الحاجة. سراج. ولو قال الباغي: تبت وألقى السلاح من يده كف عنه، ولو قال: كفّ عني لأنظر في أمري لعلي أتوب وألقي السلاح، كفّ عنه، ولو قال: أنا على دينك ومعه السلاح لا لأن وجود السلاح معه قرينة بقاء بغيه، فمتى ألقاه كف عنه، وإلا لا. فتح. (ولو قتل باغ مثله فظهر عليهم فلا شيء فيه) لكونه مباح الدم. فتح. فلا إثم أيضاً، وقتلانا شهداء، ولا يصلى على بغاة بل يكفنون ويدفنون. بدائع (ويكره نقل رؤوسهم إلى الآفاق) وكذلك رؤوس أهل الحرب لأنها مثلة؛ وجوّزه بعض المتأخرين لو فيه كسر شوكتهم أو فراغ قلبنا. فتح. ومر في الجهاد. (ولو غلبوا على مصر فقتل مصري مثله عمداً فظهر على المصر قتل به إن لم يجر على أهله) أي المصر (أحكامهم) وإن جرى لا لانقطاع ولاية الإمام عنهم الإسلام يمنع الاسترقاق ابتداء كما في الزيلعي. قوله: (وبيع الكراع أولى) بضم الكاف، من تسمية الشيء باسم بعضه، لما في المصباح أن الكراع من الغنم والبقر مستدق الساعد بمنزلة الوظيف من الفرس، وهو مؤنث يجمع على أكرع والأكرع على أكارع. قال الأزهري: الأكارع للدابة قوائمها. قوله: (لأنه أنفع) أي أنفع من إمساكه والإنفاق علیه من بيت المال، أو للرجوع على صاحبه كما يفيده كلام البحر. قوله: (وألقى السلاح) فعل ماض معطوف على ((قال)). قوله: (فمتى ألقاه الخ) قال في الفتح: وما لم يلق السلاح في صورة من الصور كان له قتله، ومتى ألقاه كف عنه، بخلاف الحربيّ لا يلزمه الكف عنه بإلقاء السلاح. قوله: (فلا شيء فيه) أي لا دية ولا قصاص إذا ظهرنا عليهم. فتح. قوله: (لكونه مباح الدم) ألا ترى أن العادل إذا قتله لا يجب عليه شيء، ولأن القصاص لا يستوفي إلا بالولاية وهي بالمنفعة، ولا ولاية لإمامنا عليهم فلم يجب شيء وصار كالقتل في دار الحرب. وعند الأئمة الثلاثة يقتل به. فتح. قوله: (فلا إثم أيضاً) أخذه في النهر من ظاهر كلام الفتح ومثله في البحر، فتأمله. قوله: (وقتلانا شهداء) أي فيصنع بهم ما يصنع بالشهداء كافي. قوله: (بل يكفنون) أي بعد أن يغسلوا كما في البحر ح. قوله: (لأنها مثلة) أي لأن هذه الهيئة: أو أنثه لتأنيث الخبر: أي والمثلة منهى عنهما. قوله: (وجوزه بعض المتأخرين) لمنع كونه مثلة. قال في البحر: ومنعه في المحيط في رؤوس البغاة؛ وجوّزه في رؤوس أهل الحرب. قوله: (إن لم يجر الخ) أي بأن أخرجهم إمام العدل قبل تقرر حكمهم لأنه حينئذ لم تنقطع ولاية الإمام فوجب القود. فتح. قوله: (وإن جرى لا) أي لا ٤١٩ كتاب الجهاد/ باب البغاة (وإن قتل عادل باغياً ورثه) مطلقاً وبالعكس (إذا قال) الباغي وقت قتله (أنا على باطل لا) يرثه اتفاقاً لعدم الشبهة (وإن قال أنا على حق) في الخروج على الإمام وأصرّ على دعواه (ورثه) أما لو رجع يقتل به ولكن يستحق عذاب الآخرة. فتح. قوله: (مطلقاً) يفسره ما بعده. قال في البحر: إذا قتل عادل باغياً فإنه يرثه، ولا تفصيل فيه لأنه قتله بحق فلا يمنع الإرث. وأصله أن العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم، لأنه مأمور بقتالهم دفعاً لشرهم، كذا في الهداية ونحوه في البدائع. وفي المحيط: العادل لو أتلف مال الباغي يضمن لأنه معصوم في حقنا. ووفق الزيلعي بحمل الأول على إتلافه حال القتال بسبب القتال، إذ لا يمكنه أن يقتلهم إلا بإتلاف شيء من أموالهم كالخيل، وأما في غير هذه الحالة فلا معنى لمنع الضمان لعصمة أموالهم اهـ. ملخصاً. قلت: ويظهر لي التوفيق بوجه آخر، وهو حمل الضمان على ما قبل تحيزهم وخروجهم أو بعد كسرهم وتفرق جمعهم، أما إذا تحيزوا لقتالنا مجتمعين فإنهم غير معصومين بدليل حلّ قتالنا لهم، ويدل عليه تعليل الهداية بالأمر بقتالهم، إذ لا يؤمر بقتالهم إلا في هذه الحالة. فلو أتلف العادل منهم شيئاً في هذه الحالة لا يضمنه لسقوط العصمة، بخلاف غيرها فإنه يضمن لأنه حينئذ معصوم في حقنا، ولم أر من ذكر هذا التوفيق، والله تعالى الموفق. قوله: (وبالعكس) أي إذا قتل باغ عادلًا. قوله: (وقت قتله) متعلق بقوله: ((أنا على باطل)) فكان عليه أن يذكره عقبه، إذ لا يلزم قوله ذلك وقت قتله، بل اللازم اعتقاد ذلك وقته، لكن قد يأتي لفظ ((قال)) بمعنى ((اعتقد)) تأمل. وعبارة البحر: وإن قال قتلته وأنا أعلم أني على باطل لم يرثه. قوله: (اتفاقاً) أي من أبي يوسف وصاحبيه. قوله: (لعدم الشبهة) وهي التأويل باعتقاد كونه على حق. قوله: (ورثه) أي خلافاً لأبي يوسف لأنه أتلف بتأويل فاسد، والفاسد منه ملحق بالصحيح إذا ضمت إليه المنعة في حق الدفع كما في منعة أهل الحرب وتأويلهم. والحاصل أن نفي الضمان منوط بالمنعة مع التأويل، فلو تجردت المنعة عن التأويل كقوم تغلبوا على بلدة فقتلوا واستهلكوا الأموال بلا تأويل ثم ظهر عليهم أخذوا بجميع ذلك، ولو انفرد التأويل عن المنعة بأن انفرد واحد واثنان فقتلوا وأخذوا عن تأويل ضمنوا إذا تابوا وقدر عليهم، وتمامه في الفتح والزيلعي. وفي الاختيار: وما أصاب كل واحد من الفريقين من الآخر من دم أو جراحة أو استهلاك مال فهو موضوع لا دية فيه، ولا ضمان ولا قصاص، وما كان قائماً في يد كل واحد من الفريقين للآخر فهو لصاحبه. قال محمد رحمه الله تعالى: إذا تابوا أفتيهم أن يغرموا، ولا أجبرهم على ذلك لأنهم أتلفوه بغير حق، فسقوط المطالبة لا يسقط الضمان فيما بينه وبين الله ٤٢٠ كتاب الجهاد/ باب البغاة تبطل ديانته فلا إرث ابن كمال. وفي الفتح: لو دخل باغ بأمان فقتله عادل عمداً لزمه الدية، كما في المستأمن لبقاء شبهة الإباحة. (ويكره) تحريماً (بيع السلاح من أهل الفتنة إن علم) لأنه إعانة على المعصية تعالى. وقال أصحابنا: ما فعلوه قبل التحيز والخروج وبعد تفرق جمعهم يؤخذون به لأنهم من أهل دارنا، ولا منعة لهم كغيرهم من المسلمين، أما ما فعلوه بعد التحيز لا ضمان فيه لما بيننا اهـ. قلت: فتحصل من ذلك كله أن أهل البغي إذا كانوا كثيرين ذوي منعة وتحيزوا لقتالنا معتقدين حله بتأويل سقط عنهم ضمان ما أتلفوه من دم أو مال دون ما كان قائماً، ويضمنون كل ذلك إذا كانوا قليلين لا منعة لهم أو قبل تحيزهم أو بعد تفرق جمعهم، وتقدم أن ما أتلفه أهل العدل لا يضمنونه، وقيل يضمنونه وقدمنا التوفيق. قوله: (تبطل ديانته) أي تأويله الذي كان يتدين به وأسقطنا ضمانه بسببه، فإذا رجع ظهر أنه لا تأويل له فلا يرث ويضمن ما أتلف. وفي عامة النسخ ((ديانة)) بدون ضمير، وهو تحريف، والموافق لما في ابن كمال عن غاية البيان هو الأول. قوله: (عمداً) ليس في كلام الفتح، ولكن حمله عليه في النهر لأنه المراد بدليل التعليل. ثم قال في النهر: وينبغي أن لا يرث منه، وهذه ترد على إطلاق المصنف. قوله: (كما في المستأمن) أي كما لو قتل المسلم مستأمناً في دارنا. فتح. قوله: (لبقاء شبهة الإباحة) علة لعدم وجوب القصاص المفهوم من وجوب الدية اهح. مَطْلَبُ فِي ◌َرَاهَةٍ بَيْعِ مَا تَقُومُ المَعْصِيَةُ بِعَينِهِ قوله: (تحريماً) بحث لصاحب البحر حيث قال: وظاهر كلامهم أن الكراهة تحريمية لتعليلهم بالإعانة على المعصية ط. قوله: (من أهل الفتنة) شمل البغاة وقطاع الطريق واللصوص. بحر. قوله: (إن علم) أي إن علم البائع أن المشتري منهم. قوله: (لأنه إعانة على المعصية) لأنه يقاتل بعينه، بخلاف ما لا يقاتل به إلا بصنعة تحدث فيه كالحديد ونظيره كراهة بيع المعازف لأن المعصية تقام بها عينها، ولا يكره بيع الخشب المتخذة هي منه، وعلى هذا بيع الخمر لا يصح ويصح بيع العنب، والفرق في ذلك كله ما ذكرنا. فتح. ومثله في البحر عن البدائع، وكذا في الزيلعي لكنه قال بعده: وكذا لا يكره بيع الجارية المغنية والكبش النطوح والديك المقاتل والحمامة الطيارة، لأنه ليس عينها منكراً وإنما المنكر في استعمالها المحظور اهـ. قلت: لكن هذه الأشياء تقام المعصية بعينها، لكن ليست هي المقصود الأصلي منها، فإن عين الجارية للخدمة، مثلاً والغناء عارض فلم تكن عين المنكر، بخلاف