Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
کتاب الجهاد/ باب المرتد
قتله بلا توبة، فتنبه (فإن أسلم) فيها (وإلا قتل) لحديث ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ))(١)
(وإسلامه أن يتبرأ عن الأديان) سوى الإسلام (أو عما انتقل إليه) بعد نطقه
بالشهادتين، وتمامه في الفتح؛ ولو أتى بهما على وجه العادة لم ينفعه ما لم
يتبرأ .. بزازية (وكره) تنزيهاً لما مر (قتله قبل العرض بلا ضمان) لأن الكفر مبيح
للدم، قيد بإسلام المرتد
أقول: الظاهر أن البلخي اختار قول ابن عمر، ولا يصح بناؤه على رواية النوادر
المارة عن الفتح كما لا يخفى، فافهم. قوله: (بلا توبة) أي بلا قبول توبة، وليس المراد
أنه يقتل إن لم يثبت؛ لأنه لا نزاع فيه. قوله: (وإلا قتل) أي ولو عبداً فيقتل وإن تضمن
قتله إبطال حق المولى، وهذا بالإجماع لإطلاق الأدلة. فتح. قال في المنح: وأطلق
فشمل الإمام وغيره، لكن إن قتله غيره أو قطع عضواً منه بلا إذن الإمام أدبه الإمام اهـ.
وسيأتي متناً وشرحاً استثناء أربعة عشر لا يقتلون. قوله: (لحديث الخ) رواية أحمد
والبخاري وغيرهما. زيلعي. قوله: (بعد نطقه بالشهادتين) كذا قيده في العناية والنهاية،
وعزاه القهستاني إلى المبسوط والإيضاح وغيرهما وقال: وإنما لم يذكره لأن ذلك
معلوم لكن مقتضى ما في الفتح عدم اعتماده، لأنه عبر عنه بقيل وكأنه تابع ظاهر
المتون، وهو مفاد كلام الزيلعي، ويؤيده ما سيذكره في المتن من أن إنكاره الردة توبة
ورجوع. وقد يوفق بحمل ما هو ظاهر المتون على الإسلام المنجي في الدنيا عن
القتل. وما في الشروح من اشتراط النطق بالشهادتين أيضاً محمول على الإسلام الحقيقي
النافع في الدنيا والآخرة. تأمل وذكر في الفتح أن الإقرار بالبعث والنشور مستحب.
قوله: (على وجه العادة) أي بدون التبّي. قال في البحر: وأفاد باشتراط التبري أنه لو
أتى بالشهادتين على وج العادة لم ينفعه ما لم يرجع عما قال، إذ لا يرتفع بهما كفره،
كذا في البزازية وجامع الفصولين اهـ.
قلت: وظاهره اشتراط التبري وإن لم ينتحل ديناً آخر بأن كان كفره بمجرد كلمة
ردة، والظاهر خلافه، وأن اشتراط التبري فيمن انتحل ديناً آخر إنما هو شرط لإجراء
أحكام الدنيا عليه، أما بالنسبة لأحكام الآخرة فيكفيه التلفظ بالشهادتين مخلصاً، كما
يدل عليه ما نذكره في إسلام اللعيسوية. قوله: (لما مر) أي من أن العرض مستحب،
ويكره تحريماً عند من أوجبه. أفاده في شرح الملتقى ط. قوله: (قيد بإسلام المرتد) أي
في قوله: ((وإسلامه))(٢).
(١) أخرجه البخاري ١٢/ ٢٦٧ (٦٩٢٢).
(٢) وأما معنى الكافر:
فالكافر اسم فاعل من الكفر الذي هو في اللغة الجحود والإنكار، وفي الشرع صعب على =

٣٦٢
كتاب الجهاد/ باب المرتد
لأن الكفار أصناف خمسة: من ينكر الصانع كالدهرية، ومن ينكر الوحدانية
كالثنوية، ومن يقربهما لكن ينكر بعثة الرسل
مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ خمسَةُ أَصْنَافٍ، وَمَا يَشْتِطُ فِي إِسْلَامِهِمْ
قوله: (لأن الكفار) أي بكفر أصلي والمرتد كفره عارض. قوله: (كالدهرية)
بضم الدال نسبة إلى الدهر بفتحها، سموا بذلك لقوله: ﴿وَمَا يهلِكُنَا إِلَّ
الدَّهْرُ﴾ [الجاثية ٢٤] ح. قوله: (كالثنوية) وهم المجوس القائلون بإلهين أو کالمجوس
كما في ((أنفع الوسائل)) ومقتضاه أنهم غيرهم، وهو الذي حققه ابن كمال باشا نقلاً عن
= المتكلمين تعريفه، فاختلفوا فيه اختلافهم في تعريف الايمان، فنرى الشافعية يعرفونه بأنه إنكار ما علم
مجيء الرسول به مما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام بينما الحنفية لا يشترطون في الإكفار سوى القطع
بثبوت ذلك الأمر الذي تعلق به الإنكار لا بلوغ العلم به حد الضرورة كسابقيهم، فإنكار وجود الصانع ونبوة
محمد عليه السلام وحجية القرآن كفر على المذهبين لثبوت الأمر بكل منهم ثبوتاً بلغ الضرورة، وعلى ذلك
فعبّاد الأصنام وأهل الكتاب كفار اتفاقاً وبهذا يكون الكفر اسم جنس تحته نوعان: أهل الكتاب الذين بدلوا
كتابهم، وكذبوا الرسول عليه السلام، وعبدة الأوثان الذين عبدوا غير الله من صنم أو وثن أو كوكب.
وقد قسم بعض أهل العلم الكفر إلى أربعة أنواع:
النوع الأول: كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله أصلاً ككفر فرعون الذي يحكي عنه القرآن قوله: ((ما علمت
لكم من إله غيري).
النوع الثاني: كفر جحود، وهو أن يعرف الله بقلبه، ولا يقر بلسانه کكفر إبليس.
النوع الثالث: كفر عناد، وهو أن يعرف الله بقلبه ويقر بلسانه، ولا يدين به ككفر أبي طالب.
النوع الرابع: كفر نفاق، وهو أن يقر بلسانه ولا يعتقد صحة ذلك بقلبه، ويمكن أن نلمح من تلك الأنواع
أن الكافر أعم من المشرك إذ المشرك يصدق على عبدة الأوثان دون أهل الكتاب، وأما الكافر فيصدق
عليهما كما سبق بيانه آنفاً.
بقي بعد ذلك أن نتعرف، هل أهل الكتاب يشملهم اسم الشرك كما شملهم اسم الكفر.
أننا لو تتبعنا القرآن الكريم لوجدناه جاء بنعتهم بالشرك في بعض الآيات كما وردت آيات أخرى تفيد عدم
شرکھم.
فمن الأول قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾، وقوله تعالى:
﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ إلى أن قال تعالى: ﴿سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ سجلت
الآيتان الشرك على أهل الكتاب بادعائهم بينوة عزير والمسيح لله، ولا شك أن من ادعى ذلك كان مشركاً،
وصرحت الآية الثانية بشركهم.
ومما ورد من الآيات مفيداً عدم شركهم قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والمجوس
والذين أشركوا﴾ وقوله تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ وقوله
تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين﴾ عطف الله في تلك الآيات المشركين على
أهل الكتاب، والعطف يفيد المغايرة فكانوا غيرهم.
وحيث ورد القرآن بهذا وذاك كان علينا أن نلتمس المرجح من طريق آخر هو اللغة، فوجدناها تفصل بين
حقيقة الكتابة والمشرك فوضعت لكل لفظاً خاصاً بحقيقة، فمن هنا كان ما ورد في القرآن من وصف
الكتابة بالشرك من باب المجاز، فيقال: أطلق الشرك على فعل أهل الكتاب كما صح إطلاقه على من يرائي
بعمله من المسلمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾.

٣٦٣
كتاب الجهاد/ باب المرتد
كالفلاسفة، ومن ينكر الكل كالوثنية، ومن يقرّ بالكل، لكن ينكر عموم رسالة
المصطفى ◌ّل﴿ كالعيسوية، فيكتفي في الأولين بقول لا إله إلا الله،
الآمدي مع مشاركة الكل في اعتقاد أن أصل العالم النور والظلمة: أي النور المسمى
(يزدان)) وشأنه خلق الخير. والظلمة المسماة ((أهر من)) وشأنها خلق الشر. قوله:
(كالفلاسفة) أي قوم منهم كما في النهر، وإلا فجمهور الفلاسفة يثبتون الرسل على أبلغ
وجه لقولهم بالإيجاب اهـح. أي باللزوم والتوليد لا بالاختيار لإنكارهم كونه تعالى
مختاراً، وينكرون كونها بنزول الملك من السماء من السماء وكثيراً مما علم بالضرورة
مجيء الأنبياء كحشر الأجساد والجنة والنار.
والحاصل أنهم وإن أثبتوا الرسل لكن لا على الوجه الذي يثبته أهل الإسلام كما
ذكره في شرح المسايرة فصار إثباتهم بمنزلة العدم، وعليه فيصح إطلاق الشارح. تأمل.
قوله: (كالوثنية) فيه أن الوثنية لا ينكرون الصانع تعالى كما لا يخفى حٍ. قال في شرح
السير: وعبدة الأوثان كانوا يقرّون بالله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ
لِيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ولكن كانوا لا يقرّون بالوحدانية. قال تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ
لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرِونَ﴾ [الصافات: ٣٥] اهـ. وهذا زاده في الدرر على ما في
البدائع، وتبعه الشارح. والظاهر أن صاحب البدائع أدخله في الثنوية لأنهم جعلوا مع
الله تعالى معبوداً ثانياً وهو أصنامهم، فهم منكرون للوحدانية كالمجوس، وحكمهم في
الإسلام واحد كما تعرفه. قوله: (كالعيسوية) هم قوم من اليهود ينسبون إلى عيسى
الأصفهاني اليهودي ح.
قلت: وعبارة البدائع: وصنف منهم يقرّون بالصانع وتوحيده والرسالة في
الجملة، لكنهم ينكرون عموم رسالة رسولنا وَ ل ﴿ وهم اليهود والنصارى. قال في النهر:
وليس المراد كل النصارى بل طائفة منهم في العراق يقال لهم العيسوية، صرح بذلك
في المحيط والخانية اهـ. قوله: (فيكتفي في الأولين الخ) عبارة البدائع: فإن كان من
الصنف الأول أو الثاني فقال لا إله لا الله يحكم بإسلامه، لأن هؤلاء يمتنعون عن
الشهادة أصلاً، فإذا أقرُّوا بها كان ذلك دليل إيمانهم، وكذلك إذا قال أشهد أن محمداً
رسول الله، لأنهم يمتنعون عن كل واحدة من كلمتي الشهادة، فكان الإتيان بواحدة
منهما أيتهما كانت دلالة الإيمان اهـ: أي ويلزم من الإيمان بإحداهما الإيمان بالأخرى،
وهذا صريح في أن الثنوية ينكرون الرسالة فهم كالوثنية، فيكتفي في الكل بإحدى
الكلمتين، وبه صرّح في ((أنفع الوسائل)) فقال: إن عبدة الأوثان والنيران والمشرك في
الربوبية والمنكر للوحدانية كالثنوية إذا قال الواحد منهم لا إله إلا الله یحکم بإسلامه،
وكذا لو قال أشهد أن محمداً رسول الله أو قال أسلمنا أو آمنا بالله. اهـ. وذكر قبله عن

٣٦٤
كتاب الجهاد/ باب المرتد
وفي الثالث محمد رسول الله، وفي الرابع بأحدهما، وفي الخامس بهما مع التبري
المحيط أن الكافر إذا أقرّ بخلاف ما اعتقد يحكم بإسلامه، ونحوه في شرح السير
الكبير. وبه علم أن ما في شرح المسايرة لابن أبي شريف الشافعي من أنه يكتفي في
الثنوي والوثني بالشهادتين بدون تبري فهو على مذهبه: أو المراد به إحداهما، فافهم.
قوله: (وفي الثالث بقول محمد رسول الله) فلو قال لا إله إلا الله يحكم بإسلامه لأنه منكر
الرسالة، ولا يمتنع عن هذه المقالة، ولو قال أشهد أن محمد رسول الله بحكم بإسلامه،
لأنه يمتنع عن هذه الشهادة، فكان الإقرار بها دليل الإيمان. بدائع. ومقتضاه أن الإتيان
بالثانية يكفيه، لأن المدار على الإقرار بخلاف معتقده. قوله: (وفي الرابع بأحدهما)
علله في الدرر بأنه لا منكر للأمرين جميعاً، فبأيهما شهد دخل في دين الإسلام اهـ. وهذا
التعليل موافق لما قدمناه عن البدائع، وبه صرح أيضاً في شرح السير الكبير، وزاد أنه
لو قال أنا مسلم فهو مسلم، لأن عبدة الأوثان لا يدعون هذا الوصف لأنفسهم، بل
يبرؤون على قصد المغايظة للمسلمين؛ وكذا لو قال أنا على دين محمد، أو على
الحنفية أو على دين الإسلام وقد علمت أن هذا الرابع داخل في الأولين، والحكم في
الكل واحد، وهو الاكتفاء بأحد اللفظين عن الآخر، وأن ما مر عن شرح المسايرة لا
يدفع المنقول عندنا، فافهم.
مَبْحَثْ فِي أَشْتِرِاطِ الثَّبري مَعَ الإِثْيَانِ بِالشَّهَادَتَين
قوله: (وفي الخامس بهما في التبري الخ) ذكر ابن الهمام في المسايرة أن اشتراط
التبري لإجراء أحكام الإسلام عليه لا لثبوت الإيمان فيما بينه وبين الله تعالى، فإنه لو
اعتقد عموم الرسالة وتشهد فقط كان مؤمناً عند الله تعالى اهـ. ثم إن الذي في البدائع:
لو أتى بالشهادتين لا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ عن الدين الذي هو عليه وزاد في
المحيط: لا يكون مسلماً حتى يتبرأ من دينه مع ذلك، ويقرّ أنه دخل في الإسلام، لأنه
يحتمل أنه تبرأ من اليهودية ودخل في النصرانية، فإذا قال مع ذلك: ((ودخلت في
الإسلام» يزول هذا الاحتمال. وقال بعض مشايخنا: إذا قال دخلت في الإسلام يحكم
بإسلامه وإن لم يتبرأ مما كان عليه، لأنه يدل على دخول حادث منه في الإسلام اهـ.
ومثله في شرح السير الكبير.
قلت: اشتراط قوله ودخلت في دين الإسلام ظاهر فيما إذا تبرأ من دينه فقط، إلا
إذا تبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام فلا يحتاج إليه لعدم الاحتمال المذكور، فلذا لم
يذكره الشارح مع صيغة التبّي التي ذكرها. والظاهر أنه لو أتى بالشهادتين وصرح
بتعميم الرسالة إلى بني إسرائيل وغيرهم أو قال أشهد أن محمداً رسول الله إلى كافة
الخلق الإنس والجن: يكفي عن التبري أيضاً، كما صرح به الشافعية.

٣٦٥
کتاب الجهاد/ باب المرتد
عن كل دين يخالف دين الإسلام. بدائع وآخر كراهية الدرر. وحينئذ فيستفسر من
جهل حاله، بل عمم في الدرر اشتراط التبري من كل يهودي ونصراني، ومثله في
تنبيه: قال في الفتح: إن اشتراط التبري إنما هو فيمن بين أظهرنا منهم، وأما من
في دار الحرب لو حمل عليه مسلم فقال محمد رسول الله فهو مسلم، أو قال دخلت في
دين الإسلام، أو دين محمد طر فهود دليل إسلامه، فكيف إذا أتى بالشهادتين، لأن في
ذلك الوقت ضيقاً، وقوله هذا إنما أراد به الإسلام الذي يدفع عنه القتل الحاضر،
فیحمل علیه ويحكم به بمجرد ذلك اهـ.
قلت: وإنما اكتفى عليه الصلاة والسلام بالشهادتين، لأن أهل زمنه كانوا منكرين
لرسالته أصلا كما يأتي.
ثم اعلم أنه يؤخذ من مسألة العيسوي أن من كان كفره بإنكار أمر ضروري كحرمة
الخمر مثلاً أنه لا بد من تبرئه مما كان يعتقده لأنه كان يقرّ بالشهادتين معه فلا بد من تبرئه
منه كما صرح به الشافعية، وهو ظاهر. قوله: (فيستفسر من جهل حاله) ذكر ذلك في
النهر بلد أن ذكر أنه ليس كل اليهود والنصارى كذلك بل طائفة منهم يقال لهم
العيسوية، فقال: وعلى هذا فينبغي أن يستفسر الآتي بالشهادتين منهم إن جهل حاله اهـ:
أي فإن ادعى أنه عيسوي يعتقد تخصيص الرسالة بغير بني إسرائيل لا يصح إسلامه إلا
بالتبري، وإن ادعى أنه ينكرها مطلقاً اكتفى بالشهادتين، فافهم. قوله: (بل عمم في
الدرر الخ) في البحر أول الجهاد عن الذخيرة: أما اليهود والنصارى فكان إسلامهم في
زمنه عليه الصلاة والسلام بالشهادتين لأنهم كانوا ينكرون رسالته ويتر، وأما اليوم ببلاد
العراق فلا يحكم بإسلامه بهما ما لم يقل تبرأت عن ديني ودخلت في دين الإسلام،
لأنهم يقولون: إنه رسول إلى العرب والعجم لا إلى بني إسرائيل كذا صرح به محمد اهـ.
وفي شرح السير السرخسي: وأما اليهود والنصارى اليوم بين ظهراني المسلمين إذا أتى
واحد منهم بالشهادتين لا يكون مسلماً، لأنهم جميعاً يقولون هذا: ليس من نصراني ولا
يهودي عندنا نسأله إلا قال هذه الكلمة، فإذا استفسرته قال رسول الله إليكم لا إلى بني
إسرائيل، ثم قال: ولو قال أنا مسلم لم يكن مسلماً بهذا، لأن كل فريق يدعي ذلك
لنفسه، فالمسلم هو المستسلم للحق، وكل ذي دين يدعي أنه منقاد للحق، وكان
شيخنا الإمام يقول: إلا المجوس في ديارنا، فإن من يقول منهم أنا مسلم يصير مسلماً،
لأنهم يأبون هذه الصفة لأنفسهم ويسبون به أولادهم ويقولون ((يا مسلمان)) اهـ.
قلت: وما عزاه إلى شيخه: يعني الإمام الحلواني جزم به في محل آخر، وقدمنا
عنه قريباً في الوثني أنه يصير مسلماً بقوله أنا مسلم أو على دين محمد أو الحنيفية أو
الإسلام، فعلى هذا يقال كذلك في اليهود والنصارى في بلادنا، فإنهم يمتنعون من قول

٣٦٦
كتاب الجهاد/ باب المرتد
فتاوى المصنف وابن نجيم وغيرهما. وفي رهن فتاوى قارىء الهداية: كذا أفتى
علماؤنا. والذي أفتى به صحته بالشهادتين بلا تبري، لأن التلفظ بها صار علامة
على الإسلام فيقتل إن رجع ما لم يعد (و) اعلم أنه
أنا مسلم، حتى أن أحدهم إذا أراد منع نفسه عن أمر يقول: إن فعلته أكون مسلماً.
فإذا قال أنا مسلم طائعاً فهو دليل إسلامه وإن لم يسمع منه النطق بالشهادتين،
كما صرح به في شرح السير فيمن صلى بجماعة فإنه يحكم بإسلامه، وبأنه يحكم
بالإسلام بمجرد سيما المسلمين في حق الصلاة عليه إذا مات، وكذا يمتنعون من النطق
بالشهادتين أشد الامتناع، فإذا أتى بهما طائعاً يجب الحكم بإسلامه لأنه فوق السيما، إذ
لا شك أن محمداً إنما اشترط التبري بناء على ما كان في زمنه من إقرارهم بالرسالة،
على خلاف ما كان في زمن النبي ◌َ ﴿ من إنكارها، فإذا أنكروها في زماننا وامتنعوا من
النطق بالشهادتين يجب أن يرجع الأمر إلى ما كان في زمنه وَل*، إذ لم يبق وجه للعدول
عنه. على أن محمداً إنما حكم على ما كان في بلاد العراق لا مطلقاً كما يوهمه ما في
الدرر، وعن هذا ذكر العلامة قاسم أنه سئل عن سامريّ أتی بالشهادتين ثم رجع فأجاب
بما حاصله أنه ينظر في اعتقاده، فإنهم ذكروا أن بعض اليهود يخصص رسالة نبينا والده
بالعرب، وهذا لا يكفيه مجرد الشهادتين، بخلاف من ينكر الرسالة أصلاً، وبعض من
أعمى الله قلبه قلبه جعلهم فرقة واحدة في جميع البلاد حتى حكم في نصراني منكر
للرسالة تلفظ بالشهادتين ببقائه على النصرانية لم يتبرأ اهـ. ملخصاً.
والحاصل: أن الذي يجب التعويل عليه أنه إن جهل حاله يستفسر عنه، وإن علم
كما في زماننا، فالأمر ظاهر، وهذا وجه ما يأتي عن قارىء الهداية. قوله: (لأن التلفظ
به صار علامة على الإسلام الخ) أفاد بقوله: ((صار)) إلى أن ما كان في زمن الإمام محمد
تغير، لأنهم في زمنه ما كانوا يمتنعون عن النطق بها فلم تكن علامة الإسلام فلذا شرط
معها التبري. أما في زمن قارىء الهداية فقد صارت علامة الإسلام، لأنه لا يأتي بها إلا
المسلم كما في زماننا هذا، ولذا نقل في البحر أول كتاب الجهاد كلام قارىء الهداية ثم
أعقبه بقوله: (وهذا يجب المصير إليه في ديار مصر بالقاهرة، لأنه لا يسمع من أهل
الكتاب فيها الشهادتان، ولذا قيده محمد بالعراق)) اهـ. ومثله في شرح العلامة المقدسي.
ونقل أيضاً في الدر المنتقى كلام قارىء الهداية، ثم قال: وبه أفتى أحمد بن كمال باشا ..
وفي شرح الملتقى لعبد الرحمن أفندي داماد: وأفتى البعض في ديارنا بإسلامه من غير
تبرّ وهو المعمول به اهـ. فليحفظ اهـ. وقد أسمعناك آنفاً ما فيه الكفاية.
مَطْلَبٌ: الإِسْلَامُ يَكُونُ بِالفِعْلِ كَالصَّلَاةِ بِجَمَاعَةٍ
خاتمة: اعلم أن الإسلام يكون بالفعل أيضاً كالصلاة بجماعة أو الإقرار بها أو

٣٦٧
كتاب الجهاد/ باب المرتد
(لا يفتي بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره خلاف
ولو) كان ذلك (رواية ضعيفة) كما حرره في البحر، وعزاه في الأشباه إلى
الأذان في بعض المساجد أو الحج وشهود المناسك لا الصلاة وحده ومجرد الإحرام.
بحر. وقدوم الشارح ذلك نظماً في أول كتاب الصلاة، وقدمنا الكلام عليه مستوفى،
وذكرنا هناك أنه لا فرق في الإسلام بالفعل بين العيسوي وغيره، والمراد أنه دليل
الإسلام فيحكم على فاعل ذلك به، وإلا فحيقة الإسلام المنجية في الآخرة لا بد فيها
من التصديق الجازم مع الإقرار بالشهادتين أو بدونه على الخلاف المار. قوله: (لا يفتي
يكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن) ظاهره أنه لا يفتى به من حيث استحقاقه
للقتل ولا من حیث الحکم ببینونة زوجته.
وقد يقال: المراد الأول فقط، لأن تأويل كلامه للتباعد عن قتل المسلم بأن
يكون قصد ذلك التأويل، وهذا لا ينافي معاملته بظاهر كلامه فيما هو حق العبد وهو
طلاق الزوجة وملكها لنفسها، بدليل ما صرحوا به من أنهم إذا أراد أن يتكلم بكلمة
مباحة فجرى على لسانه كلمة الكفر خطأ بلا قصد لا يصدقه القاضي، وإن كان لا يكفر
فيما بينه وبين ربه تعالى، فتأمل ذلك وحرره نقلًا، فإني لم أر التصريح به؛ نعم سيذكر
الشارح أن ما يكون كفراً اتفاقاً يبطل العمل والنكاح، وما فيه خلاف يؤمر بالاستغفار
والتوبة وتجديد النكاح اهـ. وظاهره أنه أمر احتياط.
مَطْلَبٌ فِي حُكْمٍ مَنْ شَتَمَ دِينَ مُسْلِمٍ
ثم إن مقتضى كلامهم أيضاً أنه لا يكفر بشتم دين مسلم: أي لا يحكم بكفره
لإمكان التأويل. ثم رأيته في ((جامع الفصولين)) حيث قال بعد كلام: أقول: ((وعلى هذا
ينبغي أن يكفر من شتم دين مسلم، ولكن يمكن التأويل بأن مراده أخلاقه الرديئة ومعاملته
القبيحة لا حقيقة دين الإسلام، فينبغي أن لا يكفر حينئذ، والله تعالى أعلم)) اهـ. وأقره
في ((نور العين)) ومفهومه أنه لا يحكم بفسخ النكاح، وفيه البحث الذي قلناه. وأما أمره
بتجديد النكاح فهو لا شك فيه احتياطاً، خصوصاً في حق الهمج الأرذال الذين يشتمون
بهذه الكلمة، فإنهم لا يخطر على بالهم هذا المعنى أصلاً. وقد سئل في ((الخيرية)) عمن
قال له الحاکم أرض بالشرع فقال لا أقبل، فأفتی مفت بأنه کفر وبانت زوجته فهل يثبت
كفره بذلك؟ فأجاب: بأنه لا ينبغي للعالم أن يبادر بتكفير أهل الإسلام، إلى آخر ما
حرره في البحر. وأجاب قبله في مثله بوجوب تعزيره وعقوبته. قوله: (ولو رواية
ضعيفة) قال الخير الرملي: أقول ولو كانت الرواية لغير أهل مذهبنا، ويدل على ذلك
اشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعاً عليه اهـ. قوله: (كما حرره في البحر) قدمنا عبارته

٣٦٨
كتاب الجهاد/ باب المرتد
الصغرى. وفي الدرر وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه توجب الكفر وواحد
يمنعه، فعلى المفتي الميل لما يمنعه، ثم لو نيته ذلك فمسلم، وإلا لم ينفعه
حمل المفتي على خلافه، وينبغي التعوّذ بهذا الدعاء صباحاً ومساء، فإنه سبب
العصمة من الكفر بوعد الصادق الأمين وَّةِ ((آللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ
شَيْئاً وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الغُيُوبِ)).
وتوبة اليأس مقبولة دون إیمان الیاس. درر.
قبيل قوله: ((وشرائط صحتها)). قوله: (وجوه) أي احتمالات لما مز في عبارة البحر عن
التاتر خانية أنه لا يكفر بالمحتمل. قوله: (وإلا) أي وإن لم تكن له نية ذلك الوجه الذي
يمنع الكفر بأن أراد الوجه المكفر، أو لم تكن له نية أصلاً لم ينفعه تأويل المفتي لكلامه
وحمله إياه على المعنى الذي لا يكفر، كما لو شتم دين مسلم وحمل المفتي الدين على
الأخلاق الرديئة لنفي القتل عنه فلا ينفعه ذلك التأويل فيما بينه وبين ربه تعالى، إلا إذا
نواه. قوله: (وينبغي التعوذ بهذا الدعاء صباحاً ومساء) تدخل أوراد الصباح من نصف
الليل الأخير، والمساء من الزوال، هذا فيما عبر فيه بهما. وأما إذا عبر باليوم والليلة
فيعتبران تحديداً من أولهما، فلو قدم المأمور به فيهما عليه لا يحصل له الموعود به. أفاده
بعض من كتب على الجامع الصغير السيوطي. ط.
قلت: ولم أر في الحديث ذكر صباحاً ومساء، بل فيه ذكر ثلاثاً كما في الزواجر
عن الحكيم الترمذي («أفلا أدلك على ما يذهب الله به عنك صغار الشرك وكباره، تقول
كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما
لا أعلم)) وعند أحمد والطبراني ((أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا الشِّرْكَ فَإِنِه أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ الثَّمْلِ،
وَقَالُوا: كَيْفَ نَتَّقِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولُوا: آللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًاً
نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُهُ))(١).
مَطْلَبُ: تَوْبَةُ الْيَأْسِ مَقْبُولَةٌ دُونَ إِنْمَانِ آلْيَأْسِ
قوله: (وتوبة اليأس مقبولة دون إيمان اليأس) هو بالمثناة التحتية ضد الرجاء
وقطع الطمع عن الحياة، وعلل قبولها في الدرر تبعاً للبزازية بأن الكافر أجنبيّ غير
عارف بالله تعالى وابتدأ إيماناً وعرفاناً، والفاسق حاله حالة البقاء، والبقاء أسهل من
الابتداء. والدليل على قبولها مطلقاً قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الثَّوبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] اهـ. وقد أطال في آخر البزازية في هذه المسألة، ونقل قبله
القول بعدم قبول كل منهما، وعزاه أيضاً إلى الحنفية والمالكية والشافعية، وانتصر له
(١) أخرجه أحمد ٤٠٣/٤ والدر المنثور ٢٥٧/٤.

٣٦٩
کتاب الجهاد/ باب المرتد
وفيها أيضاً شهد نصرانيان على نصراني أنه أسلم وهو ينكر لم تقبل شهادتهما،
وكذا لو شهد رجل وامرأتان من المسلمين. وفي النوازل: تقبل شهادة رجل
منلا علي القاري في [شرح بدء الأمالي] وقدمنا ذلك مبسوطاً في أول باب صلاة
الجنائز.
مَطْلَبٌ: أَجْعُوا عَلَى كُفْرٍ فِرْعَوْنَ
وأما إيمان اليأس، فذهب أهل الحق أنه لا ينفع عند الغرغرة، ولا عند معاينة
عذاب الاستئصال، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]
ولذا أجمعوا على كفر فرعون، كما رواه الترمذي في تفسير سورة يونس، وإن خالف في
ذلك الإمام العارف المحقق سيدي محيي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات. قال
العلامة ابن حجر في الزواجر: فإنا وإن كنا نعتقد جلالة قائله فهو مردود، فإن العصمة
ليست إلا للأنبياء، مع أنه نقل عن بعض كتبه أنه صرح فيها بأن فرعون مع هامان
وقارون في النار. وإذا اختلف كلام إمام فيؤخذ بما يوافق الأدلة الظاهرة ويعرض عما
خالفها، ثم أطال في بيان رده.
مَطْلَبٌ فِي أَسِْنَاءِ قَوْمٍ يُونُسَ
وذكر أيضاً أنه يستثنى من إيمان اليأس قوم يونس عليه السلام، لقوله تعالى:
﴿إِلَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] الآية، بناء على أن الاستثناء متصل، وأن إيمانهم كان
عند معاينة عذاب الاستئصال، وهو قول بعض المفسرين بجعله كرامة وخصوصية
لنبیھم، فلا یقاس علیھا.
مَطْلَبْ فِي إِحْيَاءِ أَبُوَي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِمَا
ألا ترى أن نبينا * قد أكرمه الله تعالى بحياة أبويه له حتى آمنا به في حديث
صححه القرطبي وابن ناصر الدين حافظ الشام وغيرهما، فانتفعا بالإيمان بعد الموت
على خلاف القاعدة إكراماً لنبيه ويتر، كما أحيا قتيل بني إسرائيل ليخبر بقاتله. وكان
عيسى عليه السلام يحيي الموتى، وكذلك نبينا ◌َ﴿ أحيا الله تعالى على يديه جماعة من
الموتى. وقد صح أن الله تعالى ردّ عليه * الشمس بعد مغيبها حتى صلى عليّ كرم
الله وجهه العصر، فكما أكرم بعود الشمس والوقت بعد فواته، فكذلك أكرم بعود الحياة
ووقت الإِيمان بعد فواته. وما قيل إن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابٍ
الْجَحِيْم﴾ [البقرة: ١١٩] نزل فيهما لم يصح، وخبر مسلم ((أبي وأبوك في النار)) كان
قبل علمه اهـ. ملخصاً وقدمنا تمام الكلام على ذلك في باب نكاح الكافر. قوله:
(وفيها أيضاً شهد نصرانيان الخ) هذا ساقط من بعض النسخ، وسيذكره بعد قوله:

٣٧٠
كتاب الجهاد/ باب المرتد
وامرأتين على الإسلام وشهادة نصرانيين على نصراني بأنه أسلم اهـ .
(وكل مسلم ارتد فتوبته مقبولة إلا) جماعة: من تكررت ردته على ما مر،
و (الكافر بسبّ نبي) من الأنبياء فإنه يقتل حداً ولا تقبل توبته مطلقاً، ولو سبّ
الله تعالى قبلت لأنه حق الله تعالى، والأول حق عبد لا يزول بالتوبة، ومن شك
في عذابه وكفره كفر، وتمامه في الدرر في فصل الجزية معزياً للبزازية، وكذا لو
أبغضه بالقلب. فتح وأشباه.
وفي فتاوى المصنف: ويجب إلحاق الاستهزاء والاستخفاف به لتعلق حقه
أيضاً. وفيها سئل عمن قال لشريف: لعن الله والديك ووالدي الذين خلفوك.
فأجاب: الجمع المضاف يعم ما لم يتحقق عهد، خلافاً لأبي هاشم وإمام
((كل مسلم ارتد الخ)). قوله: (على ما مر) أي عن الخانية معزياً للبلخي، لكن قدمنا
أن المروي عن أصحابنا جميعاً خلافه.
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ: فِي حُكْمٍ سَابٌ اُلأَنِيَاءِ
قوله: (الكافر بسبّ نبي) في بعض النسخ والكافر، بواو العطف، وهو
المناسب. قوله: (فإنه يقتل حداً) يعني أن جزاءه القتل على وجه كونه حداً، ولذا
عطف عليه قوله: ((ولا تقبل توبته)) لأن الحد لا يسقط بالتوبة، فهو عطف تفسير؛ وأفاد
أنه حكم الدنيا، أما عند الله تعالى فهي مقبولة كما في البحر.
ثم اعلم أن هذا ذكره الشارح مجاراة لصاحب الدرر والبزازية، وإلا فسيذكر خلافه
ويأتي تحقيقه. قوله: (مطلقاً) أي سواء جاء تائباً بنفسه أو شهد عليه بذلك. بحر ..
قوله: (لأنه حق عبد (١)) فيه أن حق العبد لا يسقط إذا طالب به كحد القذف، فلا بد هنا
من دليل يدل على أن الحاكم له هذه المطالبة ولم يثبت، وإنما الثابت أنه صلى الله
عليه وسلم عفا عن كثيرين ممن آذوه وشتموه قبل إسلامهم، كأبي سفيان وغيره. قوله:
(وتمامه في الدرر) حيث قال نقلاً عن البزازية. وقال ابن سحنون المالكي: أجمع
المسلمون أن شاتمه كافر، وحكمه القتل، ومن شك في عذابه وكفره: كفر اهـ.
قلت: وهذه العبارة مذكورة في الشفاء للقاضي عياض المالكي، نقلها عنه
البزازي وأخطأ في فهمها، لأن المراد بها ما قبل التوبة، وإلا لزم تكفير كثير من الأئمة
المجتهدين القائلين بقبول توبته وسقوط القتل بها عنه. على أن من قال يقتل وإن تاب
يقول: إنه إذا تاب لا يعذب في الآخرة كما صرحوا به، وقدمناه آنفاً فعلم أن المراد ما
قلناه قطعاً. قوله: (والديك ووالدي الذين خلفوك) بكسر الدال على لفظ الجمع فيهما
(١) في ط (قوله لأنه حق عبد) هكذا بخطه والذي في الشارح (لأنه حق الله تعالى) والأول حق عبد.

٣٧١
كتاب الجهاد/ باب المرتد
الحرمين كما في جمع الجوامع، وحينئذ فيعم حضرة الرسالة فينبغي القول بكفره،
وإذا كفر بسبه لا توبة له على ما ذكره البزازي وتوارده الشارحون؛ نعم لو لوحظ
قول أبي هاشم وإمام الحرمين باحتمال العهد فلا كفر، وهو اللائق بمذهبنا
لتصريحهم بالميل إلى ما لا يكفر. وفيها: من نقص مقام الرسالة بقوله، بأن
سبه *، أو بفعله بأن بغضه بقلبه: قتل حداً كما مر التصريح به، لكن صرح في
آخر الشفاء بأن حکمه کالمرتد،
أو في أحدهما. قوله: (فيعم حضرة الرسالة) أي صاحبها وَّر، وعليه لا يختص الحكم
بالشريف بل غيره مثله، لأن آدم عليه السلام أبو جميع الناس ونوح الأب الثاني. قوله:
(باحتمال العهد) المفهوم من العبارة السابقة أنهما يقولان بأنه لا يعم وإن لم يتحقق
عهد. قوله: (فلا كفر) أي لوجود الخلاف في عمومه وتحقق الاحتمال فيه. قوله:
(لكن صرح في آخر الشفاء الخ) هذا استدراك على ما في فتاوى المصنف. وعبارة
الشفاء هكذا: قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سبّ النبيّ وَّ
يقتل، وممن قال ذلك مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي،
وهو مقتضى قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال
أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم، لكنهم قالوا: هي
ردة. وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك: وروى الطبراني مثله عن أبي حنيفة
وأصحابه فیمن ینقصه پے أو بريء منه أو كذبه اهـ.
وحاصله أنه نقل الإجماع على كفر السابّ، ثم نقل عن مالك ومن ذكر بعده أنه لا
تقبل توبته. فعلم أن المراد من نقل الإجماع على قتله قبل التوبة. ثم قال: وبمثله قال
أبو حنيفة وأصحابه الخ: أي قال إنه يقتل: يعني قبل التوبة لا مطلقاً، ولذا استدرك
بقوله لكنهم قالوا هي ردة: يعني ليست حداً ثم ذكر أن الوليد روى عن مالك مثل قول
أبي حنيفة، فصار عن مالك روايتان في قبول التوبة وعدمه، والمشهور عنه العدم ولذا
قدمه. وقال في الشفاء في موضع آخر: قال أبو حنيفة وأصحابه: من برىء من
محمد* أو كذب به فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع اهـ. فهذا تصريح بما علم من
عبارته الأولى. وقال في موضع بعد أن ذكر عن جماعة من المالكية عدم قبول توبته:
وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله حدّاً لا كفراً. وأما على رواية الوليد عن
مالك ومن وافقه على ذلك من أهل العلم فقد صرحوا أنه ردة، قالوا: ويستتاب منها،
فإن تاب نكل وإن أبى قتل، فحكموا له بحكم المرتد مطلقاً، والوجه الأول أشهر
وأظهر اهـ: يعني أن قول مالك بعدم قبول التوبة أشهر وأظهر مما رواه عنه الوليد، فهذا
كلام الشفاء صريح في أن مذهب أبي حنيفة وأصحابه القول بقبول التوبة كما هو رواية

٣٧٢
کتاب الجهاد/ باب المرتد
ومفاده قبول التوبة كما لا يخفى، زاد المصنف في شرحه: وقد سمعت من مفتي
الوليد عن مالك، وهو أيضاً قول الثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم: أي
بخلاف الذمي إذا سبّ فإنه لا ينقض عهده عندهم كما مر تحريره في الباب السابق.
ثم إن ما نقله عن الشافعي خلاف المشهور عنه، والمشهور قبول التوبة على
تفصيل فيه. قال الإمام خاتمة المجتهدين الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه: ((السيف
المسلول على من سب الرسول)): حاصل المنقول عند الشافعية أنه متى لم يسلم قتل
قطعاً؛ ومتى أسلم: فإن كان السبّ قذفاً فالأوجه الثلاثة هل يقتل أو يجلد أو لا شيء؟
وإن كان غير قذف فلا أعرف فيه نقلاً للشافعية غير قبول توبته. وللحنفية في قبول توبته
قريب من الشافعية، ولا يوجد للحنفية غير قبول التوبة. وأما الحنابلة فكلامهم قريب
من كلام المالكية. والمشهور عن أحمد عدم قبول توبته، وعنه رواية بقبولها، فمذهبه
كمذهب مالك سواء. هذا تحرير المنقول في ذلك اهـ. ملخصاً. فهذا أيضاً صريح في
أن مذهب الحنفية القبول وأنه لا قول لهم بخلافه، وقد سبقه إلى نقل ذلك أيضاً شيخ
الإسلام تقيّ الدين أحمد بن تيمية الحنبلي في كتابه «الصارم المسلول على شاتم
الرسول #)) كما رأيته في نسخة منه قديمة عليها خطه حيث قال: وكذلك ذكر جماعة
آخرون من أصحابنا: أي الحنابلة أنه يقتل سابّ الرسول وَل9، ولا تقبل توبته، سواء كان
مسلماً أو كافراً، وعامة هؤلاء لما ذكروا المسألة قالوا خلافاً لأبي حنيفة والشافعي،
وقولهما: أي أبي حنيفة والشافعي وإن كان مسلماً يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كالمرتد.
وإن كان ذمياً، فقال أبو حنيفة: لا ينقض عهده، ثم قال بعد ورقة: قال أبو الخطاب:
إذا قذف أم النبيّ ◌َ﴿ لا تقبل توبته، وفي الكافر إذا سبها ثم أسلم روايتان. وقال أبو
حنيفة والشافعي: تقبل توبته في الحالين اهـ. ثم قال في محل آخر: قد ذكرنا أن
المشهور عن مالك وأحمد أنه لا يستتاب ولا يسقط القتل عنه، وهو قول الليث بن
سعد. وذكر القاضي عياض أنه المشهور من قول السلف وجمهور العلماء، وهو أحد
الوجهين لأصحاب الشافعي. وحكي عن مالك وأحمد أنه تقبل توبته، وهو قول أبي
حنيفة وأصحابه، وهو المشهور من مذهب الشافعي بناء على قبول توبته المرتد اهـ.
فهذا صريح كلام القاضي عياض في الشفاء والسبكي وابن تيمية وأئمة مذهبه، على أن
مذهب الحنفية قبول التوبة بلا حكاية قول آخر عنهم، وإنما حكوا الخلاف في بقية
المذاهب، وكفى بهؤلاء حجة لو لم يوجد النقل كذلك في كتب مذهبنا التي قبل
البزازي ومن تبعه، مع أنه موجود أيضاً كما يأتي في كلام الشارح قريباً، وقد استوفيت
الكلام على ذلك في كتاب سميته «تنبيه الولاة والحكام على أحكام شاتم خير الأنام أو
أحد أصحابه الكرام عليه وعليهم الصلاة والسلام)). قوله: (ومفاده قبول التوبة) أقول:

٣٧٣
كتاب الجهاد/ باب المرتد
الحنفية بمصر شيخ الإسلام ابن عبد العال أن الكمال وغيره تبعوا البزازي
والبزازي تبع صاحب [السيف المسلول] عزاه إليه، ولم يعزه لأحد من علماء
الحنفية، وقد صرح في ((النتف)) و ((معين الحكام)» و «شرح الطحاوي)) و ((حاوي
بل هو صريح، ونص في ذلك كما علمته. قوله: (والبزازي تبع صاحب السيف
المسلول) الذي قاله البزازي: إنه يقتل حداً، ولا توبة له أصلاً، سواء بعد القدرة عليه
والشهادة، أو جاء تائباً من قبل نفسه كالزنديق لأنه حد وجب، فلا يسقط بالتوبة ولا
يتصور فيه خلاف لأحد، لأنه تعلق به حق العبد إلى أن قال: ودلائل المسألة تعرف في
كتاب [الصارم المسلول على شاتم الرسول] اهـ. وهذا كلام يقتضي منه غاية العجب،
كيف يقول لا يتصور فيه خلاف لأحد بعد ما وقع فيه الأئمة المجتهدين مع صدق
الناقلين عنهم كما أسمعناك وعزوه المسألة إلى كتاب ((الصارم المسلول)) وهو ابن تيمية
الحنبلي يدل على أنه لم يتصفح ما نقلناه عنه من التصريح بأن مذهب الحنفية والشافعية
قبول التوبة في مواضع متعددة، وكذلك صرح به السبكي في ((السيف المسلول))
والقاضي عياض في ((الشفاء)) كما سمعته، مع أن عبارة البزازي بطولها أكثرها مأخوذ من
الشفاء .
فقد علم أن البزازي قد تساهل غاية التساهل في نقل هذه المسألة، وليته حيث
لم ينقلها عن أحد من أهل مذهبنا بل استند إلى ما في الشفاء والصارم، أمعن النظر في
المراجعة حتى يرى ما هو صريح في خلاف ما فهمه ممن نقل المسألة عنهم، ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلقد صار هذا التساهل سبباً لوقوع المتأخرين عنه في
الخطإ حيث اعتمدوا على نقله وقلدوه في ذلك، ولم ينقل أحد منهم المسألة عن كتاب
من كتب الحنفية، بل المنقول قبل حدوث هذا القول من البزازي في كتبنا وكتب غيرنا
خلافه. قوله: (وقد صرح في التتف الخ) أقول: ورأيت في كتاب الخراج لأبي يوسف
ما نصه: وأيما رجل مسلم سبّ رسول الله وَل﴿ أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر بالله
تعالى وبانت منه امرأته، فإن تاب وإلا قتل؛ وكذلك المرأة، إلا أن أبا حنيفة قال: لا
تقتل المرأة وتجبر على الإسلام اهـ. وهكذا نقل الخير الرملي في حاشية البحر: أن
المسطور في كتب المذهب أنها ردة، وحكمها حكمها، ثم نقل عبارة النتف ومعين
الحكام: والعجب منه أنه أفتى بخلافه في الفتاوى الخيرية.
رأيت بخط شيخ مشايخنا السائحاني في هذا المحل: والعجب كل العجب حيث
سمع المصنف كلام شيخ الإسلام: يعني ابن عبد العال، ورأى هذه النقول كيف لا
يشطب متنه عن ذلك. وقد أسمعني بعض مشايخي رسالة حاصلها أنه لا يقتل بعد
الإسلام، وأن هذا هو المذهب اهـ. وكذلك كتب شيخ مشايخنا الرحمتي هنا على نسخته

٣٧٤
كتاب الجهاد/ باب المرتد
الزاهدي)) وغيرها بأن حكمه كالمرتدّ ((ولفظ النتف، من سبّ الرسول وَّ فإنه
مرتد، وحكمه حكم المرتد ويفعل به ما يفعل بالمرتد)) انتهى، وهو ظاهر في
قبول توبته كما مر عن الشفاء اهـ . فليحفظ.
قلت: وظاهر الشفاء أن قوله يا ابن ألف خنزير، أو يا ابن مائة كلب، وأن
قوله لهاشمي لعن الله بني هاشم كذلك،
أن مقتضى كلام الشفاء وابن أبي جمرة في شرح مختصر البخاري في حديث «إنَّ فَرِيْضَةٍ
الحَجِّ أَذْرَكَتْ أَبِي الخ(١)) أن مذهب أبي حنيفة والشافعي حكمه حكم المرتد، وقد
علم أن المرتد تقبل توبته كما نقله هنا عن النتف وغيره، فإذا كان هذا في ساب
الرسول : ﴿ ففي ساب الشيخين أو أحدهما بالأولى، فقد تحرر أن المذهب كمذهب
الشافعي قبول توبته، كما هو رواية ضعيفة عن مالك، وأن تحتم قتله مذهب مالك، وما
عداه فإنه إما نقل غير أهل المذهب أو طرة مجهولة لم يعلم كاتبها، فكن على بصيرة في
الأحكام، ولا تغتر بكل أمر مستغرب وتغفل عن الصواب، والله تعالى أعلم اهـ.
وكذلك قال الحموي في حاشية الأشباه نقلاً عن بعض العلماء: إن ما ذكره صاحب
الأشباه من عدم قبول التوبة قد أنكره عليه أهل عصره، وأن ذلك إنما يحفظ لبعض
أصحاب مالك، كما نقله القاضي عياض وغيره. أما على طريقتنا فلا اهـ. وذكر في آخر
كتاب ((نور العين)) أن العلامة النحرير الشهير بـ ((حسام جلبي)) ألّف رسالة في الرد على
البزازي وقال في آخرها: وبالجملة قد تتبعنا كتب الحنفية فلم نجد القول بعدم قبول
توبة السابّ عندهم سوى ما في البزازية، وقد علمت بطلانه ومنشأ غلطه أول
الرسالة اهـ. وسيذكر الشارح عن المحقق ((المفتي أبي السعود)» التصريح بأن مذهب
الإمام الأعظم أنه لا يقتل إذا تاب ويكتفي بتعزيره، فهذا صريح المنقول عمن تقدم على
البزازي ومن تبعه، ولم يستند هو ولا من تبعه إلى كتاب من كتب الحنفية، وإنما استند
إلى فهم أخطأ فيه حيث نقل عمن صرح بخلاف ما فهمه كما قدمناه، وإن أردت زيادة
البيان في المقام فارجع إلى كتابنا [تنبيه الولاة والحكام]. قوله: (وهو ظاهر في قبول
توبته) المراد بقبول التوبة في الدنيا بدفع القتل عنه، أما قبولها في الآخرة فهو محل
وفاق، وأصرح منه ما قدمناه عن كتاب الخراج لأبي يوسف، فإن تاب وإلا قتل. قوله:
(كذلك) أي يكون شاتماً لنبي، لكن قوله شا ابن مائة كلب: إن قاله لشريف فهو ممكن
فجرى فيه الخلاف في قول توبته وعدمه، وإلا فقد يكون له مائة أب ليس فيهم نبيّ.
على أنه يمكن أن يكون مراده أنه اجتمع على أن المشتوم مائة كلب أو ألف
(١) أخرجه البخاري ٣٧٨/٣ (١٥١٣/٣) ومسلم ٩٧٣/٢ (١٣٣٤/٤٠٧).

٣٧٥
كتاب الجهاد/ باب المرتد
وأن شتم الملائكة کالأنبياء، فلیحرر.
ومن حوادث الفتوى: ما لو حكم حنفي بكفره بسبّ نبي هل للشافعي أن
يحكم بقبول توبته؟ الظاهر نعم، لأنها حادثة أخرى، وإن حكم بموجبه. نهر.
قلت: ثم رأيت في معروضات المفتي أبي السعود سؤالاً ملخصه: أن
طالب علم ذكر عنده حديث نبوي فقال: أكلّ أحاديث النبي ﴿﴿ صدق يعمل بها؟
فأجاب بأنه يكفر، أولًا: بسبب استفهامه الإنكاري، وثانياً بإلحاقه الشين
للنبي وَّ ر، ففي كفره الأول عن اعتقاده يؤمر بتجديد الإيمان فلا يقتل، والثاني
خنزير، فلا يدخل أجداده في ذلك، وحيث احتمل التأويل فلا يحكم بالكفر عند كما
مر. قوله: (وإن شتم الملائكة كالأنبياء) هو مصرح به عندنا، فقالوا: إذا شتم أحداً من
الأنبياء أو الملائكة كفر، وقد علمت أن الكفر بشتم الأنبياء كفر ردة، فكذا الملائكة،
فإن تاب فيها وإلا قتل. قوله: (فليحرر) قد علمت تحريره بما قلنا. قوله: (هل للشافعي
أن يحكم بقبول توبته) أي في إسقاط القتل عنه، وهو مبني على ما ذكره البزازي، وقد
علمت أن أهل المذهب قائلون بقبول توبته، فلا وجه لما ذكره. اهـ. ط. ولذا قال
الرحمتي: قد علمت أن هذا ليس مذهباً للحنفية كما نطقت به كتبهم ونقله عنهم الأئمة
كالقاضي عياض وابن أبي حمزة. قوله: (لأنها حادثة أخرى الخ) يعني أن حكم الحنفي
بكفره بناء على أن مذهبه عدم قبول التوبة لا يرفع الخلاف في عدم قبول التوبة، لأن
عدم قبولها حادثة أخرى لم يحكم بها الحنفي فيسوغ للشافعي الحكم بقبولها، وإن قال
الحنفي حكمت بالكفر وموجبه، لأن موجب الكفر القتل إن لم يتب وهو المتفق عليه،
ولا يلزم منه القتل أيضاً إن تاب على أنه له موجبات أخر من فسخ النكاح وحبط العمل
وغير ذلك، فلا يكون قول الحنفي حكمت بموجبه حكماً بقتله، وإن تاب فللشافعي أن
يحكم بعدم قتله إذا تاب.
والعجب من الشارح حيث نقل صريح ما في كتب المذهب من أن الحنفي
كالشافعي في قبول توبته كيف جارى صاحب النهر في هذه المسألة، فكان الصواب أن
يبدل الحنفي بالمالكي أو الحنبلي. قوله: (سؤالًا) مفعول رأيت. وفي بعض النسخ
((سؤال)) بالرفع وهو تحريف. قوله: (فأجاب بأنه يكفر الخ) قال السائحاني: أقول هذا
لا يصدر عن أبي السعود، لأن كلام القائل يحتمل أن كل الأحاديث الموجودة ليست
صدقاً لأن فيها الموضوع، وهذا الاحتمال أقرب من غيره. وتقدم عن الدرر: إذا كان
في المسألة وجوه توجب الكفر ووجه واحد يمنعه فعلى المفتي الميل لما يمنعه.
وقوله: ((والثاني)) أي إلحاق الشين يفيد الزندقة.

٣٧٦
كتاب الجهاد/ باب المرتد
يفيد الزندقة، فبعد أخذه لا تقبل توبته اتفاقاً فيقتل، وقبله اختلف في قبول توبته،
فعند أبي حنيفة تقبل فلا يقتل، وعند بقية الأئمة لا تقبل ويقتل حداً، فلذلك ورد
أمر سلطاني في سنة ٩٤٤ لقضاة الممالك المحمية برعاية رأي الجانبين بأنه إن
ظهر صلاحه وحسن توبته وإسلامه لا يقتل، ويكتفى بتعزيره وحبسه عملاً بقول
الإمام الأعظم: وإن لم يكن من أناس يفهم خبرهم يقتل عملاً بقول الأئمة؛ ثم
في سنة ٩٥٥ تقرر هذا الأمر بآخر، فينظر القائل من أي الفريقين هو فيعمل
بمقتضاه اهـ فليحفظ، وليكن التوفيق (أو) الكافر بسبّ (الشيخين أو) بسبّ
(أحدهما) في البحر عن الجوهرة معزياً للشهيد من سبّ الشيخين أو طعن فيهما
كفر ولا تقبل توبته، وبه أخذ الدبوسي وأبو الليث، وهو المختار للفتوى. انتهى.
وجزم به في الأشباه وأقره المصنف قائلاً: وهذا يقوي القول بعدم قبول توبة
سابّ الرسول وَل 9، وهو الذي ينبغي التعويل عليه في الإفتاء والقضاء: رعاية
لجانب حضرة المصطفى ظفر. اهـ .
أقول: لا إفادة فيه، لأن الزندقة أن لا يتدين بدين اهـ. وكتب ط. نحوه قوله:
(فبعد أخذه الخ) تفريع على كونه صار زنديقاً.
وحاصل كلامه أن الزنديق لو تاب قبل أخذه: أي قبل أن يرفع إلى الحاكم تقبل
توبته عندنا، وبعده: لا اتفاقاً، وورد الأمر السلطاني للقضاة بأن ينظروا في حال ذلك
الرجل إن ظهر حسن توبته بعمل بقول أبي حنيفة، وإلا فبقول باقي الأئمة، وأنت خبير
بأن هذا مبني على ما مشى عليه القاضي عياض من مشهور مذهب مالك وهو عدم
قبول توبته، وأن حكمه حكم الزنديق عندهم، وتبعه البزازي كما قدمناه عنه، وكذا تبعه
في الفتح، وقد علمت أن صريح مذهبنا خلافه كما صرح به القاضي عياض وغيره.
قوله: (وليكن التوفيق) أي يحمل ما مر عن النتف وغيره من أنه يفعل به ما يفعل بالمرتدّ
على ما إذا تاب قبل أخذه، وحمل ما في البزازية على ما بعد أخذه، وأنت خبير بأن هذا
التوفيق غير ممكن لتصريح علمائنا بأن حكمه حكم المرتد، ولا شك أن حكم المرتد
غير حكم الزنديق، ولم يفصل أحد منهم هذا التفصيل، ولأن البزازي ومن تابعه قالوا:
إنه لا توبة له أصلاً سواء بعد القدرة عليه والشهادة، أو جاء تائباً من قبل نفسه كما هو
مذهب المالكية والحنابلة، فعلم أنهما قولان مختلفان، بل مذهبان متباينان. على أن
الزنديق الذي لا تقبل توبته بعد الأخذ هو المعروف بالزندقة الداعي إلى زندقته كما
يأتي، ومن صدرت منه كلمة الشتم مرة عن غيظ أو نحوه لا يصير زنديقاً بهذا المعنى.
قوله: (وهو الذي ينبغي التعويل عليه) قلت: الذي ينبغي التعويل عليه ما نص عليه أهل
المذهب فإن اتباعنا له واجب ط. قوله: (رعاية لجانب حضرة المصطفى ◌َ(*) أقول:

٣٧٧
كتاب الجهاد/ باب المرتد
لكن في النهر وهذا لا وجود له في أصل الجوهرة، وإنما وجد على هامش بعض
النسخ، فألحق بالأصل مع أنه لا ارتباط له بما قبله. انتهى.
رعاية جانبه في اتباع ما ثبت عنه عند المجتهد. قوله: (لكن في النهر الخ) قال السيد
الحموي في حاشية الأشباه: حكي عن عمر بن نجيم أن أخاه أفتى بذلك، فطلب منه
النقل فلم يوجد إلا على طرة الجوهرة، وذلك بعد حرق الرجل اهـ.
مَطْلَبٌ مُهِمّ: فِي حُكْمٍ سَبِّ الشَّيْخَين
وأقول: على فرض ثبوت ذلك في عامَة نسخ الجوهرة لا وجه له يظهر، لما
قدمناه من قبول توبة من سبّ الأنبياء عندنا، خلافاً للمالكية والحنابلة، وإذا كان كذلك
فلا وجه للقول بعدم قبول توبة من سب الشيخين بل، لم يثبت ذلك عن أحد من الأئمة
فيما أعلم اهـ. ونقله عنه السيد أبو السعود الأزهري في حاشية الأشباه ط.
أقول: نعم نقل في البزازية عن الخلاصة أن الرافضي إذا كان يسبّ الشيخين
ويلعنهما فهو كافر، وإن كان يفضل عليّاً عليهما فهو مبتدع اهـ. وهذا لا يستلزم عدم
قبول التوبة. على أن الحكم عليه بالكفر مشكل لما في الاختيار: اتفق الأئمة على
تضليل أهل البدع أجمع وتخطئتهم، وسبّ أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفراً، لكن
يضلل الخ. وذكر في فتح القدير أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم
ويكفرون الصحابة حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة. وذهب بعض
أهل الحديث إلى أنهم مرتدون. قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً وافق أهل الحديث
على تكفيرهم، وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء. وذكر في المحيط أن بعض الفقهاء لا
· يكفر أحداً من أهل البدع. وبعضهم يكفرون البعض، وهو من خالف ببدعته دليلاً قطعياً
ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الأول أثبت، وابن المنذر أعرف بنقل كلام
المجتهدين؛ نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، ولكن ليس من كلام الفقهاء
الذين هم المجتهدون بل من غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين
ما ذكرنا اهـ. ومما يزيد ذلك وضوحاً ما صرّحوا به في كتبهم متوناً وشروحاً من قولهم:
ولا تقبل شهادة من يظهر سبّ السلف وتقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية. وقال
ابن ملك في شرح المجمع: وتردّ شهادة من يظهر سب السلف لأنه يكون ظاهر
الفسق، وتقبل من أهل الأهواء الجبر والقدر والرفض والخوارج (١) والتشبيه،
والتعطيل اهـ. وقال الزيلعي: أو يظهر سبّ السلف: يعني الصالحين منهم وهم الصحابة
والتابعون، لأن هذه الأشياء تدل على قصور عقله وقلة مروءته، ومن لم يمتنع عن
مثلها لا يمتنع عن الكذب عادة، بخلاف ما لو كان يخفى السب اهـ. ولم يعلل أحد
(١) في ط (قوله والخوارج) هكذا بخطه، ولعل الأنسب بما قبله وما بعده أن يقول والخروج.

٣٧٨
كتاب الجهاد/ باب المرتد
قلت: ويكفينا ما مر من الأمر، فتدبر. وفي المعروضات المذكورة ما
معناه أن من قال عن فصوص الحكم للشيخ محيي الدين بن العربي: إنه خارج عن
لعدم قبول شهادتهم بالكفر كما ترى؛ نعم استثنوا الخطابية لأنهم يرون شهادة الزور
لأشياعهم أو للحالف، وكذا نص المحدثون على قبول رواية أهل الأهواء، فهذا فيمن
يسب عامة الصحابة ويكفرهم بناء على تأويل له فاسد.
فعلم أن ما ذكره في الخلاصة من أنه كافر: قول ضعيف مخالف للمتون
والشروح، بل هو مخالف لإجماع الفقهاء كما سمعت. وقد ألف العلامة منلا علي القاري
- رسالة في الرد على الخلاصة . وبهذا تعلم قطعاً أن ما عزى إلى الجوهرة من الكفر مع
عدم قبول التوبة على فرض وجوده في الجوهرة: باطل لا أصل له ولا يجوز العمل به،
وقد مر أنه كان في المسألة خلاف ولو رواية ضعيفة، فعلى المفتي أن يميل إلى عدم
التكفير، فكيف يميل هنا إلى التكفير المخالف للإجماع فضلاً عن ميله إلى قتله وإن
تاب، وقد مر أيضاً أن المذهب قبول توبة سابّ الرسول - ﴿ فكيف ساب الشيخين.
والعجب من صاحب البحر حيث تساهل غاية التساهل في الإفتاء بقتله مع قوله: وقد
ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء من ألفاظ التكفير المذكورة في كتب الفتاوى؛ نعم لا
شك في تكفير من قذف السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، أو أنكر صحبة الصديق،
أو اعتقد الألوهية في عليّ، أو أن جبريل غلط في الوحي، أو نحو ذلك من الكفر
الصريح المخالف للقرآن، ولكن لو تاب تقبل توبته، هذا خلاصة ما حررناه في كتابنا
[تنبيه الولاة والحكام] وإن أردت الزيادة فارجع إليه واعتمد عليه ففيه الكفاية لذوي
الدراية. قوله: (ويكفينا الخ) هذا مرتبط بقوله: ((وهذا يقوّي القول الخ)» ط. والمراد
بالأمر: الأمر السلطاني، وقد علمت ما فيه.
والحاصل أنه لا شك ولا شبهة في كفر شاتم النبي ◌َّر وفي استباحة قتله، وهو
المنقول عن الأئمة الأربعة، وإنما الخلاف في قبول توبته إذا أسلم. فعندنا - وهو
المشهور عند الشافعية - القبول. وعند المالكية والحنابلة عدمه، بناء على أن قتله حداً
أو لا؟. وأما الرافضي سابّ الشيخين بدون قذف للسيدة عائشة ولا إنكار لصحبة
الصديق ونحو ذلك فليس بكفر فضلاً عن عدم قبول التوبة، بل هو ضلال وبدعة،
وسيأتي تمامه في أول باب البغاة إن شاء الله تعالى.
مَطْلَبٌ فِي حَالِ الشَّيْخِ الأَكْبِ سَيِّدي محيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبيّ
نفعنا الله تعالى به
قوله: (للشيخ محيي الدين بن العربي) هو محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي
الأندلسي، العارف الكبير ابن عربي، ويقال ابن العربي. ولد سنة ٥٦٠ ومات في ربيع

٣٧٩
كتاب الجهاد/ باب المرتد
الشريعة وقد صنفه للإضلال ومن طالعه ملحد ماذا يلزمه؟ أجاب: نعم فيه كلمات
تباين الشريعة، وتكلف بعض المتصلفين لإرجاعها إلى الشرع، لكنا تيقنا أن
بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره فيجب الاحتياط بترك مطالعة تلك
الكلمات، وقد صدر أمر سلطاني بالنھي فیجب الاجتناب من کل وجه. انتھی،
فليحفظ، وقد أثنى صاحب القاموس عليه في سؤال رفع إليه فيه، فكتب: اللهم
نطقنا بما فيه رضاك، الذي أعتقده وأدين الله به: إنه كان رضي الله تعالى عنه
سنة ٦٣٨ ودفن بالصالحية. وحسبك قول زروق وغيره من الفحول ذاكرين بعض فضله،
هو أعرف بكل فن من أهله، وإذا أطلق الشيخ الأكبر في عرف القوم فهو المراد، وتمامه
في ط عن طبقات المناوي. قوله: (بعض المتصلفين) أي المتكلفين. قوله: (تيقناً الخ)
لعل تيقنه بذلك بدليل ثبت عنده أو بسبب عدم اطلاعه على مراد الشيخ فيها، وأنه لا
يمكن تأويلها، فتعين عنده أنها مفتراة عليه؛ كما وقع للعارف الشعراني أنه افترى عليه
بعض الحساد في بعض كتبه أشياء مكفرة وأشاعها عنه حتى اجتمع بعلماء عصره وأخرج
لهم مسودة كتابه التي عليها خطوط العلماء فإذا هي خالية عما افترى عليه المنكرون،
هذا: ومن أراد شرح كلماته التي اعترضها المنكرون فليرجع إلى كتاب الردّ المتين على
منتقص العارف محيي الدين)) لسيدي عبد الغني النابلسي. قوله: (فيجب الاحتياط الخ)
لأنه إن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإلا فلا يفهم كل أحد مراده فيها، فيخشى على الناظر
فيها من الإنكار عليه أو فهم خلاف المراد. وللحافظ السيوطي رسالة سماها [تنبيه الغبي
بتبرئة ابن عربي] ذكر فيها أن الناس افترقوا فيه فرقتين: الفرقة المصيبة تعتقد ولايته،
والأخرى بخلافها. ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا يرضاها الفرقتان، وهي
اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه. فقد نقل عنه أنه قال: ((نحن قوم يحرم النظر في كتبنا»
وذلك أن الصوفية تواطؤوا على ألفاظ اصطلحوا عليها وأرادوا بها معاني غير المعاني
المتعارفة منها بين الفقهاء، فمن حملها على معانيها المتعارفة كفر؛ نص على ذلك الغزالي
في بعض كتبه، وقال: إنه شبيه بالمتشابه في القرآن والسنة، كالوجه واليد والعين
والاستواء. وإذا ثبت أصل الكتاب عنه فلا بد من ثبوت کل کلمة لاحتمال أن يدس فيه ما
ليس منه من عدوّ أو ملحد أو زنديق وثبوت أنه قصد بهذه الكلمة المعنى المتعارف، وهذا
لا سبيل إليه، ومن ادعاه كفر، لأنه من أمور القلب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.
وقد سأل بعض أكابر العلماء بعض الصوفية: ما حملكم على أنكم اصطلحتم على
هذه الألفاظ التي يستشنع ظاهرها؛ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدعيه من لا يحسنه
ويدخل فيه من ليس أهله، والمتصدي للنظر في كتبه أو إقرارها لم ينصح نفسه ولا غيره من
المسلمين، ولا سيما إن كان من القاصرين عن علوم الظاهر فإنه يضل ويضل، وإن كان عارفاً

٣٨٠
كتاب الجهاد/ باب المرتد
شيخ الطريقة حالًاً وعلماً، وإمام الحقيقة حقيقة ورسماً، ومحيي رسوم المعارف
فعلًا واسماً:
إِذَا تَغَلْغَلَ فِكْرُ المَرْءِ فِي طَرَفٍ مِنْ عِلْمِهِ غَرِقَتْ فِيهِ خَوَاطِرُهُ
فليس من طريقتهم إقرار المريدين لكتبهم، ولا يؤخذ هذا العلم من الكتب اهـ. ملخصاً.
وذكر في محل آخر: سمعت أن الفقيه العالم العلامة عزّ الدين بن عبد السلام كان
يطعن في ابن عربي ويقول: هو زنديق، فقال له يوماً بعض أصحابه: أريد أن تريني
القطب، فأشار إلى ابن عربي، فقال له أنت تطعن فيه، فقال: حتى أصون ظاهر
الشرع، أو كما قال اهـ. وللمحقق ابن كمال باشا فتوى قال فيها بعد ما أبدع في مدحه:
وله مصنفات كثيرة: منها نصوص حكمية وفتوحات مكية بعض مسائلها مفهوم النص
والمعنى وموافق للأمر الإلهي والشرع النبوي، وبعضها خفيّ عن إدراك أهل الظاهر دون
أهل الكشف والباطن، ومن لم يطلع على المعنى المرام يجب عليه السكوت في هذا
المقام، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ
أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦]. قوله: (شيخ الطريقة حالاً وعلماً) الطريقة:
هي السيرة المختصة بالسالكين إلى الله تعالى: من قطع المنازل والترقي في المقامات،
والحال عند أهل الحق معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب ولا اكتساب،
من طرب أو حزن أو قبض أو بسط، أو هيبة، ويزول بظهور صفات النفس، سواء تعقبه
المثل أو لا، فإذا دام وصار ملكه يسمى مقاماً، فالأحوال مواهب، والمقامات تحصل
ببذل المجهود، والعلم هو الاعتقاد الجزم المطابق للواقع، ومنه فعليّ وهو ما لا يؤخذ
من الغير، وانفعالي ما أخذ من الغير اهـ. من تعريفات السيد الشريف قدس سره. قوله:
(وإمام الحقيقة) هي مشاهدة الربوبية بالقلب، ويقال هي سر معنوي لا حد له ولا جهة،
وهي الطريقة والشريعة متلازمة، لأن الطريق إلى الله تعالى لها ظاهر وباطن؛ فظاهرها
الشريعة والطريقة وباطنها الحقيقة، فبطون الحقيقة في الشريعة والطريقة كبطون الزبد
في لبنه، لا يظفر من اللبن بزبده بدون مخضه، والمراد من الثلاثة إقامة العبودية على
الوجه المراد من العبد اهـ. من الفتوحات الإلهية للقاضي زكريا. قوله: (حقيقة ورسماً)
الحقيقة ضد المجاز. والرسم الأثر أو بقيته أو مالاً شخص له من الآثار جمعه أرسم
ورسوم. قاموس. والمراد أنه الإمام من جهة الحقيقة ونفس الأمر، ومن جهة الأثر
الظاهر للبصر. قوله: (فعلًا واسماً) أي أحيا آثارها من جهة الفعل والاسم حتى صارت
المعارف فاعلة أفعالها ومشهورة بين الناس. قوله: (إذا تغلغل الخ) هذا بيت من بحر
البسيط. والتغلغل الدخول والإسراع. والفكر: بالكسر ويفتح إعمال النظر في الشيء.
والخاطر: الهاجس. قاموس. وهو ما يخطر في القلب من تدبير أمر. مصباح. قوله: