Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية تؤخذ منهم عنده، خلافاً لهما (ومجوسي) ولو عربياً لوضعه عليه الصلاة والسلام على مجوس هجر (ووثني عجمي) لجواز استرقاقه، فجاز ضرب الجزية عليه (لا) على وثني (عربي) لأن المعجزة في حقه أظهر فلم يعذر (ومرتد) فلا يقبل منهما إلا الإسلام أو السيف، ولو ظهرنا عليهم فنساؤهم وصبيانهم فيء ناحية بالروم كما في المصباح. قوله: (تؤخذ منهم عنده خلافاً لهما) أي بناء على أنهم من النصارى أو من اليهود، فهم من أهل الكتاب عنده، وعندهما يعبدون الكواكب، فليسوا من الكتابيين بل كعبدة الأوثان، كما في الفتح والنهر. قال ح. أقول: ظاهر كلامهم إن الصائبة من العرب، إذ لو كانوا من العجم لما تأتى الخلاف لما علمت أن العجمي تؤخذ منه الجزية ولو مشركاً اهـ. قلت: ويؤيده ما نقله السائحاني عن البدائع من أنه عندهما تؤخذ منهم الجزية إذا كانوا من العجم لأنهم كعبدة الأوثان اهـ. قوله: (ومجوسي) من يعبد النار. فتح. قوله: (على مجوس هجر) بفتحتين. قال في الفتح بلدة في البحرين اهـ. وفي المصباح: وقد أطلقت على ناحية بلاد البحرين وعلى جميع الأقاليم، وهو المراد بالحديث اهـ. وفيه أيضاً البحران على لفظ التثنية موضع بين البصرة وعمان وهو من بلاد نجد. قوله: (ووثني عجمي) الوثن: ما كان منقوشاً في حائط ولا شخص له، والصنم: ما كان على صورة الإنسان، والصليب: ما لا نقش له ولا صورة، ولكنه يعبد. منح. عن السراج ومثله في البحر، لكن ذكر قبله الوثن: ما له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو جوهر ينحت، والجمع أوثان، وكانت العرب تنصبها وتعبدها اهـ. وفي المصباح: الوثن الصنم، سواء كان من خشب أو حجر أو غيره اهـ. والعجمي خلاف العربي. قوله: (لجواز استرقاقه الخ) وإنما لم تضرب الجزية على النساء والصبيان، مع جواز استرقاقهم لأنهم صاروا أتباعاً لأصولهم في الكفر، فكانوا أتباعاً في حكمهم فكانت الجزية عن الرجل وأتباعه في المعنى إن كان له أتباع، وإلا فهي عنه خاصة. فتح. قوله: (لأن المعجزة في حقه أظهر) لأن القرآن نزل بلغتهم فكان كفرهم والحالة هذه أغلظ من كفر العجم. فتح. وأورد في النهر: أن هذا يشمل ما إذا كان كتابياً اهـ: أي فيخالف ما مر من أنها توضع علیه. قلت: والجواب أنه وإن شمله، لكن خص بقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة ٢٩] اهـ. ثم رأيته في الشرنبلالية. قوله: (فلا يقبل منهما) أي من العربي الوثني والمرتدّ إلا الإسلام، وإن لم يسلما قتلاً بالسيف. وفي الدر المنتقى عن البرجندي أن نسبة القبول إلى السيف مسامحة. قوله: (ولو ظهرنا عليهم، فنساؤهم وصبيانهم فيء) لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه استرق نساء بني حنيفة وصبيانهم لما ٣٢٢ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية (وصبيّ وامرأة وعبد) ومكاتب ومدبر وابن أم ولد (وزمن) من زمن يزمن زمانة نقص بعض أعضائه أو تعطل قواه، فدخل المفلوج والشيخ العاجز (وأعمى وفقير غير معتمل وراهب لا يخالط) لأنه لا يقتل والجزية لإسقاطه، وجزم الحدادي بوجوبها، ارتدوا، وقسمهم بين الغانمين. هداية. قال في الفتح: إلا أن ذراري المرتدين ونساءهم يجبرون على الإسلام بعد الاسترقاق، بخلاف ذراري عبدة الأوثان: لا يجبرون اهـ: أي وكذا نساؤهم، والفرق أن ذراري المرتدين تبع لهم فيجبرون مثلهم، وكذا نساؤهم لسبق الإسلام منهن. مَطْلَبٌ: الزِّنْدِيقُ إِذَا أُخِذَ قَبْلَ النَّوْبَةِ يُقْتَلُ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ تنبيه: قال في الفتح: قالوا لو جاء زندیق قبل أن يؤخذ فأخبر بأنه زنديق وتاب تقبل توبته، فإن أخذ ثم تاب لا تقبل توبته ويقتل، لأنهم باطنية يعتقدون في الباطن خلاف ذلك، فيقتل ولا تؤخذ منه الجزية اهـ. وسيأتي في باب المرتد أن هذا التفصيل هو المفتى به. وفي القهستاني: ولا توضع على المبتدع، ولا يسترق وإن كان كافراً، لكن يباح قتله إذا أظهر بدعته، ولم يرجع عن ذلك، وتقبل توبته. وقال بعضهم: لا تقبل توبة الإباحية والشيعة والقرامطة والزنادقة من الفلاسفة، وقال بعضهم: إن تاب المبتدع قبل الأخذ والإظهار تقبل، وإن تاب بعدهما لا تقبل، كما هو قياس قول أبي حنيفة كما في التمهيد السالمي اهـ. قال في الدر المنتقى: واعتمد الأخير صاحب التنوير. قوله: (وصبيّ) ولا مجنون. فتح. قوله: (وامرأة) إلا نساء بني تغلب فإنها تؤخذ من نسائهم كما تؤخذ من رجالهم لوجوبه بالصلح كذلك، كما سيأتي. قوله: (وابن أم ولد) صورته: استولد جارية لها ولد قد ملكه معها فإن الولد يتبع أمه في الحرية والتدبير والاستیلاد. تنبيه: قال في الدر المنتقى: سقط من نسخ الهداية لفظ ((ابن)) وتبعه القهستاني، بل زاد ((وأمه)) ولا ينبغي فإن من المعلوم أن لا جزية على النساء الأحرار، فكيف بأم الولد، وإنما المراد ابن أم الولد. قوله: (وفقير غير معتمل) تقدم الكلام عليه. قوله: (لأنه لا يقتل الخ) الأصل أن الجزية لإسقاط القتل فمن لا يجب قتله لا توضع عليه الجزية، إلا إذا أعانوا برأي أو مال فتجب الجزية كما في الاختيار وغيره. در. منتقى، وقهستاني. قوله: (وجزم الحدادي بوجوبها) أي إذا قدر على العمل حيث قال: ((قوله ولا على الرهبان الذين لا يخالطون الناس)»: هذا محمول على أنهم إذا كانوا لا يقدرون على العمل، أما إذا كانوا يقدرون فعليهم الجزية، لأن القدرة فيهم موجودة، وهم الذين ضيعوها، فصار كتعطيل أرض الخراج اهـ. وبه جزم في الاختيار أيضاً كما في ٣٢٣ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية ونقل ابن كمال أنه القياس ومفاده أن الاستحسان بخلافه، فتأمل (والمعتبر في الأهلية) للجزية (وعدمها وقت الوضع) فمن أفاق أو عتق أو بلغ أو برىء بعد وضع الإمام: لم توضع عليه (بخلاف الفقير إذا أيسر بعد الوضع حيث توضع عليه) لأن سقوطها لعجزه وقد زال. اختيار (وهي) أي الجزية ليست رضا منا بكفرهم كما طعن الملحدة، بل إنما هي (عقوبة) لهم على إقامتهم (على الكفر) فإذا جاز إمهالهم للاستدعاء إلى الإيمان بدونها فبها أولى، الشرنبلالية، قال في النهر: وجعله في الخانية ظاهر الرواية حيث قال: ويؤخذ من الرهبان والقسيسين في ظاهر الرواية، وعن محمد أنها لا يؤخذ اهـ. قوله: (ونقل ابن كمال أنه القياس) فيه نظر، لأنه قال في شرح قوله: (ولا على راهب لا يخالط)) فأما الرهبان وأصحاب الصوامع الذين يخالطون الناس فقال محمد: كان أبو حنيفة يقول بوضع الجزية إذا كانوا يقدرون على العمل، وهو قول أبي يوسف. قال عمرو بن أبي عمر: قلت لمحمد: فما قولك؟ قال: القياس ما قال أبو حنيفة، كذا في شرح القدوري للأقطع اهـ. وبه علم أن هذا في المخالط على أن هذه الصيغة من محمد تفيد اختيار قول أبي حنيفة ولا تفيد أن مقابله هو الاستحسان الذي يقدم على القياس، ووجه كونه هو القياس أنا لو ظهرنا على دار الحرب لنا أن نقتل الراهب المخالط، بخلاف غير المخالط، وقد مر أن من لا يقتل لا توضع الجزية عليه، وهذا القياس هو مفهوم ما جرى عليه أصحاب المتون فيكون هو المذهب، وما مر عن الخانية يمكن حمله عليه، فلا يلزم أن يكون ظاهر الرواية، فافهم. قوله: (لم توضع عليه) لأن وقت الوجوب أول السنة عند وضع الإمام، فإن الإمام يجدد الوضع عند رأس كل سنة لتغير أحوالهم ببلوغ الصبيّ وعتق العبد وغيرهما فإذا احتلم وعتق العبد بعد الوضع فقد مضى وقت الوجوب، فلم يكونا أهلًا للوجوب، ولولوالجية. قوله: (بخلاف الفقير) أي غير المعتمل إذا أيسر بالعمل فإنها توضع عليه ط. قوله: (لأن سقوطها لعجزه) لأن الفقير أهل لوضع الجزية كما في الاختيار: أي لكونه حرّاً مكلفاً، لكنه معذور بالفقر، فإذا زال أخذت عنه، لكن إن بقي من الحول أكثره على ما قدمنا تحريره. قوله: (كما طعن الملحدة) أي الطاعنين(١) في الدين، قال في المصباح: ألحد الرجل في الدين لحداً وألحد إلحاداً: طعن. قوله: (إنما هي عقوبة لهم) ولأنها دعوة إلى الإسلام بأحسن الجهات، وهو أن يسكن بين المسلمين فيرى محاسن الإسلام، فيسلم مع دفع شره في الحال: قهستاني. قوله: (فإذا جاز إمهالهم) أي تأخيرهم بلا جزية للاستدعاء إلى (١) في ط (قوله أي الطاعنين) هكذا بخطه، ولعل الأصوب ((الطاعنون)) كما لا يخفى. ٣٢٤ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية وقال تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ وأخذها عليه الصلاة والسلام من مجوس هجر ونصارى نجران وأقرّهم على دينهم؛ ثم فرع عليه بقوله (فتسقط بالإسلام) ولو بعد تمام السنة، ويسقط المعجل لسنة لا لسنتين، فيرد عليه سنة. خلاصة (والموت والتكرار) للتداخل كما سيجيء (و) بـ (العمى والزمانة وصيرورته) فقيراً أو (مقعداً أو شيخاً كبيراً الإيمان: أي لأجل دعائهم إليه بمحاربتهم وقتالهم بدونها فيها أولى: أي فإمهالهم للاستدعاء إلى الإيمان بالجزية أولى، لأن مخالطتهم للمسلمين ورؤيتهم حسن سيرتهم تدعوهم إلى الإسلام كما علمت، فيحصل المقصود بلا قتال فيكون أولى، هذا ما ظهر لي في تقرير كلامه، وقد صرح أبو يوسف في كتاب الخراج بأنه لا يجوز ترك واحد بلا جزية، فعلم أن المراد ما قررناه، فتأمل. قوله: (تعالى إلخ) لا حاجة إلى سوق الدليل النقلي هنا، لأن الملحد معترض على مشروعية هذا الحكم من أصله. قوله: (ونصارى نجران) بلدة من بلاد همدان من الیمن. مصباح. وفي الفتح: روی أبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفي حُلَّةٍ، النَّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنَّصْفُ فِي رَجَبٍ (١). قوله: (ثم فرع عليه) أي على كونها عقوبة على الكفر. قوله: (ولو بعد تمام السنة) يجب أن تحمل البعدية على المقارنة للتمام، لأنه لو أسلم بعد التمام بمدة فالسقوط بالتكرار قبل الإسلام، لا بالإسلام اهـ. خ. قلت: لكن تحقق التكرار بدخول السنة الثانية فيه خلاف كما تعرفه. قوله: (ويسقط المعجل) على تقدير مضاف: أي يسقط رده، فالسقوط هنا عن الإمام لا عنه، بخلاف الواقع في المتن. قوله: (فيرد عليه سنة) أي لو عجل لسنتين، لأنه أدى خراج السنة الثانية، قبل الوجود، فيرد عليه؛ أما لو عجل لسنة في أولها فقد أدى خراجها بعد الوجوب. قال في الولوالجية: وهذا على قول من قال بوجوب الجزية في أول الحول كما نص عليه في الجامع الصغير، وعليه الفتوى. قوله: (والموت) أي ولو عند تمام السنة في قولهم جميعاً كما في الفتح. قوله: (والتكرار) أي بدخول السنة ولا يتوقف على مضيها في الأصح كما يأتي قريباً وسقوطها بالتكرار قول الإمام، وعندها؛ لا تسقط كما في الفتح. قوله: (وبالعمى والزمانة إلخ) أي لو حدث شيء من ذلك، وقد بقي عليه شيء لم يؤخذ كما في الولوالجية والخانية: أي لو بقي عليه شيء من أقساط الأشهر وكذا لو كان لم يدفع شيئاً، لكن قدمنا عن القهستاني عن المحيط تقييد سقوط الباقي بما إذا دامت هذه الأعذار نصف سنة فأكثر، ومثله ما ذكره الشارح أول الفصل (١) أخرجه أبو داود (٣٠٤١). ٣٢٥ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية لا يستطيع العمل) ثم بين التكرار فقال (وإذا اجتمع عليه حولان تداخلت، والأصح سقوط جزية السنة الأولى بدخول) السنة (الثانية) زيعلي. لأن الوجوب بأول الحول بعكس خراج الأرض (ويسقط الخراج بـ) الموت في الأصح. حاوي وبـ (التداخل) كالجزية (وقيل لا) يسقط كالعشر، وينبغي ترجيح الأول لأن الخراج عقوبة، بخلاف العشر. بحر قال المصنف: وعزاه في الخانية لصاحب عن الهداية فافهم. هذا وفي التترخانية قال في المنتقى قال أبو يوسف: إذا أغمى عليه أو أصابته زمانة وهو موسر أخذت منه الجزية، قال الإمام الحاكم أبو الفضل: على هذه الرواية يشترط للأخذ أهلية الوجوب في أول الحول، وعلى رواية الأصل شرطها من أوله إلى آخره اهـ. ملخصاً. قلت: وحاصله أنه على رواية المنتقى يشترط وجود الأهلية في أوله فقط فلا يضرّ زوالها بعده، وعلى رواية الأصل يشترط عدم زوالها، وهو ما مشى عليه المصنف، وليس المراد عدم الزوال أصلاً، بل المراد أن لا يستمر العذر نصف سنة فأكثر، فلا ينافي ما مر، فتدبر. قوله: (لا يستطيع العمل) راجع لقوله: ((فقيراً) وما بعده. قوله: (والأصح إلخ) وقيل لا بد من مضي الثانية ليتحقق الاجتماع. قوله: (بعكس خراج الأرض) فإن وجوبه بآخر الحول لأن به يتحقق الانتفاع. قوله: (ويسقط الخراج) أي خراج الأرض. قوله: (وقبل لا) جزم به في الملتقى. قوله: (بحر) أقرّه في النهر أيضاً. قوله: (وعزاه في الخانية) حيث قال: فإن اجتمع الخراج فلم يؤدّ سنين عند أبي حنيفة يؤخذ بخراج هذه السنة، ولا يؤخذ بخراج السنة الأولى، ويسقط ذلك عنه كما قال في الجزية، ومنهم من قال: لا يسقط الخراج بالإجماع، بخلاف الجزية، وهذا إذا عجز عن الزراعة فإن لم يعجز يؤخذ بالخراج عند الكل اهـ. قلت: وقد ترك المصنف والشارح هذا القيد وهو العجز عن الزراعة: أي في السنة الأولى، وعلى هذا فلا محل لذكر الخراج هنا، لأنه لا يجب إلا بالتمكين من الزراعة، فإذا لم يجب لا يقال إنه سقط، ويظهر أن الخلاف المذكور لفظي يحمل القول الأول على ما إذا عجز، والثاني على ما إذا لم يعجز، إذ لا يتأتى الوجوب مع العجز كما مر في الباب السابق، ولذا قال: فإن لم يعجز يؤخذ بالخراج عند الكل، وعلى هذا فلم يبق في المسألة قولان، لكنه خلاف الظاهر من كلامهم، فإن الخلاف محكي في كثير من الكتب، وقد علمت أنه لا يتأتى الخلاف مع العجز، فالظاهر أن الخلاف عند عدمه، وعليه فالمناسب إسقاط هذا القيد، ولذا ذكر في الخانية هذه في المسألة باب العشر بدونه، ولم يذكر أيضاً القول الثاني، فاقتضى كلامه اعتماد قول الإمام: إنه ٣٢٦ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية المذهب فكان هو المذهب، وفيها لا يحل أكل الغلة حتى يؤدى الخراج (ولا تقبل من الذمي لو بعثها على يد نائبه) في الأصح (بل يكلف أن يأتي بنفسه، فيعطيها قائماً، والقابض منه قاعد) هداية. ويقول: أعط يا عدو الله، ويصفعه في عنقه، لا يا كافر، ويأثم القائل إذا أذاه به. لا يؤخذ بخراج السنة الأولى، لكن في الهندية عن المحيط ذكر صدر الإسلام عن أبي حنيفة روايتين، والصحيح أنه يؤخذ اهـ. وجزم به في الملتقى كما قدمناه، وبه ظهر أن كلّ من القولين مرويّ عن صاحب المذهب، والمصرح بتصحيحه عدم السقوط، فكان هو المعتمد، ولذا جزم به في متن الملتقى، وذكر في العناية الفرق بينه وبين الجزية بأن الخراج في حالة البقاء مؤنة من غير التفات إلى معنى العقوبة، ولذا لو شرى مسلم أرضاً خراجية لزمه خراجها، فجاز أن لا يتداخل، بخلاف الجزية فإنها عقوبة ابتداء وبقاء والعقوبات تتداخل اهـ. وبه اندفع ما في البحر. قوله: (وفيها الخ) أي في الخانية، ومحل ذكر هذه المسألة الباب السابق، وقد ذكرها في باب العشر وقدمنا الكلام عليها. قوله: (في الأصح) أي من الروايات، لأن قبولها من النائب يفوت المأمور به من إذلاله عند الإعطاء، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩] فتح. قوله: (والقابض منه قاعد) وتكون يد المؤدي أسفل ويد القابض أعلى. هندية. قوله: (ويقول الخ) هذا في الهداية أيضاً، لكن لم يجزم به كما فعله الشارح، بل قال: وفي رواية: يأخذ بتلبيبه وبهزّه هزاً ويقول: أعط الجزية يا ذمي اهـ. ومفاده عدم اعتمادها، وفي غاية البيان والتلبيب بالفتح: ما على موضع اللبب من الثياب، واللبب: موضع القلادة من الصدر. قوله: (يا عدوّ الله) كذا في غاية البيان، والذي في الهداية والفتح والتبيين ((يا ذمي)). قوله: (ويصفعه في عنقه) الصفع أن يبسط الرجل كفه فيضرب بها قفا الإنسان أو بدنه، فإذا قبض كفه ثم ضربه فليس بصفع، بل يقال ضربه بجمع («مصباح .. وما ذكره من الصفع نقله في التاترخانية، ونقله أيضاً في النهر عن شرح الطحاوي، وقد حكاه بعضهم بقيل. قوله: (لا يا كافر) مفادة المنع من قول يا عدوّ الله، بل ومن الأخذ بالتلبيب والهزّ والصفع، إذا لا شك بأنه يؤذيه، ولهذا رد بعض المحققين من الشافعية ذلك بأنه لا أصل له في السنة ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين. قوله: (ويأثم القائل إن أذاه به) مقتضاه أنه يعزّر لارتكاب الإثم. بحر. وأقره المصنف، لكن نظر فيه في النهر. قلت: ولعل وجه ما مر في يا فاسق من أنه هو الذي ألحق الشين بنفسه قبل قول القائل. أفاده الشارح في التعزير ط. قلت: لكن ذكرنا الفرق هناك، فافهم. ٣٢٧ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية قنية (ولا) يجوز أن (يحدث بيعة، ولا كنيسة ولا صومعة، ولا بيت نار، ولا مقبرة) ولا صنماً. حاوي (في دار الإسلام) ولو قرية في المختار. فتح مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الكَنَائِسِ وَأَلْبِيَعِ قوله: (ولا يجوز أن يحدث) بضم الياء وكسر الدال وفاعله ((الكافر)) ومفعوله ((بيعة)) كما يقتضيه قول الشارح، ولا صنماً. وفي نسخة ((ولا يحدثوا)) أي أهل الذمة اهـ. ح. ومن الإحداث نقلها إلى غير موضعها كما في البحر وغيره. ط. قوله: (بيعة) بالكسر معبد النصارى واليهود، كذلك الكنيسة، إلا أنه غلب البيعة على معبد النصارى، والكنيسة على اليهود. قهستاني. وفي النهر وغيره: وأهل مصر يطلقون الكنيسة على متعبدهما، ويخصان اسم الدير بمعبد النصارى. قلت: وكذا أهل الشام. در. منتقى. والصومعة بيت يبنى برأس طويل ليتعبد فيه بالانقطاع عن الناس بحر. قوله: (ولا مقبرة) عزاه المصنف إلى الخلاصة، ثم ذكر ما يخالفه عن جواهر الفتاوى، ثم قال: والظاهر الأول، ومن ثم عوّلنا عليه في المختصر. مَطْلَبُ: لَا يُجوزُ إِحْدَاثُ كَنِيْسَةٍ فِي الْقُرَى، وَمَنْ أَفْتَى بِالجَوَازِ فَهُوَ مخطِئٌ، وَيُحِجَرُ عَلَيْهِ قوله: (ولو قرية في المختار) نقل تصحيحه في الفتح عن شرح شمس الأئمة السرخسي في الإجارات، ثم قال: إنه المختار، وفي الوهبانية: إنه الصحيح من المذهب الذي عليه المحققون، إلى أن قال: فقد علم أنه لا يحل الإفتاء بالإحداث في القرى لأحد من أهل زمامنا بعدما ذكرنا من التصحيح، والاختيار للفتوى وأخذ عامة المشايخ، ولا يلتفت إلى فتوى من أفتى بما يخالف هذا، ولا يحل العمل به ولا الأخذ بفتواه، ويحجر عليه في الفتوى، ويمنع، لأن ذلك منه مجرد اتباع هوى النفس، وهو حرام، لأنه ليس له قوة الترجيح، لو كان الكلام مطلقاً، فكيف مع وجود النقل بالترجيح والفتوى، فتنبه لذلك، والله الموفق. مَطْلَبٌ: تُهُدَّمُ الكَنَائِسُ مِنْ جَزِيرَةٍ أَلْعَرَبِ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ سُكْنَاهَا قال في النهر: والخلاف في غير جزيرة العرب، أما هي فيمنعون من قراها أيضاً لخبر ((لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)) اهـ. قلت: الكلام في الإحداث مع أن أرض العرب لا تقرّ فيها كنيسة ولو قديمة فضلاً عن إحداثها، لأنهم لا يمكنون من السكنى بها للحديث المذكور، كما يأتي، وقد بسطه في الفتح وشرح السير الكبير، وتقدم تحديد جزيرة العرب أول الباب المار. مَطْلَبٌ فِي بَيَانٍ أَنَّ الأَمْصَارَ ثَلَاثَةٌ، وَبَيَانُ إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ فِيهَا تنبيه: في الفتح: قيل الأمصار ثلاثة: ما مصره المسلمون: كالكوفة، والبصرة : ٣٢٨ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية (ويعاد المنهدم) أي لا ما هدمه الإمام، بل ما انهدم. أشباه: في آخر الدعاء برفع وبغداد، وواسط، ولا يجوز فيه إحداث ذلك إجماعاً. وما فتحه المسلمون عنوة فهو كذلك، وما فتحوه صلحاً، فإن وقع على أن الأرض لهم جاز الإحداث، وإلا فلا إلا إذا شرطوا الإحداث اهـ. ملخصاً. وعليه فقوله: ولا يجوز أن يحدثوا، مقيد بما إذا لم يقع الصلح على أن الأرض لهم أو على الإحداث، لكن ظاهر الرواية أنه لا استثناء فيه كما في البحر والنهر. قلت: لكن إذا صالحهم على أن الأرض لهم فلهم الإحداث، لا إذا صار مصراً للمسلمین بعد: فإنهم يمنعون من الإحداث بعد ذلك، ثم لو تحوّل المسلمون من ذلك المصر إلا نفراً يسيراً فلهم الإحداث أيضاً، فلو رجع المسلمون إليه لم يهدموا ما أحدث قبل عودهم کما في شرح السیر الکبیر، وكذا قوله: وما فتح عنوة فھو کذلك، لیس على إطلاقه أيضاً بل هو فيما قسم بين الغانمين أو صار مصراً للمسلمين، فقد صرح في شرح السير بأنه لو ظهر على أرضهم وجعلهم ذمة لا يمنعون من إحداث كنيسة، لأن المنع مختص بأمصار المسلمين التي تقام فيها الجمع والحدود، فلو صارت مصراً للمسلمين منعوا من الإحداث، ولا تترك لهم الكنائس القديمة أيضاً، كما لو قسمها بين الغائمين لكن لا تهدم، بل يجعلها مساكن لهم، لأنها مملوكة لهم، بخلاف ما صالحهم عليها قبل الظهور عليهم، فإنه يترك لهم القديمة ويمنعهم من الإحداث بعدما صارت من أمصار المسلمين اهـ. ملخصاً. مَطْلَبُ: لَوِ اخْتَلَفْنَا مَعَهُمْ فِي أَنَّا صُلْحِيَّةٌ أَوْ عَتَوِيَّةٌ فَإِنْ وُجِدَ أَثَرٌ وَإِلَّا تُرِكَتْ بِأَنْدِیِمْ تتمة: لو كانت لهم كنيسة في مصر فادعوا أنا صالحناهم على أرضهم، وقال المسلمون: بل فتحت عنوة، وأراد منعهم من الصلاة فيها وجهل الحال لطول العهد سأل الإمام الفقهاء وأصحاب الأخبار، فإن وجد أثراً عمل به، فإن لم يجد أو اختلقت الآثار جعلها أرض صلح، وجعل القول فيها لأهلها، لأنها في أيديهم وهم متمسكون بالأصل، وتمامه في شرح السير. قوله: (ويعاد المنهدم) هذا في القديمة التي صالحناهم على إبقائها قبل الظهور عليهم. قال في الهداية: لأن الأبنية لا تبقى دائماً، ولما أقرّهم الإمام فقد عهد إليهم الإعادة، إلا أنهم لا يمكنون من نقلها، لأنه إحداث في الحقيقة اهـ. مَطْلَبُ: إِذَا هُدِّمتُ الكَنِيسَةُ وَلَوْ بِغَيِرٍ وَجْهٍ لَا تجوزُ إِعَادَتُها قوله: (أشباه) حيث قال في فائدة نقل السبكي: الإجماع على أن الكنيسة إذا ٣٢٩ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية هدمت ولو بغير وجه لا يجوز إعادتها. ذكره السيوطي في حسن المحاضرة. قلت: يستنبط منه أنها إذا قفلت لا تفتح ولو بغير وجه، كما وقع ذلك في عصرنا بالقاهرة في كنيسة بحارة زويلة قفلها الشيخ محمد بن إلياس قاضي القضاة، فلم تفتح إلى الآن حتى ورد الأمر السلطان بفتحها، فلم يتجاسر حاكم على فتحها، ولا ينافي ما نقله السبكي قول أصحابنا: يعاد المنهدم، لأن الكلام فيما هدمه الإمام لا فيما تهدم، فليتأمل اهـ. قال الخير الرملي في حواشي البحر أقوال: كلام السبكي عامّ فيما هدمه الإمام وغيره. في كلام الأشباه يخص الأول. والذي يظهر ترجيحه العموم لأن العلة فيما يظهر أن في إعادتها بعد هدم المسلمين استخفافاً بهم وبالإسلام، وإنماداً لهم وكسراً لشوكتهم، ونصراً للكفر وأهله، غاية الأمر أن فيه افتياتاً على الإمام فيلزم فاعله التعزير، كما إذا أدخل الحربي بغير إذن يصح أمانه ويعزّر لافتياته، بخلاف ما إذا هدموها بأنفسهم فإنها تعاد كما صرح به علماء الشافعية، وقواعدنا لا تأباه لعدم العلة التي ذكرناها فيستثنى من عموم كلام السبكي اهـ. مَطْلَبُ: لَيْسَ المُرَادُ مِنْ إِعَادَةِ المُنْهَدِمِ أَنه جَائِزٌ نَأْمُرُهُمْ بِهِ بَلِ المُرَادُ نَتركُهُمْ وَمَا يَدَيْنُونُ تنبيه: ذكر الشرنبلالي في رسالة في أحكام الكنائس عن الإمام السبكي أن معنى قولهم لا نمنعهم من الترميم ليس المراد أنه جائز نأمرهم به، بل بمعنى نتركهم وما يدينون، فهو من جملة المعاصي التي يقرون عليها كشرب الخمر ونحوه، ولا نقول: إن ذلك جائز لهم، فلا يحل للسلطان ولا للقاضي أن يقول لهم افعلوا ذلك ولا أن يعينهم عليه، ولا يحل لأحد من المسلمين أن يعمل لهم فيه، ولا يخفى ظهوره وموافقته لقواعدنا. مَطْلَبُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ صُلْحٌ مَعَ الَيَهُودِ ثم نقل عن السراج البليقيني في كنيسة لليهود ما حاصله: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم عند فتح النواحي لم يكن منهم صلح مع اليهود أصلاً اهـ. قلت: وهذا ظاهر، فإن البلاد كانت بيد كانت النصارى، ولم تزل اليهود مضروبة عليهم الذلة؛ ثم رأيت في حاشية شيخ مشايخنا الرحمتي كتب عند قول الشارح في خطبة الإمام بجامع بني أمية ما نصه: ثم نقض أهل الذمة عهدهم في وقعة التتار وقتلوا عن آخرهم، فكنائسهم الآن موضوعة بغير حق اهـ. ٣٣٠ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية مَطْلَبٌ مُهِمّ: حَادِثَةُ الْفَتْوَى فِي أَخْذِ النَّصَارَى كَنِيسَةً مَهْجُورَةً لِلْيَهُودِ ويؤخذ من هذا حكم حادثة الفتوى الواقعة في عام ثمانية وأربعين بعد المائتين والألف قريباً من كتابتي لهذا المحل، وهي أن كنيسة لفرقة من اليهود تسمى اليهود القرايين مهجورة من قديم لفقد هذه الفرقة وانقطاعهم في دمشق، فحضر يهودي غريب هو من هذه الفرقة إلى دمشق، فدفع له النصارى دراهم معلومة، وأذن لهم في بنائها، وأن يجعلوها معبداً لهم، وصدق لهم على ذلك جماعة من اليهود لقوة شوكة النصارى في ذلك الوقت، وبلغني أن الكنيسة المذكورة في داخل حارة لليهود مشتملة على دور عديدة، وأن مراد النصارى شراء الحارة المذكورة وإدخالها للكنيسة، وطلبوا فتوى على صحة ذلك الإذن، وعلى كونها صارت معبداً للنصارى، فامتنعت من الكتابة. مَطْلَبٌ فِيمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ المُتَهِوِّرِيْنَ فِي زَمَانِتَا وقلت: إن ذلك غير جائز، فكتب لهم بعض المتهورين طمعاً في عرض الدنيا أن ذلك صحيح جائز. فقويت بذلك شوكتهم، وعرضوا ذلك على وليّ الأمر ليأذن لهم بذلك حيث وافق غرضهم الحكم الشرعي، بناء على ما أفتاهم به ذلك المفتي، ولا أدري(١) ما يؤول إليه الأمر وإلى الله المشتكى. ومستندي فيما قلته أمور: منها ما علمته من أن اليهود لا عهد لهم، فالظاهر أن كنائسهم القديمة أقرّت مساكن لا معابد، فتبقى كما أبقيت عليه، وما علمته أيضاً من أن أهل الذمة نقضوا عهدهم لقتالهم المسلمين مع التتار الكفار فلم يبق لهم عهد في كنائسهم، فهي موضوعة الآن بغير حق، ويأتي قريباً عند قوله: ((وَسَبَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) أن عهد أهل الذمة في الشام مشروط بأن لا يحدثوا بيعة، ولا كنيسة، ولا يشتموا مسلماً، ولا يضربوه، وأنهم إن خالفوا فلا ذمة لهم. ومنها: أن هذه كنيسة مهجورة انقطع أهلها وتعطلت عن الكفر فيها، فلا تجوز الإعانة على تجديد الكفر فيها، وهذا إعانة على ذلك بالقدر الممكن حيث تعطلت عن كفر أهلها. وقد نقل الشرنبلالي في رسالته عن الإمام القرافي: أنه أفتى بأنه لا يعاد ما انهدم من الكنائس، وأن من ساعد على ذلك فهو راض بالكفر، والرضا بالكفر كفر اهـ. فنعوذ بالله من سوء المنقلب. (١) في ط (قوله ولا أدري الخ) قلت: آل الأمر بعد سنة إلى أن شرعوا في عمارتها على أحسن ما أرادوا مع غصب أماكن حولها أخذوها من المسلمين قهراً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ٣٣١ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية الطاعون (من غير زيادة على البناء الأول) ولا يعدل عن النقض الأول إن كفى، وتمامه في شرح الوهبانية، ومنها: أن عداوة اليهود للنصارى أشدّ من عداوتهم لنا،،، وهذا الرضا والتصديق ناشىء عن خوفهم من النصارى لقوة شوكتهم كما ذكرناه. ومنها: أنها إذا كانت معينة لفرقة خاصة ليس لرجل من أهل تلك الفرقة أن يصرفها إلى جهة أخرى، وإن كان الكفر ملة واحدة عندنا كمدرسة موقوفة على الحنفية مثلاً لا يملك أحد أن يجعلها لأهل مذهب آخر وإن اتحدت الملة. ومنها: أن الصلح العمري الواقع حين الفتح مع النصارى إنما وقع على إبقاء معابدهم التي كانت لهم إذ ذاك، ومن جملة الصلح معهم كما علمته آنفاً أن لا يحدثوا كنيسة ولا صومعة، وهذا إحداث كنيسة لم تكن لهم بلا شك، واتفقت مذاهب الأئمة الأربعة على أنهم يمنعون عن الإحداث كما بسطه الشرنبلالي بنقله نصوص أئمة المذاهب، ولا يلزم من الإحداث أن يكون بناء حادثاً، لأنه نص في شرح السير وغيره علی أنه لو أرادوا أن يتخذوا بيتاً لهم معداً للسكنى كنيسة يجتمعون فيه يمنعون منه، لأن فيه معارضة للمسلمين وازدراء بالدين اهـ: أي لأنه زيادة معبد لهم عارضوا به معابد المسلمين، وهذه الكنيسة كذلك جعلوها معبداً لهم حادثاً، فما أفتى به ذلك المسكين خالف فيه إجماع المسلمين، وهذا كله مع قطع النظر عما قصدوه من عمارتها بأنقاض جديدة وزيادتهم فيها، فإنها لو كانت كنيسة لهم يمنعون من ذلك بإجماع أئمة الدين أيضاً، ولا شك أن من أفتاهم وساعدهم وقوّى شوكتهم يخشى عليه سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى. قوله: (عن النقض) بالضم ما انتقض من البنيان، قاموس. قوله: (وتمامه في شرح الوهبانية) ذكر عبارته في النهر حيث قال: قال في عقد الفرائد: وهذا: أي قولهم: ((من غير زيادة)) يفيد أنهم لا يبنون ما كان باللبن بالآجر، ولا ما كان بالآجر بالحجر، ولا ما كان بالجريد وخشب النخل بالنقي والساج، ولا بياض لم يكن: قال: ولم أجد في شيء من الكتب المعتمدة أن لا تعاد إلا بالنقض الأول، وكون ذلك مفهوم الإعادة شرعاً ولغة غير ظاهر عندي، على أنه وقع في عبارة محمد: يبنونها. وفي إجارة الخانية: يعمروا وليس فيها ما يشعر باشتراط النقض الأول. مَطْلَبٌ فِي كَيْفِيَّةٍ إِعَادَةِ المُنْهَدِمِ مِنَ الْكَنَائِسِ وفي الحاوي القدسي: وإذا انهدمت البيع والكنائس لذوي الصلح إعادتها باللبن والطين إلى مقدار ما كان قبل ذلك، ولا يزيدون عليه، ولا يشيدونها بالحجر والشيد والآجر، وإذا وقف الإمام على بيعة جديدة أو بنى منها فوق ما كان في القديم خربها، وكذا ما زاد في عمارتها العتيقة اهـ. ومقتضى النظر أن النقض الأول حيث وجد كافياً ٣٣٢ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية وأما القديمة فتترك مسكناً في الفتحية: ومعبداً في الصلحية. بحر. خلافاً لما في القهستاني، فتنبه (ويميز الذمي عنا في زيه) بالكسر: لباسه وهيئته للبناء الأول لا يعدل عنه إلى آلة جديدة، إذ لا شك في زيادة الثاني على الأول حينئذاهـ. قوله: (وأما القديمة إلخ) مقابل قوله: ((ولا يحدث بيعة ولا كنيسة)) وكان الأولى ذكره قبل قوله: ((ويعاد المنهدم)) لأن إعادة المنهدم إنما هي في القديمة دون الحادثة. قوله: (في الفتحية) أراد بها المفتوحة عنوة بقرينة مقابلتها بالصلحية. قوله: (بحر) عبارته: قال في فتح القدير: واعلم أن البيع والكنائس القديمة في السواد لا تهدم على الروايات كلها، وأما في الأمصار فاختلف كلام محمد، فذكر في العشر والخراج تهدم القديمة، وذكر في الإجارة لا تهدم، وعمل الناس على هذا، فإنا رأينا كثيراً منها توالت عليها أئمة وأزمان وهي باقية لم يأمر إمام بهدمها، فكان متوارثاً من عهد الصحابة؛ وعلى هذا لو مصرنا برية فيها أو كنيسة فوقع داخل السور ينبغي أن لا يهدم، لأنه كان مستحقاً للأمان قبل وضع السور، فيحمل ما في جوف القاهرة من الكنائس على ذلك، فإنها كانت فضاء فأدار العبيديون عليها السور، ثم فيها الآن كنائس ويبعد من إمام تمكين الكفار من إحداثها جهاراً، وعلى هذا أيضاً فالكنائس الموضوعة الآن في دار الإسلام غير جزيرة العرب كلها ينبغي أن لا تهدم لأنها إن كانت في الأمصار قديمة، فلا شك أن الصحابة أو التابعين حين فتحوا المدينة علموا بها وبقوها، وبعد ذلك ينظر: فإن كانت البلدة فتحت عنوة حكمنا بأنهم بقوها مساكن لا معابد فلا تهدم ولكن يمنعون من الاجتماع فيها للتقرب، وإن عرف أن فتحت صلحاً حكمنا بأنهم أقرّوها معابد فلا يمنعون من ذلك فيها بل من الإظهار اهـ. قلت: وقوله: ((فوقع داخل السور، ينبغي أن لا يهدم)) ظاهره أنه لم يره منقولًا، وقد صرح به في الذخيرة وشرح السير، وقوله: وبعد ذلك ينظر إلخ، قدمنا ما لو اختلف في أنها فتحية أو صلحية ولم يعلم من الآثار والأخبار تبقى في أيديهم. قوله: (خلافاً لما في القهستاني) أي عن التتمة من أنها في الصلحية تهدم في المواضع كلها في جميع الروايات. مَطْلَبٌ فِي تَمْيِيزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ (١) فِي المَلْبَسِ قوله: (ويميز الذمي إلخ) حاصله: أنهم لما كانوا مخالطين أهل الإسلام فلا بد من (١) يطلق الفقهاء ((أهل الذمة)) على صنف منهم لكونهم صالحوا المسلمين على شروط خاصة منها قبولهم الجزية، ودخولهم تحت طاعة المسلمين وخضوعهم لأحكام الإسلام فيما أمكن جريانه عليهم. والأصل في عقد الذمة قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، = ٣٣٣ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية ومرکبه وسرجه وسلاحه (فلا یر کب خيلاً) تمييزهم عنا كي لا يعامل معاملة المسلم من التوقير والإجلال، وذلك لا يجوز، وربما يموت أحدهم فجأة في الطريق ولا يعرف فيصلى عليه، وإذا وجب التمييز وجب أن يكون بما فيه صغار لا إعزاز، لأن إذلالهم لازم بغير أذى من ضرب أو صفع بلا سبب يكون منه، بل المراد اتصافه بهيئة وضيعة، فتح. قوله: (ومركبه) مخالفة الهيئة فيه إنما تكون إذا ركبوا من جانب واحد، وغالب ظني أني سمعته من الشيخ الأخ كذلك. نهر. قلت: وهو كذلك، ففي رسالة العلامة قاسم في الكنائس، وقد كتب عمر إلى أمراء الأجناد أن يختموا أهل الذمة بالرصاص ويركبوا على الأكفّ عرضاً. قوله: (وسلاحه) تبع فيه الدرر، وهو مناف لقوله تبعاً لغيره من أصحاب المتون، ولا يعمل = وقد أعطى الرسول صلوات الله عليه الذمة. كما أعطاها خلفاؤه من بعده، حَفِلت بذلك عهود الخلفاء وأمراء الجيش، وذلك حرصاً على تحقيق العدالة مع هؤلاء الذين قبلوا الدخول في طاعته، والاختلاط بجماعته وإشعارهم بالأمن والطمأنينة على حياتهم وأموالهم. وإذا ما رجعنا إلى العهود المعطاة لأهل الكتاب من الرسول وخلفائه، وإلى أقوال الصحابة استبانت لنا الأسس التشريعية الخاصة بأهل الذمة. نورد أهمها فيما يأتي: قد أعطى الإسلام لهم حرية التفكير والاعتقاد، فأباح إقامة شعائرهم. وإعلان طقوسهم في سبيهم وكنائسهم والجهر بها في أحيائهم ومحلاتهم، وأقرهم على أحكام دينهم فيما ينشأ بينهم من معاملات ما لم يترافعوا إلينا فيسري علیهم حكمنا. كذلك حقق الإسلام لهم الانتصاف الكامل ممن أرادهم بسوء في نفس أو مال حتى ولو كان المعتدي مسلماً. فأوجب القصاص عند الاعتداء على النفس عمداً، وأوجب الدية في الخطأ، وضمان المال أو الرد عند الإتلاف أو الغصب، كما كفل لهم حمايتهم من الاعتداء الخارجي حتى لَيُلزم الإمام شرعاً أن ينقذ من أسر منهم، وعند العجز ترد الجزية إليهم لأنهم ما دفعوها إلا لذلك، يدل لذلك ما كتبه أهل ذمة الطرق الأمراء المسلمين بما نصه («إنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالد على أن يمنعونا وأميرُهم البغي من المسلمين وغيرهم». أيضاً منحهم الإسلام حق السكنى والإقامة في أي بلاد المسلمين شاؤوا خلا الحجاز والجزيرة العربية بصفة عامة، كما أباح تزوج المسلمين بنسائهم، وأحل ذبائحهم وطعامهم، وصحح توارثهم فيما بينهم، وقبل شهادتهم على المسلمين عند الضرورة، وخاطبهم بالعقوبات لكنه مع هذا قيدهم بقيود، وأوجب عليهم واجبات منها عدم موالاة أحد من أعداء الإسلام، وعدم الخروج من دار الإسلام إلى دار الحرب إلا لحاجة ملحة، ولمدة معينة حتى لا يكونوا عيناً للأعداء، أو يظهروا مواطن الضعف في المسلمين بعد معرفتهم لها مدة إقامتهم ببلاد الإسلام، لذا طالبهم بالمحافظة على كيان المجتمع الإسلامي الذي يعيشون فيه، وبرد الأعادي عنه، وحماية النظم وحفظ الأمن في الداخل والخارج، كما قيدهم بعدم محاولة التأثير على مسلم ليتحول عن دينه، وعدم الحيلولة بين الذمي والدخول في الإسلام، وحظر عليهم إعلان المنكر بأي صورة من الصور أو إحداث البيع والكنائس في غير المواضع التي أمروا بإقامتهم فيها. أو صولحوا على إنشائها فیھا. وصفوة القول أن الإسلام ميز أهل الكتاب عن المشركين بميزات كثيرة حتى ليمكننا أن نقول: إنهم لم يختلفوا عن المسلمين إلا في بعض تشريعات أريد بها المحافظة على العقيدة الإسلامية وحماية الجماعة الإسلامية من تسلط غيرها عليها، إبقاء على العزة الإسلامية التي كفلها الله لهم ((ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)). ٣٣٤ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية إلا إذا استعان بهم الإمام لمحاربة وذبّ عنا. ذخيرة. وجاز بغل كحمار. تاترخانية. وفي الفتح: وهذا عند المتقدمين، واختار المتأخرون: أنه لا يركب أصلًا إلا لضرورة. وفي الأشباه: والمعتمد أن لا يركبوا مطلقاً ولا يلبسوا العمائم، وإن ركب الحمار لضرورة نزل في المجامع (ويركب سرجاً كالأكف) كالبرذعة في مقدمة شبه الرمانة (ولا يعمل بسلاح ويظهر الكستيج) فارسي معرب: الزنار من صوف أو شعر، وهل يلزم تمييزهم بكل العلامات. خلاف بسلاح إلا أن يحمل على ما إذا استعان بهم الإمام، أو المراد من تمييزه في سلاحه بأن لا يحمل سلاحاً، وهو بعيد. تأمل. قوله: (إلا إذا استعان بهم الإمام الخ) لكنه يركب في هذه الحالة بإكاف لا بسرج، كما قال بعضهم. نهر. قوله: (وذب) بالذال المعجمة: أي دفع وطرد العدوّ. قوله: (وجاز بغل) أي إن لم يكن فيه عزّ وشرف، وتمامه في شرح الوهبانية. قوله: (وهذا) أي جواز ركوبه لبغل أو حمار، وكان ينبغي تأخير هذه الجملة كلها عن قوله: (ويركب سرجاً كالأكف)). قوله: (إلا لضرورة) كما إذا خرج إلى قرية أو كان مريضاً. فتح. قوله: (والمعتمد أن لا يركبوا) كتب بعضهم هنا أن الصواب ((يركبون)) بالنون، كما هو عبارة الأشياء لعدم الناصب والجازم، وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن. أقول: هذا التصويب خطأ محض، لأن المخففة من الثقيلة التي لا تنصب المضارع شرطاً أن تقع بعد فعل اليقين أو ما ينزل منزلته نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل ٢٠] ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنْ لَا يُرْجِعَ﴾ وهذه ليست كذلك بل هي المصدرية الناصبة نحو: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٤]. قوله: (مطلقاً) أي ولو حماراً. قوله: (في المجامع) أي في مجامع المسلمين إذا مرّ بهم، فتح. قوله: (كالأكف) بضمتين جمع إكاف مثل حمار وحمر. مصباح. فكان الأولى التعبير بالإكاف المفرد. قوله: (كالبرذعة) بدل من قوله: ((كالأكف)) قال في المصباح: البرذعة بالذال والدال: حلس يجعل تحت الرحل، والجمع البراذع، هذا هو الأصل. وفي عرف زمالنا هي للحمار ما يركب عليه بمنزلة السرج للفرس اهـ. فالمراد هنا المعنى العرفي لا اللغوي. قوله: (ولا یعمل بسلاح) أي لا يستعمله، ولا يحمله لأنه عزّ، وکل ما کان کذلك يمنعون عنه. قلت: ومن هذا الأصل تعرف أحكام كثيرة. در. منتقى .. قوله: (ويظهر الكستيج) بضم الكاف وبالجيم كما في القهستاني: فارسي معرب معناه: العجز والذل كما في النهر، فيشمل القلنسوة والزنار والنعل لوجود الذل فيها، ولقوله في البحر: وكستيجات النصارى قلنسوة سوداء من اللبد مضربة وزنار من الصوف اهـ. فتعبيره بخصوص الزنار بيان لبعض أنواعه اهـ. ح. قوله: (الزنار) بوزن تفاح وجمعه زنانير. مصباح. وفي البحر عن المغرب أنه خيط غليظ بقدر الأصابع يشده الذمي فوق ثيابه. ٣٣٥ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية أشباه. والصحيح إن فتحها عنوة فله ذلك، وإلا فعلى الشرط. تاترخانية (ويمنع من لبس العمامة) ولو زرقاء أو صفراء على الصواب. نهر. ونحوه في البحر، واعتمده في الأشباه كما قدمناه، وإنما تكون طويلة سوداء (و) من (زنار الإبريسم والثياب الفاخرة المختصة بأهل العلم والشرف) كصوف مربع وجوخ رفيع وأبراد رقيقة ومن استكتاب ومباشرة يكون بها معظماً عند المسلمين، وتمامه في الفتح. قال القهستاني: وينبغي أن يكون من الصوف أو الشعر، وأن لا يجعل له حلقة تشده كما يشد المسلم المنطقة، بل يعلقه على اليمين أو الشمال كما في المحيط. قوله: (ولو زرقاء أو صفراء) أي خلافاً لما في الفتح من أنه إذا كان المقصود العلامة يعتبر في كل بلدة متعارفها، وفي بلادنا جعلت العلامة في العمامة فألزم النصارى بالأزرق واليهود بالأصفر، واختص المسلمون بالأبيض. قال في النهر: إلا أنه في الظهيرية قال: وأما لبس العمامة والزنار الإبريسم فجفاء في حق أهل الإسلام ومكسرة لقلوبهم، وهذا يؤذن بمنع التمييز بها، ويؤيده ما ذكره في التاترخانية: حيث صرح بمنعهم من القلانس الصغار، وإنما تكون طويلة من كرباس مصبوغة بالسواد مضربة مبطنة، وهذا في العلامة أولى، وإذا عرف هذا فمنعهم من لبس العمائم هو الصواب الواضح بالتبيان، فأيد الله سلطان زماننا، ولسعادته أبد ولملكه شيد ولأمره سدد إذ منعهم من لبسها اهـ. قلت: وهذا هو الموافق لما ذكره أبو يوسف في كتاب الخراج من إلزامهم لبس القلانس الطويلة المضربة، وأن عمر كان يأمر بذلك ومنعهم من لبس العمائم. تنبيه: قال في الفتح: وكذا تؤخذ نساؤهم بالزيّ في الطرق فيجعل على ملاءة اليهودية ((خرقة صفراء وعلى النصرانية زرقاء، وكذا في الحمامات اهـ: أي فيجعل في أعناقهن طوق الحديد كما في الاختيار. قال في الدر المنتقى: قلت: وسيجيء أن الذمية في النظر إلى المسلمة كالرجل الأجنبي في الأصح، فلا تنظر أصلاً إلى المسلمة فليتنبه لذلك اهـ. ومفاده منعهن من دخول حمام فيه مسلمة، وهو خلاف المفهوم من كلامهم هنا، تأمل. قوله: (وإنما تكون طويلة سوداء) ظاهرة أن الضمير للعمامة وليس كذلك، بل هو للقلنسوة، لأن المقصود منعهم من العمامة وللو غير طويلة وإلزامهم بالقلنسوة الطويلة كما علمته، فكان الصواب أن يقول: إنما يلبس قلنسوة طويلة سوداء والقلنسوة هي التي يدخل فيها الرأس، والعمامة ما يدار عليها من منديل ونحوه. قوله: (الإبريسم) بكسر الهمزة والراء وفتح السين وهو الحرير. قال في المصباح: الحريرة واحدة الحرير وهو الإبريسم. قوله: (كصوف مربع) لعله الفرجية، فإنه الآن من خصوصيات أهل القرآن والعلم. ط. قوله: (وأبراد رقيقة) البرد نوع من الثياب مخطط كما في النهاية. قوله: (وتمامه في الفتح) حيث قال: بل ربما يقف بعض المسلمين ٣٣٦ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية وفي الحاوي: وينبغي أن يلازم الصغار فيما يكون بينه وبين المسلم في كل شيء، وعليه فيمنع من القعود حال قيام المسلم عنده. بحر. ويحرم تعظيمه، وتكره مصافحته، ولا يبدأ بسلام إلا لحاجة ولا يزاد في الجواب عليّ ((وعليك)) ويضيق عليه في المرور، ويجعل على داره علامة، وتمامه في الأشباه من أحكام الذمي. وفي شرح الوهبانية للشرنبلالي: ويمنعون من استيطان مكة والمدينة لأنهما من أرض العرب. قال عليه الصلاة والسلام ((لَا يجتَمِعُ فِي أَرْضِ العَرَبِ خدمة لهم خوفاً من أن يتغير خاطره منه، فيسعى به عند مستكتبه سعاية توجب له منه الضرر. ثم قال: وتجعل مكاعبهم خشنة فاسدة اللون، ولا يلبسون طيالسة كطيالسة المسلمين ولا أردية كأرديتهم، هكذا أمروا، واتفقت الصحابة على ذلك)) اهـ. وقال أيضاً: ولا شك في وقوع خلاف هذا في هذه الديار اهـ. قلت: وفي هذه السنة في البلاد الشامية استأسدت اليهود والنصارى على المسلمين، ولله درّ القائل: الكامل. أَحْبَابُنَا نُوَبُ الزَّمَانِ كَثِيرَةٌ وَأَمرُّ مِنْهَا رِفْعَةُ السُّفَهَاءِ فَمَتَى يُفِيقُ الدَّهْرُ مِنْ سَكَرَاتِهِ وَأَرَى اليَهُودَ بِذَلَّةِ الفُقَهَاءِ؟ قوله: (وينبغي أن يلازم الصغار) أي الذل والهوان، والظاهر أن ((ينبغي)) هنا بمعنى يجب. قال في البحر: وإذا وجب عليهم إظهار الذل والصغار مع المسلمين وجب على المسلمين عدم تعظيمهم، لكن قال في الذخيرة: إذا دخل يهودي الحمام إن خدمه المسلم طمعاً في فلوسه فلا بأس به، وإن تعظيماً له: فإن كان ليميل قلبه إلى الإسلام فكذلك، وإن لم ينو شيئاً مما ذكرنا كره. وكذا لو دخل ذميّ على مسلم فقام له ليميل قلبه إلى الإسلام فلا بأس، وإن لم ينو شيئاً أو عظمة لغناه كره اهـ. قال الطرسوسي: وإن قام تعظيماً لذاته وما هو عليه: كفر، لأن الرضا بالكفر كفر، فكيف بتعظيم الكفر اهـ. قلت: وبه علم أنه لو قام له خوفاً من شرّه، فلا بأس أيضاً، بل إذا تحقق الضرر فقد يجب وقد يستجب على حسب حال ما يتوقعه. قوله: (ويتضيق عليه في المرور) بأن يلجئه إلى أضيق الطريق، وعبارة الفتح: ويضيق عليهم في الطريق. قوله: (ويجعل على داره علامة) لئلا يقف سائل فيدعوا له بالمغفرة أو يعامله في التضرع معاملة المسلمين، فتح. قوله: (لأنهما من أرض العرب) أفاد أن الحكم غير مقصور على مكة والمدينة، بل جزيرة العرب كلها كذلك، كما عبر به في الفتح وغيره، وقدمنا تحديدها، والحديث المذكور قاله عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي مات فيه، كما أخرجه في ٣٣٧ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية دِينَانِ))(١) ولو دخل لتجارة جاز ولا يطيل. وأما دخوله المسجد الحرام فذكر في السير الكبير المنع، وفي الجامع الصغير عدمه، والسير الكبير آخر تصنيف محمد رحمه الله تعالى فالظاهر أنه أورد فيه ما استقرّ عليه الحال. انتهى. وفي الخانية: تمیز نساؤهم لا عبيدهم بالكستيج (الذمي إذا اشترى داراً) الموطأ وغيره وبسطه في الفتح. قوله: (ولا يطيل) فيمنع أن يطيل فيها المكث حتى يتخذ فيها مسكناً، لأن حالهم في المقام في أرض العرب مع التزام الجزية كحالهم في غيرها بلا جزية، وهناك لا يمنعون من التجارة، بل من إطالة المقام، فكذلك في أرض · العرب. شرح السير. وظاهره أن حد الطول سنة. تأمل. قوله: (فالظاهر أنه أورد فيه ما استقر عليه الحال) أي فيكون المنع هو المعتمد في المذهب. قلت: لكن الذي ذكره أصحاب المتون في كتاب الحظر والإباحة أن الذميّ لا يمنع من دخول المسجد الحرام وغيره. وذكر الشارح هناك أن قول محمد والشافعي وأحمد المنع من المسجد الحرام، فالظاهر أن ما في السير الكبير هو قول محمد وحده دون الإمام، وأن أصحاب المتون على قول الإمام، ومعلوم أن المتون موضوعة لنقل ما هو المذهب فلا يعدل عما فيها، على أن الإمام السرخسي ذكر في شرح السير الكبير أن أبا سفيان جاء إلى المدينة، ودخل المسجد، ولذلك قصة: قال: فهذا دليل لنا على مالك رحمة الله تعالى بمنعه المشرك من أن يدخل شيئاً من المساجد، ثم قال: إن الشافعي قال: يمنعون من دخول المسجد الحرام خاصة للآية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨] فأما عندنا لا يمنعون كما لا يمنعون عن دخول سائر المساجد، ويستوي في ذلك الحربي والذمي الخ. قوله: (وفي الخانية الخ) كان الأولى تقديمه على مسألة الاستيطان، ثم إن ظاهره أن نساءهم تميز بالكستيج دون العبيد، مع أنه ليس في عبارة الخانية ذكر النساء أصلاً، ونصها: ولا يؤخذ عبيد أهل الذمة بالكستيجات، وهكذا نقله عنها في البحر والنهر. وعبارة النهر قالوا: ويجب تميز نساؤهم أيضاً عن نسائنا في الطرقات والحمامات، وفي الخانية: ولا يؤخذ عبيد أهل الذمة بالکستیجات اهـ. مَطْلَبٌ فِي سُكْنَى أَهْلِ النِّمَّةِ المُسْلِمِينِ فِي المِصْرِ قوله: (الذمي إذا اشترى داراً الخ) قال السرخسي في شرح السير: فإن مصر الإمام في أراضيهم للمسلمين كما مصر عمر رضي الله عنه البصرة والكوفة، فاشتری بها أهل الذمة دوراً وسكنوا مع المسلمين لم يمنعوا من ذلك، فإنا قبلنا منهم عقد الذمة (١) أخرجه عبد الرزاق (١٩٣٥٩) والبيهقي ٢٠٨/٩ وانظر نصب الراية ٤٥٤/٣ والتلخيص ١٢٤/٤. ٣٣٨ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية أي أراد شراءها في المصر لا ينبغي أن تباع منه، فلو اشترى يجبر على بيعها من المسلم وقیل لا يجبر إلا إذا کثر. درر. قلت: وفي معروضات المفتي أبي السعود من كتاب الصلاة سئل عن مسجد لم يبق في أطرافه بيت أحد من المسلمين وأحاط به الكفرة، فكان الإمام والمؤذن فقط لأجل وظيفتهما يذهبان إليه فيؤذنان ويصليان به، فهل تحل لهم الوظيفة؟ فأجاب بقوله: تلك البيوت يأخذها المسلمون بقيمتها جبراً على الفور، وقد ورد الأمر الشريف السلطاني بذلك، فالحاكم لا يؤجر هذا أصلاً، وفيها من الجهاد، وبعد أن ورد الأمر الشريف السلطاني بعدم استخدام الذميين للعبيد والجواري، لو استخدم ذمي عبداً أو جارية ماذا يلزمه؟ فأجاب: يلزمه التعزير الشديد والحبس. ففي الخانية: ويؤمرون بما كان استخفافاً لهم، وكذا تميز دورهم عن دورنا. انتهى، فليحفظ ذلك (وإذا تكارى أهل الذمة دوراً فيما بين ليقفوا على محاسن الدين، فعسى أن يؤمنوا، واختلاطهم بالمسلمين والسكن معهم يحقق هذا المعنى، وكان شيخنا الإمام شمس الأئمة الحلواني يقول: هذا إذا قالوا وكان بحيث لا تتعطل جماعات المسلمين ولا تتقلل الجماعة بسكناهم بهذه الصفة، فأما إذا كثروا على وجه يؤدي إلى تعطيل بعض الجماعات أو تقليلها منعوا من ذلك وأمروا أن يسكنوا ناحية ليس فيها للمسلمين جماعة، وهذا محفوظ عن أبي يوسف في الأمالي اهـ .. قوله: (أي أراد شراءها) إنما فسره بها لقوله بعد ((لا ينبغي أن تباع منه)) ط. قوله: (وقيل لا يجبر إلا إذا كثر) نقله في البحر عن الصغرى بعد أن نقله عن الخانية، بلا تقييد بالكثرة، ولكن لم يعبر عنه بقيل، ولا يخفى أن هذا القيد يصلح توفيقاً بين القولين، وهذا قول شمس الأئمة الحلواني كما علمته آنفاً ومشى عليه في الوهبانية وشرحها، وكذا قال الخير الرملي: إن الذي يجب أن يعوّل عليه التفصيل، فلا نقول بالمنع مطلقاً ولا بعدمه مطلقاً، بل يدور الحكم على القلة والكثرة، والضرر والمنفعة، وهذا هو الموافق للقواعد الفقهية، فتأمل. قوله: (فأجاب الخ) هذا الجواب مبني على اختيار الحلواني وغيره. قال ط: ولم يجب عن المسؤول عنه وجوابه أنهما يستحقان الوظيفة لقيامهما بالعمل اهـ. قلت: وإنما تركه لظهوره وتنبيهاً على ما هو الأهم فهو من أسلوب الحكيم كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة ١٨٩] الآية. قوله: (ففي الخانية الخ) أي والاستخدام المذكور ينافي الاستخفاف. قوله: (وإذا تكارى الخ) شروع في الكراء بعد الفراغ من الشراء، وظاهر كلام المصنف الفرق بينهما، وهو مبني على القول ٣٣٩ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية المسلمين ليسكنوا فيها) في المصر (جاز) لعود نفعه إلينا وليروا تعاملنا فيسلموا (بشرط عدم تقليل الجماعات لسكناهم) شرحه الإمام الحلواني (فإن لزم ذلك من سكناهم أمروا بالاعتزال عنهم والسكنى بناحية ليس فيها مسلمون) وهو محفوظ عن أبي يوسف. بحر عن الذخيرة. وفي الأشباه: واختلف في سكناهم بيننا في المصر، والمعتمد الجواز في محلة خاصة. انتهى، وأقره المصنف وغيره، لكن رده شيخ الإسلام «جوى زاده)) وجزم بأنه فهم خطأ، فكأنه فهم من الناحية المحلة، وليس كذلك، فقد صرح التمرتاشي في شرح الجامع الصغير بعد ما نقل بالجبر على البيع مطلقاً، وقد علمت أن المعوّل عليه القول بالتفصيل، فلا فرق بين الكراء والشراء، بل أصل العبارة المذكورة إنما هو في الشراء كما نقلناه آنفاً عن السرخسي. قوله: (في المصر) الظاهر أنه غير قيد بعد اعتبار الشرط المذكور. قوله: (ليس فيها مسلمون) هو في معنى ما مر من قوله: ((ليس فيها للمسلمين جماعة)) لأن من شأن المسلمين إقامة الجماعة. قوله: (لكن رده الخ) وعبارته كما رأيته في حاشية الحموي وغيرها. قوله: (في محلة خاصة) هذا اللفظ لم أجده لأحد، وإنما الموجود في الكتب أن الجواز مقيد بما ذكره الحلواني بقوله: ((هذا إذا قلوا بحيث لا تتعطل بسبب سكنهم جماعات المسلمين ولا تتقلل، أما إذا تعطلت أو تقللت، فلا يمكنون من السكنى فيها، ويسكنون في ناحية ليس فيها للمسلمين جماعة)) فكأن المصنف فهم من الناحية المحلة، وليس كذلك، بل قد صرح التمرتاشي في شرح الجامع الصغير بعد ما نقل عن الشافعي أنهم يؤمرون ببيع دورهم في أمصار المسلمين والخروج عنها، وبالسكنى خارجها لئلا تكون لهم منعة كمنعة المسلمين بمنعهم عن أن تكون لهم محلة خاصة حيث قال بعد ما ذكرناه نقلاً عن النسفي: ((والمراد)»: أي بالمنع المذكور عن الأمصار ((أن يكون لهم في المصر محلة خاصة يسكنونها ولهم فيها منعة كمنعة المسلمین، فأما سكناهم بينهم وهم مقهورون فلا کذلك)) اهـ. قلت: وقوله: ((بمنعهم)) متعلق بقوله: ((صرح)) وقوله حيث قال: أي التمرتاشي: وحاصل كلامه أن المحلة من جملة المصر، مع أن الحلواني قال: لا يمكنون من السكنى فيها: أي في المصر ويسكنون في ناحية الخ. فهو صريح بأنه إذا لزم تقليل الجماعة يسكنون في ناحية خارجة عن المصر فهي غير المحلة. وصريح كلام التمرتاشي أيضاً منعهم عن أن يكون لهم محلة خاصة في المصر، وإنما يسكنون بينهم مقهورين: يعني إذا لم يلزم تقليل الجماعة، فتحصل من مجموع كلام الحلواني والتمرتاشي أنه إذا لزم من سكناهم في المصر تقليل الجماعة أمروا بالسكنى في ناحية ٣٤٠ كتاب الجهاد/ باب العشر والخراج والجزية عن الشافعي أنهم يؤمرون ببيع دورهم في أمصار المسلمين وبالخروج عنها، وبالسكنى خارجها لئلا يكون لهم محلة خاصة . نقلاً عن النسفي، والمراد: أي بالمنع المذكور عن الأمصار أن يكون لهم في المصر محلة خاصة يسكنونها، ولهم فيها منعة عارضة كمنعة المسلمين، فإما سكنا بينهم وهم مقهورون فلا كذلك كذا خارج المصر ليس فيها جماعة للمسلمين، وإن لم يلزم ذلك يسكنون في المصر بين المسلمين مقهورين لا في محلة خاصة في المصر، لأنه يلزم منه أن يكون لهم في مصر المسلمين منعة كمنعة المسلمين، بسبب اجتماعهم في محلتهم، فافهم. قوله: (إنهم يؤمرون) مفعول نقل. ط. قوله: (نقلًا) حال من فاعل صرح بتأويل اسم الفاعل اهـ. ح. قوله: (والمراد) الأوضح أن يقول: ((بأن المراد)» ويكون متعلقاً بصرح ط. قوله: (ولهم فيها منعة) الواو للحال، والمنعة بفتح النون جمع مانع: أي جماعات يمنعونهم من وصول غيرهم إليهم. أفاده ح. وقوله: ((عارضة)) صفة ((منعة)) وعروضها إنما هو بسبب اجتماعهم في محلة خاصة، وقوله: ((فأما سكناهم الخ)» مقابلة: أي أن سكناهم بين المسلمين، لا في محلة خاصة، بل متفرقين بينهم وهم مقهورون لهم، فلا كذلك: أي فلا يكون ممنوعاً. مَطْلَبٌ فِي مَنْعِهِمْ عَنِ التَّعَلِّي فِي الِنَاءِ عَلَى المُسْلِمِين تنبيه: قال في الدرّ المنتقى: وكذا يمنعون عن التعلي في بنائهم على المسلمين، ومن المساواة عند بعض العلماء؛ نعم يبقى القديم كما في الوهبانية وشروحها، وفي المنظومة المحبية: [الرجز] وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ أَنْ يَسْكُنَا أَوْ أَنْ يحلَّ مَنْزِلًا عَإِلِي البِنَا إِنْ كَانَ بَين الُمْسِلمِين يَسْكُنُ بَلْ أَهْلُ ذِمَّةٍ عَلَى مَا بينوا قلت: ومقتضى النظم الذي ذكره: المنع ولو البناء قديماً، لأنه علق المنع على السكنى لا على التعلية في البناء، لكن سئل في الخيرية عن طبقة ليهودي راكبة على بيت لمسلم، يريد المسلم منعه من سكناها، ومن التعلي عليه فأجاب: بأنه ليس للمسلمين ذلك، فقد جوّزوا إبقاء دار الذمي العالية، على دار المسلم وسكناها إذا ملكها ما لم تنهدم فإنه لا يعيدها عالية كما كانت، وممن صرّح بذلك ابن الشحنة في شرح النظم الوهباني، وكثير من علمائنا اهـ. وذكر في جواب سؤال آخر: أنه إذا كان التعلي للتحفظ من اللصوص، لا يمنع منه، لأنهم نصوا على أنهم ليس لهم رفع بنائهم على المسلمين، وعلة المنع مقيدة بالتعلي على المسلمين، فإذا لم يكن ذلك بل للتحفظ، فلا يمنعون كما هو ظاهر أهـ. وقال قارىء الهداية في فتاواه: أهل الذمة في