Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب السرقة
الإذن بالدخول عادة (و) لا (من مكاتبه وختنه وصهره و) من (مغنم) وإن لم يكن
له حق فيه، لأنه مباح الأصل فصار شبهة. غاية بحثاً (وحمام) في وقت جرت
العادة بدخوله، وكذا حوانيت التجار والخانات،
لإقامة المصالح. قوله: (ولا من مكاتبه) لأن له حقاً في أكسابه. نهر. قوله: (وختنه
وصهره) ختنه: زوج کل ذي رحم محرم منه، وصهره: كل ذي رحم محرم من امرأته،
وهذا عند الإمام. وقالا: يقطع لعدم الشبهة في ملك البعض لأنه تكون بالقرابة وهي
منتفية. وله أن العادة جارية في دخول بعضهم منازل البعض بلا استئذان فتمكنت الشبهة
في الحرز، وتأخير الزيلعي لدليله مؤذن بترجيحه. نهر. وفي كافي الحاكم: ولا يقطع
السارق من امرأة أبيه وزوج ابنته وابن امرأته وأبويها استحساناً. قوله: (ومغنم الخ) علله
في الهداية بقوله: لأن له فيه نصيباً، وذكر أن ذلك مأثور عن عليّ رضي الله عنه حكماً
وتعليلاً. هو أنه ((أتى برجل سرق من المغنم فقال له فيه نصيب وهو خائن)) فلم يقطعه
وكان قد سرق مغفراً، رواه عبد الرازق والدارقطني، وهذا ظاهر في أن الكلام فيمن له
فيه استحقاق، وبه صرح في الفتح، لكن في النهر قال في الحواشي السعدية: وهذا
التعليل يدل على أنه لو لم يكن له فيه نصيب يقطع، لكن الرواية مطلقة في مختصر
القدوري وشرح الطحاوي، فلا بد من تعليل آخر اهـ.
وفي غاية البيان: ينبغي أن يكون المراد من السارق من له نصيب فيه، أما من لا
نصيب له فيقطع، اللهم إلا أن يقال: إنه مباح الأصل وهو على صورته لم يتغير فصار
شبهة. وفي كلام المصنف: يعني صاحب الكنز ما يومىء إلى اعتبار الإطلاق، حيث
قدم أنه لا قطع في المال المشترك، وإذا كان له حق فيه كان من المشترك، فذكره هنا
ليس إلا لإفادة التعميم اهـ.
قلت: ما ذكر من إطلاق الرواية قد يدعي أنه يخصصه التعليل المأثور الذي جعلوه
دليل الحكم، وإلا لزم إثبات حكم بلا دليل، وما ذكره في غاية البيان من أنه مباح
الأصل فيه نظر، لأن مباح الأصل ما يكون تافهاً ويوجد مباحاً في دار الإسلام كالصيد
والحشيش كما مر، والمغنم قد يكون من أعزّ الأموال. وأيضاً حكم مباح الأصل أنه لا
يقطع به وإن ملك وسرق من حرز، والمغنم ليس كذلك قطعاً. نعم قال القهستاني بعد
التعليل المأثور: ولا يخفى أن الآخذ إن كان من العسكر فالمغنم داخل في مال الشركة
وإلا ففي مال العامة اهـ. وهذا في غاية الحسن، فإن خمس المغنم لذوي الحاجة من
العامة. ومن سرق من مال العامة لا يقطع لأنه يستحق منه عند الحاجة فأورث شبهة كما
عللوا به كما قدمناه عن البحر. قوله: (في وقت جرت العادة بدخوله) فيقطع لو سرق
ليلاً لأن الإذن يختص بالنهار. بحر. وفيه إشارة إلى أنه لو اعتاد الناس دخوله في بعض

١٦٢
كتاب السرقة
مجتبى (وبيت أذن في دخوله) ولو أذن المخصوصين فدخل غيرهم وسرق ينبغي
أن يقطع.
واعلم أنه لا يعتبر الحرز بالحافظ مع وجود الحرز بالمكان لأنه قوي، فلا
يعتبر الحافظ في الحمام لأنه حرز ويعتبر في المسجد لأنه ليس بحرز، به يفتى.
شمني.
(وكل ما كان حرزاً لنوع فهو حرز للأنواع كلها) فيقطع بسرقة لؤلؤة من
إصطبل (على المذهب) وقيل حرز كل شيء معتبر بحرز مثله، والأول هو
المذهب عندنا. مجتبى. لكن جزم القهستاني بأن الثاني هو المذهب، فتنبه
الليل فهو كالنهار كما في المضمرات. قهستاني، وإلى أن ذلك إذا كان الباب مفتوحاً.
ففي الحاوي الزاهدي: ولو سرق من حمام أو خان أو رباط أو حوانيت التجار
وبابها مغلق يقطع وإن كان نهاراً في الأصح اهـ. قوله: (وبيت أذن في دخوله) فلا قطع
بالسرقة منه في الوقت المأذون بالدخول فيه. ط. قوله: (ينبغي أن يقطع) البحث
لصاحب البحر وتبعه من بعده ط. قوله: (لا يعتبر الحرز بالحافظ الخ) فلو سرق شيئاً
من الحمام وصاحبه عنده أو المسروق تحته لا يقطع، بخلاف المسجد. والفرق أن
الحمام بني للإحراز فكان حرزاً كالبيت فلا يعتبر الحافظ، والمسجد لم يبن لإحراز
الأموال فيعتبر الحافظ كالطريق والصحراء، وتمامه في الزيلعي. وأفاد أن الحرز نوعان
كما قدمناه عند قوله: ((من حرز)). قوله: (به يفتى) زاد في الفتح: وهو ظاهر المذهب،
ومقابله القول بأنه يقطع عنده لو سرق من الحمام في وقت الإذن إذا كان ثمة حافظ،
ولا يقطع عندهما. قوله: (فيقطع بسرقة لؤلؤة من إصطبل) لأن الحرز كما قدمناه كل
بقعة معدة للإحراز ممنوع من الدخول فيها إلا بإذنه. ولا يخفى أن الإصطبل كذلك،
وهذا بخلاف الوديعة فإنه يعتبر فيها حرز مثلها، حتى لو وضع المودع اللؤلؤ في
الإصطبل يضمن كما حققناه في تنقيح الفتاوى الحامدية من الوديعة، وسنذكره هناك إن
شاء الله تعالى. قوله: (والأول هو المذهب عندنا) إن كان أعاده لأجل نسبته إلى
المجتبى كان أخصر عزوه إليه عقب عبارة المتن، ولعل المراد إفادة الحصر بالجملة
المعرفة الطرفين، فإنه زائد على ما في المتن، فافهم. قوله: (لكن جزم القهستاني الخ)
لم ينسبه القهستاني إلى أحد يعتمد عليه، وما مشى عليه المصنف قال فيه شمس الأئمة
السرخسي: هو المذهب عندنا كما نقله في الذخيرة وغيرها، وقد قال في الفتح: إنه هو
الصحيح كما ذكره الكرخي. ثم قال: ونقل الإسبيجابي عن بعض أصحابنا أن كل شيء
يعتبر بحرز مثله. فعلم أن ما في القهستاني قول البعض وأن المذهب المصحح خلافه،
ولعل قوله: ((إنه المذهب)) سبق نظر، فليس في المسألة اختلاف تصحيح، فافهم.

١٦٣
كتاب السرقة
(ولا يقطع قفاف) هو من يسرق الدراهم بين أصابعه (وفشاش) بالفاء: هو من
يهيىء لغلق الباب ما يفتحه إذا (فش) حانوتاً أو باب دار (نهاراً وخلا البيت من
أحد) فلو فيه أحد وهو لا يعلم به قطع. شمني.
(ويقطع لو سرق من السطح) نصاباً لأنه حرز. شرح وهبانية (أو من
المسجد) أراد به كل مكان ليس بحرز فعم الطريق والصحراء (وربّ المتاع عنده)
أي بحيث يراه (ولو) الحافظ (نائماً) في الأصح (لا) يقطع (لو سرق ضيف ممن
قوله: (ولا يقطع قفاف) بقاف وفاءين بينهما ألف. قوله: (هو من يسرق الدراهم) الذي
في المغرب وغيره: هو الذي يعطي الدراهم لينقدها فيسرقها من بين أصابعه ولا يشعر
به صاحبه. قوله: (بالفاء) أي وبشينين معجمتين بينهما ألف. قوله: (لغلق الباب)
بالتحريك، جمعه أغلاق كسبب وأسباب. مصباح. قوله: (نهاراً) لعل وجهه أن يكون
مجاهراً وشرط القطع الخفية، بخلاف ما إذا كان ليلاً. قال الزيلعي: ولو كان باب الدار
مفتوحاً في النهار فسرق لا يقطع لأنه مكابرة لا سرقة، ولو كان في الليل بعد انقطاع
انتشار الناس قطع اهـ. زاد في الذخيرة عن أبي العباس أنه سوّى في الليل بين ما إذا
كان الباب المفتوح مردوداً أو غير مردود في أنه يقطع فيهما. وفرق بينهما في النهار في
أنه لو مردوداً قطع، وإلا لا اهـ.
قلت: ومسألة الفشاش مذكورة في كافي الحاكم، وهي تدل على أنه لا يقطع في
النهار بلا فرق بين كونه مردوداً أو لا، لأنه إذا لم يقطع بفتحه نهاراً وهو مقفل، فإذا كان
مفتوحاً مردوداً أو لا فهو كذلك بالأولى، فلذا أطلق الزيلعي عدم القطع كما علمت،
ثم ذكر بعده مسألة الفشاش المذكورة. وبهذا علم أن ما قدمنا عن النهر عند قوله: ((أو
من ذي رحم)) ليس على إطلاقه، فتدبر. قوله: (قطع) أي لظنه الخفية، وأما لو علم
فلا يقطع، لأنه مجاهر. قوله: (من السطح) أي إذا صعد إليه أو تناوله من داخل الدار،
واحترز به عما لو سرق ثوباً بسط على حائط في السكة، بخلاف ما إذا كان إلى الدار
فإنه يقطع كما في البحر. قوله: (أي بحيث يراه) أفاد أنه ليس المراد بالعندية الحضور
بل الاطلاع عليه. قوله: (ولو الحافظ نائماً) عبر بالحافظ لأنه أعم من أن يكون هو ربّ
المتاع أو غيره، وأطلق النائم فشمل ما إذا نام مضطجعاً أو لا، وما إذا كان المتاع تحت
رأسه أو تحت جنبه أو بين يديه حالة النوم هو الصحيح. وقيل باشتراط كونه تحت رأسه
أو جنبه. فتح. قال في النهر: ونبه بقوله: ((عنده) إلى أنه لو كان لابساً له لم يقطع.
وقيل يقطع، حكاه في المجتبى اهـ. وبسطه في البحر. وفصل الزيلعي بين النائم
وغيره، فيقطع في الأول لأنه أخذ خفية، لا في الثاني. لأنه اختلاس، وذلك حيث
قال: وفي المحيط لو سرق ثوباً عليه وهو رداؤه أو قلنسوة أو طرف منطقة أو سيفه أو

١٦٤
كتاب السرقة
أضافه) ولو من بعض بيوت الدار أو من صندوق مقفل لاختلال الحرز (أو سرق
شيئاً ولم يخرجه من الدار) لشبهة عدم الأخذ، بخلاف الغصب (وإن أخرجه من
حجرة الدار) المتسعة جداً إلى صحنها (أو أغار من أهل الحجر على حجرة)
أخرى، لأن كل حجرة حرز (أو نقب فدخل أو ألقى) كذا رأيته في نسخ المتن
والشرح بـ (أو)) وصوابه بـ ((الواو)) كما في الكنز (شيئاً في الطريق) يبلغ نصاباً
سرق من امرأة حلياً عليها لا يقطع لأنها خلسة وليست بخفية سرقة، ولو سرق من
رجل نائم قلادة عليه وهو لابسها أو ملاءة له وهو لابسها أو واضعها قريباً منه بحيث
يكون حافظاً لها قطع لأنه أخذها بخفية وسراً ولها حافظ وهو النائم اهـ. قوله: (ولو من
بعض بيوت الدار) أي لا فرق بين أن يسرق من البيت الذي أضافه فيه أو من بيت آخر
فيها. قوله: (لاختلال الحرز) لأن الدار مع جميع بيوتها حرز واحد، فبالإذن فيها اختل
الحرز في جميع بيوتها. بحر. قوله: (لشبهة عدم الأخذ) لأن الدار وما فيها في يد
صاحبها فتح. وفيه أيضاً أن المحرز بالمكان لا يجب القطع فيه إلا بالإخراج، لقيام يد
المالك قبل الإخراج من داره فلا يتحقق الأخذ إلا بإزالة يده وذلك بالإخراج من
حرزه، بخلاف المحرز بالحافظ فإنه يقطع كما أخذه لزوال يد المالك بمجرد الأخذ
فتتم السرقة فيجب موجبها اهـ. قوله: (بخلاف الغصب) يعني أن هذا في حق القطع
لسقوط الحد بالشبهة، بخلاف ضمان الغصب؛ يعني لو هلك ما سرقه ولم يخرجه. قال
في الفتح: قال بعضهم: لا ضمان عليه إذا تلف المسروق في يده قبل الإخراج من
الدار ولا قطع عليه. والصحيح أنه يضمن لوجود التلف على وجه التعدي، بخلاف
القطع، لأن شرطه هتك الحرز ولم يوجد اهـ. قوله: (المتسعة جدّاً) أي التي فيها
منازل، وفي كل منزل مكان يستغني به أهله عن الانتفاع بصحن الدار وإنما ينتفعون به
انتفاع السكة، وإلا فهي المسألة السابقة التي لا بد فيها من الإخراج من الدار. بحر.
ونحو في الزيلعي وفي الكافي: يقطع إذا كانت دار واحدة عظيمة فيها مقاصير كل
مقصورة مسكن على حيالها اهـ. والمقصورة: الحجرة بلسان أهل الكوفة. معراج.
قوله: (أو أغار) المراد دخل مقصورة على غرة فأخذ بسرعة؛ يقال: أغار الفرس
والثعلب في العدو أسرع. بحر. قوله: (من أهل الحجر) حال من فاعل أغار. قوله:
(لأن كل حجرة حرز) علة للمسألتين، إذ لكل مقصورة باب وغلق على حدة ومال كل
واحد محرز بمقصورته، فكانت المنازل بمنزلة دور في محلة، وإن كانت الدار صغيرة
بحيث لا يستغني أهل المنازل عن الانتفاع بصحن الدار بل ينتفعون به انتفاع المنازل
فهي بمنزلة مكان واحد، فلا يقطع الساكن فيها ولا المأذون له بالدخول فيها إذا سرق
من بعض مقاصيرها. زيلعي. قوله: (في الطريق) أي بحيث يراه لأنه باق في يده فصار

١٦٥
كتاب السرقة
(ثم أخذه) قطع لأن الرمي حيلة يعتاده السراق فاعتبر الكل فعلاً واحداً، ولو لم
يأخذه أو أخذه غيره فهو مضيع لا سارق (أو حمله على دابة فساقه وأخرجه) أو
علق رسنه في عنق كلب وزجره لأن سيره يضاف إليه (أو ألقاه في الماء فأخرجه
بتحريك السارق) لما مر (أولاً بتحريكه بل) أخرجه (قوة جريه على الأصح) لأنه
أخرجه بسببه. زيلعي (قطع) في الكل لما ذكرنا.
ويشكل على الأخير ما قالوا: لو علقه على طائر فطار إلى منزل السارق لم
يقطع، فلذا والله أعلم جزم الحدادي وغيره بعدم القطع (وإن) نقب ثم (ناوله آخر
كأنه أخرجه معه، وإلا فلا قطع فيه عليه وإن خرج وأخذه لأنه صار مستهلكاً له قبل
خروجه بدليل وجوب الضمان عليه، كما لو ذبح الشاة في الحرز. جوهرة. قوله: (ثم
أخذه) أشار إلى أنه لا يشترط للقطع الأخذ على فور الإلقاء اهـ ط. قوله: (يعتاده
السراق) إما لتعذر الخروج مع المتاع أو ليمكنه الدفع أو الفرار. زيلعي. قوله: (فاعتبر
الكل فعلاً واحداً) أي كل من النقب والدخول والإلقاء والأخذ حيث لم يعترض عليه يد
معتبرة، وهذا جواب عن قول زفر: إنه لا يقطع لأن الإلقاء غير موجب له. قوله: (ولو
لم يأخذه) أي بأن خرج وتركه، وقوله: ((أو أخذه غيره)) أي قبل خروجه. قوله: (فهو
مضيع) فعليه ضمانه. قوله: (لأن سيره يضاف إليه) أما لو خرج بلا سوق ولا زجر لم
يقطع، لأن الدابة اختياراً فما لم يفسد اختيارها بالحمل والسوق لا ينقطع نسبة الفعل
إليها كما في البحر. قوله: (لما مر) أي من أن الإخراج يضاف إليه. ط. قوله: (قوة
جريه) في بعض النسخ ((بقوة جريه)). قوله: (لأنه أخرجه) أي لأن الماء أخرجه بسبب
إلقائه فيه. قوله: (ويشكل على الأخير) أي ما لو ألقاه في الماء وأخرجه بقوة جريه،
والاستشكال لصاحب النهر.
قلت: وقد يدفع بأن الطائر فعله يضاف إليه لأن للدابة اختياراً كما مر، فإذا لم
يزجره بل طار بنفسه فقد عرض على فعل السارق فعل مختار فلم يضف إليه. نظيره ما
إذا خرج الحمار بنفسه بلا سوق في المسألة المارة، وكذا ما يأتي في الغصب لو حلّ
قيد عبد غيره أو رباط دابته أو فتح باب اصطبلها أو قفص طائره فذهبت لا يضمن،
فافهم. قوله: (بعدم القطع) هو خلاف ما صححه في المبسوط، ومشى عليه المصنف
تبعاً للزيلعي والفتح والنهاية. وفي الفتح: إنه قول الأئمة الثلاثة فيرجع على ما جزم به
الحدادي صاحب الجوهرة ولا سيما بعد اتضاح الجواب بما قلناه. قوله: (وإن نقب ثم
ناوله آخر الخ) جواب الشرط قوله الآتي: ((لا يقطع)) وأفاد أنه لا يقطع المناول ولا
المتناول، لأن الأول لم يوجد منه الإخراج لاعتراض يد معتبرة على المال قبل

١٦٦
كتاب السرقة
من خارج) الدار (أو أدخل يده في بيت وأخذ) ويسمى اللص الظريف. ولو
وضعه في النقب ثم خرج وأخذه لم يقطع في الصحيح. شمني (أو طرّ) أي شق
(صرة خارجة من ن) .فس (الكم) فلو داخله قطع، وفي الحل بعكسه (أو سرق)
من مرعى أو (من قطار) بفتح القاف: الإبل على نسق واحد (بعيراً أو حملاً) عليه
(لا) يقطع، لأن السائق والقائد والراعي لم يقصدوا للحفظ
خروجه، والثاني لم يوجد منه هتك الحرز فلم تتم السرقة من كل واحد، وأطلقه فشمل
ما إذا أخرج الداخل يده وناول الخارج أو أدخل الخارج يده فتناول من يد الداخل وهو
ظاهر المذهب. بحر. قوله: (أو أدخل يده في بيت وأخذ) أي من غير دخول في
البيت، وقيد بالبيت احترازاً عن الصندوق ونحوه كما يأتي. قوله: (ويسمى اللص
الظريف) مأثور عن عليّ رضي الله عنه مع تفسيره بمن يدخل يده في نقب البيت كما في
الزيلعي. قوله: (لم يقطع في الصحيح) ذكره أيضاً في الفتح والبحر، ولينظر الفرق بين
هذه المسألة ومسألة ما لو ألقاه في الطريق ثم أخذه حيث لم يعتبر الكل فعلاً واحداً كما
اعتبر هناك، مع أنه في المسألتين لم يوجد اعتراض يد معتبرة على المال قبل خروج
السارق، ولعل الفرق أنه هناك تحقق إخراج المال خفية قبل خروجه، أما هنا فلا ثم، لما
خرج وأخذه من النقب لم يأخذه من حرز فصار كما إذا أدخل يده في بيت وأخذ.
تأمل. قوله: (أو طرصرة خارجة) الصرّة: هي الخرقة التي يشدّ فيها الدراهم؛ يقال
صررت الدراهم أصرها صرّاً: شددتها، والمراد الكم المشدودة التي فيها الدراهم. نهر.
فقوله من نفس الكم بيان لقوله: ((صرة)) ولذا زاد لفظ ((نفس)) لئلا يتوهم أنها من غيره.
وحاصل صور المسألة أربعة. قال في غرر الأحكام: اعلم أن الصرة إن جعلت نفس
الكم، فأما إن جعل الدراهم داخل الكم والرباط من خارج أو بالعكس. وعلى التقديرين،
فإما إن طرّ أو حل الرباط، فإن طرّ والرباط من خارج فلا قطع؛ وإن طرّ والرباط من داخل
بأن أدخل يده في الكم فقطع موضع الدراهم فأخذها من الكم قطع للأخذ من الحرز؛ وإن
حل الرباط وهو خارج قطع، لأنه حينئذ لا بد أن يدخل يده في الكم فيأخذ الدراهم؛ وإن
حل الرباط وهو داخل لا يقطع لأنه لما حل الرباط في الكم بقي الدراهم خارج الكم
وأخذها من خارج. وعند أبي يوسف والأئمة الثلاثة: يقطع في الوجوه كلها لأن الكم
حرز اهـ. وتمام تحقيقه في الفتح. قوله: (بفتح القاف) صوابه بكسرها كما في شرحه على
الملتقى والمنح وغيرها والطلبة والقاموس. ط. قوله: (أو حملاً عليه) أي على البعير، فلو
على الأرض فهي مسألة الجوالق الآتية. قوله: (لأن السائق الخ) تعليل على النشر
المشوش، فقوله: ((لأن السائق والقائد)) راجع لقوله: ((أو من قطار)) وقوله: ((والراعي))
راجع لقوله: ((من مرعى)) ط. قوله: (لم يقصدوا للحفظ) بل يقصد الراعي لمجرد الرعي

١٦٧
كتاب السرقة
(وإن كان معها حافظ أو شق الحمل فسرق منه أو سرق جوالقاً) بضم الجيم (فيه
صاع وربه يحفظه أو نائم عليه)
والسائق والقائد وكذا الراكب: يقصدون قطع المسافة ونقل الأمتعة.
وعند الأئمة الثلاثة كل من الراكب والسائق حافظ حرز، فيقطع في أخذ الجمل
والحمل والجوالق والشق ثم الأخذ، وأما القائد فحافظ للجمل الذي زمامه بيده فقط
عندنا. وعندهم إذا كان بحيث يراها إذا التفت إليها حافظ للكل محرزة عندهم بقوده.
فتح. وبه علم أن القائد ليس على إطلاقه عندنا لأنه حافظ ما زمامه بيده، ولم أر
التصريح به في غير هذه العبارة. تأمل. قوله: (وإن كان معها حافظ) أي مع ما ذكر من
بعير المرعى والقطار والحمل، وإطلاق محمد عدم القطع في مواشي المرعى محمول
على عدم الحافظ، ولو كان الحافظ هو الراعي اختلف المشايخ. ففي البقالي: لا
يقطع، وهو الذي في المنتقى عن أبي حنيفة، وأطلق خواهر زاده ثبوت القطع مع
الحافظ. ويمكن التوفيق بأن الراعي لم يقصد لحفظها من السراق، بخلاف غيره. فتح.
وفي المجتبى: وكثير من المشايخ أفتوا بما قاله البقالي. نهر. قوله: (وإن شق الحمل)
أي جوالقاً على الأرض أو على ظهر جمل. قهستاني. وإنما قطع لأن صاحب المال
اعتمد الجوالق فكان هاتكاً للحرز، بخلاف ما إذا أخذ الجوالق بما فيه، وكذا لو سرق
من الفسطاط فإنه يقطع، ولو سرق نفس الفسطاط لا يقطع. بحر. ويأتي بيانه. قوله:
(فسرق منه) أي أخرج منه بيده ما قيمته عشرة دراهم فصاعداً، فلو خرج الشيء بنفسه
ثم أخذه لا يقطع، لأن الإخراج من الحرز شرط. قهستاني. وفي حاشية نوح أفندي:
قيد بالأخذ من الحمل، لأنه إذا لم يأخذ منه بالذات بل أخذ من الأرض ما سقط منه
بسبب شقه لا يقطع لأنه لم يأخذ من الحرز اهـ. ومثله في اليعقوبية.
قلت: ويشكل عليه ما لو نقب فدخل وألقى شيئاً في الطريق ثم أخذه فإنه يقطع
كما مر، إلا أن يجاب بأن الإلقاء في الطريق هناك معتاد كما مر بخلافه هنا، فتأمل.
قوله: (أو سرق جوالقاً الخ) معناه إذا كان الجوالق في موضع ليس بحرز كالطريق
والمفازة والمسجد ونحوه حتى يكون محرزاً بصاحبه. فتح. قوله: (بضم الجيم) أي مع
فتح اللام وكسرها، وبكسر الجيم واللام: الوعاء المعروف وجمعه كصحائف وجواليق
وجوالقات. قاموس ونحوه في الصحاح. وفيهما أن القاف والجيم لا يجتمعان في كلمة
إلا معربة أو صوتاً. قوله: (وربه يحفظه) أي يحفظ المسروق من الحيوان والحمل
والمتاع مالكه أو غيره. قهستاني: أي فلا يلزم أن يكون الحافظ رب الجمل أو
الحمل. ابن كمال. وأفاد أن هذه الجملة الحالية قيد في مسألة القطار أيضاً، وهو ما
أفاده الشارح أولاً بقوله: ((وإن كان معها حافظ)) وهذا بخلاف مسألة الشق فقد قال السيد

١٦٨
كتاب السرقة
أو بقربه (أو أدخل يده في صندوق غيره أو) في (جيبه أو كمه فأخذ المال قطع)
في الكل. والأصل أن الحرز إن أمكن دخوله فهتكه بدخوله، وإلا فبإدخال اليد
فيه والأخذ منه.
فروع: (سرق فسطاطاً منصوباً) لم يقطع ولو ملفوفاً، أو في فسطاط آخر
قطع. فتح.
أخرج من حرز شاة لا تبلغ نصاباً فتبعها أخرى لم يقطع.
سرق مالاً من حرز فدخل آخر وحمل السارق بما معه قطع المحمول فقط.
سراج.
(قال أنا سارق هذا الثوب قطع إن أضاف) لكونه إقرار بالسرقة (وإن نوّنه)
أبو السعود: إنه يجب فيها القطع مطلقاً، فإن الجوالق غير محرز، فاعتبر الحافظ وما فيه
محرز به، ففي شقه وأخذ ما فيه يقطع وإن لم يكن معه حافظ للأخذ من الحرز، وفي
أخذه بجملته لا يقطع إلا أن يكون معه من يحفظه، وكأنهم إنما تركوا التنبيه على ذلك
لوضوحه اهـ ملخصاً قوله: (أو بقربه) أي بحيث يراه كما مر. قوله: (أو أدخل يده) وكذا
لو أدخل شيئاً آخر يعلق بالمتاع. قهستاني. قوله: (في صندوق) بالضم وقد يفتح، جمعه
صناديق كعصفور وعصافير. قاموس. وفي المصباح أن الفتح عامي. قوله: (أو في
جيبه) جيب القميص ونحوه بالفتح: طوقه قاموس، وكذا قال في المصباح: جيب
القميص بالفتح ما على النحر، والجمع أجياب وجيوب، والمراد بالجيب هنا ما يشق
بجانب الثوب لتحفظ فيه الدراهم، وهل إطلاق الجيب عليه عربيّ أو عرفي. حموي.
وفي حاشية أبي السعود أن الأخذ من العمامة أو الحزام كالأخذ من الجيب. قوله: (أو
كمه) أي بأن وضع شيئاً في داخل الكم من غير ربط، وإلا فهي مسألة الطر. تأمل.
قوله: (فهتكه) الهتك: الخرق والشق. قوله: (فسطاطً) هو الخيمة قوله (لم يقطع) لأنه
ليس محرزاً، بل ما فيه محرز به. فلذا قطع فيما فيه دونه، فتح. ونظيره ما لو سرق
الجوالق كما مر. قوله: (ولو ملفوفاً) أي ولو كان ملفوفاً عنده يحفظه. فتح. قوله:
(قطع) أي إذا أخذه من حرز هو مكان أو حافظ. قوله: (فتبعها أخرى) أي خرجت من
الحرز بنفسها من غير سوقه ولا إخراجه. قوله: (قطع المحمول فقط) لأنه لا عبرة
للحامل؛ ألا ترى أن من حلف أن لا يحمل طبقاً فحمل حامل الطبق لم يحنث. جوهرة.
قلت: ولذا لو جلس على المصلى طائر عليه نجاسة لا تفسد صلاته، ومثله صبي
يستمسك بنفسه، بخلاف من لا يستمسك لأن المصلى يصير حاملاً للصبي والنجاسة.
قوله: (لكونه إقراراً بالسرقة الخ) المسألة منقولة في الفتح وغيره معللة بأن الإضافة على
الحال والنصب على الاستقبال، وما هنا علل به في شرح الوهبانية عن التجنيس.

١٦٩
كتاب السرقة
ونصب الثوب (لا) يقطع، لكونه عدة لا إقرار. درر.
وتوضيحه: إذا قيل هذا قاتل زيد، معناه أنه قتله، وإذا قيل هذا قاتل زيداً
معناه أنه يقتله، والمضارع يحتمل الحال والاستقبال، فلا يقطع بالشك.
قلت: في شرح الوهبانية: ينبغي الفرق بين العالم والجاهل، لأن العوام لا
يفرقون، إلا أن يقال: يجعل شبهة لدرء الحد، وفيه بعد.
(للإمام قتل السارق سياسة) لسعيه في الأرض بالفساد. درر، وهذا إن
عاد، وأما قتله ابتداء فليس من السياسة في شيء. نهر.
قلت: وتحقيق المقام: أن اسم الفاعل لا ينصب المفعول إلا إذا كان بمعنى الحال
أو الاستقبال، فلو بمعنى الماضي مثل أنا ضارب زيد أمس وجبت إضافته وتسمى إضافة
محضة والعامل تجوز إضافته، وتسمى غير محضة لأنها على نية العمل والقطع عن الإضافة
كما قرر في محله. وبه ظهر أن اسم الفاعل حال الإضافة يحتمل أن يكون بمعنى الماضي
أو الحال أو الاستقبال: لا، لكن لما كان الأصل فيما كان بمعنى الحال أو الاستقبال هو
العمل، فالأصل في المضاف أن يكون بمعنى الماضي، فيكون إقراراً بأنه سرق الثوب في
الماضي، ويلزم منه أن يكون متصفاً بسرقته أيضاً في الحال فيقطع. أما إذا نصب الثوب
لزم أن يكون الوصف بمعنى الحال أو الاستقبال، فإن حمل على الحال لزم القطع، وإن
حمل على الاستقبال لم يلزم، فلا يقطع بالشك وتعين حمله على الاستقبال، فيكون عدة بأنه
سوف يسرق هذا الثوب لا إقراراً بأنه هو سارقه في الحال: أي هذه السرقة المدعى بها،
فافهم. ووقع في شرح الوهبانية هنا كلام غير محرّر، فتدبر. قوله: (قلت في شرح
الوهبانية الخ) وعبارته قلت: والقطع المذكور بإصراره وعدم رجوعه، أما لو رجع قبل
رجوعه كما تقدم، وينبغي أن لا يجري في هذا الإطلاق، لأن العوامّ لا يفرقون بين العالم
والجاهل، اللهم إلا أن يقال: يجعل هذا شبهة في درء الحد، وفيه بعد، والله أعلم اهـ.
أقول: معناه أنه ينبغي أن يكون التفصيل السابق في حق العالم، أما الجاهل فلا
يفرق بين كونه بمعنى الماضي أو الحال، وإنما يقصد الإقرار فيقطع مطلقاً، إلا أن
يجعل الإعراب شبهة دارئة في حقه فلا يقطع إذا نون، وفيه بعد، لأن التنوين دليل عدم
إرادة الإقرار، هذا ما ظهر لي، فتأمله. قوله: (وهذا إن عاد) ظاهره ولو في المرة
الثانية، لكن قيد بعضهم بما إذا سرق بعد القطع مرتين.
وفي حاشية السيد أبي السعود: رأيت بخط الحموي عن السراجية ما نصه: إذا
سرق ثالثاً ورابعاً للإمام أن يقتله سياسة لسعيه في الأرض بالفساد اهـ. قال الحموي:
فما يقع من حكام زماننا من قتله أول مرة زاعمين أن ذلك سياسة جور وظلم وجهل،

١٧٠
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
قلت: وقدمنا عنه معزياً للبحر في باب الوطء الموجب للحد أن التقييد
بالإمام يفهم أنه ليس للقاضي الحكم بالسياسة، فليحفظ.
بَابُ كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ وَإِنْبَاتِهِ
(تقطع يمين السارق من زنده) هو مفصل الرسغ (وتحسم) وجوباً، عند
الشافعي ندباً. فتح (إلا في حرّ وبرد شديدين) فلا تقطع، لأن الحدّ زاجر لا
متلف، ويحبس ليتوسط الأمر (وتمن زيته ومؤنته) كأجرة حداد وكلفة حسم (على
والسياسة الشرعية عبارة عن شرع مغلظ اهـ. قوله: (قلت وقدمنا الخ) فيه كلام قدمناه
هناك وفي هذا الباب عند تعزير المتهم، والله سبحانه أعلم.
بَابُ كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ وإثباتِهِ
لما كان القطع حكم السرقة ذكره عقبها لأن حكم الشيء يعقبه. بحر. قوله:
(تقطع يمين السارق) أي ولو كانت شلاء أو مقطوعة الأصابع أو الإبهام، وإن كانت
اليمنى مقطوعة قبل ذلك قطعت رجله اليسرى فإن كانت رجله اليسرى مقطوعة قبل
ذلك: لم يقطع، ويضمن السرقة ويحبس حتى يتوب. جوهرة. قوله: (من زنده) بفتح
الزاي وسكون النون. قوله: (هو مفصل رسغ) الإضافة بيانية. قال في النهر: من
مفصل الزند وهو الرسغ: قال الجوهري: الزند موصل طرف الذراع، وهما زندان الكوع
والكرسوع، فالكوع طرف الزند الذي يلي الإبهام. والكرسوع: طرف الزند الذي يلي
الخنصر اهـح. قوله: (وتحسم) بالحاء المهملة: أي تكوی بزيت مغلي ونحوه. نهر.
ومثله في المغرب. وقال مسكين: الحسم الكي بحديدة محماة لئلا يسيل دمه. قوله:
(وجوباً) أي كما يفيده قول الهداية، لأنه لو لم يحسم يؤدي إلى التلف. فتح. وقد
صرح به القهستاني. قوله: (إلا في حر وبرد شديدين) وإلا في حال مرض. مفتاح،
وقيده في البناية بالمرض الشديد. أفاده ط عن الحموى قوله (فلا يقطع) إنما ذكره لیفید
أن الاستثناء من قوله: ((تقطع)) لا من قوله: ((تحسم)) وإن قرب ذكره. ط. قوله:
(ليتوسط الأمر) أي أمر الحرّ والبرد. قوله: (ومؤنته) أي مؤنة القطع: أي ما ينفق فيه،
وبينها بقوله: ((كأجرة حداد)) أي من يباشر الحد وهو القطع هنا، وقوله: ((وكلفة حسم))
يشمل ثمن الزيت، وكذا ثمن حطب وأجرة إناء يغلي فيه الزيت.
تنبيه: يسن عند الشافعي وأحمد تعليق يده في عنقه، لأنَّهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
أَمَرَ بهِ (١). وعندنا ذلك مطلق للإمام إن رآه، ولم يثبت عنه و ﴿﴿ في كل من قطعه ليكون
(١) أخرجه أحمد ٦/ ١٩٠ وأبو داود ٤/ ٥٦٧ (٤٤١١) والترمذي ٤/ ٥١ (١٤٤٧) والنسائي ٩٢/٨ وابن ماجه
٢/ ٨٦٣(٢٥٨٧).

١٧١
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
السارق) عندنا لتسببه، بخلاف أجرة المحضر للخصوم في بيت المال، وقيل
على المتمرد. شرح وهبانية.
قلت: وفي قضاء الخانية: هو الصحيح، لكن في قضاء البزازية: وقيل
على المدعي وهو الأصح كالسارق (ورجله اليسرى من الكعب إن عاد، فإن
عاد) ثالثاً (لا، وحبس) وعزّر أيضاً بالضرب (حتى يتوب) أي تظهر أمارات
التوبة. شرح وهبانية. وما روي يقطع ثالثاً ورابعاً إن صح حمل على السياسة أو
نسخ (كمن سرق وإيهامه اليسرى مقطوعة أو شلاء أو أصبعان منها سواها) سوى
سنة. فتح. قوله: (كالسارق) محل هذه الكلمة عقب قوله: ((على المتمرد)). قال في
شرح الوهبانية: قيل أجرة المشخص: أي المحضر للخصوم في بيت المال، وقيل:
على المتمرد كالسارق إذا قطعت يده، فأجرة الحداد والدهن الذي تحسم به العروق
على السارق لأنه المتسبب اهـح. قوله: (من الكعب) أي لا من نصف القدم من معقد
الشراك خلافاً للروافض. قوله: (إن عاد) أي بعد ما قطعت يمينه، وإلا بأن سرق مرات
قبل القطع تقطع يمينه للكل لأنه يكتفي بحدّ واحد لجنايات اتحد جنسها كما تقدم بيانه
قبيل باب التعزير. قوله: (حتى يتوب الخ) أي أو يموت فتح. وفي القهستاني: ومدة
التوبة مفوضة إلى رأي الإمام، وقيل ممتدة إلى أن يظهر سيما الصالحين في وجهه،
وقيل يحبس سنة، وقيل إلى أن يموت، كما في الكفاية اهـ. قوله: (ثالثاً ورابعاً) أي اليد
اليسرى ثم الرجل اليمنى. قوله: (إن صح حمل على السياسة أو نسخ) أشار إلى ما قاله
الإمام الطحاوي: تتبعنا هذه الآثار فلم نجد لشيء منها أصلاً. قال في الفتح: وفي
المبسوط الحديث غير صحيح. ولئن سلم يحمل على الانتساخ، لأنه كان في الابتداء
تغليظ في الحدود كقطع أيدي العرنيين وأرجلهم وسمر أعينهم. ثم قال في الفتح بعد
نقله: بل مذهبنا عن عليّ وابن عباس وعمر أن هذا قد ثبت ثبوتاً لا مردّ له، وبعيد أن
يقطع ﴿ أربعة السارق ثم يقتله ولا يعلمه مثل عليّ وابن عباس وعمر من الصحابة
الملازمين، ولو غابوا لا بد من علمهم عادة فامتناع عليّ رضي الله تعالى عنه إما لضعف
ما مر أو لعلمه بأن ذلك ليس حداً مستمراً، بل من رأى الإمام قتله لما شاهد فيه من
السعي بالفساد في الأرض وبعد الطباع عن الرجوع، فله قتله سياسة، فيفعل ذلك القتل
المعنوي اهـ: أي أن قطع أربعته قتل معنى، فإذا رأى أن له قتله سياسة فله قتله معنى،
وهذا يشير إلى ما قدمناه من أن له قتله سياسة في الثالثة. تأمل. قوله: (كمن سرق
الخ) أي كما لا يقطع بل يحبس حتى يتوب من سرق الخ، لأن القطع حينئذ تفويت
جنس المنفعة بطشاً، وذلك إهلاك، وفوت الأصبعين منها يقوم مقام فوت الإبهام في
نقصان البطن، بخلاف فوت واحدة غير الإبهام؛ لم قيد باليسرى؟ لأن اليمنى لو كانت

١٧٢
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
الإبهام (أو رجله اليمنى مقطوعة أو شلاء) لم يقطع لأنه إهلاك، بل يحبس
ليتوب.
(ولا يضمن قاطع) اليد (اليسرى) ولو عمداً في الصحيح. نهر (إذا أمر
بخلافه) لأنه أتلف وأخلف من جنسه ما هو خير منه؛
شلاء أو ناقصة الأصابع قطع في ظاهر الرواية، لأن استيفاء الناقص عند تعذر الكامل
جائز. نهر. قوله: (أو رجله اليمنى مقطوعة) قيد بقطعها لأن المقطوع لو كان هو
الأصابع منها: فإن استطاع المشي قطعت يده، وإلا لا كما في البحر عن السراج؛ وقيد
باليمنى لأنه لو كانت رجله اليسرى مقطوعة قطع. قال في كافي الحاكم: وإن كانت
رجله اليسرى شلاء قطعت يده اليمنى اهـ. فلو يده اليمنى أيضاً مقطوعة لم يقطع كما
قدمناه أول الباب. قوله: (لم يقطع) أي لم يقطع يده اليمنى في جميع ما ذكر كما نص
عليه في غاية البيان، خلافاً لما يوهمه كلام العيني والنهر، حيث قالا: لا تقطع رجله
اليسرى اهـ. وأجاب ابن الشلبي بأنه محمول على ما إذا سرق ثانياً، والحال أن رجله
اليمنى مقطوعة فإنه حينئذ لا تقطع رجله اليسرى. قال: وهذا الحمل صحيح، لكنه
بعيد مخالف لما يقتضيه سياق الكلام. قوله: (لأنه إهلاك) أي بتفويت جنس منفعة
البطش أو المشي، لأنه إذا لم يكن له يد ورجل من طرف واحد لم يقدر على المشي
أصلاً، بخلاف ما إذا كان من طرفين فإنه حينئذ يضع العصا تحت إبطه. ابن كمال.
قوله: (ولا يضمن) غير أنه يؤدب. نهر: أي إن كان عمداً. بحر من الفتح. قوله: (ولو
عمداً) هذا عند الإمام. وقالا: إنه يضمن في العمد أرش اليسار. وقال زفر: يضمن
مطلقاً: أي في العمد والخطإ، والمراد بالخطإ هو الخطأ في الاجتهاد من القاطع في أن
قطعها يجزى نظراً إلى إطلاق النص. أما الخطأ في معرفة اليمين من اليسار فلا يجعل
عفواً لأنه بعيد يتهم به مدعيه: وقيل يجعل عفواً. قال في المصفى: هو الصحيح،
والقياس ما قاله زفر. نهر. قوله: (في الصحيح) ظاهره أنه تصحيح لقول الإمام في
شموله العمد والخطأ، وهذا لم يذكره في النهر، وإنما الذي فيه تصحيح القول بجعل
الخطإ عفواً على التفسير الثاني من تفسيري الخطإ كما سمعت من عبارة النهر؛ نعم
ظاهر الرواية وغيرها اعتماد قول الإمام وهو ظاهر إطلاق المتون، فافهم. قوله: (إذا أمر
بخلافه) أي بأن أمره الحاكم بقطع اليمين فقطع اليسرى، أما لو أطلق وقال أقطع يده
ولم يعين اليمنى فلا ضمان على القاطع اتفاقاً لعدم المخالفة، إذ اليد تطلق عليهما؛
وكذا لو أخرج السارق يده فقال هذا يميني لأنه قطعه بأمره. بحر.
تنبيه: لم يبين المصنف أن هذا القطع وقع حدّاً أم لا؛ قيل نعم فلا ضمان على
السارق لو استهلك العين، وقيل لا فيضمن في العمد والخطإ كما في البحر والنهر.
قوله: (لأنه أتلف وأخلف الخ) أي فلا يعد إتلافاً، كمن شهد على غيره يبيع ماله بمثل

١٧٣
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
وكذا لو قطعه غير الحداد في الأصح.
(ولو قطعه أحد قبل الأمر والقضاء وجب القصاص في العمد والدية في
الخطإ، وسقط القطع عن السارق) سواء قطع يمينه أو يساره (وقضاء القاضي
بالقطع كالأمر) على الصحيح (فلا ضمان) كافي.
وفي السراج: سرق فلم يؤاخذ بها حتى قطعت يمينه قصاصاً قطعت رجله
اليسرى (وطلب المسروق منه) المال لا القطع على الظاهر. بحر (شرط القطع
قيمته ثم رجع. هداية. إنما قلنا إنه أخلف لأن اليمنى كانت على شرف الزوال فكانت
كالفائتة فأخلفها إلى خلف استمرارها. بخلاف ما لو قطع رجله اليمنى: أي حيث
يضمن، لأنه وإن امتنع به قطع يده لكن لم يعوّضه من جنس ما أتلف عليه من المنفعة،
لأن منفعة البطش ليست من جنس منفعة المشي، وأما إن قطع رجله اليسرى فلأنه لم
يعوّض عليه شيئاً. فتح. قوله: (وكذا لو قطعه غير الحداد) أي بعد أمر القاضي
الحداد، أما إذا صدر ذلك قبل الأمر أصلاً فهو ما ذكره بعد. ط.
والحاصل أن القاضي إذا أمر الحداد بقطعه فقطع اليسرى الحداد أو غيره لا
يضمن. قوله: (في الأصح) قال في الفتح: احتراز عما ذكر الإسبيجابي، في شرحه
لمختصر الطحاوي حيث قال: هذا كله إذا قطع الحداد بأمر السلطان. ولو قطع يساره
غيره، ففي العمد القصاص، وفي الخطإ الدية. قوله: (ولو قطعه أحد الخ) قال في
شرح الطحاوي: من وجب عليه القطع في السرقة فلم يقطع حتى قطع قاطع يمينه،
فهذا لا يخلو إما أن يكون قبل الخصومة أو بعدها، قبل القضاء أو بعده؛ فإن كان قبل
الخصومة فعلى قاطعه القصاص في العمد، والأرش في الخطإ، وتقطع رجله اليسرى
في السرقة، وإن كان بعد الخصومة قبل القضاء، فكذلك الجواب، إلا أنه لا تقطع
رجله في السرقة لأنه لما خوصم كان الواجب في اليمنى وقد فاتت فسقط، وإن كان
بعد القضاء فلا ضمان على القاطع وكان قطعه من السرقة حتى لا يجب الضمان على
السارق فيما استهلك من مال السرقة أو سرق في يده اهــ ط عن حاشية الشلبي على
الزيلعي. قال: فقول المصنف: ((وسقط القطع الخ)) تبع فيه شيخه في بحره وقد علمت
ما فيه، إلا أن يحمل على ما إذا كان القطع بعد الخصومة. قوله: (قصاصاً) احترز به
عن القطع للسرقة فإنه لا يقطع ثانياً لاتحاد الجنس ط: أي فيقع هذا القطع عن السرقتين
السابقتين بخلاف ما إذا سرق بعد القطع كما مر. قوله: (قطعت رجله اليسرى) لأنها
المحل وقت القطع اهـ. ح. قوله: (لا القطع على الظاهر) قال في البحر: وأشار
الشمني إلى أنه لا بد من الطلبين، لكن في ((الكشف الكبير)) أن وجوب القطع حق الله
تعالى على الخلوص ولذا لا يملك المسروق منه الخصومة بدعوى الحدّ وإثباته ولا

١٧٤
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
مطلقاً) في إقرار وشهادة على المذهب، لأن الخصومة شرط لظهور السرقة (وكذا
حضوره) أي المسروق منه (عند الأداء) للشهادة (و) عند (القطع) لاحتمال أن يقرّ
له بالملك فيسقط القطع لا حضور الشهود على الصحيح. شرح المنظومة. وأقره
المصنف.
قلت: لكنه مخالف لما قدمه متناً وشرحاً فليحرر، وقد حرره في الشرنبلالية
بما یفید ترجيح الأول، تأمل.
ثم فرّع على قوله وطلب المسروق إلى آخره فقال (فلو أقرّ أنه سرق مال
الغائب توقف القطع على حضوره ومخاصمته، و) كذا (لو قال سرقت هذه الدراهم
ولا أدري لمن هي أو لا أخبرك من صاحبها لا قطع) لأنه يلزم من جهالته عدم.
طلبه (و) كل (من له يد صحيحة ملك الخصومة) ثم فرع عليه بقوله (كمودع
وغاصب) ومرتهن ومتولّ وأب ووصي وقابض على سوم الشراء (وصاحب ربا)
يملك العفو بعد الوجوب ولا يورث عنه اهـ. فقد صرح بأنه لا يملك طلب القطع إلا
أن يقال إنه لا يملكه مجرداً عن طلب المال. والظاهر أن الشرط إنما هو طلب المال
وتشترط حضرته عند القطع لا طلبه القطع إذ هو حقه تعالى فلا يتوقف على طلب
العبد اهـ. وفي النهر: والظاهر ما جرى عليه الشارح الزيلعي وغيره من الاكتفاء بدعوى
المال. قوله: (على المذهب) وروى عن أبي يوسف أنه في الإقرار لا تشترط المطالبة.
كما في الفتح. قوله: (لأن الخصومة الخ) أفاد أن حد السرقة لا يثبت بدعوى الحسبة.
تأمل. قوله: (قلت لكنه مخالف لما قدمه) أي في الباب السابق في قوله: ((وشرط للقطع
حضور شاهديها وقته)). قوله: (بما يفيد ترجيح الأول) أي ما تقدم من اشتراط
الحضور، وفيه نظر، بل مفاده ترجيح ما هنا، فإن الذي حرره هو ما نقله عن كافي
الحاكم من أن ما هنا هو قول الإمام الأخير فيكون الأول مرجوعاً عنه، ولذا صح ما هنا
في شرح المنظومة الوهبانية كما حررناه فيما تقدم، فافهم. قوله: (وكل من له يد
صحيحة ملك الخصومة) شمل المالك والأمين والضامن كالغاصب، فإنه يجب عليه
حفظ المغصوب كالأمين فيملك الخصومة، لأنه لا يقدر على إسقاط الضمان عن نفسه
إلا بذلك، كما أفاده في الفتح، وشمل ما إذا كان المالك حاضراً أو غائباً كما في النهر
عن السراج. قوله: (ثم فرّع عليه) الأولى ((ثم مثل له» ط. قوله: (متولّ) أي متولي
الوقف كما في الزيلعي والفتح، وعبر في البحر بمتولي المسجد، وهذا يرد ما بحثه في
البحر في الباب السابق من أنه لا قطع بسرقة مال الوقف، وقدمنا الكلام فيه هناك.
قوله: (وقابض على سوم الشراء) لأنه إن سمى الثمن كان مضموماً عليه، وإلا كان أمانة

١٧٥
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
بأن باع درهماً بدرهمين وقبضهما فسرقا منه لأن الشراء فاسداً بمنزلة المغصوب،
بخلاف معطي الربا لأنه بالتسليم لم يبق له ملك ولا يد. شمني. ولا قطع بسرقة
اللقطة. خانية .
بمنزلة المودع، وعلى كل فيده صحيحة ومثل من ذكر كما في الفتح وغيره: المستعير
والمستأجر والمضارب والمستبضع. قوله: (بأن باع درهماً بدرهمين) الأحسن قول
النهر: باع عشرة بعشرين وقبضها فسرقت اهـ. لتحقق النصاب الموجب للقطع اهـ. ح.
قوله: (لأن الشراء فاسداً) أي الذي منه الربا بمنزلة المغصوب في أن كلَّا منهما مضمون
على ذي اليد بالقيمة. قوله: (بخلاف معطي الربا) مخالف لقوله: ((ويقطع بطلب المالك
لو سرق منهم)). قوله: (لأنه بالتسليم لم يبق له ملك ولا يد) فيه نظر، لما في الأشباه
من أن الربا لا يملك فيجب عليه رد عينه ما دام قائماً، حتى لو أبرأه صاحبه لا يبرأ منه
لأن رد عينه القائمة حق الشرع اهـ. وبه علم أن صاحب الربا في عبارة المصنف وهو
الذي قبضه لم يملكه بل بقي على ملك المعطي، فصار المعطي مالكاً والقابض ذا يد
فتصح مطالبة كل منهما بمنزلة المغصوب، كما هو صريح عبارة المصنف الآتية تبعاً
للكنز، ولصاحب النهر هنا كلام غير محرر فراجعه وتدبر. قوله: (ولا قطع بسرقة اللقطة)
هذا لم يصرح به في الخانية، وإنما يفهم منها كما بحثه في البحر.
وعبارة الخانية: رجل التقط لقطة فضاعت منه فوجدها في يد غيره فلا خصومة
بينه وبين ذلك الرجل، بخلاف الوديعة، فإن في الوديعة يكون للمودع أن يأخذها من
الثاني، لأن لقطة الثاني كالأول في ولاية أخذ اللقطة، وليس الثاني كالأول في إثبات
اليد على الوديعة اهـ. قال في البحر: فينبغي أن لا يقطع بطلب الملتقط كما لا
يخفى اهـ. وتبعه أخوه في النهر، وكذا المقدسي.
واعترضه السيد أبو السعود بأن نفي الخصومة بين الملتقط الأول والثاني لا يدل
على أنه لا خصومة بين الملتقط والسارق منه. اهـ.
قلت: أي لأن الملتقط يده يد أمانة حتى لا يتمكن أحد من أخذها منه، ولو
دفعها لآخر له أن يستردها منه؛ ولو ذكر أحد علامتها ولم يصدقه الملتقط أنها له لا يجبر
على دفعها إليه، فلو لم تكن له يد صحيحة لم يكن له شيء من ذلك؛ وهذا يدل على
أن له مخاصمة السارق منه، بخلاف ما إذا ضاعت منه فالتقطها غيره، فإن يد الأول زالت
بإثبات يد مثل يده عليها، لأن الثاني له ولاية أخذها فليس للأول بعد زوال يده مخاصمة
الثاني. وأما الوديعة إذا ضاعت من المودع فإن له مخاصمة ملتقطها، إذ ليس له إثبات يد
عليها كالمودع، ولعل وجه الفرق بين المودع والملتقط الأول، مع أن كلّ منهما يده يد
أمانة: إن يد المودع أقوى لأنها بإذن المالك فكانت يده يد المالك، بخلاف يد

١٧٦
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
(ومن لا) يد له صحيحة (فلا) يملك الخصومة، كسارق سرق منه بعد
القطع لم يقطع بخصومة أحد ولو مالكاً، لأن يده غير صحيحة كما يأتي آنفاً.
(ويقطع بطلب المالك) أيضاً (لو سرق منهم) أي من الثلاثة، وكذا بطلب
الراهن مع غيبة المرتهن على الظاهر لأنه هو المالك (لا بطلب المالك) للعين
المسروقة (أو) بطلب (السارق لو سرق من سارق بعد القطع) لسقوط عصمته.
(بخلاف ما إذا سرق) الثاني من السارق الأول (قبل القطع) أو بعد ما درىء
الملتقط، والله تعالى أعلم. قوله: (سرق منه) بالبناء للمجهول والجملة صفة السارق،
وقوله: ((بعد القطع)) أي قطع السارق الأول، وقوله: ((لم يقطع)) أي السارق الثاني،
وقوله: ((لأن يده)) أي يد السارق الأول. قوله: (كما يأتي آنفاً) أي قريباً وهو بكسر
النون، ويجوز في أوله المد والقصر، وقرىء بهما كما في القاموس. قوله: (ويقطع
بطلب المالك) شمل ما إذا حضر المسروق منه أو لم يحضر. وعن محمد أنه لا بد من
حضوره، وظاهر الرواية الأول كما في النهر والزيلعي. قوله: (أي من الثلاثة) هم
المودع والغاصب وصاحب الربا. زيلعي وغيره. ولا يخفى أن المراد بالمالك في مسألة
الربا هو المعطي لأنه باق على ملكه، فهذا صريح في أنه يقطع السارق بطلبه خلافاً لما
قدمه عن الشمني، ومثل الثلاثة غيرهم ممن مر، كما في الفتح وغيره. قوله: (وكذا
بطلب الراهن) أي إذا كانت العين قائمة وقد قضى الدين، أما إذا لم يقضه أو استهلك
السارق العين فلا قطع بخصومته، لأنه قبل الإيفاء لا حق له في المطالبة بالعين،
وبالاستهلاك صار المرتهن مستوفياً لدينه. قال الزيلعي: وينبغي أن يقطع بخصومته فيما
إذا زادت قيمة الراهن على دينه بما يبلغ نصاباً، لأن له المطالبة بما زاد كالوديعة،
وارتضاه في الفتح، وهو المذكور في غاية البيان نهر: أي أن له مطالبة السارق بعد
الهلاك بما زاد، كما عبر به الزيلعي، فليس المراد أن له مطالبة المرتهن، إذ ليس له
ذلك. قوله: (لا بطلب المالك الخ) أي لا يقطع السارق الثاني بطلب الخ. قوله: (لو
سرق) قيد لطلب المالك ولطلب السارق. قوله: (بعد القطع) أي قطع الأول. قوله:
(لسقوط عصمته) أي المال لأنه لا ضمان على السارق بعد ما قطعت يمينه كما يذكره
المصنف. قال في الفتح: وقال مالك والشافعي في قول: يقطع بخصومة المالك، لأنه
سرق نصاباً من حرز لا شبهة فيه.
ولنا أن المال لما لم يجب على السارق ضمانه كان ساقط التقوّم في حقه، وكذا
في حق المالك لعدم وجوب الضمان له، فيد السارق الأول ليست يد ضمان ولا أمانة
ولا ملك، فكان المسروق مالاً غير معصوم، فلا قطع فيه اهـ. قوله: (أو بعد ما درىء
بشبهه) کدعواه أنه ملكه ونحو ذلك كما يأتي.

١٧٧
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
بشبهة (فإن له ولربّ المال القطع) لأن سقوط التقوّم ضرورة القطع ولم توجد
فصار كالغاصب، ثم بعد القطع: هل للأول استرداده؟ روايتان، واختار الكمال
رده للمالك.
(سرق شيئاً ورده قبل الخصومة) عند القاضي (إلى مالكه) ولو حكماً
کأصوله ولو في غير عياله
واعترض بأن هذا يغني عن قوله: ((قبل القطع)) وفيه أن المتبادر من قوله: ((قبل
القطع)) كون القطع لازماً له، وهذا ساقط عنه بشبهة؛ نعم يعلم حكم الساقط بالأولى،
لكنه تابع الهداية لزيادة الإيضاح، فافهم. قوله: (فإن له) أي للسارق الأول. قوله:
(لأن سقوط التقوم ضرورة القطع الخ) كذا في الهداية، وهو برفع ضرورة على أنه خبر
((أن)) أو بنصبه على أنه مفعول لأجله، والخبر محذوف: أي ثابت لضرورة القطع: أي
أنه أمر ضروري للقطع: أي أنه يلزم من وجوب القطع سقوط التقوم لا ينفك عن القطع
ولا يوجد بدونه، لأن عدم سقوطه ينافي وجوب القطع كما يأتي بيانه، هذا ما ظهر
لي. وفي هذا التعليل إشارة إلى الرد على ما قاله الكرخي والطحاوي من إطلاق عدم
القطع، سواء قطع الأول أو لا، كما قدمناه أول كتاب السرقة.
قلت: ومفهوم هذا التعليل أن المراد بقوله: ((قبل القطع)) ما إذا لم يقطع الأول
أصلاً، ويدل عليه ما يأتي من أنه لا فرق في عدم الضمان بين هلاك العين واستهلاكها
قبل القطع أو بعده، فإذا لم تكن مضمونة بالاستهلاك قبل القطع: يعني ثم قطع تحقق
سقوط التقوم. فعلم أن التقوّم لا يسقط إلا إذا لم يوجد قطع أصلاً. تأمل. قوله:
(فصار كالغاصب) أي في أن له يداً صحيحة هي يد الضمان. قوله: (ثم بعد القطع
الخ) أي قطع السارق الأول، والأولى ذكر هذا قبل قوله: ((بخلاف ما إذا سرق الخ)).
قوله: (روايتان) إحداهما له استرداد المسروق من السارق الثاني لحاجته إلى الرد
الواجب عليه، والأخرى لا، لأن يده ليست يد ضمان ولا أمانة ولا ملك. فتح. قوله:
(واختار الكمال الخ) أي اختار أن القاضي يرده من يد الثاني إلى المالك إن كان
حاضراً، وإلا حفظه له كما يحفظ أموال الغيّب، ولا يرده إلى الأول ولا يبقيه مع الثاني
لظهور خيانة كل منهما. قوله: (ورده قبل الخصومة) أي الدعوى والشهادة المترتبة
عليها أو الإقرار، وقيد بالرد قبل الخصومة لأنه لو رده بعدها سواء قضى بالقطع أو لا
فإنه يقطع. نهر. قوله: (ولو حكماً كأصوله ولو في غير عياله) أي كوالده وجده ووالدته
وجدته، لأن لهؤلاء شبهة الملك فيثبت به شبهة الرد، بخلاف ما إذا رده إلى عيال
أصوله؛ لأنه شبهة الشبهة، وهي غير معتبرة، ومن الرد الحكمي الرد إلى فروعه وكل

١٧٨
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
(أو ملكه) أي المسروق (بعد القضاء) بالقطع ولو بهبة مع قبض (أو ادعى أنه
ملكه) وإن لم يبرهن للشبهة (أو نقصت قيمته من النصاب) بنقصان السعر في بلد
الخصومة (لم يقطع) في المسائل الأربع.
(أقرّا بسرقة نصاب ثم ادعى أحدهما شبهة) مسقطة للقطع (لم يقطعا) قيد
ذي رحم محرم منه إن كانوا في عياله، والرد إلى مكاتبه وعبده. بحر، وكذا إلى زوجته
وأجيره مشاهرة، وهو الذي يسمى غلامه أو مسانهة. فتح. وتمامه فيه. قوله: (أو ملكه
بعد القضاء بالقطع) لأن الإمضاء من القضاء في الحدود أي فالملك الحادث في هذه
الحالة كالملك الحادث قبل القضاء، لأن القاضي لما لم يمض صار كأنه لم يقض،
فلا يستوفي القطع كما قبل القضاء، وهذا لأن القاضي لا يخرج عن عهدة القضاء في
باب الحدود بمجرد قوله: ((قضيت)) بل بالاستيفاء جلداً أو رجماً أو قطعاً، فلا جرم كان
الإمضاء من القضاء، بخلاف حقوق العباد فإنه تمة بمجرد قوله: ((قضيت)) يخرج عن
عهدة القضاء، وإن السارق لو قطع بعد الملك قطع في ملك نفسه اهـ. ط عن الشلبي.
قوله: (ولو بهية مع قبض) هكذا وقع التقييد بالقبض في الهداية.
ولقائل أن يقول: لا يشترط القبض لأن الهبة تقطع الخصومة، لأنه ما كان يهب
ليخاصم فليتأمل. شرنبلالية.
قلت: وهو بحث مخالف للمنقول من أنه غير معقول فهو غير مقبول، وذلك أن
الخصومة قد وجدت، لأن الكلام فيما بعد القضاء بالقطع، لكنهم عدوا ملك المسروق
بعد القضاء شبهة، والهبة بدون قبض لا تفيد الملك فلم توجد الشبهة، ولم يقل أحد
باشتراط خصومة أخرى بعد القضاء بالقطع، بل طلبه القطع غير شرط على لظاهر كما
مر؛ نعم يشترط حضوره عنده القطع كما تقدم، فافهم. قوله: (أو ادعى أنه ملكه) أي
بعد ما ثبتت السرقة عليه بالبينة أو بالإقرار. بحر. قوله: (للشبهة) هي احتمال صدقه.
ولذا صح رجوعه بعد الإقرار. قوله: (أو نقصت قيمته) أي بعد القضاء، لأن كمال
النصاب لما كان شرطاً يشترط قيامه عند الإمضاء لما ذكرنا. قوله: (بنقصان السعر) أي
لا بنقصان العين، لأن العين لو نقصت فإنه يقطع لأنه مضمون عليه فكمل النصاب عيناً
وديناً، كما إذا استهلكه كله، أما نقصان السعر فغير مضمون فافترقا. بحر. والمراد
بنقصان العين فوات بعضها أو حدوث عيب فيها، كما قدمناه أول كتاب السرقة. قوله:
(في بلد الخصومة) أي وإن كان في البلد التي سرق فيها لم ينقص لما قدمه أول السرقة
من أن المعتبر القيمة وقت السرقة ووقت القطع ومكانه. قوله: (أقرا بسرقة نصاب) أي
أقرّ اثنان أنهما سرقا نصاباً: أي جنسه، إذ لا بد أن يصيب كلّ منهما نصاب كما قدمه
المصنف. قوله: (لم يقطعا) أي المدعي والآخر لأنها سرقة واحدة فلا تكون موجبة

١٧٩
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
بإقرارهما، لأنه لو أقرّ أنه سرق وفلان فأنكر فلان قطع المقر كقوله قتلت أنا
: وفلان.
(ولو سرقا وغاب أحدهما وشهد) أي شهد اثنان (على سرقتهما قطع
الحاضر) لأن شبهة الشبهة لا تعتبر.
(ولو أقر عبد) مكلف (بسرقة قطع وتردّ السرقة إلى المسروق منه) لو قائمة
(كما لو قامت عليه بينة بذلك) لكن (بشرط حضرة مولاه عند إقامتها) خلافاً
للثاني، لا عند إقراره يحد اتفاقاً.
(ولا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه) هذا لفظ الحديث، درر
وغيرها، ورواه الكمال ((بعد قطع يمينه)) (وتردّ العين لو قائمة) وإن باعها أو وهبها
للقطع وغير موجبة. قوله: (قطع المقر) أي وحده، لأن إقراره على غيره لم يصح
بتكذيبه فلم توجد الشركة في السرقة. قوله: (لأن شبهة الشبهة لا تعتبر) قال الزيلعي:
وكان أبو حنيفة أولاً يقول لا يجب عليه القطع لأن الغائب ربما يدعي الشبهة عند
حضوره، ثم رجع وقال: يقطع لأن سرقة الحاضر تثبت بالحجة فلا يعتبر الموهوم،
لأنه لو حضر وادعى كان شبهة واحتمال الدعوى شبهة الشبهة فلا تعتبر اهـ. ح. قوله:
(ولو أقر عبد مكلف الخ) أما لو كان صغيراً لم يقطع، ويردّ المال لو قائماً وكان
مأذوناً، وإن هالكاً يضمن، وإن كان محجوراً وصدقه المولى بردّ المال إلى المسروق
منه لو قائماً، ولو مالكاً فلا ضمان ولا بعد العتق. بحر. قوله: (قطع) لأن إقرار العبد
على نفسه وبالحدود والقصاص صحيح من حيث إنه آدمي لأنه لا تهمة فيه، وإذا صح
بالقطع صح بالمال بناء عليه، ولا فرق بين كون العبد مأذوناً أو لا، صدقه المولى أو
لا، وتمامه في البحر. قوله: (لو قائمة) فلو مستهلكة فلا ضمان ويقطع اتفاقاً. بحر.
قوله: (كما لو قامت عليه بينة بذلك) أي فإنه يقطع بالطريق الأولى ويردّ المال إلى
المسروق منه. بحر. قوله: (ولا غرم على السارق) التعبير بالغرم يفيد أن المسروق غير
باق فلو قائماً يؤمر بالرد؛ فقول المصنف بعد ((ويرد العين)) تصريح بمفهوم قوله: (ولا
غرم» ط. قوله: (وغيرها) كالهداية. قوله: (ورواه الكمال بعد قطع يمينه) عزاه إلى
الدارقطني، لكن عزاه العلامة نوح إلى الدارقطني أيضاً بلفظ المتن، والمعنى واحد فإن
(ما)) مصدرية، وأعلّ الحديث بالإرسال وبجهالة بعض رواته، وجوابه مبسوط في الفتح
وحاشية نوح على الدرر، واستدلوا بعد الحديث بالمعقول أيضاً. قال في الفتح: ولأن
وجوب الضمان ينافي القطع لأنه يتملكه بأداء الضمان مستنداً إلى وقت الأخذ؛ فتبين
أنه أخذ ملكه فلا يقطع في ملكه لكن القطع ثابت قطعاً، فما يؤدي إلى انتفائه وهو

١٨٠
كتاب السرقة/ باب كيفية القطع وإثباته
لبقائها على ملك مالكها (ولا فرق) في عدم الضمان (بين هلاك العين واستهلاكها
في الظاهر) من الرواية، لكنه يفتي بأداء قيمتها ديانة، وسواء كان الاستهلاك (قبل
القطع أو بعده) مجتبى. وفيه: لو استهلكه المشتري منه أو الموهوب له فللمالك
تضمينه
الضمان فهو المنتفي. قوله: (لبقائها على ملك مالكها) ولذا قال في الإيضاح: قال أبو
حنيفة: لا يحل للسارق الانتفاع بها بوجه من الوجوه، وكذا لو خاطها قميصاً لا يحل له
الانتفاع به لأنه ملكه بوجه محظور، وقد تعذر إيجاب القضاء به فلا يحل الانتفاع، كمن
دخل دار الحرب بأمان وأخذ شيئاً من أموالهم لم يلزمه الردّ قضاء ويلزمه ديانة،
وكالباغي إذا أتلف مال العادل ثم تاب. فتح. قوله: (في الظاهر من الرواية) وفي رواية
الحسن: لا يظهر سقوط العصمة في حق الاستهلاك. قوله: (لكنه يفتى الخ) قال في
الفتح: وفي المبسوط: روى هشام عن محمد أنه إنما يسقط الضمان عن السارق قضاء
لتعذر الحكم بالمماثلة، فأما ديانة فيفتى بالضمان للحقوق والخسران والنقصان للمالك
من جهة السارق. قوله: (قبل القطع) يعني ثم قطع، لأن انتفاء الضمان إنما هو بسبب
القطع كما علمت، وقدم الشارح أيضاً أن سقوط التقوم ضرورة القطع. قوله: (أو بعده)
لكن يفرق بينهما بما في الكافي لو كان قبل القطع، فإن قال المالك أنا أضمنه لم يقطع
عندنا، وإن قال أنا أختار القطع يقطع ولا يضمن اهـ. قال في البحر: لأنه في الأولى
تضمن رجوعه عن دعوى السرقة إلى دعوى المال. قوله: (فللمالك تضمينه) أي
تضمين المشتري أو الموهوب له ثم يرجع المشتري على السارق بالثمن لا بالقيمة.
تاترخانية عن المحيط. وفيها عن شرح الطحاوي: لو قطع ثم استهلكه غيره كان
للمسروق منه أن يضمنه قيمته اهـ. ومثله في النهر عن السراج. وظاهره أن غير
المشتري والموهوب له مثلهما، لكن ذكر في التاترخانية أيضاً: لو أودعه عند غيره
فهلك الأصل فيه أن كل موضع لو ضمنه المالك له أن يرجع على السارق فليس له أن:
يضمنه، وفي كل موضع لو ضمنه لا يرجع على السارق فله أن يضمنه، والذي يرجع.
عليه المودع والمستأجر والمرتهن اهـ.
قلت: ووجهه ظاهر، لأن ما يثبت فيه الرجوع على السارق يلزم منه أن يكون
مضموناً على السارق بعد القطع مع أنه غير مضمون عليه، بخلاف ما لا رجوع فيه
عليه، لكن هذا التفصيل ظاهر في الهلاك، ولذا فرض المسألة فيما لو أودعه فهلك،
بخلاف الاستهلاك فإن المستهلك متعدّ فلا رجوع له على السارق أصلاً بلا فرق بين
كونه مشترياً أو مودعاً أو مستأجراً؛ نعم للمشتري الرجوع بالثمن على السارق لأنه لما
استهلكه وضمن قيمته ملكه من وقت الاستهلاك فيرجع على السارق بما دفعه إليه من