Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم بخمر عند الإمام خلافاً لهما، وبقولهما أخذ أبو حفص الكبير. خانية. ولو خلط بالماء(١): فإن كان مغلوباً حد، وإن كان الماء غالباً لا يحد إلا إذا سكر. نهر. مَطْلَبٌ فِي نَجَاَسةِ العَرَقِ وَوُوبِ الحَدِّ بِشُرْبهِ وفي أشربة القهستاني: من قال إنها لم تبق خمراً بالطبخ لم يحد شاربها إلا إذا سكر، وعلى هذا ينبغي أن لا يجد شارب العرق ما لم يسكر. ومن قال إنها بقيت خمراً فالحكم عنده بالعكس، وإليه ذهب الإمام السرخسي، وعليه الفتوى، كما في تتمة الفتاوياهـ. = العقول ذكر النبي ◌َير هذه القواعد العامة التي تساير العالم في مختلف عصوره إلى يوم الدين ليندرج تحتها ما يمكن أن يحدث وتتخذ منه أشربة تغطي العقول، فقال: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام))، وقال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام))، وقال: ((ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام)) إلى آخر ما قال. والخلاصة أن هذه المشروبات الروحية المعروفة اليوم وما يماثلها كلها حرام قليلها وكثيرها. (١) لبيان حكم الخليط عند الفقهاء نقول: اتفق الفقهاء على أن النبيذ إذا غلى واشتد قذف بالزبد أو لم يقذف يحرم شربه منفرداً كان أو مخلوطاً واختلفوا في حكم الخليط إذا لم يصل النبيذ إلى حد الإسكار فذهب الجمهور إلى كراهة الخلط وشرب الخليط الذي لم يصل إلى حد الإسكار سواء أنبذا معاً أم نبذا منفردين، وأضيف نقيع أحدهما إلى نقيع الآخر عند الشرب إذا كان الخليطان مما يبغي أحدهما على الآخر في الانتباذ، وخص الإمام الليث الكراهة في الشرب بما إذا نبذا معاً، أمّا إذا نبذا منفردين ثم مزجا عند الشرب فلا يكره. وذهب الإمامان أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية إلى عدم كراهة الخليط وأنه لا بأس به. وذهب ابن حزم إلى تحريم نبذ التمر أو الرطب أو الزهو أو البسر أو الزبيب مع نوع منها أو مع نوع من غيرها، أو خلط نبيذ أحد الأصناف بنبيذ صنف منها أو بنبيذ صنف من غيرها أو بمائع غيرها حاشا الماء. وذهب بعض المالكية، إلى تحريم كل خليط وإن كان بغير طريق الانتباذ قال الحافظ: حكاه ابن العربي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وقال إنه حمل النهي عن الخليطين من الأشربة على عمومه، واستغربه. وقد استدل الجمهور ((بسنة وأثر ومعقول)). أما السنة فمنها ما يأتي : ((الأول)): ما روي عن أبي قتادة أن النبي ◌َّير قال: ((لا تنبذوا الزهو والرطب جميعاً، ولا تنبذوا الزبيب والرطب جميعاً، ولكن انبذوا كل واحد منهما على حدته «متفق عليه لكن للبخاري ذكر التمر بدل الرطب، وفي لفظ أن نبي الله نهى عن خليط التمر والبسر وعن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط الزهو والرطب وقال: «انتبذوا كل واحد على حدته)). (الثاني): ما روي عن أبي سعيد أن النبي وَلغيره((نهى عن التمر والزبيب أن يخلط بينهما، وعن التمر والبسر أن يخلط بينهما . يعني في الانتباذ - رواه أحمد ومسلم والترمذي. وفي لفظ: نهانا أن نخلط بسراً بتمر أو زبيباً بتمراً أو زبيباً ببسر، وقال: من شرب منكم فليشربه زبيباً فرداً، وتمراً فرداً، وبسراً فرداً» رواه مسلم والنسائي. (الثالث)): ما روي عن المختار بن فلفل عن أنس قال: نهى رسول الله وهو أن نجمع بين شيئين فينبذا يبغي أحدهما على صاحبه قال: وسألته عن الفضيخ فنهاني عنه، قال: كان يكره المذنب من البسر مخافة أن يكون شيئين فكنا نقطعه (رواه النسائي)). = ٦٢ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = ((الرابع)): ما روي عن بريدة قال: قال رسول الله ور: ((كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكراً) رواه أحمد ومسلم. وجه الدلالة: أن النبي * نهى عن الخلط إن كان الخليطان مما يبغي أحدهما على الآخر في الانتباذ عن شرب الخليط، وأمر بالانتباذ منفرداً والشرب منفرداً، والنهي حقيقة التحريم، والأمر حقيقة الوجوب، فكان مقتضى ذلك أن يحرم الخلط وشرب الخليط إلا إن ما ورد عنه # من الإذن في الشرب من الشراب ما دامٍ لم يسكر ونهيه عن المسكر فحسب صارف لنا عن العمل بظاهر أحاديث النهي عن الخليطين خلطاً وشرباً جمعاً بين النصوص، وكان مقتضى الإذن في شرب غير المسكر أن يكون مباحاً مطلقاً منفرداً كان أو مخلوطاً إلا أنا كرهناه في الخليط لأحاديث النهي عن الخليطين جمعاً بين النصوص. وقد تأيد هذا بالإجماع على عدم حرمة غير المسكر. وأمّا وجهة الإمام الليث في التفرقة فهي أن اشتداد أحدهما بالآخر وقوته به لا تظهر إلا إذا جمع بينهما في الانتباذ. قال الإمام النووي في شرح مسلم: هذه الأحاديث في النهي عن انتباذ الخليطين وشربهما وهما تمر وزبيب أو تمر ورطب أو تمر ويسر أو رطب ويسر أو زهو وواحد من هذه المذكورات ونحو ذلك، قال أصحابنا وغيرهم: سبب الكراهة فيه أن الإنكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس مسكراً ويكون مسكراً، ومذهبنا ومذهب الجماهير أن هذا النهي لكراهة التنزيه، ولا يحرم ذلك ما لم يصر مسكراً، وبهذا قال جماهير العلماء، وقال بعض المالكية: هو حرام. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية: لا کراھة فیہ، ولا بأس به انتھی. وأما الأثر فمنه ما رواه مسلم عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: قد نهى أن ينبذ البسر والرطب جميعاً. والتمر والزبيب جميعاً. وجه الدلالة: أن ابن عمر رضي الله عنه أخبر أنه قد نهى عن نبذ شيئين، والنهي حقيقة التحريم إلا أنه صرف عن حقيقته بما صرفت به الأحاديث السابقة: وأما المعقول فقالوا: هذا شراب لم تحدث فيه شدة مطربة فلا يحرم كما إذا كان منفرداً. واستدل الإمامان بالسنة والأثر والمعقول. أما السنة فمنها ما يأتي: ((الأول)): ما رواه ابن ماجه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ((كنا ننبذ لرسول الله وَير في سقاء فنأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة، فيشربه عشية، وننبذه غشية فيشربه غدوة). ((الثاني)): ما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي بحر عبد الرحمن بن عثمان البكراوي عن عتاب بن عبد العزيز الحماني قال: حدثتني صفية بنت عطية قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة فسألناها عن التمر والزبيب فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي تصار. وجه الدلالة: أن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخبرت بأنها كانت تنبذ لرسول الله عليه السلام شيئين في الإناء وأنه كان يشرب نقيعهما فدل ذلك على الإباحة إذ لو كان محظوراً لما فعل في بيته، ولو فعل لما شربه فشربه له دليل إباحته، لأنه لا يشرب الحرام، وأما النهي عن الخلط فقد كان أولاً حينما كان المسلمون في ضيق من العيش. وأما الأثر فمنه ما يأتي: ((الأول)): ما رواه محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن ابن زياد قال: ((سقاني ابن عمر شربة ما كذْتٍ أهتدي إلى منزلي فغدوت إليه من الغد فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب». وجه الدلالة: أن ابن عمر كانت منزلته في الزهد والورع والفقه بين الصحابة لا تجهل وقد قدم لزائره الخليط الذي أثر عليه فدل ذلك على إباحة الخليط إذ لو كان حراماً لما قدمه له. = ٦٣ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = ((الثاني)): ما أخرجه ابن عدي في الكامل عن عمر بن رديح قال: حدثنا عطاء بن أبي ميمون عن أم سليم وأبي طلحة أنهما كانا يشربان نبيذ الزبيب والبسر يخلطانه، فقيل له: يا أبا طلحة إن رسول الله # نهى عن هذا قال: إنما نهى عنه العوز في ذلك الزمان كما نهى عن الإقران. وجه الدلالة: أن أم سليم وأبا طلحة رضي الله عنهما كانا يشربان الخليط فدل ذلك على إباحته؛ إذ لو كان حراماً لما شرباه وما خفي عليهما، وقد روجع أبو طلحة في فعله المخالف لنهي النبي عن الخليط فأجاب أن النهي عن الخليط إنما كان في زمن القحط والجدب وضيق العيش. وأما المعقول فقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن الخليط في الزمن الأول لشدة الفقر وضيق العيش كما نهى عن الجمع بين التمرتين لذلك، وحيث انتفت العلة وهي الضيق انتفى الحكم. واستدل ابن حزم بالسنة والأثر. أمّا السنة فما رواه الشيخان وأحمد عن أبي قتادة أن النبي و # قال: ((لا تنبذوا الزهو والرطب جميعاً، ولا تنبذوا الزبيب والرطب جميعاً، ولكن انبذوا كل واحد منهما على حدته)) لكن البخاري ذكر التمر بدل الرطب، وفي لفظ أن نبي الله 93 نهى عن خليط التمر والبسر وعن خليط الزبيب والتمر وعن خليط الزهر والرطب، وقال: ((انتبذوا كل واحد على حدته)) رواه مسلم وأبو داود. وجه الدلالة: أن النبي 18 جمع في هذا الحديث الأشياء التي نهى عن الجمع بينها في الانتباذ وهي خمسة، ونهى عن الجمع بين كل اثنين منها وبين واحد منها مع واحد من غيرها لصدق أنه خليط من أحد الخمسة، فأخذنا به وحقيقية النهي التحريم، ولم يوجد له صارف، وأما ما عدا ذلك فهو مباح على الأصل. وأما الأثر فمنه ما يأتي: ((الأول)): ما رواه ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ((لو كان في إحدى يدي نبيذ تمر، وفي الأخرى نبيذ زبيب فشربت كل واحد منهما وحده لم أر به بأساً، ولو خلطته لم أشربه)). ((الثاني): ما رواه أيضاً عن جابر بن زيد أبي الشعثاء أنه سئل عن البسر والتمر يجمعان في النبيذ فقال: ((لأن تأخذ الماء فتغليه في بطنك خير من أن تجمعهما في بطنك». وجه الدلالة: أن عمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد رضي الله عنهما رأيا أن الخليط لا يشرب وإن كان نقيع كل منفرداً مباحاً، وقد صرح جابر بأن غليان الماء في البطن خير من وصول الخليط إليها، فدل ذلك على الحرمة . واستدل بعض المالكية بالسنة، وهي ما روي عن أبي قتادة أن النبي و ليز قال: ((لا تنبذوا الزهو والرطب جميعاً، ولا تنبذوا الزبيب والرطب جميعاً، ولكن انبذوا كل واحد منهما على حدته)) متفق عليه. وجه الدلالة: أن النبي( نهى عن خلط شيئين في الانتباذ، وأمر بالانتباذ منفرداً، فأشعرنا ذلك بأن علة النهي إنما هي مجرد الخلط، فكلما تحقق الخلط وهو العلة تحقق الحكم وهو الحرمة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً. ورد على الجمهور في السنة أنه إن صح هدف النهي عن حقيقته إلى الكراهة في شرب الخليط فلم يصح في صرفه عن نفس الخلط شيء فيكون حراماً. وأجاب الجمهور بأن المقصود بالنهي إنما هو الشرب؛ لأنه باب الفساد والخلط وسيلة إلى اشتداد الشراب قبل أوانه، فإذا صح صرف النهي عن حقيقته في المقصود كان صرفه عنها في الوسيلة أولى، وورد على الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه في تفصيله بين الانتباذ معاً وبين نبذهما منفردين وخلطهما عند الشرب، فيكون الشرب في الأول مكروهاً، وفي الثاني مباحاً أنّ ذلك مخالف لنص الحديث: ((من شربه منكم فليشربه زبيباً فرداً أو تمراً فرداً، فإن لم تكن المخالفة للتحريم فلا أقل من أن تكون للكراهة. وورد على الجمهور في المعقول أنه في مقابلة النص فكان باطلاً ((انتبذوا كل واحد على حدته)). ((ومن شرب النبيذ منكم فليشربه زبيباً فرداً أو تمراً فرداً). ٦٤ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = وورد على الإمامين في السنة أنها لا تدل على الإباحة، أما ما رواه ابن ماجه عن عائشة وإن بعض رواته فيه جهالة، وهي تُبالة بنت يزيد الراوية له عن عائشة رضي الله عنها. وأما ما رواه أبو داود ففيه أولاً، أبو بحر وهو ضعيف، قال المنذري: لا يحتج بحديثه، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي - وفيه ثانياً عتّاب بن عبد العزيز الحماني، وهو مجهول عن صفية بنت عطية، وهي لا تعرف. وإذا كانت السنة بهذه المنزلة فلا تقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عن الخلط وشرب الخليط وإثبات الإباحة. وأجيب عن بعض هذه الطعون بأن ابن عدي قال: أبو بحر مشهور، وله أحاديث غرائب عن شعبة وغيره؛؛ وهو ممن يكتب حديثه، وذكره ابن شاهين وابن حبان في الثقات، وقال البخاري: لم يستبن لي طرحه، وعتّاب بن عبد العزيز روى عنه يزيد بن هارون وأحمد بن سعيد الدارمي وآخرون، وذكره ابن حبان في الثقات. ١ وورد على هذه السنن مع هذا التصحيح أن الطريقين لم يزالا باقيين على ضعفهما لما فيهما من جهالة الراوية عن عائشة فلم يقويا على إثبات الإباحة ومعارضة السنن الصحيحة الصريحة في النهي عن شرب الخليط وعن الخلط. وورد عليهما في الأثر أن أثر ابن عمر لا يدل على الإباحة إذ قد صح عنه الرجوع عن هذا، روى نافع عن ابن عمر أنه أمر بزبيب وتمر أن ينبذا له ثم تركه بعد ذلك، قال نافع: فلا أدري ألشيء بلغه أم لشيء ذكره، فصح أنه ذكر النهي بعد أن نسيه أو بلغه بعد أن لم يكن بلغه. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أنه قال: ((ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعاً). وأن أثر أم سليم وأبي طلحة لا يدل أيضاً، لأنه معلّ بعمر بن رديح ضعفه أبو حاتم، وعلى فرض صحتةٍ فإنه يدل على بقاء النهي واستمراره إلى يوم الدين؛ لأن العالم كان ولا يزال فيه الغني والفقير، وكذلك كان الصحابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام منهم الغني ومنهم الفقير، قالت عائشة رضي الله عنها؛ وكان الهدى مع رسول الله وذوي اليسار)) والخبر المشهور: ((ذهب أصحاب الدثور بالأجور))، وكان فيهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما من الأبرياء، وفينا نحن وإلى يوم القيامة الفقراء أضعاف الأغنياء، فالعلة باقية ولا بد فالحكم باق كذلك. ولو صحت هذه الآثار لما قويت على معارضة السنن الصحيحة الصريحة في النهي عن الخلط وشرب المخلوط. وورد عليهم في المعقول أنه لا يدل على الإباحة؛ كان فيهم المحتاجون في عهد الرسول عليه السلام وأصحابه لا يزال فيهم إلى اليوم وإلى يوم القيامة الفقراء المحتاجون، فالعلة باقية فيكون الحكم باقياً. وورد على ابن حزم: ((أن حديث أبي قتادة لا يفيد إباحة الخليط من الأشياء الأخرى الخارجة عن الخمسة إن نبذ بعضها مع بعض، وهي مما يبغي أحدها على صاحبه في الانتباذ مما دلت الأدلة على النهي عنه. روى الإمام أحمد عن المختار بن فلفل عن أنس قال نهى رسول الله # أن نجمع بين شيئين فينبذا مما يبغي أحدهما على صاحبه)) فقد دل الحديث على عموم النهي عن كل شيئين في الانتباذ إن كانا مما يبغي أحدهما على صاحبه؛ وهو صادق بالخمسة ويغيرها من كل مادة يمكن أن تبغي على الأخرى في الانتباذ، فمقتضى العمل بالنصوص أن نحكم بحرمة كل شيئين في الانتباذ إن كانا مما يبغي أحدهما على الآخر لا أن نعمل بحديث أبي قتادة فحسب جمعاً بين النصوص. وأما النهي فقد صرف عن حقيقته بما قدمنا للجمهور. على أننا لو سلمنا لابن حزم العمل بحديث أبي قتادة، ولم يرد له معارض لما تم مذهبه؛ لأن الذي في حديث أبي قتادة خلط أحد الخمسة بأحدها فمن أين أخذ حرمة خلط أحد الخمسة مع واحد من غيرها في الانتباذ؟ ومن أين أخذ أيضاً حرمة خلط نقيع واحد منها مع نقيع واحد من غيرها أو مع سائل آخر غير الماء، مع أن مذهبه يحرم ذلك كله؟. وورد عليه في الأثر أنه لا يدل على الحرمة بل غايته أن يدل على الكراهة مع جواز أن يكون رأياً لهما = ٦٥ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم قلت: علم بهذا أن المعتمد المفتى به أن العرق لم يخرج بالطبخ والتصعيد عن كونه خمراً فيحد بشرب قطرة منه وإن لم يسكر. وأما إذا سكر منه فلا شبهة في وجوب الحد به، وقد صرح في ((منية المصلي)) بنجاسته أيضاً فلا يغرنك ما أشاعه في زماننا بعض الفسقة المولعين بشربه من أنه طاهر حلال، كأنه قاله قياساً على ما قالوه في ماء الطابق: أي الغطاء من زجاج ونحوه فإنه قياس فاسد، لأن ذاك فيما لو أحرقت نجاسة في بيت فأصاب ماء الطابق ثوب إنسان تنجس قياساً لا استحساناً، ومثله حمام فيها نجاسات فعرق حيطانها وكواتها وتقاطر، فإن الاستحسان فيها عدم النجاسة للضرورة لعدم إمكان التحرّز عنه. والقياس النجاسة لانعقاده من عين النجاسة. ولا شك أن العرق المستقطر من الخمر هو عين الخمر تتصاعد مع الدخان وتقطر من الطابق بحيث لا يبقى منها إلا أجزاؤها الترابية، ولذا يفعل القليل منه في الإسكار أضعاف ما يفعله كثير الخمر، بخلاف المتصاعد من أرض الحمام ونحوه فإنه ماء أصله طاهر خالط نجاسة، مع احتمال أن المتصاعد نفس الماء الطاهر. ويمكن أن يكون هذا وجه الاستحسان في طهارته، وعلى كل فلا ضرورة إلى استعمال العرق الصاعد من نفس الخمر النجسة العين(١) ولا يطهر بذلك، وإلا لزم طهارة البول. ونحوه إذا استقطر في إناء ولا يقول به = لم يستندا فيه إلى توقيف. بقرينة ما تقدم من أدلة الجمهور التي صرف بها النهي عن حقيقته إلى الكراهة، ولعلهما لم يطلعا عليها. وورد على بعض المالكية: أن جعل علة النهي الخلط المجرد باطل لاقتضائه حرمة خلط نحو اللبن مع العسل وغيرهما مما اتفق على إباحته كما يقتضي منع خلط الدواء الذي تعين للتداوي. هذا ومع مخالفته لقول رسول الله# فيما رواه المختار بن فلفل عن أنس قال: ((نهى رسول الله ﴾ أن نجمع بين شيئين فينبذا مما يبغي أحدهما على صاحبه) فقول رسول الله ير: (مما يبغي أحدهما على صاحبه)) كالصريح في كون العلة هي بغي أحدهما على الآخر في الانتباذ لا مجرد الخلط، وإن لم يكن بطريق الانتباذ، أو كان بطريقة ولم يكن مع بغي أحدهما على صاحبه والذي عليه. الجمهور هو الأظهر من كراهة الخلط وشرب الخليط إن كانت المواد المنتبذة مما يبغي بعضها على بعض في الانتباذ فيسرع إليه التغير قبل أوانه فیتلف علی صاحبه من حیث لا يشعر. وهذا ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة الواردة في النهي عن الخلط وشرب الخليط، ومن الأحاديث الصحيحة التي أذنت في كل شراب ما لم يصل إلى حد الإسكار سواء أكان منفرداً أم خليطاً كقولهم# فيما رواه بريدة: ((اشربوا ولا تشربوا مسكراً). وأما جعل علة النهي ضيق العيش في الزمن الأول فلا يقتضي الإباحة، لأن كل زمان فيه الموسرون والفقراء، فالعلة باقية فيكون النهي باقياً، فإن لم يكن للتحريم فهو للكراهة، كما أن جعل علة النهي الخلط المجرد فاسد لما تقدم، وكذلك التمسك بحديث أبي قتادة وحده وترك ما سواه؛ لأنه أخذ ببعض الأدلة دون بعضها مع صحتها من غير مقتض، لذلك كان الحق ما ذهب إليه الجمهور والله أعلم. القول المأثور في أحكام الخمور لحسين حسان، نيل الأوطار ١٥٤/٨، الهداية ١٦١/٨، المحلى ٥١٠/٧. (١) اختلف فقهاء الإسلام في حكم نجاسة الخمر أو طهارتها: = ٦٦ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = فذهب الجمهور إلى نجاسة الخمر المتخذة من نيء عصير العنب المسكر، وذهب آخرون إلى طهازتها ذكر منهم النووي في المجموع وشرح مسلم ربيعة شيخ مالك، والليث بن سعد، وداود، ونسبة الإسنوي في حاشية عميرة والقرطبي إلى المزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين. استدل الجمهور بالكتاب، والسنة، والأثر، والمعقول، والإجماع. أمّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه» الآية. وجه الدلالة: أن الله تعالى سمى الخمر وما عطف عليها رجساً، والرجس النجس، وأمر باجتنابها مطلقاً، والقول بطهارتها ينافي الأمر المطلق باجتنابها. قال القرطبي: ((فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحکم بنجاستها». وقال ابن حجر الهيتمي: ((الخمر المتخذة من عصير العنب نجسة؛ لأن الله تعالى سمّاها رجساً، والرجس شرعا النجس، ولا يلزم منه نجاسة ما بعدها في الآية؛ لأن الرجس إما مجاز فيه والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز، وعلى امتناعه، وهو ما عليه الأكثرون هو من عموم المجاز أو حقيقة في غير الخمر؛ لأنه يطلق أيضاً على مطلق المستقذر، واستعمال المشترك في معانيه جائز استغناء بالقرينة كما في الآية)). وأمّا السّنة فمنها ما يأتي: ((الأول)): ما رواه مسلم وأحمد مسلم وأحمد والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال: كان لرسول الله صديق من ثقيف أو دوس لقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من خمر يهديها إليه فقال: يا فلان ((أما علمت أن الله حرمها))؟ فأقبل الرجل على غلامه، فقال: اذهب فبعها، فقال الرسول : #: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها، فامربها فأفرغت في البطحاء)). (الثاني): ما رواه الشيخان وأحمد عن أنس رضي الله عنه قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبيّ بن كعب من فضيخ زهو وتمر فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت فقال: أبو طلحة: ((قم يا أنس فأهرقها فأهرقتها)). وجه الدلالة: أن هؤلاء الصحابة أراقوا ما كان عندهم من الفضيخ حين علموا بتحريم الخمر، وعلم بذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، وأقرهم على الإراقة، بل أمرهم بها، فدل ذلك على نجاسة الخمر، إذ لو كانت طاهرة لنهاهم عن الإراقة لما فيها من تضييع المال المحرم إضاعته. وأما الأثر فما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: ((لا يحل خل من خمر قد أفسدت حتى يبدأ الله إفسادها، فعند ذلك تطهر ويطيب خلها)). وجه الدلالة: أن عمر بن الخطاب خطب الناس، وبين لهم أن خل الخمر لا يحل حتى يبدأ الله بإفسادها بدون تدخل لآدمي في الإفساد، وعند ذلك تحل وتطهر، وهذا شعر بأن الخمر قبل إفساد الله لها بالتخلل کانت نجسة. وأما المعقول فمن وجوه: ((الأول)): قالوا: إنها محرمة العين، فتكون نجسة كالخنزير. ((الثاني)): قالوا: إنها محرمة العين، فكانت نجسة كالبول. ((الثالث)): قالوا: إنها محرمة، فكانت نجسة كالدم. ((الرابع): قالوا: إنها نجسة تغليظاً وزجراً عنها قياساً على الكلب وما ولغ فيه وأما الإجماع فقال النووي في المجموع ((نقل الشيخ أبو حامد الإجماع على نجاستها))، وقال الخطيب في مغني المحتاج: ((استدل على نجاسة الخمر الشيخ أبو حامد بالإجماع، وحمل على إجماع الصحابة)) وقال الشيخ عميرة: قد استدل على نجاستها بالإجماع حكاه أبو حامد وابن عبد البر، قال الإسنوي؛ وكأنهما أرادا إجماع الطبقة المتأخرة من المجتهدين، وإلا فقد خالف في ذلك ربيعة شيخ مالك، والمزني. واستدل القائلون بالطهارة بالسنة والمعقول. ٦٧ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = أما السنة فما سبق للجمهور. وقالوا في توجيهها، ((قال القرطبي: واستدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولما أقرهم الرسول عليه السلام على ذلك، بل ولما أمرهم بذلك ولنهاهم عن الإراقة كما نهى عن التخلي في الطرق)). وأما المعقول فقالوا: لا تلازم بين حرمة التعاطي والنجاسة فمن المحرم ما هو طاهر إجماعاً كسمّ النبات، وكالأفيون والحشيش، فتكون الخمر مثلها في التحريم والطهارة. ورد على الجمهور في الآية أن الرجس لا يدل على النجاسة، لأنه عند أهل اللغة اسم لكل مستقذر، ولو كان طاهراً كالبصاق، والأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة، قال النووي: ((ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة على النجاسة؛ لأن الرجس عند أهل اللغة القذر، ولا يلزم منه النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة)). وأورد ابن قاسم على قول ابن حجر: إن الرجس في الآية: إن كان من قبيل عموم المجاز فهو مستعمل في القدر المشترك بين النجس وغيره مجازاً، فلا يدل على المطلوب إلا بقرينة نفهم أن المراد به بالنسبة للخمر هو النجس، وأي قرينة لذلك؟. وأجيب عن ذلك بأن القرينة عدم المانع من إرادة المعنى الحقيقي بالنسبة للخمر ووجوده بالنسبة لما عداها وهو الإجماع. وأورد عليه أيضاً أنه إن كان من قبيل استعمال المشترك في معنييه فلا بد من قرينة تدل على أحد المعنيين الراجع للخمر هو النجس، وأي قرينة لذلك؟. وأجيب عن ذلك بأن القرينة بالنسبة للخمر اشتهار الرجس في النجس، وبالنسبة لما عداها الإجماع. وورد عليهم في السنة أن الإراقة لا تدل على النجاسة؛ لأنهم إنما أراقوها لتحريمها لا لنجاستها، وقد كان العهد قريباً بتحريم الخمر فلم ينكر عليهم النبي ﴿ أمر الإراقة، بل أمرهم بها ليشتهر بها أمر التحريم كما اشتهر بنداء المنادي الذي أمره الرسول عليه السلام بالطواف في أرجاء المدينة؛ ليبلغ أهلها أمر التحريم، ولذلك لم يأمرهم النبي بإراقتها مطلقاً في أي مكان، بل أمرهم بإراقتها في الأماكن البارزة التي يكثر فيها المرور ليعلم أمر التحريم كل من مر بها، ويبلغه غيره. وورد عليهم في الأثر أنه ليس نصاً في إفادة الطهارة التي هي ضد النجاسة حتى يدل على نجاستها قبل إفساد الله لها بالتخلل؛ لأن الطهر في اللغة النقاء من الدنس والنجس، يقال: فلان طاهر الذيل أي بريء من العيب، والخمر إذا تخللت بنفسها فقد بعدت عن الذم والعيب من جهة أنها لا تفسد العقل والبدن، ومن جهة أنه لم يرتكب ذنب في طريق حلها، قال في المصباح: ((طهر الشيء من بابي قتل وقرب طهارة، والاسم الطهر، وهو النقاء من الدنس والنجس، وهو طاهر العرض أي بريء من العيب، وقد قيل للحالة المناقضة للحيض طهر)). ولو سلمنا أن الظاهر منه الطهارة التي هي ضد النجاسة فيدل على نجاستها قبل التخلل، لقلنا: إنه رأي له مما للاجتهاد فيه مجال. وورد عليهم في المعقول ما يأتي: أما قياسها على الخنزير، فإنا لا نسلم أن الحكم بالتحريم يستدعي الحكم بالنجاسة؛ لأن الخنزير إن كان حياً فنجاسته غير متفق عليها؛ لأن الإمام مالكاً رضي الله عنه يقول بطهارة كل حي وإن كان كلباً أو خنزيراً، وإن كان ميتاً فهو نجس بأدلة نجاسة الميتة من السنة، فلم يتم القياس حتى ينتج الحكم بالنجاسة، ومثل ذلك يرد على قياسها على الكلب وما ولغ فيه. وأما قياسها على البول فلا يتم أيضاً؛ لأن نجس العين ما كان شديد القذارة كالبول والغائط مما تعانيه النفس ويقشعر منه الجلد، والخمر ليست قذرة العين وإنما قذارتها من جهة أنها سبب للغضب والعذاب، فلم يكن الجامع بينهما القذارة الحسية. وأما قياسها على الدم فقد قال الإمام النووي: لا دلالة فيه على النجاسة لوجهين: (الأول)): أنه منتقض بالمخاط والبصاق وغيرهما مما حرم تناوله مع طهارته. ٦٨ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = (الثاني)): أن العلة في منع تناولهما مختلفة، فلا يصح القياس؛ لأن المنع من الدم لكونه مستخبثاً، والمنع من الخمر لكونها سبباً للعداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، كما صرحت الآية الكريمة . وورد عليهم في الإجماع أنه لم يصح؛ لأن ممن نقله الإمام الغزالي، وقد نقل عنه الإمام النووي في المجموع أنه قال بطهارة الخمر المحترمة، والتي استحالت خمراً في باطن حبات العنب، وقال النووي: ((إن أقرب ما يقال في نجاستها ما ذكره الغزالي أنه حكم بنجاستها تغليظاً وزجراً عنها قياساً على الكلب وما ولغ فيه، فلو كان الإمام الغزالي ممن نقل الإجماع على نجاستها لما كان له أن يخالفه ويقول بطهارة بعض. أنواعها، ولما كان له أن يستدل على نجاستها بقياس لم يسلم له الاتفاق على حكم أصله، وقد اضطرب نقل الإجماع فبعضهم ينقل أنه إجماع الصحابة، وبعضهم ينقل أنه إجماع الطبقة المستأخرة من المجتهدين؛ لأن ربيعة شيخ مالك والمزني وغيرهما خالفوا في نجاستها، وما كان هذا شأنه من الإجماع فلا ينهض على إثبات الحكم بالنجاسة مع الاختلاف فيه قديماً وحديثاً. وورد على القائلين بالطهارة في السنة: أن الإراقة والأمر بها لا يدل على الطهارة فقد تراق القاذورات النجسة في الطرقات إن لم يكن سبيل إلى الخلاص منها إلا بذلك، وهكذا كان شأن أهل المدينة لا مرافق في بيوتهم؛ لأنهم كانوا يتقذرون من اتخاذها وتكليفهم إخراجها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة مع ما فيه من تأخير ما وجب على الفور، وإنما نهى النبي * عن التخلي في الطرق؛ لأن المتخلي يعرض نفسه العن الناس له بسبب إيذائه لهم، وهكذا الأمر من بدء الخلق إلى اليوم يمر الشخص بطريق فيرى فيه عذرة سيّ فتنقبض نفسه ويقشعر جلده، وإذا مر بقذر آخر لا يجد من نفسه هذا التأثر والانقباض، فالأمر بالإراقة كان للمبالغة في التحريم حتى يقلع الناس عنها بعد أن أن تمكن حبها من نفوسهم، ولذا أمرهم النبي عليه السلام بإراقتها في الأماكن المطروقة ليشيع أمر تحريمها، فيعمل الناس بذلك. هذه أدلة الطرفين ومناقشتها . وأراها غير منتجة لمطلوب كل منهما إلا معقول القائلين بالطهارة، أما استدلال الجمهور بقول الله تعالى: ﴿رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ فهو غير ناهض على إثبات النجاسة؛ لأن الرجس في اللغة القذر، والغضب، والنتن، والمأثم، وكل مستقذر من العمل، والعمل المؤدي إلى العذاب والشك، قال في لسان العرب: قال الفراء في قول الله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾: (إنه العقاب والغضب)). وقال ابن الكلبي في قول الله تعالى: ﴿فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به﴾: ((الرجس: المأثم))، وقال مجاهد في قول الله تعالى: ﴿كذلك يجعل الله الرجس﴾ قال الرجس: ما لا خير فيه، قال أبو جعفر في قول الله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾: الرجس: الشك، وفي التنزيل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ قال الزجاج: الرجس في اللغة: اسم لكل مستقذر من عمل، فبالغ الله في ذم هذه الأشياء المذكورة، وسماها رجساً، ويقال: رجس الرجل بالضم رجساً بالفتح، ورجس بالكسر يرجس بالفتح إذا عمل عملاً قبيحاً، والرجس بالفتح شدة الصوت، فكأن الرجس العمل الذي يقبح ذكره ويرتفع بالقبح، وقال ابن الكلبي: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ أي مأثم من عمل الشيطان. وقال الراغب في المفردات: ((الرجس)) الشيء القذر يقال: رجل رجس، ورجال أرجاس، قال تعالى: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ والرجس يكون على أربعة أوجه: إما من حيث الطبع، وإما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع، وإما من كل ذلك كالميتة، فإنها تعاف طبعاً، وعقلاً، وشرعاً، والرجس من جهة الشرع الخمر والميسر، وقيل ذلك رجس من جهة العقل، وعلى ذلك نبه بقوله: ﴿وإنمهما أكبر من نفعهما)؛ لأن كل ما يوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي اجتنابه، وجعل الكافرين رجساً من حيث إن الشرك بالعقل أقبح الأشياء، قال تعالى: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم) وقوله تعالى: ﴿ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) قيل: النتن، وقيل: العذاب، وذلك كقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾، وقال: ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ وذلك من حيث الشرع. == • ٦٩ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم بلا قيد سكر (أو سكر من نبيذ) ما، به يفتى (طوعاً) عالماً بالحرمة حقيقة أو عاقل. وقد طلب مني أن أعمل بذلك رسالة وفيما ذكرناه كفاية. قوله: (بلا قيد سكر) تصريح بما أفاده قوله ولو قطرة، إشارة إلى أن هذا هو المقصود من المبالغة للتفرقة بين الخمر وغيرها من باقي الأشربة، وإلا فلا يحد بالقطرة الواحدة لأن الشرط قيام الرائحة. ومن شرب قطرة خمر لايوجد منه رائحتها عادة؛ نعم يمكن الحد به على قول محمد الآتي من أنه لو أقرّ بالشرب لا يشترط قيام الرائحة، بخلاف ما إذا ثبت ذلك بالشهادة. هذا ما ظهر لي، ولم أر من تعرّض له، فتأمل. قوله: (أو سكر من نبيذ ما) أي من أي شراب كان غير الخمر إذا شربه لا يحد به إلا إذا سكر به، وعبر بـ ((ما)) المفيدة للتعميم = وعن ابن عباس: ((الرجس في الآية: السخط)) وعن جابر بن زيد ((الرجس: الشر) وعن غيرهما ((الرجس: المأثم)). وإذا كان الأمر كما سبق، وهو أن الرجس يطلق في اللغة على جميع ما تقدم، ولا قرينة في الآية تدل على حمله على الرجس الحسي، بل قرن الخمر بما بعدها، والحكم على الجميع بأنه رجس من عمل الشيطان يرجح أن المراد به إنما هو الرجس المعنوي، وهو ما ينفر منه العقل لسوء عاقبته، والمذكورات في الآية تشترك جميعها في هذا المعنى فهي سبب للغضب والعقاب، والإثم والعذاب، وجعل الرجس في جانب الخمر بمعنى النجاسة، وفي جانب غيرها لا على هذا المعنى تحكم وتفريق بين المجتمعات في الحكم بدون دليل، بل دل الدليل على خلافه، فإن قول الله تعالى رجس من عمل الشيطان كالصريح في كون الرجس معنوياً، وهو محمول على الجميع من الخمر وما عطف عليها؛ لأنه الأصل في الإخبار عن المبتدأ وما عطف عليه، ولا قرينة في الآية تدل على خلافه إما بتقدير مضاف كالشأن أو التعاطي، وإما لأنه على صورة المصدر فيستوي فيه القليل والكثير، وأما جعله خبراً من الخمر فقط، وخبر ما عطف عليها محذوف فخلاف الظاهر المتبادر من السياق، ولا قرينة في الآية تدل عليه. فإن قيل: إن القرينة الإجماع على طهارة ما عطف على الخمر قلنا: فما هي القرينة قبل الإجماع؟ وهل كان الجميع طاهراً أو نجساً قبله؟. وحسبنا في هذا المقام قول الإمام النووي: ((واحتج أصحابنا بالآية الكريمة قالوا: ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام بها؛ لأن هذه الأشياء طاهرة؛ لأن هذه الثلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام، ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لأن الرجس في اللغة القذر، ولا يلزم منه النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة. وأما استدلال الطرفين بالسنة فلا يشم منه رائحة الدلالة على الطهارة أو النجاسة؛ لأن الإراقة والأمر بها كان بقصد شهرة التحريم وإبلاغه إلى الجميع، وما كان كذلك لا يستلزم الحكم بالنجاسة ولا بالطهارة؛ لأن القاذورات قد تراق في الطرقات إن لم يكن بد من إراقتها، وقد كان أهل المدينة لا يتخذون المرافق في بيوتهم؛ لأنهم يتقذرون منها، قالت عائشة رضي الله عنها: ((إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت)). ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور، على أنه كان يمكن التحرز منها على فرض نجاستها، فإن طرق المدينة واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطريق، وإنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحفظ منها وأما معقول الجمهور فلم يسمل واحد من وجوهه الأربعة كما سبق. وأما الاجماع فلم يصح. انظر القول المأثور لحسين شحاتة. نيل الأوطار حـ ٨ ص ١٤٤، مجموع النووي حـ ٢ ص ٥٧٤، الهداية حـ ٨ ص ١٥٧، حاشية عميرة على المنهاج ٦٩/١، المفردات ص ١٨٧ المغني لابن قدامة ٣٤١/١٠. ٧٠ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم حكماً بكونه في دارنا، لما قالوا: لو دخل حربيّ دارنا فأسلم فشرب الخمر جاهلاً بالحرمة لا يحد، بخلاف الزنا لحرمته في كل ملة. قلت: يرد عليه حرمة إشارة إلى خلاف الزيلعي حيث خصه بالأنبذة الأربعة المحرمة بناء على قولهما. وعند محمد: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وهو نجس أيضاً. قالوا: وبقول محمد نأخذ. وفي طلاق البزازية: لو سكر من الأشربة المتخذة من الحبوب والعسل المختار في زماننا لزوم الحد اه. نهر. قلت: وما ذكره الزيلعي تبع فيه صاحب الهداية، لكنه في الهداية من الأشربة ذكر تصحيح قول محمد، فعلم أن ما مشى عليه هنا غير المختار كما في الفتح. وقد حقق في الفتح قول محمد: إن ما أسكر كثيره حرم قليله، وأنه لا يلزم من حرمة قليله أنه يجد به بلا إسكار كالخمر خلافاً للأئمة الثلاثة، وأن استدلالهم على الحد بقليله بحديث مسلم (كُلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ))(١) ويقول عمر في البخاري ((الخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ)) وغير ذلك لا يدل على ذلك، لأنه محول على التشبيه البليغ كزيد أسد، والمراد به ثبوت الحرمة، ولا يلزم منه ثبوت الحد بلا إسكار، وكون التشبيه خلاف الأصل أوجب المصير إليه قيام الدليل عليه لغة وشرعاً، ولا دليل لهم على ثبوت الحد بقليله سوى القياس ولا يثبت الحد به؛ نعم الثابت الحد بالسكر منه، وقد أطال في ذلك إطالة حسنة، فجزاه الله خيراً، ويأتي حكم البنج والأفيون والحشيش. قوله: (بكونه في دارنا) أي ناشئاً فيها. قوله: (لما قالوا الخ) تعليل لتفسير العلم الحكمي بكونه في دارنا، لكن بالمعنى الذي ذكرناه لا بمجرد الكون في دارنا، وإلا لم يوافق التعليل المعلل. ويوضح المقام ما في كافي لحاكم الشهيد من الأشربة حيث قال: وإذا أسلم الحربي وجاء إلى دار الإسلام ثم شرب الخمر قبل أن يعلم أنها محرمة عليه لم يحد، وإن زنى أو سرق أخذ بالحد ولم يعذر بقوله لم أعلم. وأما المولود بدار الإسلام إذا شرب الخمر وهو بالغ فعليه الحد ولا يصدق أنه لم يعلم. قوله: (قلت يرد عليه الخ) أي على ما يفهم من قولهم لحرمته: أي الزنا في كل ملة حيث جعلوه وجه الفرق بين الشرب والزنا، فإنه يفهم منه أن الشرب لا يحرم في كل ملة مع أنه مناف لما مر من حرمته كذلك. ودفع بأن المحرم في كل ملة هو السكر لا نفس الشرب، والمراد التفرقة بين الشرب والزنا. قلت: وفيه نظر، فإن قولهم فشرب الخمر جاهلاً بالحرمة لا يحد أعم من أن يكون سكر من هذا الشرب أو لا، بل المتبادر السكر، ولو كان المراد الشرب بلا سكر لكان الواجب تقييده، أو كان يقال فشرب قطرة نعم قد يدفع أصل الإيراد بمنع حرمة السكر في كل ملة لما قدمناه، فافهم. (١) أخرجه البخاري ١٠/ ٣٠(٥٥٧٥) ومسلم ٣/ ١٥٨٧ (٢٠٠٣/٧٣). ٧١ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم السكر أيضاً في كل ملة، فتأمل (بعد الإفاقة) فلو حد قبلها فظاهره أنه يعاد عيني. (إذا أخذ) الشارب (وربح ما شرب) من خمر أو نبيذ. فتح. فمن قصّر الرائحة على الخمر فقد قصّر (موجودة) خبر الريح وهو مؤنث سماعي. غاية (إلا أن تنقطع) تتمة: لو شرب الحلال ثم دخل الحرم حد، لكن لو التجأ إلى الحرم لم يجد لأنه قد عظمه، بخلاف ما إذا شرب في الحرم لأنه قد استخفه. قهستاني عن العمادي. ويأتي أنه لو شرب في دار الحرب لا يجد. فعلم من مجموع ذلك أنه لا يحد للشرب عشرة: ذمي على المذهب، ومرتد وإن شرب قبل ردته وإن أسلم بعد الشرب وصبيّ، ومجنون وأخرس ومكره، ومضطر لعطش مهلك، وملتجىء إلى الحرم، وجاهل بالحرمة حقيقة وحكماً، ومن شرب في غير دارنا، وبه يعلم شروط الحد هنا. قوله: (بعد الإفاقة) أي الصحو من السكر، وهو متعلق بقوله يحدّ مسلم. قوله: (فظاهره أنه يعاد) جزم به في البحر. قال في الشرنبلالية: وفيه تأمل اهـ. وبين وجهه فيما نقل عنه بأن الألم حاصل وإن لم يكن كاملاً ويصدق عليه أنه حد فلا يعاد بعد صحوه اهـ. قلت: وفيه نظر، لما في الفتح: ولا يحد السكران حتى يزول عنه السكر تحصيلاً المقصود الانزجار، وهذا بإجماع الأئمة الأربعة، لأن غيبوبة العقل أو غلبة الطرب تخفف الألم. ثم ذكر حكاية. حاصلها: أن السكران وضع على ركبته جمرة حتى طفئت وهو لا يلتفت إليها حتى أفاق فوجد الألم. قال: وإذا كان كذلك فلا يفيد الحد فائدته إلا حال الصحو، وتأخير الحد لعذر جائزاهـ. وحينئذ فلا يلزم من أن الإمام لو أخطأ فحده قبل صحوه أن يسقط الواجب عليه من إقامة الحد بعد الصحو. ولا يرد أنه لو قطع يسار السارق لا تقطع يمينه أيضاً للفرق الواضح، فإن الانزجار حاصل باليسار أيضاً وإن كان الواجب قطع اليمين، ولأنه لو قطعت اليمين أيضاً يلزم تفويت المنفعة من كل وجه وذلك إهلاك، ولذا لا يقطع لو كانت يسراه مقطوعة أو إبهامها. قوله: (إذا أخذ الشارب) شرط تقدم دليل جوابه وهو قوله: ((يحد مسلم الخ)) وضمير ((أخذ)) يعود عليه، وهو المراد بالشارب، والمراد أخذه إلى الحاكم. قوله: (وريح ما شرب الخ) قال في الفتح: فالشهادة بكل منهما: أي من شرب الخمر والسكر من غيره مقيدة بوجود الرائحة، فلا بد مع شهادتهما بالشرب أن يثبت عند الحاكم أن الريح قائم حال الشهادة، وهو بأن يشهدا به وبالشرب أو يشهد به فقط فيأمر القاضي باستنكاهه فيستنكه ويخبر بأن ريحها موجود اهـ. قوله: (وهو مؤنث سماعي) الأولى وهي لعوده إلى الريح، ولكنه ذكر ضميرها لتذكير الخبر، والمؤنث السماعي هو ما لم يقترن لفظه بعلامة تأنيث، ولكنه سمع مؤنثاً بالإسناد إن كان رباعياً كهذه العقرب قتلتها، وبه ٧٢ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم الرائحة (لبعد المسافة) وحينئذ فلا بد أن يشهدا بالشرب طائعاً ويقولا أخذناه وريحها موجودة (ولا يثبت) الشرب (بها) بالرائحة (ولا بتقايئها، بل بشهادة رجلين يسألهما الإمام عن ماهيتها وكيف شرب) لاحتمال الإكراه (ومتى شرب) لاحتمال التقادم (وأين شرب) لاحتمال شربه في دار الحرب، فإذا بينوا ذلك حبسه حتى يسأل عن عدالتهم، ولا يقضي بظاهرها في حدّ ما. خانية. ولو اختلفا في الزمان أو شهد أحدهما بسكره من الخمر والآخر من السكر أو بالتصغير إن كان ثلاثياً كعيينة في تصغير عين وهذه النار أضرمتها، وذلك في ألفاظ محصورة. قوله: (لبعد المسافة) أفاد أن زوالها المعالجة دواء لا يمنع الحد كما في حاشية مسكين معزياً إلى المحيط. قوله: (ولا يثبت الشرب بها) لأنها قد تكون من غيره كما قيل: [الطويل] يَقُولُونَ لِي انْكَهْ قَدْ شَرِبْتَ مُدَامَةً فَقُلْتُ لَهُمْ لَا بَلْ أَكَلْتُ السَّفَرْجَلَا وانكه بوزن امنع، ونكه من بابه: أي أظهر رائحة فمك. فتح. قوله: (بالرائحة) بدل من قوله ((بها)). قوله: (ولا بتقايئها) مصدر تقاياً اهـح. لاحتمال أنه شربها مكرهاً أو مضطراً فلا يجب الحد بالشك، وأشار إلى أنه لو وجد سكران لا يحد من غير إقرار ولا بينة لاحتمال ما ذكرنا، أو أنه سكر من المباح. بحر. لكنه يعزّر بمجرد الريح أو السكر كما في القهستاني. قوله: (رجلين) احتراز عن رجل وامرأتين، لأن الحدود لا تثبت بشهادة النساء للشبهة كما في البحر. قوله: (يسألهما الإمام) أشار إلى ما في البحر عن الغنية من أنه ليس لقاضي الرستاق أو فقيهه أو المتفقهة أو أئمة المساجد إقامة حد الشرب إلا بتولية الإمام. قوله: (عن ماهيتها) لاحتمال اعتقادهم أن باقي الأشربة خمر. قوله: (لاحتمال الإكراه) لكن لو قال: أكرهت لا يقبل، لأنهم شهدوا عليه بالشرب طائعاً وإلا لم تقبل شهادتهم، وتمامه في البحر. قوله: (لاحتمال التقادم) هذا مبني على. قول محمد بأن التقادم مقدّر بالزمان وهو شهر، وإلا فالشرط عندهما أن يؤخذ والريح موجودة كما مر. أفاده في البحر، فالتقادم عندهما مقدر بزوال الرائحة وهو المعتمد كما مر في الباب السابق. والحاصل أن التقادم يمنع قبول الشهادة اتفاقاً، وكذا يمنع الإقرار عندهما لا عند محمد، ورجح في غاية البيان قوله، وفي الفتح أنه الصحيح. قال في البحر: والحاصل أن المذهب قولهما، إلا أن قول محمد أرجح من جهة المعنى اهـ. قوله: (من السكر) بفتح السين والكاف: وهو عصير الرطب إذا اشتد، وقيل كل شراب أسكر. عناية. ٧٣ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم لم يحد. ظهيرية (أو) يثبت (بإقراره مرة صاحياً ثمانين سوطاً) متعلق بيحد (للحر، ونصفها للعبد، وفرق علی بدنه كحد الزنا) كما مر. (فلو أقرّ سكران أو شهدوا بعد زوال ريحها) لا لبعد المسافة (أو أقر كذلك أو رجع عن إقراره لا) يحد، لأنه خالص حقّ الله تعالى فيعمل الرجوع فيه، ثم ثبوته بإجماع الصحابة ولا إجماع إلا برأي عمر وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، ١ قلت: وهذا ظاهر على قولهما إنه لا يحد بالسكر من الأشربة المباحة، وكذا على قول محمد إنه يحد لعدم توافق الشاهدين على المشروب، كما لو شهد اثنان أنه زنى بفلانة واثنان أنه زنى بفلانة غيرها. تأمل. قوله: (ظهيرية) ومثله في كافي الحاكم. قوله: (أو بإقراره) عطف على قوله: ((بشهادة رجلين)) وقدر الشارح يثبت لطول الفصل. قال في البحر: وفي حصره الثبوت في البينة والإقرار دليل على أن من يوجد في بيته الخمر وهو فاسق أو يوجد القوم مجتمعين عليها ولم يرهم أحد شربوها لا يحدون وإنما يعزّرون، وكذا الرجل معه ركوة من الخمر اهـ. بل تقدم أنه لو وجد سكران لا يحد بلا بينة أو إقرار، بل يعزر. قوله: (مرة) رد لقول أبي يوسف: إنه لا بد من إقراره مرتين. بحر. ولم يتعرض لسؤال القاضي المقر عن الخمر: ما هي؟ وكيف شربها؟ وأين شرب؟ وينبغي ذلك كما في الشهادة، ولكن في قول المصنف ((وعلم شربه طوعاً)) إشارة إلى ذلك. شرنبلالية. تأمل. قوله: (متعلق بيحد) أي تعلقاً معنوياً لأنه مفعول مطلق عامله يحد. قوله: (كما مر) فلا يضرب الرأس والوجه، ويضرب بسوط لا ثمرة له، وينزع عنه ثيابه في المشهور إلا الإزار احتراز عن كشف العورة. بحر. وفي شرح الوهبانية: والمرأة تحد في ثيابها. قوله: (فلو أقرّ سكران) أي أقر على نفسه بالحدود الخالصة حقاً لله تعالى كحد الزنا والشرب والسرقة لا يحد، إلا أنه يضمن المسروق، بخلاف حد القذف لأن فيه حق العبد، والسكران كالصاحي فيما فيه حقوق العباد عقوبة له؛ لأنه أدخل الآفة على نفسه، فإذا أقرّ بالقذف سكران حبس حتى يصحو فيحد للقذف ثم يحبس حتى يخف عنه الضرب فيحد للسكر، وينبغي أن يقيد حده للسكر بما إذا شهد عليه به وإلا فبمجرد سكره لا يحد لإقراره بالسكر؛ وكذا يؤاخذ بالإقرار بسبب القصاص وسائر الحقوق من المال والطلاق والعتاق وغيرها فتح ملخصاً، وقوله: ((عقوبة له الخ)) يدل على أنه لو سكر مكرهاً أو مضطراً لا يؤاخذ بحقوق العباد أيضاً. قوله: (أو أقر كذلك) أي بعد زوال ريحها، وهذا على قولهما: إن التقادم يبطل الإقرار وإنه مقدر بزوال الرائحة. قوله: (فيعمل الرجوع فيه) لاحتمال صدقه وأنه كاذب في إقراره. وإذا أقرّ وهو سكران يزيد احتمال الكذب فيدرأ عنه الحد أيضاً. قوله: (ثم ثبوته الخ) هذا بيان لدليلهما على اشتراط قيام الرائحة وقت الإقرار، فعند عدم قيامها ٧٤ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم وهما شرطا قيام الرائحة. (والسكران من لا يفرق بين) الرجل والمرأة و (السماء والأرض. وقالا: من يختلط كلامه) غالباً، فلو نصفه مستقيماً فليس بسكران. بحر (ويختار للفتوى) لضعف دليل الإمام. فتح. (ولو ارتدّ السكران) لم يصح فـ (لا تحرم عرسه) وهذه إحدى المسائل السبع المستثناة من أنه كالصاحي كما بسطه المصنف معزياً للأشباه وغيرها. ينتفي الحد لعدم ما يدل عليه، لأن الإجماع لم يكمل إلا بقول من اشترط قيامها، لكن قدمنا تصحيح قول محمد بعدم الاشتراط وبيانه في الفتح. قوله: (والسكران الخ) بيان لحقيقة السكر الذي هو شرط لوجوب الحد في الشرب ما سوى الخمر من الأشربة. ولما كان السكر متفاوتاً اشترط الإمام أقصاه درءاً للحد، وذلك بأن لا يميز بين شيء وشيء، لأن ما دون ذلك لا يعري عن شبهة الصحو؛ نعم وافقهما الإمام في حق حرمة القدر المسكر من الأشربة المباحة فاعتبر فيها اختلاط الكلام، وهذا معنى قوله في الهداية: والمعتبر في القدر المسكر فيحق الحرمة ما قالاه إجماعاً أخذا بالاحتياط اهـ. وذكر في الفتح أنه ينبغي أن يكون قوله كقولهما أيضاً في السكر الذي لا يصح معه الإقرار بالحدود، لأنه يكون أدرأ للحدود؛ وكذا في الذي لا تصح معه الردة، إذ لو اعتبر فيه أقصاه لزم أن تصح ردته فيما دونه مع أنه يجب أن يحتاط في عدم تكفير المسلم، والإمام إنما اعتبر أقصى السكر للاحتياط في درء حدّ السكر، واعتبار الأقصى هنا خلاف الاحتياط. هذا حاصل ما في الفتح. قلت: لكن ينبغي أن تصح ردته فيما دون الأقصى بالنسبة إلى فسخ النكاح لأن فيه حق العبد، وفيه العمل بالاحتياط أيضاً كما لا يخفى. قوله: (ولو ارتد السكران لم يصح) أي لم يصح ارتداده: أي لم يحكم به. قال في الفتح: لأن الكفر من باب الاعتقاد أو الاستخفاف، ولا اعتقاد للسكران ولا استخفاف لأنهما فرع قيام الإدراك. وهذا في حق الحكم، أما فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كان في الواقع قصد أن يتكلم به ذاكراً لمعناه كفر، وإلا لا اهـ. وقد علمت آنفاً ما المراد بالسكر هنا. قوله: (فلا تحرم عرسه) أي بسبب الردة في حالة السكر، أما لو طلقها فإنه يقع كما يأتي بيانه. قوله: (وهذه الخ) يعني أن حكم السكران من محرم كالصاحي، إلا في سبع: لا تصح ردته ولا إقراره بالحدود الخالصة، ولا إشهاده على شهادة نفسه، ولا تزويجه الصغير بأكثر من مهر المثل أو الصغيرة بأقل، ولا تطليقه زوجة من وكله بتطليقها حين صحوه، ولا بيعه متاع من وكله بالبيع صاحياً، ولا ردّ الغاصب عليه ما غصبه منه قبل سكره، هذا حاصل ما في الأشباه. ونازعه محشيه الحموي في الأخيرة بأن المنقول في العمادية أن حكم ٧٥ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم ونقل في الأشربة عن الجوهرة حرمة أكل بنج وحشيشة وأفيون، لكن دون حرمة الخمر، ولو سكر بأكلها لا يحد بل يعزّر انتهى. السكران فيها كالصاحي، فيبرأ الغاصب من الضمان بالرد عليه، وفي مسألة الوكالة بالتطليق بأن الصحيح الوقوع نص عليه في الخانية والبحر اهـ. وقدمناه أول كتاب الطلاق، وكتبنا هناك عن التحرير أن السكران إن كان سكره بطريق محرم لا يبطل تكليفه، فتلزمه الأحكام، وتصح عباراته من الطلاق والعتاق والبيع والإقرار، وتزويج الصغار من كفء والإقراض والاستقراض، لأن العقل قائم، وإنما عرض فوات فهم الخطاب بمعصيته فبقي في حق الإثم ووجوب القضاء، ويصح إسلامه كالمكره لا ردّته لعدم القصد اهـ. وقدم الشارح هناك أنه اختلف التصحيح في طلاق من سكر مكرهاً أو مضطراً، وقدمنا هناك أن الراجح عدم الوقوع، وقدمنا آنفاً عن الفتح أنه كالصاحي فيما فيه حقوق العباد عقوبة له. مَطْلَبٌ فِي البِتْجِ وَالأَقْيُونِ وَالْحَشِيْشَةِ(١) قوله: (لكن دون حرمة الخمر) لأن حرمة الخمر قطعية يكفر منكرها بخلاف هذه. قوله: (لا يحد بل يعزر) أي بما دون الحد كما في الدرّ المنتقى عن المنح، لكن (١) الفرق بين المسكر والمخدر والمرقد فنقول: المسكر ما غطى عقل متعاطيه مع نشوة وطرب. والمخدر: هو الذي يغيب العقل من غير نشوة وطرب. والمرقد هو الذي يغيب الحواس مع العقل. مثال الأول: الخمر، ومثال الثاني: البنج، ومثال الثالث: الداتورا قال القرافي في الفروق: الفرق بين قاعدة المسكرات والمرقدات والمفسدات ((أن المتناول من هذه إما أن يغيب معه الحواس أو لا، فإن غابت معه الحواس كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس فلا يخلو إما أن يحدث معه نشوة وسرور كالخمر والمزر، وهو المعمول من القمح، والبتع، وهو من العسل، والسكركه وهو من الذرة، فهو المسكر. أو لا، فهو المفسد وهو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج، ويدلّك على ضابط المسكر قول الشاعر: ونشربها فتتركنا ملوكاً وأسداً ما ينهنهنا الوعيد فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش والانتقام من الأعداء والمنافسة في العطاء وأخلاق الكرماء، وبهذا الفرق يظهر أن الحشيشة مفسدة، وليست مسكرة لوجهين: (((الأول)): أنا نجدها تثير الخلط الكامن في الجسد كيفما كان فصاحب الصفراء تحدث له حدة، وصاحب البلغم تحدث له سباتاً وصمتاً، وصاحب السوداء تحدث له بكاء وجزعاً، وصاحب الدم تحدث له سروراً بقدر حاله. وأما الخمر والمسكرات فلا تجد أحداً ممن يشربها إلا وهو نشوان مسرور بعيد عن صدور البكاء والصمت. ((الثاني)): أنا نجد شراب الخمر تكثر عربدتهم ووثوب بعضهم على بعض بالسلاح، ويهجمون على الأمور العظيمة التي لا يهجمون عليها حالة الصحو، وهو معنى ((ونشربها فتتركنا ملوكاً)) البيت. ولا نجد أكلة الحشيشة إذا اجتمعوا يجري بينهم شيء من ذلك، ولم يسمع عنهم من العوائد ما يسمع عن شراب الخمر، بل هم همدة سكوت، ولهذين الوجهين أنا أعتقد أنها من المفسدات لا من المسكرات، = ٧٦ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = ولا أوجب فيها الحد بل التعزير الزاجر عن ملابستها. (تنبيه)) تنفرد المسكرات عن المرقدات والمفسدات بثلاثة أحكام الحد، والتنجيس، وتحريم اليسير، والمرقدات والمفسدات لا حد فيها، ولا نجاسة، ويجوز تناول اليسير منها الذي لا يؤثر على العقل والحواس» انتھی. أمّا آراء الفقهاء في حكم تعاطي هذه المخدرات من الحشيشة، والأفيونة والمورفين، والكوكايين، والهيرويين، وجوزة الطيب، والبنج، والعنبر، والزعفران. فإن فقهاء المذاهب الأربعة متفقون على تحريم القدر المغيب للعقل من هذه المواد وما أشبهها من كل ما يغطي العقل، ويضر البدن، ويمن حكى الإجماع على ذلك القرافي وابن تيمية. واختلفوا في حكم تعاطي القليل منها: فذهب الجمهور إلى إباحته وذلك قبل انعقاد إجماع أهل هذا العصر على تحريمها وذهب بعض الحنابلة إلى حرمته . استدل الجمهور بالمعقول فقالوا: إن هذه المواد ونحوها غير مسكرة، وإنما حرم الكثير المغطي للعقل: لضرره، والقليل غير ضار فبقي على الأصل. واستدل بعض الحنابلة بالسنن والمعقول. أما السنة فما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((نهى رسول الله ﴾ عن كل مسكر ومفتر)). وجه الدلالة: أن النبي # سوى بين المسكر والمفتر في النهي، وحقيقة التحريم فيحرم الكثير منهما والقليل من غير فرق. وأما المعقول فقالوا: هذه الأشياء تفسد البدن، وتغطي العقل كالخمر أو أكثر، فوجب أن يحرم كثيرها لضرره، وقليلها؛ لأنه داعية الكثير ومقدمة له؛ إذ مقدمة الحرام حرام. ورد على الجمهور أن هذا نظر، والنظر لا يقاوم الخبر الصحيح في تحريم كل مسكر ومفتر، والمراد به الجنس لا القدر فيصدق بالقليل والكثير، وقولكم: القليل غير ضار مسلم، وكذلك قليل الخمر والمسكر غير ضار، فكان مقتضى ذلك أن يحل القليل، ولكن لما كان القليل يدعو إلى الكثير حرم القليل سداً للذريعة في الجميع. على أن هذه المواد مختلف في كونها مسكرة أو غير مسكرة، فمنهم من ذهب إلى أن الحشيشة مسكرة، وممن جزم بذلك الإمام النووي في المجموع، وأبو إسحاق الشيرازي في التذكرة، وابن دقيق العيد. وقال الزركشي: لا نعرف فيه خلافاً عندنا، وقد يدخل في حدهم السكران بأنه الذي اختلط كلامه المنظوم وانكشف سره المكتوم، أو الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض، ولذلك استدل عبد الله بن المبارك رضي الله عنه بعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام ((كل مسكر حرام)) على تحريم كل مسكر قليله وكثيره، ولو لم يكن مشروباً فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. ومنهم من ذهب إلى أنها مخدرة كالقرافي ومن وافقه، وإن قال صاحب الفتح: إنها مكابرة؛ لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من النشوة والطرب، والمداومة عليها والانهماك فيها. وأيّاً ما كان فإن ذهبنا إلى أنها مسكرة فقليلها محرم بالأحاديث الدالة على تحريم قليل كل مسكر، وإن ذهبنا إلى أنها مخدرة فقليلها محرم بحديث أم سلمة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح عند أحمد وأبي داود. والذي أراه أن هذه المواد وغيرها من كل مادة تغطي العقل، وتفتك بالبدن يحرم قليلها وكثيرها لصحة حديث أم سلمة رضي الله عنها. وفي الرهوني: قال العلقمي في شرح الجامع: حكي أن رجلاً من العجم قدم القاهرة وطلب دليلاً على تحريم الحشيشة، وعقد لذلك مجلساً فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بحديث أم سلمة المذكور فأعجب الحاضرين، وقد نبه السيوطي على صحته ثم قال: وفي لطائف المنن والأخلاق اتفق العلماء = ٧٧ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم فيه أيضاً عن القهستاني عن متن البزدوي أنه يحدّ بالسكر من البنج في زماننا على المفتى به اهـ. تأمل. قال في المنح: وفي الجواهر: ولو سكر من البنج وطلق: تطلق زجراً، وعليه الفتوى اهـ. وقد تقدم عن قاضيخان تصحيح عدم الوقوع فليتأمل عند الفتوى اهـ. وتقدم أول الطلاق عن تصحيح العلامة قاسم أنه إذا سكر من البنج والأفيون يقع زجراً، وعليه الفتوى، وقدمنا هناك عن النهر أنه صرح في البدائع وغيرها بعدم الوقوع لأنه لم يزل عقله بسبب هو معصية. والحق التفصيل: إن كان للنداوي فكذلك، وإن للهو وإدخال الآفة قصداً فينبعي أن لا يتردد في الوقوع اهـ. = والحكماء على أنها خبيثة ضارة بالجسم والفعل صادة عن ذكر الله وعن الصلاة، وما كان هذا فعله كان محرماً بالإجماع؛ لأن ما يؤدي إلى الحرام حرام. وهي من المخدرات المسكرات كجوزة الطيب، والزغفران؛ والبنج ونحو ذلك، مما يتلف العقل والفكر، وأفتى الشيخ ابن جماعة بأن الحشيشة حرام بلا خلاف، وقال بعض الأطباء: إنها مخدرة، وأكثرهم على أنها مسكرة ونقل ابن عابدين أن القائل بحل البنج والحشيشة زنديق مبتدع وقال ابن تيمية: هذه الحشيشة الملعونة هي وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله تعالى وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين المعرضة صاحبها لعقوبة الله تعالى، تشتمل على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه، فهي تفسد الأمزجة حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين، وثورت مهانة أكلها ودناءة نفسه وغير ذلك مما لا تورث الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، فهي بالتحريم أولى، وقد أجمع المسلمون على أن السكر منها حرام، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتداً لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإن القليل منها حرام أيضاً بالنصوص الدالة على تحريم الخمر والمسكر. أقول: إن قوله: وإن القليل منها حرام أيضاً إلى آخره مبني على أنها مسكرة، وأما على القول بأنها مخدرة فحرمة قليلها ثابتة بحديث أم سلمة رضي الله عنها. قالت: ((نهى رسول الله وَالر عن كل مسكر ومفتر)) والنهي حقيقة التحريم، ولم يوجد له صارف، وليس المراد من المسكر أو المفتر في الحديث ما حصل السكر أو التفتير عنده، بل المراد منهما ما فيه صلاحية الإسكار أو التفتير بحسب الشأن، وقد حمل الجمهور حديث: ((كل مسكر حرام)) على هذا المحمل فيما سبق في الأشربة، واستدلوا به على حرمة القليل منها بقطع النظر عن نصوص السنة الصحيحة الصريحة في تحريم القليل باعتبار أنه صفة لجنس الشراب لا صفة لقدره، كما يقال للماء: إنه مروِّ، وللطعام: إنه مشبع، وإن كان الشبع والريّ لا يتحققان بالقليل، وهو مع ذلك موصوف به كالكثير، أو باعتبار أنه مقدمة للكثير المحرم فيكون حراماً. لأن مقدمة الحرام حرام. على أن هذه المواد المخدرة لو لم يرد عن الشارع ما يدل على حظرها لكانت محرمة من طريق آخر لضررها، وهو منع ولي الأمر عنها بما وصفه لذلك من القوانين التي حظرتها استعمالاً وتجارة وزراعة وحملاً وغير ذلك، وطاعة ولي الأمر واجبة فيما ليس بمعصية لله ولرسوله بإجماع المسلمين كما ذكر ذلك الإمام النووي في شرح مسلم في باب طاعة الأمراء. وهذا مما يؤيد أنها أعظم ضرراً وأشد خطراً من المسكرات لذلك اقتنع المشرعون للقوانين الوضعية بسيىء آثارها؛ وجسيم شرها، فحظروها زراعة وتجارة واستعمالًا، وفرضوا العقوبات الزاجرة على كل أحد يخالف ذلك، وشددوا عليها الرقابة، وأكثروا من الباحثين والمراقبين وكافؤوا المرشدين والضابطين كل شخص يخالف نصوص القانون بما يشجعه ويجعله ساهر العين. فتح الباري ٣٥/١٠ الرهوني على عبد الباقي ٢٦٣/١ القول المأثور. ٧٨ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم وفي النهر: التحقيق ما في العناية أن البنج مباح لأنه حشيش، أما السكر منه فحرام. (أقيم عليه بعض الحد فهرب) ثم أخذ بعد التقادم لا يحد، لما مر أن الإمضاء من القضاء في باب الحدود. قلت: ويدل عليه للأول تعليل البدائع، وللثاني تعليل العلامة قاسم، وقدمنا هناك أيضاً عن الفتح أن مشايخ المذهبين من الحنفية والشافعية اتفقوا على وقوع طلاق من "غاب عقله بالحشيشة وهي ورق القنب بعد أن اختلفوا فيها قبل أن يظهر أمرها من الفساد. قوله: (إن البنج مباح) قيل هذا عندهما. وعند محمد: ما أسكر كثيره فقليله حرام، وعليه الفتوى كما يأتي اهـ. أقول: المراد بما أسكر كثيره الخ: من الأشربة، وبه عبر بعضهم وإلا لزم تحريم القليل من كل جامد إذا كان كثيره مسكراً كالزعفران والعنبر؛ ولم أر من قال بحرمتها، حتى أن الشافعية القائلين بلزوم الحد بالقليل مما أسكر كثيره خصوه بالمائع. وأيضاً لو كان قليل البنج أو الزعفران حراماً عند محمد لزم كونه نجساً لأنه قال: ما أسكر كثيره فإن قليله حرام نجس، ولم يقل أحد بنجاسة البنج ونحوه.، وفي كافي الحاكم من الأشربة: ألا ترى أن البنج لا بأس بتداويه، وإذا أراد أن يذهب عقله لا ينبغي أن يفعل ذلك اهـ. وبه علم أن المراد الأشربة المائعة، وأن البنج ونحوه من الجامدات إنما يحرم إذا أراد به السكر وهو الكثير منه دون القليل المراد به التداوي ونحوه، كالتطبب بالعنبر وجوزة الطيب، ونظير ذلك ما كان سمياً قتالًا كالمحمودة وهي السقمونيا ونحوها من الأدوية السمية، فإن استعمال القليل منها جائز، بخلاف القدر المضرّ فإنه يحرم، فافهم واغتنم هذا التحرير. قوله: (لأنه حشيش) لا معنى لهذا التعليل، وليس في عبارة العناية اهـ ح. قلت: وكذا ليس هو في عبارة النهر، ويمكن الجواب بأنه إشارة إلى ما قلناه، فالمراد التعليل بأنه من الجامدات لا من المائعات التي فيها الخلاف في أن قليلها حرام أو لا، فافهم. قوله: (أقيم عليه بعض الحد) أي حدّ الزنا أو السرقة أو الشرب كما في الكافي. قلت: وأما حد القذف ففيه تفصيل سيأتي في آخر الباب الآتي. قوله: (ثم أخذ الخ) أقحم الشارح هذه المسألة بين كلامي المصنف إشارة إلى أن استئناف الحد للشرب الثاني لا يتقيد بما إذا أقيم عليه بعض الحد، فحوّل العبارة عن أصلها وكملها بما يناسبها، وأتى بـ ((لو)) في قوله: ((ولو شرب الخ)) ليجعله مسألة مستأنفة، ولا يخفى ما فيه من حسن الصناعة. قوله: (لما مر الخ) أي في أثناء الباب السابق: وقال في ٧٩ كتاب الحدود/ باب حد القذف (و) لو (شرب) أو زنى (ثانياً يستأنف الحد) لتداخل المتحد كما سيجيء. فرع: سكران أو صاح جمح به فرسه فصدم إنساناً فمات، إن قادراً على منعه ضمن، وإلا لا. مصنف عمادية. بَابٌ حَدّ الْقَذْفِ هو لغة: الرمي. وشرعاً: الرمي بالزنا، وهو الكبائر بالإجماع. فتح. الهداية هناك: إن التقادم كما يمنع قبول الشهادة في الابتداء يمنع الإقامة بعد القضاء، حتى لو هرب بعد ما ضرب بعض الحد ثم أخذ بعد ما تقادم الزمان لم يحد، لأن الإمضاء من القضاء في باب الحدود. قلت: لكن هذا ظاهر في حد الزنا والسرقة، فإن التقادم مقدر فيهما بشهر كما مر؛ أما في حد الشرب فإنه مقدر عندهما بزوال الرائحة، وعند محمد بشهر أيضاً والمعتمد قولهما كما مر، وقيام الرائحة إنما يشترط عند الإقرار أو عند الرفع إلى الحاكم، إلا لبعد المسافة، ولا يجد إلا بعد الصحو كما مر، ولم يشترطوا قيام الرائحة عند إقامة الحد، بل الصحو مظنة زوالها؛ فإذا كان عدم إكمال الحد بسبب زوال الرائحة على قولهما يلزم أن لا يقام عليه الحد إلا مع قيام الرائحة، ولم نر من قال بذلك. فالظاهر أن هذا تفريع على قول محمد فقط، ولا يصح أن يقال: إنه مفرّع على قولهما أيضاً بأن تفرض المسألة فيما إذا أقرّ بالشرب فهرب، لأن التقادم يبطل الإقرار عندهما كما تقدم لرجوع المحذور، فإنه يلزم عليه أن المقرّ لا يحد إلا إذا بقيت الرائحة موجودة، وإن لم يرجع عن إقراره الصادر عند قيام الرائحة. وأيضاً فالهرب رجوع عن الإقرار فلا حاجة معه إلى التقادم، هذا ما ظهر لي، فتأمله. قوله: (ولو شرب أو زنى ثانياً) أي قبل إكمال الحد كما هو صورة المتن أو قبل إقامة شيء منه. ففي الصورتين يجد حداً كاملاً بعد الفعل الأخير، ويدخل ما بقي من الأول في الثاني، بخلاف ما إذا أقيم عليه حد الشرب فشرب ثانياً، أو حد الزنا فزنى ثانياً فإنه يحد للثاني حدّاً آخر، وبخلاف ما إذا اختلف الجنس، وسيجيء تمام الكلام على ذلك في باب القذف. قوله: (وإلا لا) أي لا يضمن لأن فعلها غير مضاف إليه. قوله: (مصنف عمادية) أي نقله المصنف عن العمادية ح. بَابُ حَدّ الْقَذْفِ قوله: (وشرعاً الرمي بالزنا) الأولى ما في العناية من أنه نسبة المحصن إلى الزنا صريحاً أو دلالة، إذ الحد إنما هو في المحصن. نهر. قلت: لكن الإحصان شرط الحد، وله شروط أخر ستذكر، والكلام في ٨٠ كتاب الحدود/ باب حد القذف لكن في النهر: قذف غير المحصن كصغيرة مملوكة وحرة مهتكة من الصغائر. (هو كحد الشرب كمية وثبوتاً) فيثبت برجلين يسألهما الإمام الحقيقة الشرعية المشروطة بما يأتي. وينبغي أن يقيد أيضاً بقوله على سبيل التعبير والشتم ليخرج شهادة الزنا. قوله: (لكن في النهر الخ) عزاه في النهر إلى الحليمي من الشافعية معللاً بأن الإيذاء في قذف هؤلاء دونه في الحرّة الكبيرة المتسترة، وذكره في البحر بحثاً غير معزي. ونقل أيضاً عن شرح جمع الجوامع أن القذف في الخلوة صغيرة عند الشافعية، قال: وقواعدنا لا تأباه لأن العلة فيه لحوق العار، وهو مفقود في الخلوة. واعترضه في النهر بأنه في الفتح استدل للإجماع بآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ اٌلْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] وبحديث ((أَجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)) وَعَدَّ مِنْهَا قَذْفَ المُحْصَنَاتِ، أي وهذا صادق على قذف المحصنة في الخلوة بحیث لم يسمعه أحد. واعترضه أيضاً الباقاني في شرح الملتقى بأن المذكور في شرح جمع الجوامع عن ابن عبد السلام أنه ليس بكبيرة موجبة للحد لانتفاء المفسدة. وقال محشيه اللقاني: إن المحقق من هذه العبارة نفي إيجاب الحد لا نفي كونه كبيرة أيضاً لتوجه النفي على القيد. وقال الزركشي أيضاً: إن هذا ظاهر فيما إذا كان صادقاً دون الكاذب لجراءته على الله تعالى: أي فهو كبيرة وإن كان في الخلوة. وقال الشارح في شرح الملتقى: قلت الذي حررته في شرح منظومة والد شيخنا تبعاً لشيخنا النجم الغزي الشافعي: إنه من الكبائر وإن كان صادقاً ولا شهود له عليه، ولو من الوالد لولده أو لولد لولده وإن لم يجد به يعزّر ولو غير محصن، وشرط الفقهاء الإحصان إنما هو لوجوب الحد لا لكونه كبيرة. وقد روى الطبراني عن واثلة عن النبي وَ﴿ أنه قال: ((مَنْ قَذَفَ زِمِّياً حُدَّ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِسِيَاطٍ مِنْ نَارٍ)). ثم من المعلوم ضرورة أن قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كفر سواء كان سرّاً أو جهراً، وكذا القول في مريم، وكذا الرمي باللواطة اهـ: أي إنه من الكبائر أيضاً، وسيأتي بيان حكمه في باب التعزير. قوله: (كمية) أي قدراً وهو ثمانون سوطاً إن كان حرّاً ونصفها إن كان القاذف عبداً. بحر. قوله: (فيثبت برجلين) بيان لقوله: ((وثبوتاً)) وأشار إلى أنه لا مدخل فيه لشهادة النساء كما مر، وكذا الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي. ويثبت أيضاً بإقرار القاذف مرة كما في البحر، ولا يستحلف على ذلك، ولا يمين في شيء من الحدود إلا أنه يستحلف في السرقة لأجل المال، فإن أبى ضمن المال ولم يقطع. وإذا اختلف الشاهدان في الزمان لم تبطل شهادتهما عنده كما في الإقرار بالمال أو بالطلاق أو العتاق. وعندهما لا يحد القاذف،