Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه ونواهيه، بل يمكن إدراكهما بطريق = يدركها. فلا يتوقف معرفة حسن الفعل وقبحه على أوامر الشرع العقل. وذلك بإدراك ما في الأفعال من المصالح والمفاسد وعدمها. فهم يرون: أن في الأفعال حسناً وقبحاً ذاتياً يستقل العقل بإدراكهما، فيستقل بإدراك حكم الفعل - الذي وقع على وجه مخصوص - تبعاً لإدراك ما في الفعل من حسن يستحق فاعله المدح، أو قبح يوجب لفاعله الذم. ولا يتوقف ذلك على ورود الدليل السمعي، وخطاب الشارع، وإرسال الرسل. وقد قسموا الحسن والقبح ثلاثة أقسام: ١- قسم يدركه العقل بالضرورة: كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار. ٢- وقسم يدركه العقل بالنظر: كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق الضار. ٣- وقسم خفي على العقل، فلا يدركه لا بالضرورة، ولا بالنظر، بل يدرك بالشرع كمقادير العبادات وغيرها، مما لا يدرك العقل حسنه، ولا سبيل للعقل إليه. فهو يحتاج إلى مساعدة الشرع. فإذا ورد الشرع بهما، كشف عن حسن وقبح سابقين حاصلين في الفعل، مزيلًا لخفائهما، مظهراً لمقتضى الحسن والقبح بهما. أما إذا ورد بما أدرك العقل حسنه، كالقسمين الأولين، كان أمر الشارع مؤكداً لما أدركه العقل. ومقتضى هذا المذهب: أن يكون الناس مثابين ومعاقبين بناء على ما أدركته عقولهم قبل نزول الشرائع، وإرسال الرسل، فمن بلغتهم شرائع الله مكلفون من الله بما تقضي به هذه الشرائع، ومن لم تبلغهم شرائع الله مكلفون من الله بما تهديهم إليه عقولهم، فعليهم أن يفعلوا ما تستحسنه عقولهم، وأن يتركوا ما تستقبحه عقولهم. فمذهبهم: أن الأحكام الشرعية في الأفعال، تابعة لما فيها من حسن أو قبح، ولكون المولى سبحانه وتعالى حكيماً، يكون حكم الشارع عند التشريع موافقاً لما أدركه العقل، من حسن أو قبح في الأفعال، فيأمر بالحسن منها، وينهى عن القبيح منها. وهذا المذهب باطل، وقد أورد الآمدي . في الأحكام. حجج أصحابه، وأبان ضعفها، وأثبت بطلانها. وأما الماتريدية، وجمهور الحنفية: فقد جاء مذهبهم وسطاً بين مذهب الأشاعرة الذين ضيقوا نطاق حكم العقل - بل عطلوه في هذه المسألة - وبين مذهب المعتزلة الذين جعلوا العقل حاكماً. وقد جعل هذا المذهب للعقل حظاً في معرفة حسن بعض المشروعات، كالإيمان، والعدل، وأصل العبادات، قبل ورود الشرع، لكنه ليس بحاكم، بل الحاكم هو الله تعالى. وجميع المأمورات، فيها حسن آخر ثبت بكونه مأموراً به، وهو لا ينافي الحسن الثابت قبل الأمر. فالحكم عندهم، لا يكون إلا من الشرع، فما لم يرسل الله رسولاً، وينزل عليه كتاباً، فلا حكم العقل. ولو استقل العقل بإدراك ما في الأفعال من حسن أو قبح، ومصلحة أو مفسدة، فلا عقاب على ترك الأحكام قبل البعثة، لأن العقل آلة للعلم بهما، فيخلق الله تعالى العلم عقب نظر العقل، نظراً صحيحاً. فمذهبهم هذا يوافق مذهب الأشاعرة: في أنه لا حكم قبل البعثة، ولا يعرف حكم الله إلا بواسطة رسله وكتبه، لهذا اشترطوا بلوغ الدعوة في التكليف. ويخالفهم: في وجود الحسن والقبح في الأفعال لما فيها من مصلحة ومفسدة. لكن لا يكون حسناً إلا بطلب الله فعله، ولا يكون قبيحاً إلا بطلب الله تركه. كما أنه يوافق مذهب المعتزلة: في وجود صفتي الحسن والقبح في الأفعال، وفي أن العقل يمكن أن يدرك ما في الأفعال من حسن وقبح، بناء على ما يدركه من نفعها أو ضررها، بدون توقف على ورود الشرع. ويخالفهم: في كون حكم الله تعالى، لا بد أن يكون على وفق حكم العقل، وفي أن ما أدرك العقل حسنه، فهو مطلوب لله فعله، وما أدرك العقل قبحه، فهو مطلوب لله تركه. فالماتريدية والأشاعرة، ينفون حكم العقل في زمن الفترة. وهذا مخالف لما عليه المعتزلة الذين يوجبون حكمه في زمن الفترة. = ٤٢ كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه فتوجد وقيل يخلق الله تعالى طائفة نصفهم الأعلى كالذكور والأسفل كالإناث. والصحيح الأول. وفي البحر حرمتها أشدّ من الزنا لحرمتها عقلاً وشرعاً وطبعاً، والزنا ليس بحرام طبعاً، ونزول حرمته بتزوّج وشراء بخلافها، وعدم الحد عنده لا لخفتها بل للتغليظ لأنه مطهر على قول. وفي المجتبى: يكفر مستحلها عند سمعية) أي لا يستقل العقل بإدراك قبحها قبل ورود الدليل السمعي. قوله: (فتوجد) أي يمكن أن توجد. قوله: (وقيل يخلق الله تعالى الخ) هذا خارج عن محل النزاع، لأن الكلام في الإتيان في الدبر. قوله: (والصحيح الأول) هو أنه لا وجود لها في الجنة. قوله: (لحرمتها) أي قبحها كما مر. قوله: (وتزول حرمته الخ) وجه آخر لبيان أشدية اللواطة، وهو أن وطء الذكر لا يمكن زوال حرمته، بخلاط وطء الأنثى فإنه يمكن بتزوّجها أو شرائها. قوله: (لأنه مطهر على قول) أي قول كثير من العلماء وإن كان خلاف مذهبنا كما مر. قوله: (يكفر مستحلها) قدم الشارح في باب الحيض الخلاف في كفر مستحل وطء الحائض ووطء الدبر، ثم وفق بما في التاترخانية عن السراجية: اللواطة بمملوكه أو مملوكته أو امرأته حرام، إلا أنه لو استحله لا يكفر. قاله حسام الدين اهـ: أي فيحمل القول بكفره على ما إذا استحل اللواطة بأجنبيّ، = وخلاصة القول في مذهب الماتريدية، أن أفعال المكلفين فيها خواص، ولها آثار تقتضي حسنها أو قبحها، وأن العقل بناء على هذه الخواص والآثار، يستطيع الحكم: بأن هذا الفعل حسن. وهذا الفعل قبيح، وما رآه العقل السليم حسناً، فهو حسن، وما رآه العقل السليم قبيحاً، فهو قبيح. ولكن لا يلزم أن تكون أحكام الله في أفعال المكلفين على وفق ما تدركه عقولهم فيها من حسن أو قبح، لأن العقول مهما نضجت قد تخطىء، ولأن بعض الأفعال منها ما تشتبه فيه العقول، فلا تلازم بين أحكام الله، وما تدركه العقول. وعلى هذا لا سبيل إلى معرفة حكم الله إلا بواسطة رسله. وقد استدل أنصار هذا المذهب على ما يؤيد مذهبهم من نصوص الكتاب الحكيم، فأوردوا قول الله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ وقوله تعالى في معرض وصفه الرسول *: ((يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث) . وقالوا: بأن هذه الآيات وأمثالها، تدل على أن الله تعالى إذا أمر، فإنما يأمر بما هو عدل وإحسان ومعروف، وإذا نهى فإنما ينهى عما هو فحشاء ومنكر وبغي، وإذا أحل فإنما يحل الطيبات، وإذا حرم فإنما حرم الخبائث. فيكون الباعث على الأمر والنهي: اتصاف المأمور به بالأوصاف المذكورة التي وصف بها، واتصاف المنهي عنه بالأوصاف المذكورة التي وصف بها. وهذه الأوصاف ثابتة للمأمور به، والمنهي عنه قبل ورود أمر الشارع، وقبل نهيه، فإذا ورد أمر الشارع حسنها أو قبحها بأمره، لا بالعقل. انظر المحصول ١٥٩/١ البرهان ٨٧/١ الأحكام للآمدي ١١٣/١ المعتمد ٣٦٤/١، شرح مختصر المنتهى ٢٠٠/١، كشف الأسرار ١٨٣/١، فتح الغفار ٥٣/١، التوضيح ١٧٢/١ ونهاية السول ١١٥/١. ٤٣ كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه الجمهور (أو زنى في دار الحرب أو البغي) إلا إذا زنى في عسكر لأميره ولاية الإقامة. هداية. (ولا) حدّ (بزنا غير مكلف بمكلفة مطلقاً) لا عليه ولا عليها (وفي عكسه حد) فقط . (ولا) حدّ (بالزنا بالمستأجرة له) أي للزنا. والحق وجوب الحدّ كالمستأجرة للخدمة. فتح (ولا بالزنا بإكراه و) لا (بإقرار إن أنكر الآخر) للشبهة، بخلاف غيره؛ لكن في الشرنبلالية أن هذا يعلم ولا يعلم: أي لئلا يتجرأ الفسقة عليه بظنهم حله. تتمة: للواطة أحكام أخر: لا يجب بها المهر ولا العدة في النكاح الفاسد ولا في المأتي بها لشبهة، ولا يحصل بها التحليل للزوج الأول، ولا تثبت بها الرجعة ولا حرمة المصاهرة عند الأكثر، ولا الكفارة في رمضان في رواية. ولو قذف بها لا يجد خلافاً لهما، ولا يلاعن خلافاً لهما. بحر. وهو مأخوذ من المجتبى. ويزاد ما في الشرنبلالية عن السراج: يكفي في الشهادة عليها عدلان لا أربعة خلافاً لهما. قوله: (إلا إذا زنى الخ) يعني أن ما في المتن خاص بما إذا خرج من عسكر من له ولاية إقامة الحدود فدخل دار الحرب وزنى ثم عاد، أو كان مع أمير سرية أو أمير عسكر فزنى ثمة، أو كان تاجراً أو أسيراً. أما لو زنى مع عسكر من له ولاية إقامة الحد فإنه يحد، بخلاف أمير العسكر أوالسرية، لأنه إنما فوّض لهما تدبير الحرب لا إقامة الحدود، وولاية الإمام منقطعة ثمة كما في الفتح. شرنبلالية. قوله: (لا عليه ولا عليها) لأن فعل الرجل أصل في الزنا والمرأة تابعة له، وامتناع الحدّ في حق الأصل يوجب امتناعه في حق التبع. نهر. وكذا لا عقر عليه، لأنه لو لزمه لرجع به الولي عليها لأمرها له بمطاوعتها له، بخلاف ما لو زنى الصبيّ بصبية أو بمكرهة فإنه يجب عليه العقر كما في الفتح. شرنبلالية. قوله: (والحق وجوب الحد) أي كما هو قولهما وهذا بحث لصاحب الفتح، وسكت عليه في النهر والمتون والشروح على قول الإمام. قوله: (ولا بالزنا بإكراه) هذا ما رجع إليه الإمام، وكان أولاً يقول: إن الرجل يحدّ لأنه لا يتصوّر إلا بانتشار الآلة، وهو آية الطواعية، بخلاف المرأة فلا تحدّ إجماعاً، وأطلق فشمل الإكراه من غير السلطان على قولهما المفتى به من تحققه من غيره، وهو اختلاف عصر وزمان، وتمامه في البحر. قال ط: والمراد أنه لا يجب على الزاني المكره؛ فلو زنى مكرهاً بمطاوعة وجب عليها الحد كما في حاشية الشلبي. قوله: (ولا بإقرار إن أنكره الآخر) أي لو أقر أحدهما بالزنا أربع مرات في أربع مجالس وأنكر الآخر، سواء ادعى المنكر النكاح أو لم يدعه لا يحد المقر خلافاً ٤٤ كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجبه وكذا لو قال اشتريتها ولو حرّة. مجتبى. لهما في الثانية لانتفاء الحد عن المنكر بدليل موجب للنفي عنه فأورث شبهة في حق المقر، لأن الزنا فعل واحد يتم بهما، فإذا تمكنت فيه شبهة تعدت إلى طرفيه، لأنه ما أطلق بل أقرّ بالزنا بمن درأ الشرع الحد عنه، بخلاف ما لو أطلق وقال: زنيت فإنه لا موجب شرعي يدفعه، ومثله لو أقرّ بالزنا بغائبة لأنه لم ينتف في حقها بما يوجب النفي وهو الإنكار، ولذا لو حضرت وأقرّت تحد، فظهر أن الاعتبار للإنكار لا للغيبة. فتح ملخصاً. قلت: ويظهر من هذا أن السكوت لا يقوم مقام الإنكار. تأمل؛ نعم تقدم أنه لو أقرّ بالزنا بخرساء لا يحد لاحتمال أنها لو كانت تتكلم لأبدت مسقطاً، وقدمنا في الباب السابق الفرق بينهما وبين الغائبة. تنبيه: حيث سقط الحد يجب لها المهر وإن أقرت هي بالزنا وادعى النكاح، لأنه لما سقط الحد صارت مكذبة شرعاً، ثم لو أنكرت الزنا ولم تدع النكاح وادعت على الرجل حد القذف فإنه يجد له ولا يحد للزنا، وتمامه في الفتح. قوله: (وكذا لو قال اشتريتها ولو حرة) أي ولو كانت حرة لا يحد، لأنه لم يقرّ بالزنا حيث ادعى الملك. وفي كافي الحاكم: زنى بأمة ثم قال اشتريتها شراء فاسداً، أو على أن للبائع فيه الخيار، أو ادعى صدقة أو هبة وكذبه صاحبها ولم يكن له بينة درىء عنه الحداهـ. وفي التاترخانية عن شرح الطحاوي: شهد عليه أربعة بالزنا وأثبتوه ثم ادعى شبهة فقال ظننت أنها امرأتي لا يسقط الحد؛ ولو قال هي امرأتي أو أمتي لا حد عليه ولا على الشهود اهـ. وفي البحر: لو ادعى أنها زوجته فلا حد وإن كانت زوجة للغير، ولا يكلف إقامة البينة للشبهة، كما لو ادعى السارق أن العين ملكه سقط الحد بمجرد دعواه اهـ وتقدمت هذه متناً في الباب السابق. ! قلت: وانظر وجه الفرق بين قوله ظننت أنها امرأتي وقوله هي امرأتي، ولعل وجهه أن قوله ظننت يدل على إقراره بأنها أجنبية عنه فكان إقراراً بالزنا بأجنبية، بخلاف قوله هي امرأتي أو اشتريتها ونحوه فإنه جازم به وبأن فعله غير زنا، فتأمل. بقي هنا شيء وهو أن الشبهة في هذه المسائل وفي مسألة المتن التي قبلها لم أر من ذكر أنها من أيّ أقسام الشبه الثلاثة، وظاهر كلامهم أنها خارجة عنها. ووجهه أنه في هذه المسائل يدعي حقيقة الملك الذي لو ثبت لم يكن وطؤه فيه محرماً، بخلاف تلك الأقسام. والظاهر أن النسب هنا لا يثبت وأن الفعل تمحض زنا، وإنما سقط الحد لشبهة صدقه في دعواه الملك بالعقد أو بالشراء ونحوه، وبهذا لا يثبت النسب لأن الملك ثابت لغيره، وعلى هذا فيمكن دخولها في شبهة الفعل وهي شبهة الاشتباه، لأن ٤٥ كتاب الحدود/ باب الوطء الذي يوجب الحد، والذي لا يوجيه (وفي قتل أمة بزناها الحد) بالزنا والقيمة بالقتل، ولو أذهب عينها لزمه قيمتها وسقط الحد لتملكه الجثة العمياء فأورث شبهة. هداية. وتفصيل ما لو أفضاها في الشرح. (ولو غصبها ثم زنى بها ثم ضمن قيمتها فلا حدّ عليه) اتفاقاً (بخلاف ما لو زنی ہہا) ثم غصبها ثم ضمن قيمتها، كما لو زنی بحرة ثم نكحها مرجعها إلى أنه اشتبه عليه الأمر بظنه الحل، والله سبحاه أعلم. قوله: (وفي قتل أمة بزناها) هذا عندهما. وأما عند أبي يوسف: فعليه القيمة لا الحد، لأنه لم يبق زنا حيث اتصل بالموت كما في المحيط. قهستاني. قلت: وصحح في الخانية قول أبي يوسف، لكن المتون والشروح على الأول، بل ما ذكر عن أبي يوسف هو رواية عنه لا قوله، وهي خلاف ظاهر الرواية عنه كما أوضحه في الفتح. قوله: (الحد بالزنا والقيمة بالقتل) أشار إلى توجيه وجوب الحد والقيمة بأنهما جنايتان مختلفتان بموجبين مختلفين ط. قوله: (ولو أذهب عينها) كذا في البحر وغيره، والأظهر عينيها بالتثنية ليلزم كل القيمة لكنه مفرد مضاف فيعم بقرينة قوله الجثة العمياء. قوله: (فأورث شبهة) أي في ملك المنافع تبعاً فيندرى عنه الحد، بخلاف ما مر، فإن الجثة فائتة بالقتل فلا تملك بعد الموت، وتمامه في الفتح. قوله: (وتفصيل ما لو أفضاها في الشرح) أي شرح المصنف. وحاصله أنه إن أفضاها وهي كبيرة مطاوعة بلا دعوى شبهة حد، ولا عقر عليه لرضاها به، ولا مهر لوجوب الحد، وإن كان مع دعوى شبهة فلا حد ويجب العقر، وإن كانت مكرهة ولم يدّع شبهة لزمه الحد لا المهر، وضمن ثلث الدية إن استمسك بوليها، وإلا فكلها لتفويته جنس المنفعة على الكمال، وإن ادعى شبهة فلا حد، ثم إن استمسك فعليه ثلث الدية، ويجب المهر في ظاهر الرواية، وإن لم يستمسك فكل الدية ولا مهر، خلافاً لمحمد. وإن أفضاها وهي صغيرة، فإن كان يجامع مثلها فكالكبيرة، إلا في حق سقوط الأرش برضاها، وإلا فلا حد ولزمه ثلث الدية والمهر كاملاً إن استمسك بولها، وإلا فكل الدیة دون المهر، خلافاً لمحمد لدخول ضمان الجزء لضمان الكل، كما لو قطع أصبع إنسان ثم كفه قبل البرء اهـ. قوله: (فلا حد عليه اتفاقاً) لأنه ملكها بالضمان فأورث شبهة في ملك المنافع أخذاً مما مر، وهذا إذا لم تمت. ففي الجوهرة: ولو غصب أمة فزنى بها فماتت من ذلك أو غصب حرّة ثیباً فزنى بها فماتت من ذلك. قال أبو حنيفة: عليه الحد في الوجهين مع دية الحرة وقيمة الأمة، أما الحرة فلا إشكال فيها لأنها لا تملك بدفع الدية، وأما الأمة فإنها تملك بالقيمة، إلا أن الضمان وجب بعد الموت والميت لا يصلح تملكه. قوله: (كما لو زنى بحرة) تقدمت ٤٦ كتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها لا يسقط الحد اتفاقاً. فتح. (والخليفة) الذي لا والي فوقه (يؤخذ بالقصاص والأموال) لأنهما من حقوق العباد، فيستوفيه ولي الحق، إما بتمكينه أو بمنعة المسلمين، وبه علم أن القضاء ليس بشرط لاستيفاء القصاص والأموال بل للتمكين. فتح (ولا يحد) ولو القذف لغلبة حق الله تعالى وإقامته إليه ولا ولاية لأحد عليه (بخلاف أمير البلدة) فإنه يحد بأمر الإمام، والله أعلم. بَابُ الشّهَادِةِ عَلَى أَزْنَا وَالرُّجُوعٍ عَنْهَا (شهدوا بحدّ متقادم بلا عذر) كمرض أو بعد مسافة أو خوف أو خوف متناً في الباب السابق عند قوله وندب تلقينه. قوله: (لا يسقط الحد) أي في المسألتين لعدم الشبهة وقت الفعل كما ذكره الشارح هناك. وقوله ((اتفاقاً) ذكره في الفتح عن جامع قاضيخان في المسألة الأخيرة، وقدم الشارح أنه الأصح، ومفاده الخلاف. وذكر في البحر عن المحيط: لو تزوج المزني بها أو اشتراها لا يسقط الحد في ظاهر الرواية لأنه لا شبهة له وقت الفعل اهـ. ثم ذكر في أول هذا الباب عن الظهيرية خلافاً في المسألتين، هو أنه لا حد فیهما عنده بل عند أبي یوسف. وروی الخلاف بالعكس. وروی الحسن عن الإمام أنه لا حدّ في الشراء بل في التزوج، لأنه بالشراء يملك عينها، بخلاف التزوج. قلت: ومسألة الغصب الثانية التي ذكرها المصنف توافق ظاهر الرواية. قوله: (أما بتمكينه) أي تمكين الخليفة وليّ الحق من الاستيفاء. قوله: (وبه علم الخ) لأنه لم يشترط القضاء هنا، فلو قتل الولي القاتل قبل القضاء لم يضمن وكذا لو أخذ ماله من غاصبه، بخلاف ما لو قتل أحد الزاني قبل القضاء برجمه فإنه يضمن كما مر، لأن القضاء شرطه. قوله: (ولا ولاية لأحد عليه) أي ليستوفيه. وفائدة الإيجاب الاستيفاء، فإذا تعذر لم يجب. وأورد عليه ما المانع من أن يولي غيره الحكم بما يثبت عنده كما في الأموال، قيل ولا مخلص إلا إن ادعى أن قوله تعالى: ﴿فَأَجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] يفهم أن الخطاب للإمام أن يجلد غيره، وقد يقال أين دليل إيجاب الاستنابة. فتح. والله سبحانه أعلم. بَابُ الْشِّهَادِةِ عَلَى الَزَّنَا وَالرُّجُوعٍ عَنْهَا تقدم أن الزنا يثبت بالإقرار والبينة، وقدم كيفية ثبوته بالأول، لأن الثاني أندر نادر لضيق شروطه. وأيضاً لم يثبت عنده وَ ل# ولا عند أصحابه بعده إلا بالإقرار كما في الفتح. قوله: (شهدوا بحد متقادم) أي بسبب حدّ لأنه المشهود به لا نفس الحد اهح: ٤٧ كتتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها طريق (لم تقبل) للتهمة (إلا في حد القذف) إذ فيه حق العبد (ويضمن المال المسروق) لأنه حق العيد فلا يسقط بالتقادم (ولو أقرّ به) أي بالحدّ (مع التقادم حدّ) لانتفاء التهمة (إلا في الشرب) كما سيجيء (وتقادمه بزوال الريح، ولغيره بمضيّ شهر) هو الأصح. أي ففي التعبير تساهل كما في الفتح. قوله: (للتهمة) لأن الشاهد مخير بين أداء الشهادة والستر، فالتأخير إن كان لاختيار الستر فالإقدام على الأداء بعده لعداوة حركته فيتهم فيها وإن كان لا للستر يصير فاسقاً آئماً فتيقناً بالمانع، بخلاف الإقرار لأن الإنسان لا يعادي نفسه. هداية. وأورد على قوله يصير فاسقاً بأن ذلك لو كان الأداء واجباً، وليس كذلك، إلا أن يجاب بأن سقوط الوجوب لأجل الستر فإذا أدى لم يوجد موضع الرخصة المسقطة للوجوب. تأمل. قوله: (إذ فيه حق العبد الخ) أي وإن كان الغالب فيه حق الله تعالى اهـح. قال في الهداية: فحدّ الزنا والشرب والسرقة خالص حقه تعالى حتى يصح الرجوع عنها بعد الإقرار فيكون التقادم فيه مانعاً. وحد القذف فيه حق العبد، لما فيه من دفع العار عنه، ولهذا لا يصح رجوعه بعد الإقرار، والتقادم غير مانع في حقوق العباد، ولأن الدعوى فيه شرط، فيحمل تأخيرهم على انعدام الدعوى فلا يوجب تفسيقهم، بخلاف السرقة لأن الدعوى ليست بشرط للحد لأنه خالص حقه تعالى على ما مر، وإنما تشترط للمال. هداية. وحاصله أن في السرقة أمرين: الحدّ والمال، وإنما تشترط الدعوى للزوم المال لا للزوم الحد، ولذا ثبت المال بها بعد التقادم لأنه لا يبطل به، بخلاف الحد. قوله: (ويضمن المال الخ) عطف على قوله ((لم تقبل)) قال في البحر: وقولهم بضمان المال مع تصريحهم بوجود التهمة في شهادتهم مع التقادم مشكل، لأنه لا شهادة للمتهم ولو بالمال، إلا أن يقال: إنها غير محققة، وإنما الموجود الشبهة اهـ: أي إنما سقط الحد لاحتمال العداوة، وذلك غير محقق لكنه يصير شبهة يسقط بها الحد دون المال. قوله: (لأنه حق البعد) ولأن تأخير الشهادة لتأخير الدعوى لا يوجب فسقاً، وينبغي أنهم لو أخروا الشهادة لا لتأخير الدعوى أن لا تقبل في حق المال أيضاً كما في الفتح. نهر. قوله: (لانتفاء التهمة) لأن الإنسان لا يعادي نفسه كما مر. قوله: (إلا في الشرب) فإن التقادم فيه يبطل الإقرار عند أبي حنيفة وأبي يوسف. بحر عن غاية البيان. وأما عند محمد فلا يبطله، وسيجيء تصحيحه في بابه. قوله: (هو الأصح) اعلم أن التقادم عند الإمام مفوض إلى رأي القاضي في كل عصر، لكن الأصح ما عن محمد أنه مقدر بشهر، وهو مرويّ عنهما أيضاً. وقد اعتبره محمد في شرب الخمر أيضاً. وعندهما: هو ٤٨ كتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عتها (ولو شهدوا بزنا متقادم حدّ الشهود عند البعض، وقيل لا) كذا في الخانية .. (شهدوا على زناه بغائبة حد، ولو على سرقة من غائب لا) لشرطية الدعوى في السرقة دون الزنا. (أقرّ بالزنا بمجهولة حدّ، وإن شهدوا عليه بذلك لا) لاحتمال أنها امرأته أو أمته (لاختلافهم في طوعها أو في البلد؛ مقدر بزوال الرائحة، وجزم به في الكنز في بابه، فظاهره كغيره أنه المختار. فعلم أن الأصح اعتبار الشهر إلا في الشرب. بحر. وبه ظهر أن ما ذكره المصنف ليس قول محمد على إطلاقه، بل هو ماش على قولهما في الشرب، وعلى قول محمد في غيره، فافهم. قوله: (وقيل لا) أقول هذا هو المذهب، لأنه هو المذكور في كافي الحاكم الشهيد، حيث قال: وإذا شهد الشهود على رجل بزنا قديم لم آخذ بشهادتهم ولا أحدهم اهـ. ولذا قال الكرخي: إنه الظاهر: أي ظاهر الرواية. وعلله في العناية بأن عددهم متكامل وأهلية الشهادة موجودة وذلك بمنع أن يكون كلامهم قذفاً. قوله: (بغائبة) أي والشهود يعرفونها، إذ لا حدّ عليه بعدم معرفتها كما يأتي. شرنبلالية. قوله: (ولو على سرقة) مثله القذف كما يشير إليه تعليله ح. قوله: (الشرطية الدعوى الخ) أي أنها شرط للعمل بالبينة، لأن الشهادة بالسرقة تتضمن الشهادة بملك المسروق للمسروق منه فلا تقبل بلا دعوى، وليست شرطاً لثبوت الزنا عند القاضي، ولا يقال: يحتمل أن الغائبة لو حضرت تدعي النكاح فيسقط الحد. لأنا نقول: دعواها النكاح شبهة واحتمال دعواها ذلك شبهة الشبهة فلا تعتبر، وإلا أدى إلى نفي كل حد لأن ثبوته بالبيئة أو الإقرار. ويحتمل أن يرجع المقر أو الشهود، وذلك لا يعتبر، لأن نفس هذا الرجوع شبهة واحتماله شبهة الشبهة. أفاده في الفتح. قوله: (حد) لأنه لا يخفى عليه من له فيها شبهة فإنه کما لا يقرّ على نفسه كاذباً لا يقر على نفسه حال الاشتباه، فلما أقر بالزنا كان فرع علمه أنها لم تشتبه عليه، وصار معنى قوله لم أعرفها: أي باسمها ونسبها، ولكن علمت بأنها أجنبية، فكان هذا كالمنصوص عليه، بخلاف الشاهد فإنه يجوز أن يشهد على من تشتبه عليه فلا يكون قول الشاهد لا أعرفها موجباً للحد: فتح. قوله: (لاحتمال أنها امرأته أو أمته) لو قال لاحتمال أن يكون له فيها شبهة لكان أعم اهـح. وفي كافي الحاكم: وإن قال المشهود عليه إن التي رأوها معي ليست لي بامرأة ولا خادم لم يحدّ أيضاً لتصوّر أن يكون أمة ابنه أو منكوحته نكاحاً فاسداً. بحر. قوله: (كاختلافهم في طوعها) بأن شهد اثنان أنه أكرهها وآخران أنها طاوعته لم يحدا عنده. وقالا: يجد الرجل لاتفاقهم على أنه زنى، وتفرد اثنان منهم بزيادة جناية وهي الإكراه، وله أنه زناءان مختلفان لم يكمل في كل نصاب، لأن زناها طوعاً غير مكرهة فلا حد، ولأن الطوع يقتضي اشتراكهما في الفعل والكره يقتضي تفرده فكانا غيرين ولم يوجد في ٤٩ كتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها ولو) كان (على كل زنا أربعة) لكذب أحد الفريقين؛ يعني إن ذكروا وقتاً واحد وتباعد المكانان وإلا قبلت. فتح (ولو اختلفوا في) زاويتي (بيت واحد صغير جدّاً) أي الرجل والمرأة استحساناً لإمكان التوفيق. (ولو شهدوا على زناها و) لكن (هي بكر) أو رتقاء أو قرناء (أو هم فسقة أو شهدوا على شهادة أربعة وإن) وصلية (شهد الأصول) بعد ذلك (لم يحد أحد) كل نصاب. ثم إن اتفاق الشهود على النسبة إلى الزنا بلفظ الشهادة مخرج لكلامهم من :أن يكون قذفاً، وتمامه في الزيلعي. قوله: (ولو على كل زنا أربعة) راجع لقوله ((أو في البلد)» كما اقتضاه كلام الشراح في تصويرهم المسألة وتعليلهم بامتناع فعل واحد في ساعة واحدة في مكانين متباينين فتيقنا بكذب أحد الفريقين. وظاهره أنه لو شهد أربعة بالطوع وأربعة بالإكراه يحدان، وبه جزم محشي مسكين معللاً بعدم التيقن بكذب أحد الفريقين حيث لم يذكروا وقتاً واحداً، وجزم ج بأن لا حدّ لما مر أول الباب السابق من أن الحد يسقط في دعوى الإكراه إذا برهن. قال: ومعلوم أن ذلك بعد ثبوت الحد عليه أبالبينة، والبينة المثبتة للحد لا بد وأن تشهد بالطوع اهـ. قلت: هذا إنما يظهر إذا ذكروا وقتاً واحداً، وإلا فيمكن حمله على فعلين: أحدهما بالإكراه، والآخر بالطوع. وأما ما مر في الباب السابق فهو فيما إذا شهد أربعة على زناه طوعاً وأقام شاهدين على الإكراه في ذلك الفعل بعينه لا مطلقاً فيندرىء الحد عنه للشبهة، فافهم، والله سبحانه أعلم. قوله: (وإلا) بأن اتحد الوقت وتقارب المكانان، أو اختلف الوقت وتباعد المكانان، أو تقاربا. ح. قوله: (في زاويتي بيت) أي جانبيه. قوله: (لإمكان التوفيق) بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والانتهاء في أخرى بالاضطراب والحركة. بحر. لا يقال: هذا توفيق لإقامة الحد والواجب درؤه بأن التوفيق مشروع صيانة للقضاء عن التعطيل، إذ لو شهد أربعة قبلوا مع احتمال شهادة كل منهم في وقت آخر، وقبولهم مبني على الاتحاد وإن لم ينصوا عليه. أفاده في الفتح. قوله: (ولكن هي بكر) إقحام الشارح لفظة ((لكن)) غير ظاهر، لأن الواو في كلام المصنف واو الحال والجملة حالية، وكذا قوله بعده ((ولكن هم عميان)) كما أفاده ط. قوله: (لم يجد أحد) أي من الشهود والمشهود عليهما في المسائل الثلاث. أما الأولى: فلأن الزنا لا يتحقق مع بقاء البكارة ونحوه فلا يحدان لظهور الكذب، ولا الشهود لأن ثبوت البكارة ونحوها بقول امرأة أو أكثر حجة في إسقاط الحد لا في إيجابه. وأما الثانية: فلم يجد لاشتراط العدالة لثبوت الزنا، ولا الشهود، سواء علم فسقهم في الابتداء أو ظهر بعده، لأن الفاسق من أهل الأداء والتحمل وإن كان في أدائه ٥٠ كتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها. وكذا لو شهدوا على زناه فوجد مجبوباً. (ولو شهدوا بالزنا و) لكن (هم عميان أو محدودون في قذف أو ثلاثة أو أحدهم محدود أو عبد أو وجد أحدهم كذلك بعد إقامة الحد حدواً) للقذف إن طلبه المقذوف (وأرش جلده) وإن مات منه (هدر) خلافاً لها (ودية رجمه في بيت المال اتفاقاً) ويحد من رجع من الأربعة (بعد الرجم فقط) لانقلاب شهادته بالرجوع قذفاً (وغرم ربع الدية، نوع قصور لتهمة الفسق، ولذا لو قضى بشهادته ينفذ عندنا فيثبت بشهادتهم شبهة الزنا فسقط الحد عنهم، ولذا لا يحد القاذف لو أقام أربعة من الفساق على زنا المقذوف. وأما الثالثة: فلأن الشهادة على الشهادة لا تجوز في الحدود لزيادة الشبهة باحتمال الكذب في موضعين في الأصول وفي الفروع، ولا يحد الفروع لأن الحاكي للقذف غير قاذف وكذا الأصول بالأولى، ولو شهدوا بعد الفروع لرد شهادتهم من وجه برد شهادة الفروع اهـ. ملخصاً من البحر. قوله: (فوجد مجبوباً) وجه عدم حد الشهود فیه یؤخذ مما عللوا به أيضاً في البكارة والرتق وهو تكامل عددهم ولفظ الشهادة، ثم رأيته كذلك في الدرر، فافهم. وأيضاً سيأتي أن المجبوب لا حد على قاذفه، وبه علل المسألة هنا الحاكم في الكافي. قوله: (عميان) أي أو عبيداً أو صبيان أو مجانين أو كفاراً. نهر. قوله: (حدوا للقذف) أي دون المشهود عليه لعدم أهلية الشهادة فيهم أو عدم النصاب فلا يثبت الزنا. قوله: (وأرش جلده) أي إذا كان جرحه الجلد كما في الهداية. قوله: (خلافاً لهما) حيث قال: إن الأرش في بيت المال لأنه ينتقل فعل الجلاد للقاضي وهو عامل للمسلمين فتجب الغرامة في مالهم. وله أن الفعل الجارح لا ينتقل للقاضي لأنه لم يأمر به فيقتصر على الجلاد، إلا أنه لا يجب عليه الضمان في الصحيح كيلا يمتنع الناس عن الإقامة مخافة الغرامة. ابن كمال. وعلى هذا الخلاف إذا رجع الشهود لا يضمنون عنده. وعندهما يضمنون، وتمامه في الهداية والنهر. وفي العزمية عن بعض شروح الهداية: ومعرفة الأرش أن يقوّم المحدود عبداً سليماً من هذا الأثر فينظر ما ينقص به القيمة: ينقص من الدية بمثله اهـ. قلت: لكن قوله ((ينقص من الدية بمثله)) لا محل له، بل الظاهر أن يقال: فينظر ما ينقص به القيمة يؤخذ من الشهود. وبيانه أنه لو فرض أن قيمته سليماً ألف وقيمته بهذه الجراحة تسعمائة تكون الجراحة نقصته مائة هي الأرش فيرجع على الشهود بها. قوله: (فقط) قيد لقوله: ((ويحد من رجع)) أي يحد الراجع فقد حد القذف دون الباقين لبقاء شهادتهم. قوله: (وغرم ربع الدية) لأن التألف بشهادته ربع الحق، وكذا لو رجع الكل حدوا وغرموا الدية. نهر. وقول البحر: وغرموا ربع الدية صوابه جميع الدية كما قاله ٥١ كتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها و) إن رجع (قبله) أي الرجم (حدوا) للقذف (ولا رجم) لأن الإمضاء من القضاء في باب الحدود. (ولا شيء على خامس) رجع بعد الرجم (فإن رجع آخر حدا وغرما ربع الدية) ولو رجع الثالث ضمن الربع، ولو رجع الخمسة ضمنوها أخماساً. حاوي. (وضمن المزكي دية المرجوم إن ظهروا) غير أهل للشهادة (عبيداً أو كفاراً) وهذا إذا أخبر المزكي بحرية الشهود وإسلامهم ثم رجع قائلاً تعمدت الكذب، الرملي. قوله: (وإن رجع قبله) أي الرجم سواء كان قبل القضاء أو بعده. نهر. قوله: (حدوا للقذف) أي حد الشهود كلهم. أما إذا كان قبل القضاء فهو قول علمائنا الثلاثة لأنهم صاروا قذفة. ك، أما بعده فهو قولهما وقال محمد: يحد الراجع فقط لأن الشهادة تأكدت بالقضاء فلا تنفسخ إلا في حق الراجع. ولهما أن الإمضاء من القضاء، ولذا سقط الحد عن المشهود عليه. نهر. قوله: (لأن الإمضاء الخ) هذا التعليل فيما إذا كان الرجوع بعد القضاء واقتصر عليه لعدم الخلاف عند الثلاثة فيما قبله، فافهم. ومعناه أن إمضاء الحدّ من تمام القضاء به. وثمرته تظهر أيضاً فيما إذا اعترضت أسباب الجرح أو سقوط إحصان المقذوف "أو عزل القاضي كما في المعراج. قوله: (حدا وغرما ربع الدية) أما الحد فلانفساخ القضاء بالرجم في حقهما. وأما الغرم فلأن المعتبر بقاء من بقي لا رجوع من رجع. وقد بقي من يبقى ببقائه ثلاثة أرباع الدية فيلزمهما الربع. فإن قيل: الأول منهما حين رجع لم يلزمه شيء فكيف يجتمع عليه الحد والضمان بعد ذلك برجوع غيره؟ قلنا: وجد منه الموجب للحد والضمان وهو قذفه وإتلافه بشهادته، وإنما امتنع الوجوب لمانع وهو بقاء من يقوم بالحق، فإذا زال المانع برجوع الثاني ظهر الوجوب. ح عن الزيلعي. قوله: (ولو رجع الثالث ضمن الربع) وكذا الثاني والأول. بحر عن الحاوي القدسي. قوله: (ولو رجع الخمسة) أي معاً لا مرتباً. قوله: (وضمن المزكى) أفرده لأنه لا يشترط العدد في التزكية كما في الفتح: أي ضمن من زكى شهود الزنا إذا رجع عن التزكية وتؤخذ الدية من ماله لا من بيت المال، خلافاً لهما، لأن الشهادة إنما تصير حجة بالتزكية فكانت في معنى علة العلة فيضاف الحكم إليها، بخلاف شهود الإحصان إذا رجعوا لأنه محض الشرط. قوله: (إن ظهروا) أي شهود الزنا. قوله: (عبيداً أو كفاراً) بيان لقوله: ((غير أهل)) أشار به إلى أن المراد به كونهم غير أهل للأداء وإن كانوا أهلاً للتحمل. قوله: (وهذا الخ) تورّك على المصنف حيث ترك كالكنز قيد الرجوع أخذا بظاهر كلام المنظومة، وقد حقق المقام في الفتح، فراجعه. قوله: (بحرية الشهود وإسلامهم) أي وعدالتهم، وقيد بالإخبار بذلك ليكون تزكية سواء كان بلفظ الشهادة أو ٥٢ كتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها وإلا فالدية في بيت المال اتفاقاً، ولا يحدون للقذف لأنه لا يورث. بحر (كما لو قتل من أمر برجمه) بعد التزكية (فظهروا كذلك غير أهل) فإن القاتل يضمن الدية استحساناً لشبهة صحة القضاء، فلو قتله قبل الأمر أو بعده قبل التزكية اقتص منه كما يقتص بقتل المقضي بقتله قصاصاً ظهر الشهود عبيداً أو لا، لأن الاستيفاء بلفظ الإخبار، لأنه لو أخبر بأنهم عدول ثم ظهروا عبيداً لم يضمن اتفاقاً لأنها ليست تزكية، والقاضي قد أخطأ حيث اكتفى بهذا القدر. بحر. قوله: (وإلا) أي وإن لم يرجع بل استمر على تزكيته قائلاً هم أحرار مسلمون، وكذا لو قال أخطأت. فتح. قوله: (ولا يحدون) أي الشهود، وكذا لا يضمنون. بحر. قوله: (لأنه لا يورث) لأنهم قذفوا حياً وقد مات فلا يورث كما في الفتح. قلت: ولا يردّ عليه المسألة المتقدمة، وهي ما إذا رجع أحد الأربعة بعد الرجم لما مر من انقلاب شهادته بالرجوع قذفاً: أي لأنها حين وقعت كانت معتبرة شهادة ثم انفسخت فصارت قذفاً للحال كما حققه في الفتح هناك. قوله: (كما لو قتل الخ) هكذا عبر في الدرر. واعترض بأنه يوهم أن الضامن هو المزكي. وليس كذلك بل هو القاتل، فالتشبيه بين الضمانين فقط لا مع ما أسند إليهما. والأوضح قول الوقاية ضمن الدية: من قتل المأمور برجمه أو زكى شهود زناه فظهروا عبيداً أو كفاراً اهـ. قوله: (بعد التزكية) قيد به لأن المراد بالأمر هو الكامل، وهو أن يكون بعد استيفاء ما لا بد منه نهر، ويأتي محترزه. قوله: (فظهروا كذلك) أما لو لم يظهروا كذلك فلا شيء على القاتل لكنه يعزّر لافتياته على الإمام. بحر عن الفتح. وقدمه الشارح أول الحدود عن النهر بحثاً. قوله: (غير أهل) بدل من قوله ((كذلك)). قوله: (يضمن الدية) أي في ماله لأنه عمد والعاقلة لا تعقل العمد، وتجب في ثلاث سنين لأنه وجب بنفس القتل فيجب مؤجلاً كالدية. فتح. قوله: (استحساناً) والقياس وجوب القصاص لأنه قتل نفساً محقونة الدم عمداً بفعل لم يؤمر به، إذ المأمور به الرجم فلا يصير فعله منقولًا إلى القضاء. قوله: (الشبهة صحة القضاء) أي ظاهراً لأنه حين قتله كان القضاء بالرجم صحيحاً ظاهراً فأورث شبهة الإباحة. قوله: (قبل الأمر) أي قبل القضاء بالرجم كما عبر في الفتح، لأن المراد بالأمر الكامل كما مر. قوله: (أو بعده) أي بعد الأمر قبل التزكية خطأ من القاضي. بحر. قوله: (اقتص منه) أي في العمد ووجب في الخطإ الدية على عاقلته في ثلاث سنين. بحر. قوله: (كما يقتص الخ) التشبيه من حيث وجوب القصاص فقط. وأفاد الفرق بين المسألتين من حيث وجوب القصاص هنا وإن لم يظهر الشهود عبيداً، وذلك أن المقضي بقتله قصاصاً حق الاستيفاء منه للوليّ، بخلاف المقضي برجمه. قوله: ٥٣ كتاب الحدود/ باب الشهادة على الزنا والرجوع عنها للولي. زيلعي من الردة (وإن رجم ولم يزك) الشهود (فوجدوا عبيداً فديته في بيت المال) لامتثاله أمر الإمام فنقل فعله إليه (وإن قال شهود الزنا تعمدنا النظر قبلت) لإباحته لتحمل الشهادة (إلا إذا قالوا) تعمدناه (للتلذذ فلا) تقبل لفسقهم فتح (وإن أنكر الإحصان فشهد عليه رجل وامرأتان أو ولدت زوجته منه) قبل الزنا. نهر (زيلعي من الردة) أي من باب الردة وهذا العزو كذلك وقع في البحر، وعزاه في النهر إلى الزيلعي من الدية. قوله: (وإن رجم) بالبناء للمفعول: أي من أمر القاضي برجمه لو رجمه أحد. قوله: (فديته في بيت المال) قال في البحر: لم أر هل الدية تؤخذ حالاً أو مؤجلة. قوله: (فنقل فعله إليه) أي إلى الإمام، لأن الراجم فعل ما أمره به وقد ظهر عدم صحة الأمر فنقل فعله إلى الإمام وهو عامل للمسلمين فتجب الغرامة في مالهم، بخلاف ما إذا قتله بغير الرجم، لأنه لم يأتمر أمره فلم ينقل فعله إليه، كما أفاده في الفتح. مَطْلَبُ: المَوَاضِعُ الَّتِي بِحِلُّ فِيْهَا النَّظَرُ إِلَى عَوْرَةِ الأَجْنَبِيِّ قوله: (لإباحته لتحمل الشهادة) ومثله نظر القابلة والخافضة والختان والطبيب. وزاد في الخلاصة: من مواضع حلّ النظر للعورة عند الحاجة: الاحتقان والبكارة في العنة والرد بالعيب. فتح. قلت: وكذا لو ادّعى الزاني بكارتها، ونظمتها بقولي: [الوافر] وَلَا تَنْظُرْ لِعَوْرَةِ أَجْنَبِيِّ بِلاَ عُذْرٍ كَقَابِلَةٍ طَبِيبٍ وَخَتَانٌ وَخَافِضَةٌ وَحَقْنٌ شُهُودُ زِناً بِلَا قَصِدٍ مُرِيبٍ وَعِلْمُ بَكَارَةٍ فِي عِنّةٍ أَوْ زِناً أَوْ حِينَ رَدِّ لِلْمَعِيبٍ قوله: (وإن أنكر الإحصان) أي استجماع شرائطه المتقدمة، كأن أنكر النكاح والدخول فيه والحرية. قوله: (فشهد عليه رجل وامرأتان) أشار به إلى أنه يقبل شهادة النساء في الإحصان عندنا، وفيه خلاف زفر والأئمة الثلاثة. وكيفية الشهادة به أن يقول الشهود تزوج امرأة وجامعها أو باضعها. ولو قالوا دخل بها يكفي عندهما، لأنه متى أضيف إلى المرأة بحرف الباء يراد به الجماع. وقال محمد: لا يكفي، وتمامه في الزيلعي والفتح. قوله: (أو ولدت زوجته منه) أي إذا ولدت في مدة يتصوّر أن يكون منه جعل واطئاً شرعاً، لأن الحكم بثبوت النسب منه حكم بالدخول بها ولهذا يعقب الرجعة. زيلعي. قلت: ظاهرة ثبوت الإحصان ولو كان ثبوت النسب بحكم الفراش كتزوج مشرقي بمغربية، وفيه نظر، لكن في الفتح أن الفرض أنهما مقران بالولد، ومثله في شرح الشلبي. تأمل. قوله: (قبل الزنا) متعلق بولدت. والظاهر أنه غير قيد كما يعلم من تعليل الزيلعي المذكور آنفاً، حتى لو ولدت بعد الزنا لدون ستة أشهر يثبت نسبه ويعلم أنه وقت ٥٤ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم (رجم. ولو خلا بها ثم طلقها وقال وطئتها وأنکرت فھو محصن) بإقراره (دونها) لما تقرر أن الإقرار حجة قاصرة (كما لو قالت بعد الطلاق كنت نصرانية وقال كانت مسلمة) فيرجم المحصن ويجلد غيره، وبه استغنى عما يوجد في بعض نسخ المتن من قوله (إذا كان أحد الزانيين محصناً يحد كل واحد منهما حده) فتأمل. (تزوج بلا وليّ فدخل بها لا يكون محصناً عند الثاني) لشبهة الخلاف. نهر. والله أعلم. بَابُ حَدّ الشُرْبِ الْمُحَرَّمِ (يحدّ مسلم) فلو ارتد فسكر فأسلم لا يحد لأنه لا يقام على الكفار. الزنا كان واطئاً لزوجته. تأمل. قوله: (فهو محصن بإقراره) أي مؤاخذة له بإقراره، فلا يقال: إنها بإنكارها الوطء لم تصر محصنة فلا يكون هو محصناً أيضاً. قوله: (وبه استغنى الخ) وجه الاستغناء أنه إذا كان أحدهما محصناً دون الآخر علم أن كل واحد منهما إذا زنى يحدّ بما يستوجبه، فالمحصن يرجم وغيره يجلد كما أفاده التفريع: نعم ما في بعض النسخ. أعم، لأنه يشمل ما لو كان عدم إحصان أحدهما ببكارته، ولعله أشار إلى هذا بقوله فتأمل. لا یقال: ما في بعض النسخ غیر صحیح کما توهم، لأن شرط الرجم إحصان کل ولم يوجد. لأنا نقول: شرط الرجم إحصان كل من الزوجين لا الزانيين، فيرجم من زنى بامرأة إذا كان فيه شروط الإحصان التي منها دخوله بامرأة محصنة مثله. وأما المرأة المزني بها فلا يشترط لرجمه أن تكون محصنة، بل إحصانها شرط لرجمها هي، فإن كانت محصنة مثله رجمت معه، وإلا جلدت، وهذا ظاهر نبهنا عليه عند الإحصان أيضاً، فاقهم. والحاصل أن الزانيين إما محصنان فيرجمان، أو غير محصنين فيجلدان، أو مختلفان فيرجم المحصن ويجلد غيره. قوله: (الشبهة الخلاف) أي خلاف العلماء والأخبار في صحته فلم تكن صحته قطعية، وهذه المسألة نقلها في البحر عن المحيط كذلك؛ فيحتمل أن يكون إسنادها إلى أبي يوسف لكونه هو الذي خرجها، لا لكون غيره قائلاً بخلافه، ويحتمل أن يكون فيها خلافهما، والأول أظهر لعدم ذكر المخالف. تأمل، والله سبحانه أعلم. بَابُ خَدُّ الشُّزپ أخره عن الزنا لأن الزنا أقبح منه وأغلظ عقوبة، وقدمه على حد القذف لتيقن الجريمة في الشارب دون القاذف لاحتمال صدقه، وتأخير حد السرقة لأنه لصيانة الأموال التابعة للنفوس. بحر. قوله: (فلو ارتدّ فسكر الخ) أقول: ذكر في الدر المنتقى أن المرتد لا يحد للشرب سواء شرب قبل ردته أو فيها فأسلم اهـ. ومثله في كافي الحاكم، وسيذكر الشارح في حد القذف عن السراجية لو اعتقد الذمي حرمة الخمر فهو كالمسلم: أي فيحد. قوله: (لأنه لا يقام على الكفار) يعني أنه لما شرب في ردته لم كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم ظهيرية. لكن في منية المفتي: سكر الذمي من الحرام حد في الأصح لحرمة السكر في كل ملة (ناطق) فلا يحد أخرس للشبهة (مكلف) طائع غير مضطر (شرب الخمر(١) ولو قطرة) يكن أهد لقيام حد الشرب عليه لأنه لا يقام على الكفار، وإذا كان وقت الشرب غير موجب للحد لا يحد بعد الإسلام، بخلاف ما إذا زنى أو سرق ثم أسلم فإنه يجد له لوجوبه قبله كما يفيده ما في البحر عن الظهيرية، فافهم. قوله: (حد في الأصح) أفتى به الحسن، واستحسنه بعض المشايخ. والمذهب أنه إذا شرب الخمر وسكر منه أنه لا يحد كما في النهر عن فتاوى قارىء الهداية، ومشى في ((المنظومة المحبية)) على الأول كما ذكره الشارح في الدر المنتقى. قلت: وعبارة الحاكم في الكافي من الأشربة: ولا حدّ على الذمي في الشراب اهـ. ولم يحك فيه خلافاً وهو بإطلاقه يشمل ما لو سكر منه. قوله: (لحرمة السكر في كل ملة) هذا ذكره قارىء الهداية. قلت: ولي فيه نظر، فإن الخمر لم تكن محرمة في صدر الإسلام(٢)، وقد كان الصحابة يشربونها وربما سكروا منها كما جاء صريحاً. فمن ذلك ما في الفتح عن الترمذي عن عليّ رضي الله تعالى عنه ((صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: (قُلْ يَا أَيُها الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون ۔ وَنَحْنُ نَعْبَدُ مَا تَعْبُدُونَ) قال: فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] الآية اهـ. فلو كان السكر حراماً لزم تفسيق الصحابة. ثم رأيت في تحفة ابن حجر قال: وشربها المسلمون أول الإسلام، قيل استصحاباً لما كان قبل الإسلام. والأصح أنه بوحي، ثم قيل المباح الشرب لا غيبة العقل لأنه حرام في كل ملة. وزيفه المصنف: يعني النووي، وعليه فالمراد بقولهم بحرمته في كل ملة أنه باعتبار ما استقر عليه أمر ملتنا اهـ. وهذا مؤيد لما بحثته، لكن في جوابه الأخير نظر. قوله: (فلا يحد أخرس) سواء شهد الشهود عليه أو (أشار بإشارته المعهودة وأفاد أن الأعمى يحد كما في البحر. قوله: (للشبهة) لأنه لو كان ناطقاً يحتمل أن يخبر بما لا يحد به كإكراه أو غص بلقمة. قال في البحر: ولو قال المشهود عليه بشرب الخمر: ظننتها لبناً أو لا أعلم أنها خمر لم يقبل، فإن قال ظننتها نبيذاً قبل؛ لأنه بعد الغليان والشدة يشارك الخمر في الذوق والرائحة. قوله: (طائع) مكرر مع قول المتن طوعاً. ح. قوله: (غير مضطر) فلو شرب للعطش المهلك مقدار ما یرویہ فسکر لم يجد لأنه بأمر مباح. وقالوا: لو شرب مقداره وزيادة ولم یسکر حد كما في حالة الاختيار. قهستاني. وبه صرح الحاكم في الكافي. قوله: (شرب الخمر)(١) هي النيء من ماء العنب إذا غلا واشتدّ وقذف بالزبد. فإن لم يقذف فليس (١) لفظ الخمر في الأصل مصدر خمر الشيء يخمره إذا غطّاه وستره، سمى الخمار خاراً؛ لأنه يغطي = ٥٦ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره من وهدة وأكمة، والخامر هو الذي يكتم شهادته، ويقال: خمرت رأس الإناء غطيته، ويقال للضبع: ((خامري أمّ عامر) أي استتري، ومنه يقال: ((هو يمشي لك الخمر، أي مستخفياً، كما قال العجّاج: في لامع العقبان لا يأتي الخمر يوجه الأرض ويستاق الشجر ومعنى قوله: ((لا يأتي الخمر)) لا يأتي مستخفياً ولا مسارقة، ولكن ظاهراً برايات وجيوش، والعقبان جمع عُقاب وهي الرايات. تفسير الطبري ٢٠٨/٢. ويقال لما خامر العقل من داء وسكر فخلطه وغمره: خمرٌّ، ومنه قول كُثير عزَّة: ((هنيئاً مريئاً غير داء مخامر)). ويطلق على الشراب المخصوص لوجوه: قال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل أي تخالطه، ومن قولهم: خامره الداء أي خالطه، وأنشد لكثير عزة: ((هنيئاً مريئاً غير داء مخامر)) أي مخالط، وقيل: لأنها تخمر العقل: أي تستره. ومنه الحديث: ((خَروا آنيتكم)) ومنه خمار المرأة. لأنه يستر رأسها، وهذا أخصٍّ من الأول؛ لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية. وقيل: سميت خمراً؛ لأنها تغطّى حتى تغلي، ومنه حديث المختار بن فلفل، قلت لأنس: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال : . ((ما خمرت من ذلك فهو الخمر)) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح. وقيل: لأنها تخمر حتى تدرك، كما يقال: غمرت العجين فتخمر، أي تركته حتى أدرك، ومنه خمرت الرأي أي ترکته حتی ظهر وتحرر . وعلى هذه الأقوال كلها تكون الخمر في الأصل مصدراً وأريد بها اسم الفاعل كما في الأولين، أو اسم المفعول كما في الآخرين، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لأن في الخمر هذه الصفات العديدة، وهي المخالطة. والتغطية، والترك إلى الإدراك، ولذا قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر، لأنها خمرت وتركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه ويمكن أن نذكر لغاتها. فاللغة الفصحى تذكير لفظ الخمر وتأنيث معناه، يقال: الخمر حرمها الله، وأثبت أبو حاتم السجستاني وابن قتيبة وغيرهما جواز التذكير معنى، فيقال: الخمر حرمه الله. وقال الأصمعي: الخمر أنثى، وأنكر التذكير، ويجوز دخول الهاء عليها فيقال لها الخمرة أثبته فيها جماعة من أئمة اللغة منهم الجوهري، وقال ابن مالك في المثلث: الخمرة هي الخمر. ويقال للقطعة منها خمرة، كما يقال: كنّا في لحمة ونبيذة وعسلة: أي في قطعة من كل شيء منها. ويجمع الخمر على الخمور مثل تمر وتمور. وللخمر أسماء كثيرة ذكر منها صاحب التلويح ما يناهز التسعين اسماً، وذكر ابن المعتز مائة وعشرين اسماً، وذكر ابن دحية مائة وتسعين اسماً، ومن أشهرها: العقار - الشموس - الخندریس - الحميّا - الصّهباء - المدام - الشمول - وغير ذلك. أجمع أهل اللغة على أن إطلاق اسم الخمر على النيء المسكر من عصير العنب حقيقي، واختلفوا في إطلاقه على الأنبذة المسكرة، فذهب أكثر علماء اللغة إلى أن إطلاق اسم الخمر على كل شراب مسكر حقيقي، سواء أكان متخذاً من ثمرات النخيل والأعناب، أم من غيرهما، وسواء أكان نيئاً أم مطبوخاً، وممن صرح بذلك من أئمة اللغة الجوهري وأبو حنيفة الدينوري وأبو نصر القشيري، والمجد صاحب القاموس. وقال أبو البقاء في الكليات ١/ ١٧١ : كل شراب مغط للعقل سواء كان عصيراً أو نقيعاً مطبوخاً كان أو نيئاً فهو خمر. وفي نيل الأرب في مثلثات العرب ص ٣٣: كل شراب مسكر فالخمرة هيئته الاختمار تدعى خمرة ومما يفيد العموم من كلام العرب قول عبيد بن الأبرص في مثل له : هي الخمر تكنى الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعدة = ٥٧ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = والطلاء اسم لنوع من عصير العنب اختص بالمطبوخ وقال الحَكّمِي: لنا خمر وليست خمر كرم ولكن من نتاج الباسقات كرام في السّماء ذهبن طولاً وفات ثمارها أيدي الجناة ومما يفيد العموم أيضاً الاشتقاق، فإن أهل اللغة قالوا: إن أصل معنى لفظ الخمر، الستر والتغطية، سُمِّي الخمار ماراً لأنه يغطي رأس المرأة، والخامر هو الذي يكتم شهادته، والخَمر ما واراك من شجر وغيره، قال ابن الأنباري: سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل إلى آخر ما تقدم عنه. وإذا اشتق من اللفظ بأي معنى من معانيه فهو موجود في النبيذ كوجوده في الخمر، فوجب أن يشترك معه في الاسم، ولذلك قالوا لمن بقيت فيه نشوة السكر: مخمور، اشتقاقاً من اسم الخمر سواء أكان سكره من نبيذ أم من خمر من غير فرق، ولو افترقا في الاسم لافترقا في الصّفة فقيل له في نشوة النبيذ: منبوذ، كما قيل له في نشوة الخمر: مخمور، فهذه الاشتقاقات وحدها من أقوى الأدلة على العموم، وكأنها سميت خمراً تسمية باسم المصدر للمبالغة كما سميت سكراً تسمية باسم المصدر كالرشد والرشَد مبالغة؛ لأنها تسكر العقل أي تحجز نوره من الوصول إلى الأعضاء. ((والسكر مصدر سكر من الشراب من باب طرب، وسكر النهر سدّه من باب نصر)). لا يقال هذا من إثبات اللغة بالقياس، وهو غير جائز؛ لأنا نقول: ليس هذا من إثبات اللغة بالقياس، وإنما هو من تعيين المسمّى بواسطة الاشتقاق، ولهذا نظير فقد قال الحنفية: إن مسمى النكاح هو الوطء، وأثبتوه بالاشتقاق. وذهب فريق آخر من أهل اللغة إلى أن إطلاق اسم الخمر على النيء المسكر من عصير العنب حقيقي، وإطلاقه على ما سواه من سائر الأنبذة المسكرة مجازي، قال في لسان العرب: ((الخمر ما أسكر من عصير العنب؛ لأنها خامرت العقل، والتخمير التغطية يقال: خمر وجهه وخمر إناءك، والمخامرة المخالطة، وقال الدينوري: قد تكون الخمر من الحبوب فجعل الخمر من الحبوب قال ابن سيده: وأظنه تسمّحاً؛ لأن حقيقة الخمر إنما هي العنب دون سائر الأشياء، وفي المغرب: الخمر هي النيء من ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد». ومما يفيد الخصوص من كلام العرب قول أبي الأسود الدؤلي: رأيت أخاها مغنياً بمكانها دع الخمر تشربها الغواة فإنني فإن لم تكن أو يكنها فإنه أخوها غذته أمه بلبانها فأخبر أبو الأسود أن النبيذ أخ للخمر، وأخو الشيء غيره وهو من فصحاء العرب المحتج بقوله في اللغة. ها هي ذي النقول عن أهل اللغة ويظهر منها أن الأرجح في مسمّى الخمر العموم لغة كما صرح بذلك صاحب القاموس بقوله: ((والعموم أصح)). وقد غلط ابن سيده في اقتصاره على قول صاحب العين: الخمر عصير العنب إذا أسكر ولعلّ سبب ذلك أن خمر العنب كانت كثيرة في زمن تدوين اللغة، فظن بعضهم أن الإطلاق ينصرف إليها فقط حقيقة لكثرتها وشهرتها وجودتها، وقد يستأنس لهذا بنقل الصحيحين والمسانيد والسنن بيان معنى الخمر عن الرسول ﴿﴿ وأصحابه، وهم من أهل اللسان. والذي أراه أن هذا المبحث لغوي المحكم فيه ثبوت طريق من طرق إثبات اللغة الثلاثة: التواتر . والآحاد، والعقل المبني على النقل . فإن أثبت واحد منها العموم أو الخصوص لمسمى الخمر عمل به، وإلّ فالتحاكم في إثبات الأحكام الشرعية للخمر إلى ما اعتبره الشارع في مسمى الخمر من العموم أو الخصوص بالدليل. ((الخمر عِنْدَ الفقهَاءِ» تبع اختلاف أهل اللغة في حقيقة الخمر اختلاف الفقهاء فيها: فذهب جمهور الفقهاء إلى ما ذهب إليه الأكثر من أهل اللغة من القول بالعموم. وذهب الحنفية إلى ما ذهب إليه الفريق الآخر من أهل اللغة من القول بالخصوص، وقد دعم كل فريق من الفقهاء ما ذهب إليه. == ٥٨ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = (١) القول المأثور من أحكام الخمور لحسين حسان. تفسير المنار ج ٧ ص ٥٤. 1 (٢) ذكر ابن إسحاق أن تحريم الخمر كان في وقعة بني النضير، وهي بعد أحد على الراجح، وذلك سنة أربع على الراجح. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وفيه نظر؛ لأن أنساً كان السّاقي يوم حرمت، وأنه لمّا سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها، فلو كان سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك. وجزم الحافظ الدمياطي في سيرته بأن تحريمها كان سنة الحديبية، والحديبية كانت سنة ست من الهجرة قال الحافظ ابن حجر ٢٣/١٠: والذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح، وكانت غزوة الفتح في رمضان سنة ثمان من الهجرة؛ لما روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن أبي وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: کان لرسول الله ټے صدیق من ثقيف، أو دوس لقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه فقال يا فلان: أما علمت أن الله حرمها، فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها، فقال: ((إن الذي حرم شربها حرم بيعها) وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي وعلة نحوه لكن ليس فيه تعيين الوقت وروى أحمد من طريق نافع بن. كيسان الثقفي عن أبيه أنه كان يتجر في الخمر، وأنه أقبل من الشام فقال: يا رسول الله: إني جئتك بشراب جيد، فقال: يا كيسان ((إنها حرمت بعدك)) قال: أفلا أبيعها؟ قال: ((إنها حرمت، وحرم ثمنها)). وروى أحمد وأبو يعلى من حديث تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله # كل عام راوية خمر، فلما كان عام الفتح جاء براوية، فقال: ((أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟ قال: أفلا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فنهاه)) قال الحافظ: ويستفاد من حديث كيسان تسمية المبهم في حديث ابن عباس، ومن حديث تميم تأييد الوقت المذكور، فإن إسلام تميم كان بعد الفتح. ها هي ذي النقول في وقت التحريم، والراجح أنه يمكن صحة هذه الأقوال كلها بالجمع بينها، وذلك بأن يحمل ما ذكره ابن إسحاق على التحريم الظني أو القطعي بآية البقرة كما ذهب إليه البعض، أو يحمل على الذم والتنفير من شربها كما ذهب إليه الأكثرون، وبأن يحمل ما جزم به الدمياطي على تحريم السكر في الأوقات القريبة من القيام إلى الصلاة بآية النساء، وبأن يحمل ما استظهره الحافظ على التحريم القطعي في كل الأوقات، وكان ذلك عام الفتح كما دلت على ذلك الروايات السالفة. من رحمة الله تعالى الشاملة وحكمته البالغة أن اتخذ سنة التدرج في تشريع الأحكام، فهذه الصلاة لم يفرضها الله على العباد إلا قبيل الهجرة بسنة ونصف سنة تقريباً، ثم فرض عليهم الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة، ولم يفرض هذه الأركان عليهم مرة واحدة بل فرضها عليهم بالتدرج. كذلك الخمر لم يأمرهم الله بتركها بادىء الأمر، بل تركهم على شربها مدة مكث النبي عليه الصلاة والسلام بمكة، ولما هاجر إلى المدينة واستقر الإيمان في نفوس المسلمين أنزل الله في حقها ما أفاد ذمها، والتنفير منها، وهو قوله جل ذكره: ﴿يسألونك عن الخمر﴾ الآية [البقرة ٢١٩] وتركهم الله على ذلك زمناً ظهر لهم فيه إثم الخمر وعظيم ضرره حتى على الصلاة التي فيها المناجاة لله؛ إذ كانوا يؤدونها وهم سكارى، فأنزل الله قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فترك المسلمون شربها قرب الصلاة، ثم تركهم الله على ذلك زمناً قوي فيه الدين، وكثرت الوقائع والشرور من جراء شربها حتى طلب الكثيرون منهم بإلحاح تحريمها، فأجابهم الله، وحرمها عليهم في كل الأوقات، وإنما اتخذ الله هذا السبيل في تحريم الخمر؛ لأنها كانت أحب الأمور إلى نفوس أكثر العرب حتى كانوا يستطيعون الصبر على كل شيء إلا على شرب الخمر، فقد كانوا مولعين بشربها شغوفين بحبها، وربما كان شغفهم بها عائقاً للكثير من شرابها عن الإسلام، روي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليُسلم لقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له: أين تذهب؟ فأخبرهم بأنه يريد محمّداً وَ﴾، فقالوا: لا تصل إليه، فإنه يأمرك بالصلاة فقال: إن خدمة الرب واجبة، فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء، فقال: اصطناع المعروف واجب. فقالوا له: إنه ينهى عن الزنا، فقال: هو فحش وقبيح في العقل، وقد صرت شيخاً، فلا أحتاج إليه، فقالوا له: إنه ينهى عن شرب الخمر، فقال: أما هذا فإني لا أصبر عنه، فرجع، وقال: أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه، فمات. = ٥٩ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = وفي القرطبي ٣/ ٥٢ قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئاً من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجبها عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر، فآية البقرة أول ما نزل في أمرها ثم بعده ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾، ثم قوله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء﴾ [المائدة ٩١] الآية ثم قوله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب﴾ [المائدة ٩٠]. وفي تفسير المنار: والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج أن الناس كانوا مفتونين بها حتى أنها لو حرمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفاً لكثير من المدمنين لها عن الإسلام، بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء؛ لأنهم حينئذ كانوا ينظرون إليه بعين السخط فيرونه بغير صورته الجميلة، فكان من لطف الله تعالى وبالغ حكمته أنه ذكرها في سورة البقرة بما يدل على تحريمها دلالة ظنية فيها مجال للاجتهاد ليتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه، وذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في كل الأوقات القريبة من وقت الصلاة إذ نهى عن قرب الصلاة في حال السكر فلم يبق للمصر على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء، وضرره قليل، وكذا الصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمل له ولا يخشى أن يمتد سكره إلى وقت الظهيرة، وقليل ما هم، ثم تركهم الله تعالى على هذه الحال زمناً قوي فيه الدين ورسخ اليقين، وكثرت الوقائع التي ظهر لهم بها إثم الخمر وضررها، ومنه كل ما ذكر في سبب النزول. أخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت في البقرة ﴿يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ شربها قوم لقوله: ((منافع للناس))، وتركها قوم، لقوله تعالى: ﴿إثم كبير﴾ منهم عثمان بن مظعون، حتى نزلت الآية التي في النساء: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فتركها قوم، وشربها قوم يتركونها بالنهار حين الصلاة، ويشربونها بالليل حتى نزلت الآية التي في المائدة: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية قال عمر رضي الله عنه: أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام؟ بعداً لك وسحقاً فتركها الناس. (٣) قال الدكتور محمد جعفر في مذكرته تدبير الصحة، ص ٤٧ الخمور معروفة من قديم الزمان، وكانت: تصنع على أنواع شتى، ولكن الأساس في صنعها كان دائماً واحداً، وهو إعمال خمائر خاصة في بعض المواد النشوية أو السكرية فتحولها إلى مادة الكحول، وثاني أكسيد الكربون والماء [الكحول هو الغَوْل يقال غاله الشيء من باب قال، واغتاله إذا أخذه من حيث لم يدر، وقوله تعالى: ﴿لا فيها غول﴾ أي ليس فيها غائلة الصداع؛ لأنه قال في موضع آخر: ﴿لا يصدعون عنها﴾ وقال أبو عبيدة: الغول أن تغتال عقولهم. أما الكحول فيبقى في السائل وإليه يرجع الأثر العام في تخدير العقول واضمحلال الأجسام، وأما ثاني أكسيد الكربون فغاز يذوب بعضه ويخرج أغلبه على شكل فقاقيع تشبه الفقاقيع التي تنشأ من الغليان فتكون الزبد والرغوة، وأما الماء فيبقى مختلطاً بالسائل، وليس للأخيرين أهمية من ناحية تأثير الخمر، وسواء أعملت هذه الخمائر في السكر أو النشا النقي أو في المواد المحتوية لهاتين المادتين فالنتيجة النهائية واحدة وهي تكوين الكحول وثاني أكسيد الكربون والماء. لذلك قد تصنع الخمر من القمح أو الشعير أو الشوفان، أو التمر، أو البلح، أو العنب، أو القصب، أو البطاطس، أو الأرز، أو البنجر، أو السكر، أو العسل، أو اللبن، أو خلافها من النباتات والحبوب المحتوية على مادة السكر أو النشا، وإذاً فكل الخمور التي تنشأ عن تخمر هذه المواد متشابهة التركيب من حيث وجود مادة الكحول فيها فهي سامة للعقل والجسم بمقدار ما تحتويه من هذه المادة. وتستحضر أنواع البيرة ((الجِعَة)) والشمبانيا والبوظة من تخمر الشعير أو القمح أو غيرهما من الحبوب، وتحتوي هذه المشروبات عادة على نسبة صغيرة من الكحول تتراوح بين ١٠،٢٪ في المائة في حالة البيرة والشمبانيا، وبين ٢ إلى ٨ في المائة في البوظة أو السوبيا المتخمرة، وبتقطير هذه الخمور البسيطة يتركز الكحول، وتعلو نسبته في المشروب فينتج الكونياك من النبيذ والويسكي من البيرة، والروم من متخلفات الأعشاب والنباتات السكرية، وهذه الأنواع الأخيرة تحتوي من ٤٠ إلى ٥٠ في المائة من الكحول، = ٦٠ كتاب الحدود/ باب حد الشرب المحرم = وليست هذه المشروبات وحدها هي التي تسكر بل إن أي سائل يحتوي على الكحول يسبب نفس هذا التأثير، فمثلاً إذا شرب الإنسان الكحول غير النقي ((أي السبرتو الأحمر العادي)) سكر، وكذلك إذا شرب شيئاً من ماء الكلونيا؛ لأنها تحتوي على نسبة عالية من الكحول. من هذا نتبين أن العنصر الفعال في المشروبات الروحية إنما هو الكحول وإليه المرجع في اضمحلال الأجسام والعقول، وأنه يوجد من تخمير أي مادة تحوي السكر أو النشا، أو من تخمير السكر أو النشا الخالص يقول الدكتور محمد عبد الحي وكيل جمعية منع المسكرات في محاضرة ألقاها سنة ١٩٣٦ ونشرت بمجلة الإسلام في جملة أعداد: ((العنصر الفعال في الخمر هو الكحول، وقد استعملت الكلمة أجيالاً عديدة للدلالة على أي مسحوق ناعم، وأما دلالتها على العنصر الفعال في الخمر فقد كان ذلك حديثاً نسبياً فقد استعمل ((باراسلس)) ((وليبيفيس) الكلمة للدلالة على أي مسحوق، ثم استطرد الأول فاستعملها لكل سائل طيّار، والكحول سائل طيار لا لون له، ويدخل في جميع الأشربة الروحية بنسب مختلفة كالجدول الآتي: الويسكي من ٥١ إلى ٥٩ في المائة. الشمبانيا من ١٠ إلى ١٣ في المائة. الروّم من ٥١ إلى ٥٩ في المائة. النبيذ من ٢٠ إلى ٣٠ في المائة. الجنّ من ٥١ إلى ٥٩ في المائة. البيرة من ٢ إلى ٩ في المائة. الكونياك من ٣٩ إلى ٤٧ في المائة. البوظة والسوبيا من ٣ إلى ٨ في المائة. وإنا إذا نظرنا إلى ٠، أظهره الطب الحديث من استكشاف مادة الكحول التي تلعب بعقول الشاربين وتنهك أجسامهم وتبدد أموالهم، وتضيع أخلاقهم وكرامتهم، وإلى الأساس الأول الذي ترتكز عليه تلك المادة السّامة في وجودها وهي النباتات أو الفواكه، أو الحبوب أو الأعشاب التي تحوي مادة السكر أو النشا، ووازنا بين ذلك وبين ما بينّ الرسول عليه الصلاة والسلام تحريمه صراحة أو ضمناً وجدنا أن هذه المشروبات الحاضرة وغيرها مما يكن أن يحدث، ويحوي مادة الكحول من مشمولات أدلة التحريم الواردة في تحريم الخمر وتحريم كل مسكر في الشريعة الإسلامية، فمن ذلك ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة وصححه ابن حبان من وجهين عن الشعبي أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله # يقول: ((إن الخمر من العصير بالزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر» لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه أن النعمان خطب الناس بالكوفة، ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبي عن النعمان بلفظ ((إن من العنب خمراً، وإن من التمر خراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البرّ خمراً، وإن من الشعير خمراً) ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب السنن. والتي قبلها فيها الزبيب دون العسل. ومنها ما رواه الشيخان وأحمد عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، قال: وكان رسول الله# قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال: ((كل مسكر حرام)). ومنها ما رواه مسلم وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيّ ﴿ قال: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) ومنها ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله : ((كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام)). ومنها ما أخرجه الإمام أحمد من طريق مرثد بن عبد الله اليزني عن مسلم رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﴾ قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض باردة نعالج فيها عملًاً شديداً، وإنا نتخذ من هذا القمح شراباً نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، فقال الرسول والإير: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: ((فاجتنبوه)) قال فقلت: إن الناس غير تاركيه، قال: ((فإن لم يتركوه فقاتلوهم) فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة بين النبي # فيها المواد التي اعتيد صنع الخمر منها في عصره، وحكم عليها بحرمة شرب قليلها وكثيرها، ولو كان شربه للوقاية من البرد أو بقصد التقوى من الضعف استعداداً للقيام بالأعمال على وجه الدقة والإتقان. ولعلم النبي ﴿ أنه سيحدث ويجدّ من المواد الأخرى ما يحدث من شرب عصيرها أو نقيعها ذهاب =