Indexed OCR Text

Pages 661-680

٦٦١
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
على الإتيان ضربه أو لا.
إن رأيته لأضربنه فعلى التراخي ما لم ينو الفور.
إن رأيتك فلم أضربك فرآه الحالف وهو مريض لا يقدر على الضرب
حنث.
إن لقيتك فلم أضربك فرآه من قدر ميل لم يحنث. بحر (الشهر وما فوقه)
ولو إلى الموت (بعيد وما دونه قريب) فيعتبر ذلك في ليقضينّ دينه أو لا يكلمه
إلى بعيد أو إلى قريب (و) لفظ (العاجل والسريع كالقريب والآجل كالبعيد) وهذا
بلا نية (وإن نوى) بقريب وبعيد (مدة) معينة (فيهما فعلى ما نوى) ويدين فيما فيه
تخفيف علیه. بحر.
(حلف لا يكلمه ملياً أو طويلاً إن نوى شيئاً فذاك وإلا فعلى شهر ويوم) كذا
في البحر عن الظهيرية، وفي النهر عن السراج: على شهر كذا وكذا يوماً
الفرع قبيل الباب الذي قبل هذا، ومحل ذكره هنا وقدمنا وجهه أن ((حتى)) فيه للتعليل
والسببية لا للغاية ولا للعطف، وذكرنا تفاريع ذلك هناك. قوله: (فعلى التراخي) أي إلى
آخر جزء من أجزاء حياته أو حياة المحلوف عليه، فإن لم يضربه حتى مات أحدهما
حنث. قوله: (لم يحنث) لأن اللقى الذي رتب عليه الضرب لا يكون إلا في مكان
يمكن فيه الضرب، ولذا قالوا: لو لقيه على سطح لا يحنث أيضاً.
قلت: وهذا لو كانت يمينه على الضرب باليد، فلو بسهم أو حجر اعتبر ما
يمكن. تأمل. قوله: (فيعتبر ذلك الخ) أي إذا حلف ليقضينّ دينه إلى بعيد فقضى بعد
شهر أو أكثر برّ في يمينه لا لو قضاه قبل شهر، وفي إلى قريب بالعكس. قوله: (فعلى
ما نوى) حتى لو نوى بالقريب سنة أو أكثر صحت نيته، وكذا إلى آخر الدنيا لأنها قريبة
بالنسبة إلى الآخرة. فتح. قوله: (ويدين فيما فيه تخفيف عليه) هذا ذكره في البحر
بحثاً وكذا في النهر ويأتي ما يؤيده. قوله: (كذا في البحر عن الظهيرية) ومثله في
الخانية. قوله: (وفي النهر عن السراج) ذكر ذلك في النهر عند قول الكنز: الحين
والزمان ومنكرهما ستة أشهر حيث قال: وفي السراج لا أكلمه ملياً فهذا على شهر، إلا
أن ينوي غير ذلك؛ ولو قال: لأهجرنك ملياً فهو على شهر فصاعداً، وإن نوى أقل من
ذلك لم يدين في القضاء اهـ. فافهم. وفي بعض نسخ النهر: فهو على ستة أشهر في
الموضعين وما نقله الشارح موافق للنسخة الأولى. وعبارة النهر هنا: وقياس ما مر أن
يكون على شهر أيضاً: أي قياس ما ذكره في البعيد والآجل، فإن ملياً وطويلاً في
معناهما، وكأن صاحب النهر نسي ما قدمه عن السراج بدليل عدوله إلى القياس، وإلا

٦٦٢
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
أحد عشر، وبالواو أحد وعشرون وبضعة عشر ثلاثة عشر (يبرّ في حلفه ليقضين
دينه اليوم لو قضاه نبهرجة) ما يرده التجار (أو زيوفاً) ما يرده بيت المال (أو
مستحقة) للغير ويعتق المكاتب بدفعها (لا) يبرّ (لو قضاه رصاصاً أو ستوقة)
وسطها غش لأنهما ليس من جنس الدراهم، ولذا لو تجوز بهما في صرف وسلم
فكان المناسب أن يقول: وقدمنا عن السراج أنه يكون على شهر أيضاً إلا أن تكون
النسخة ستة أشهر. هذا، وقول السراج لم يدين في القضاء، يؤيد بحث البحر المار
آنفاً. تأمل.
تنبيه: في المغرب: المليّ من النهار: الساعة الطويلة. وعن أبي علي الفارسي:
الملي: المتسع، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَهْجُرْنِي مَلِياً﴾ [مريم: ٤٦] أي دهراً طويلاً
عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير، والتركيب دال على السعة والطول اهـ.
قلت: يمكن أن يكون مأخوذ تركيبه وجهاً لزيادة مدته على البعيد والآجل، فلذا
جزم في الظهيرية والخانية بأنه شهر ويوم، وتبعهما المصنف؛ وأما على نسخة ستة أشهر
فباعتبار أنه اسم لزمان طويل، والزمان ستة أشهر. تأمل. قوله: (أحد عشر) لأنه أقل
عدد مركب بدون عطف، وأما بالعطف نحو كذا وكذا فأقل عدد نظيره أحد وعشرون.
قوله: (ثلاثة عشر) لأن البضع بالكسر ما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسع كما في
المصباح، لكن صريح ما في الشرح أن الثلاثة داخلة وما في المصباح يخالفه. تأمل.
مَطْلَبُ: لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ فَقَضَاهُ نبهرجة أَوْ ستوقة
قوله: (نبهرجة) هذا غير عربي. وأصله نبهره وهو الحظ: أي حظ هذه الدراهم
من الفضة أقل وغشه أكثر ولذا ردها التجار: أي المستقصي منهم والمسهل منهم
يقبلها. نهر. قوله: (أو زيوفاً) جمع زيف: أي كفلس وفلوس. مصباح: وهي المغشوشة
يتجوز بها التجار ويردها بيت المال، ولفظ الزيافة غير عربي وإنما هو من استعمال
الفقهاء. نهر فتح: يعني أن فعله زاف وقياس مصدره الزيوف لا الزيافة كما في
المغرب. قوله: (ما يرده بيت المال) لأنه لا يقبل إلا ما هو في غاية الجودة.
قهستاني، فالنبهرجة غشها أكثر من الزيوف. فتح. قوله: (أو مستحقة للغير) بفتح
الحاء: أي أثبت الغير أنها حقه. قال في الفتح: وإذا برّ في دفع هذه المسميات الثلاثة،
فلو ردّ الزيوف أو النبهرجة أو استردت المستحقة لا يرتفع البّ، وإن انتقض القبض
فإنما ينتقض في حق حكم يقبل الانتقاض، ومثله لو دفع المكاتب هذه الأنواع وعتق
فردّها مولاه لا يرتفع العتق اهـ. قوله: (أو ستوقة) بفتح السين المهملة وضمها وتشديد
التاء. قهستاني. قال في الفتح: وهي المغشوشة غشاً زائداً وهي تعريب ستوقة: أي
ثلاثة طبقات: طبقتا الوجهين فضة وما بينهما نحاس ونحوه. قوله: (لأنهما الخ) علة

٦٦٣
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
لم يجز. ونقل مسكين أن النبهرجة إذا غلب غشها لم تؤخذ، وأما الستوقة فأخذها
حرام لأنها نحاس انتهى. وهذه إحدى المسائل الخمس التي جعلوا الزيوف فيها
کالجياد (ییّ) المديون (في حلفه) لربّ الدين (لأقضین مالك اليوم) فجاء به فلم
يجده ودفع القاضي ولو في موضع لا قاضي له حنث، به يفتى. منية المفتي.
وكذا يبرّ (لو) وجده فـ (أعطاه فلم يقبل فوضعه بحيث تناله يده لو أراد) قبضه
(وإلا) يكن كذلك (لا) يبر. ظهيرية. وفيها حلف ليجهدن في قضاء ما عليه لفلان
باع ما للقاضي بيعه لو رفع الأمر إليه
لقوله: ((لا يبرّ)). قال الزيلعي: وإن كان الأكثر فضة والأقل ستوقة لا يحنث، وبالعكس
يحنث لأن العبرة للغالب. قوله: (لم يجز) لأنه يلزم الاستبدال ببدلهما قبل قبضه وهو
غير جائز كما علم في بابه ح. قوله: (ونقل مسكين) أي عن الرسالة اليوسفية: وهي
التي عملها أبو يوسف في مسائل الخراج والعشر للرشيد. ونقل العبارة أيضاً في
المغرب عند قوله ستوقة، وكذا في البحر والنهر عن مسكين، ولعل المراد أن الإمام لا
ينبغي له أن يأخذ النبهرجة من أهل الجزية أو أهل الأراضي بخلاف الستوقة فإنه يحرم
عليه أخذها لأن في ذلك تضييع حق بيت المال، والله سبحانه أعلم.
مَطْلَبٌ: المَسَائِلُ الخَمْسُ الَّتِي جَعَلُوا الزُّيُوفَ فِيهَا كَالچِيَادِ
قوله: (وهذه إحدى المسائل الخمس) الثانية: رجل اشترى داراً بالجياد ونقد
الزيوف أخذ الشفيع بالجياد لأنه لا يأخذها إلا بما اشترى. الثالثة: الكفيل إذا كفل
بالجياد ونقد الزيوف يرجع على المكفول عنه بالجياد. الرابعة: إذا اشترى شيئاً بالجياد
ونقد البائع الزيوف ثم باعه مرابحة فإن رأس المال هو الجياد. الخامسة: إذا كان له
على آخر دراهم جياد فقبض الزيوف فأنفقها ولم يعلم إلا بعد الإنفاق لا يرجع عليه
بالجياد في قول أبي حنيفة ومحمد، كما لو قبض الجياد، كذا في البحرح.
مَطْلَبُ: لأَقْضِيَنَّ مَالَكَ اليَوْمَ
قوله: (ودفع للقاضي) وذكر الناطفي أن القاضي ينصب على الغائب وكيلاً، وقيل
إذا غاب الطالب لا يحنث الحالف، وإن لم يدفع إلى القاضي ولا إلى الوكيل، وفي
بعض الروايات يحنث وإن دفع للقاضي والمختار الأول. خانية.
قلت: وهذه إحدى المسائل الخمسة التي يجوز فيها القضاء على المسخر،
وذكرها ط، وسيذكرها الشارح في كتاب القضاء. قوله: (باع ما للقاضي بيعه الخ) أي
لا يبرّ بيمينه إلا إذا باع ما يبيعه القاضي عليه إذا امتنع من البيع بنفسه، وذلك كما في

٦٦٤
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
(وكذا يبر بالبيع) ونحوه مما تحصل المقاصة فيه (به) أي بالدين، لأن الديون
تقضى بأمثالها (وهبة) الدائن (الدين منه) أي من المديون (ليس بقضاء) لأن الهبة
إسقاط لا مقاصة (و) حينئذ فـ (لا حنث لو كانت اليمين مؤقتة) لعدم إمكان البر
الجوهرة وغيرها أنه يباع في الدين العروض أولًا ثم العقار ويترك له دست من ثياب
بدنه، وإن أمكنه الاجتزاء بدونها باعها، واشترى من ثمنها ثوباً يلبسه، لأن قضاء الدين
فرض مقدم على التجمل، وكذا لو کان له مسکن یمکنه أن يجتزۍء بدونه ويشتري من
ثمنه مسكناً يبيت فيه، وقيل يباع ما لا يحتاج إليه في الحال فتباع الجبة واللبد والنطع
في الشتاء. قوله: (وكذا يبر بالبيع) أي وإن لم يقبض، لأن البّ وقضاء الدين يحصل
بمجرد البيع، حتى لو هلك المبيع قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين ولا ينتقض البّ
في اليمين، وإنما نص محمد على القبض ليتقرر الدين على ربّ الدين لاحتمال سقوط
الثمن بهلاك المبيع قبل قبضه؛ ولو كان البيع فاسداً وقبضه: فإن كانت قيمته تفي
بالدين، وإلا حنث لأنه مضمون بالقيمة. فتح. قال في البحر: وشمل ما إذا كان المبيع
مملوكاً لغير الحالف، ولذا قال في الظهيرية: إن ثمن المستحق مملوك ملكاً فاسداً فملك
المدیون ما في ذمته. قوله: (ونحوه الخ) كما لو تزوج الطالب أمة المطلوب ودخل بها
أو وجب عليه دين بالاستهلاك أو بالجناية يبرّ أيضاً. نهر. والظاهر أن التقييد بالدخول
اتفاقي، واحتمال سقوط نصف المهر بالطلاق قبل الدخول لا ينقض البر كاحتمال هلال
المبيع قبل قبضه كما مر، ويؤيده ما في الظهيرية: حلف لا يفارقها حتى يستوفي حقه
منها فتزوجها على ماله عليها، فهو استيفاء. وفيها حلف لا يقبض دينه من غريمه
اليوم، واستهلك شيئاً من ماله اليوم: فلو مثلياً لا يحنث لأن الواجب مثله لا قيمته، ولو
قيمياً وقيمته مثل الدين أو أكثر حنث، لأنه صار قابضاً بطريق المقاصة، وهذا إن
استهلكه بعد غصبه لأنه وجد القبض الموجب للضمان فيصير قابضاً دينه، وإن قبله كأن
أحرقه لم يحنث لعدم القبض اهـ ملخصاً. وتمام فروع المسألة في البحر. قوله: (به)
متعلق بالبيع، والظاهر أنه غير قيد، حتى لو باعه شيئاً بثمن قدر الدين تقع المقاصة وإن
لم يجعل الدين الثمن يدل عليه مسألة الاستهلاك المذكورة آنفاً ولذا لم يقيد به في
الفتح. قوله: (لأن الديون تقضى بأمثالها) قال في الفتح: لأن قضاء الدين لو وقع
بالدراهم كان بطريق المقاصة، وهو أن يثبت في ذمة القابض وهو الدائن مضموناً عليه
لأنه قبضه لنفسه ليتملكه، وللدائن مثله على المقبض فيلتقيان قصاصاً، وكذا هنا.
قوله: (لأن الهبة إسقاط) ولأن القضاء فعل المديون والهبة فعل الدائن بالإبراء فلا يكون
فعل هذا فعل الآخر. فتح.

٦٦٥
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
مع هبة الدين، وإمكان البرّ شرط البقاء (كما) هو شرط الابتداء كما هو في مسألة
الكوز، وعليه (لو حلف ليقضين دينه غداً فقضاه اليوم أو حلف ليقتلن فلاناً غداً
فمات اليوم أو) حلف (ليأكلن هذا الرغيف غداً فأكله اليوم) لم يحنث. زيلعي.
(حلف ليقضينّ دين فلان فأمر غيره بالأداء أو أحاله فقبض برّ، وإن قضى
عنه متبرع لا) يبر. ظهيرية. وفيها حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي فقعد
بحيث يراه أو يحفظه فليس بمفارق ولو نام أو غفل أو شغله إنسان بالكلام أو منعه
عن الملازمة حتى هرب غريمه لم يحنث، ولو حلف بطلاقها أن يعطيها كل يوم
درهماً فربما يدفع إليها عند الغروب أو عند العطاء، قال: فإذا لم يخل يوماً وليلة
عن دفع درهم لم يحنث.
تنبيه: قيل إن شرط البّ القضاء، ولم يوجد فيلزم الحنث وإلا لزم ارتفاع
النقيضين. قال في الفتح: وهو غلط، فإن النقيضين الواجب صدق أحدهما دائماً هما في
الأمور الحقيقية کوجود زيد وعدمه، أما المتعلق قيامهما بسبب شرعي فیثبت حكمهما
ما بقي السبب قائماً، وقيام اليمين سبب لثبوت أحدهما من الحنث أو البرّ، وينتفيان
بانتفائه كما هو قبل اليمين حيث لا برّ ولا حنث، ولذا قالوا هنا لم يحنث، ولم يقولوا
برّ ولم يحنث اهـ. قوله: (وإمكان البر شرط البقاء الخ) أي في اليمين المؤقتة بخلاف
المطلقة فإنه فيها شرط الابتداء فقط، وحين حلف كان الدين قائماً فكان تصوّر البر ثابتاً
فانعقدت، ثم حنث بعد مضيّ زمن يقدر فيه على القضاء باليأس من البّ بالهبة. فتح.
قوله: (وعليه) أي ويبتنى على اعتبار هذا الشرط. قوله: (لم يحنث) لفوات إمكان البّ
في الغد قبل وقته فبطلت اليمين. قوله: (فأمر غيره) الضمير فيه عائد إلى الحالف،
وضمير أحاله وقبض إلى فلان. قال ط: أفاد به أن القضاء لا يتحقق بمجرد الحوالة
والأمر بل لا بد معهما من القبض. قال في الهندية: وإن نوى أن يكون ذلك بنفسه
صدق قضاء وديانة. ولو حلف المطلوب أن لا يعطيه فأعطاه على أحد هذه الوجوه
حنث، وإن نوى أن لا يعطيه بنفسه لم يدين في القضاء. قوله: (حلف لا يفارق غريمه
الخ) تقدم بعض مسائل الغريم في أواخر باب اليمين بالأكل والشرب. قوله: (أو
يحفظه) الذي في المنح والبحر ((ويحفظه)) بالواو ط. قال في البحر: وكذلك لو حال
بينهما ستر أو أسطوانة من أساطين المسجد، وكذلك لو قعد أحدهما داخل المسجد
والآخر خارجه والباب بينهما مفتوح بحيث يراه، وإن توارى عنه بحائط المسجد والآخر
خارجه فقد فارقه، وكذلك لو كان بينهما باب مغلق إلا إن أدخله وأغلق عليه وقعد
على الباب. قوله: (قال) أي صاحب مجموع النوازل كما عزاه إليه في البحر عن
الظهيرية. قوله: (لم يحنث) الظاهر أن وجهه أنه يراد باليوم عرفاً ما يشمل الليل، وتقدم

٦٦٦
كتاب الايمان/ باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
(حلف لا يقبض دينه) من غريمه (درهمان دون درهم فقبض بعضه لا يحنث
حتى يقبض كله) قبضاً (متفرقاً) لوجود شرط الحنث وهو قبض الكل بصفة
التفرق (لا) يحنث (إذا قبضه بتفريق ضروري) كأن يقبضه كله بوزنين، لأنه لا يعدّ
تفريقاً عرفاً ما دام في عمل الوزن (لا يأخذ ما له على فلان إلا جملة أو إلا جمعاً
فترك منه درهماً ثم أخذ الباقي كيف شاء لا يحنث) ظهيرية. وهو الحيلة في عدم
أنه لو قال يوم أكلم فلاناً فكذا فهو على الجديدين لقرانه بفعل لا يمتد فعم، وكذلك
هنا لا الإعطاء لا یمتد، فافهم.
مَطْلَبٌ: لَا يَقْبِضُ دَيْنَهُ دِرْهماً دُونَ بِرْهمَ
قوله: (لا يقبض دينه درهماً دون درهم) أي لا يقبضه حالة كون درهم منه مخالفاً
لدرهم آخر في كونه غير مقبوض: أي لا يقبضه متفرّقاً بل جملة، فالمجموع في تأويل
حال مشتقة فهو مثل بعته يداً بيد: أي متقابضين، كذا ظهر لي. قوله: (لا يحنث حتى
يقبض كله متفرقاً) أي لا يحنث بمجرد قبض ذلك البعض، بل يتوقف حنثه على قبض
باقيه، فإذا قبضه حنث. فتح. قوله: (وهو قبض الكل الخ) لأنه أضاف القبض المتفرّق
إلى كل الدين حيث قال ديني وهو اسم لكله. فتح، فلو قال: من ديني يحنث بقبض
البعض، لأن شرط الحنث هنا قبض البعض من الدين متفرقاً، وأشار إلى أنه لو قيد
باليوم فقبض البعض فيه متفرقاً أو لم يقبض شيئاً لم يحنث، لأن الشرط أخذ الكل في
اليوم متفرقاً، ولم يوجد، وتمامه في البحر. قوله: (بوزنين) أو أكثر لأنه قد يتعذر
قبض الكل دفعة فيصير هذا المقدار مستثنى، ولأن هذا القدر من التفريق لا يسمى
تفريقاً عادة والعادة هي المعتبرة. زيلعي. قوله: (فترك منه درهماً) أي لم يأخذ منه
أصلاً. قوله: (كيف شاء) أي جملة أو متفرقاً.
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَأْخُذُ ما لَهُ عَلَى فُلانٍ إِلَّ جُمِلَةً
قوله: (لا يحنث) كذا ذكر في البحر عن الظهيرية هذه المسألة غير معللة،
والظاهر أنها بمعنى المسألة المارة، لأن درهماً دون درهم بمعنى متفرقاً كما مر، وقوله
هنا ((إلا جملة)) هو معنى لا يقبضه متفرقاً، لكن الأولى في الإثبات، وهذه في النفي،
والمعنى واحد.
مَطْلَبٌ: إِنْ أَنْفَقْتُ هَذَا المَالَ إِلَّ عَلَى أَهْلِكِ فَكَذَا
ورأيت في طلاق الذخيرة في ترجمة المسائل التي ينظر فيها إلى شرط البرّ:
وهب لرجل مالاً فقال الواهب امرأتي طالق ثلاثاً إن أنفقت هذا المال الذي وهبتك إلا
على أهلك، ثم إنه أنفق بعضه على أهله وقضى بالباقي ديناً أو حجّ أو تزوّج لا تطلق

٦٦٧
كتابَ الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
حنثه في المسألة الأولى (كما لا يحنث من قال إن كان لي إلا مائة أو غيره أو
سوى) مائة (فكذا بملكها) أي المائة (أو بعضها) لأن غرضه نفي الزيادة على
المائة، وحنث بالزيادة لو مما فيه الزكاة وإلا لا، حتى لو قال (امرأته كذا إن كان
امرأة الحالف. ذكره خواهر زاده في شرح الحيل، وعلله بأن شرط برّه إنفاق جميع
الهبة على أهله فيكون شرط حنثه ضد ذلك، وهو إنفاق جميعها على غيرهم ولم
يوجد، وهو نظير ما لو حلف لا يأخذ ما له على فلان إلا جميعاً وأخذ البعض دون
البعض لا يحنث، لأن شرط بره أخذ جميع الدين جملة فيكون شرط حثه ضد ذلك،
وهو أخذ جميع الدين متفرقاً ولم يوجد ذلك، كذا هنا اهـ.
وحاصله أنه لا يحنث بمجرد قبض البعض جملة أو متفرقاً ما لم يقبض الباقي
كما مر، فإذا ترك البعض بأن لم يقبضه أصلاً بإبراء أو بدونه لم يحنث لعدم شرطه وهو
قبض كله غير جملة: أي متفرقاً. ولما كانت هذه المسألة في معنى الأولى كما ذكرنا،
قال الشارح ((وهو الحيلة في عدم حنثه في الأولى)) وبقي هنا شيء وهو ما لم يأخذ من
دينه شيئاً أصلاً أو لم ينفق في مسألة الهبة شيئاً بأن ضاعت الهبة مثلاً، والظاهر أنه لا
يحنث، لأن المعنى إن أخذت ديني لا آخذه إلا جملة، أو إن أنفقتها لا تنفقها إلا على
أهلك، ونظيره لا أبيع هذا الثوب إلا بعشرة، أو لا تخرجي إلا بإذني فلم يبعه أو لم
تخرج أصلاً فلا شك في عدم الحنث، فكذا هنا.
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَشْكُوهُ إِلَّ مِنْ حَاكِمِ السِّيَاسَةِ
ومنه يعلم جواب ما لو حلف لا يشكوه إلا من حاكم السياسة وترك شكايته أصلاً
لا يحنث، هذا ما ظهر لي فاغتنمه. قوله: (بملكها) متعلق بقوله: ((لا يحنث)). قوله:
(لأن غرضه نفي الزيادة على المائة) أي أن ذلك هو المقصود عرفاً والخمسون مثلاً
ليس زائداً على المائة، وهذا بخلاف ما لو قال: لي على زيد مائة وقال زيد خمسون،
فقال إن كان لي عليه إلا مائة فهذا لنفي النقصان، لأن قصده بيمينه الرد على المنكر اهـ
فتح. قوله: (لو مما فيه الزكاة) أي لو كانت الزيادة من جنس ما تجب فيه الزكاة كالنقدين
والسائمة وعرض التجارة وإن قلت الزيادة، ولو كانت من غيره كالرقيق والدور لم
يحنث، وهذا لأن المستثنى منه عرفاً المال لا الدراهم، ومطلق المال ينصرف إلى
الزكوي كما لو قال والله ليس لي مال، أو قال مالي في المساكين صدقة، وهذا بخلاف
ما لو أوصى بثلث ماله أو استأمن الحربي على ماله حيث يعم جميع الأموال، لأن
الوصية خلافه كالميراث، ومقصود الحربي الغنية له بماله، وتمامه في شرح التلخيص.
قوله: (حتى لو قال الخ) تفريع على ما فهم من كلامه من أن المال إذا أطلق ينصرف
إلى الزكوي كما قررناه، فافهم.

٦٦٨
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
له مال وله عروض) وضياع (ودور لغير التجارة يحنث) خزانة أكمل.
(حلف لا يفعل كذا وتركه على الأبد) لأن الفعل يقتضي مصدراً منكراً
والنكرة في النفي تعم (فلو فعل) المحلوف عليه (مرة) حنث و (انحلت يمينه) وما
في شرح المجمع من عدمه سهو (فلو فعله مرة أخرى لا يحنث) إلا في كلما (ولو
قيدها بوقت) كوالله لا أفعل اليوم (فمضى) اليوم قبل (الفعل برّ) لوجد ترك الفعل
في اليوم كله (وكذا إن هلك الحالف والمحلوف عليه) برّ لتحقق العدم، ولو جنّ
الحالف في يومه حنث عندنا، خلافاً لأحمد. فتح (ولو حلف ليفعلنه برّ بمرة)
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا تَرَكَهُ عَلَى الأَبَدِ
قوله: (تركه على الأبد الخ) ففي أي وقت فعله حنث، وإن نوى يوماً أو يومين
أو ثلاثة أو بلداً أو منزلاً أو ما أشبهه لم يدين أصلاً لأنه نوى تخصيص ما ليس بملفوظ
كما في الذخيرة. قوله: (لأن الفعل يقتضي مصدراً منكراً الخ) فإذا قال: لا أكلم زيداً
فهو بمعنى لا أكلمه كلاماً، وهذا أحد تعليلين ذكرهما في غاية البيان. ثانيهما: أنه نفى
فعل ذلك الشيء مطلقاً ولم يقيده بشيء دون شيء فيعم الامتناع عنه ضرورة عموم
النفي، وعليه اقتصر في البحر وهو أظهر؛ وأحسن منهما ما نقلناه عن الذخيرة لما يرد
على الأول أن عموم ذلك المصدر في الأفراد لا في الأزمان، وأيضاً فقد قال ح: إن
هذا ينافي ما مر في باب اليمين في الأكل: أي من أن الثابت في ضمن الفعل ضروري
لا يظهر في غير تحقيق الفعل، بخلاف الصريح، ومن أن الفعل لا عموم له كما في
المحيط عن سيبويه. قوله: (وما في شرح المجمع) أي لابن ملك من عدمه: أي عدم
انحلال اليمين فهو سهو كما في البحر، بل تنحل فإذا حنث مرة بفعله لم يحنث بفعله
ثانياً، وللعلامة قاسم رسالة ردّ فيها على العلامة الكافيجي حيث اغترّ بما في شرح
المجمع، ونقل فيها إجماع الأئمة الأربعة على عدم تكرار الحنث. قوله: (لا يحنث)
لأنه بعد الحنث لا يتصوّر البرّ وتصوّر البر شرط بقاء اليمين فلم تبق اليمين فلا حنث.
رسالة العلامة قاسم عن شرح مختصر الكرخي. قوله: (إلا في كلما) لاستلزامها تكرر
الفعل، فإذا قال: كلما فعلت كذا يحنث بكل مرة. قوله: (وكذا الخ) هذا إذا لم يمض
الوقت. قوله: (والمحلوف عليه) الواو بمعنى أو. قوله: (لتحقق العدم) أي عدم الفعل
في اليوم ط. قوله: (ولو جن الحالف الخ) محل هذا في الإثبات كما في الفتح.
وصورته: قال لآكلنّ الرغيف في هذا اليوم فجنّ فيه ولم يأكل، أما في صورة
النفي إذا جن ولم يأكل فلا شك في عدم الحنث ط، وقدم المصنف أول الأيمان أنه
يحنث لو فعل المحلوف عليه وهو مغمى عليه أو مجنون.

٦٦٩
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
لأن النكرة في الإثبات تخص، والواحد هو المتيقن، ولو قيدها بوقت فمضى قبل
الفعل حنث إن بقي الإمكان، وإلا بأن وقع اليأس بموته أو بفوت المحل بطلت
يمينه كما مر في مسألة الكوز. زيلعي.
(حلفه وال ليعلمنه بكل داعر) بمهملتين أي مفسد (دخل البلدة تقيد) حلفه
(بقيام ولايته) بيان لكون اليمين المطلقة تصير مقيدة بدلالة الحال وينبغي تقييد
یمینه بفور علمه،
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّهُ بَرّ بِمَرَّةِ
قوله: (لأن النكرة في الإثبات تخص) أراد بالنكرة المصدر الذي تضمنه الفعل،
وهذا مبني على التعليل السابق وقد علمت ما فيه. وفي الفتح: لأن الملتزم فعل واحد
غير عين إذ المقام للإثبات فيبرّ بأي فعل سواء كان مكرهاً فيه أو ناسياً أصيلاً أو وكيلًا
عن غيره، وإذا لم يفعل لا يحكم بوقوع الحنث حتى يقع اليأس عن الفعل، وذلك
بموت الحالف قبل الفعل فيجب عليه أن يوصي بالكفارة، أو بفوات محل الفعل كما
لو حلف ليضربن زيداً أو ليأكلن هذا الرغيف فمات زيد أو أكل الرغيف قبل أكله،
وهذا إذا كانت اليمين مطلقة اهـ. قوله: (ولو قيدها بوقت) مثل ليأكلنه في هذا اليوم.
فتح. قوله: (بأن وقع اليأس) أي قبل مضيّ الوقت. قوله: (أو بفوت المحل) هذا
عندهما خلافاً لأبي يوسف. فتح.
مَطْلَبْ: حَلَّقَهُ وَالٍ لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعٍِ
قوله: (تقيد حلفه بقيام ولايته) هذا التخصيص بالزمان ثبت بدلالة الحال، وهو
العلم بأن المقصود من هذا الاستحلاف زجره بما يدفع شرّه أو شر غيره بزجره، لأنه إذا
زجر داعراً انزجر آخر، وهذا لا يتحقق إلا في حال ولایته لأنها حال قدرته على ذلك
فلا یفید فائدته بعد زوال سلطنته، والزوال بالموت وكذا بالعزل في ظاهر الرواية. وعن
أبي يوسف أنه يجب عليه إعلامه بعد العزل. فتح. قوله: (وينبغي تقييد يمينه بفور
علمه) هذا بحث لابن همام، فإنه قال: وفي شرح الكنز: ثم إن الحالف لو علم بالداعر
ولم يعلم به لم يحنث إلا إذا مات هو أو المستحلف أو عزل، لأنه لا يحنث في اليمين
المطلقة إلا باليأس إلا إذا كانت مؤقتة فيحنث بمضي الوقت مع الإمكان اهـ. ولو حكم
بانعقاد هذه للفور لم يكن بعيداً نظراً إلى المقصود وهو المبادرة لزجره ودفع شره،
والداعي يوجب التقييد بالفور: أي فور علمه به اهـ. وأقرّه في البحر والنهر والمنح،
واعترض بأنه خلاف ظاهر الرواية، ففي العناية: وليس يلزمه الإعلام حال دخوله، وإنما
يلزمه أن لا يؤخر الإعلام إلى ما بعد موت الوالي أو عزله على ظاهر الرواية اهـ.
1

٦٧٠
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
وإذا سقطت لا تعود، ولو ترقى بلا عزل إلى منصب أعلى فاليمين باقية لزيادة
تمکنه. فتح. ومن هذا الجنس مسائل منها: ما ذکره بقوله (کما لو حلف ربّ
الدين غريمه أو الكفيل بأمر المكفول عنه أن لا يخرج من البلد إلا بإذنه تقيد
قلت: ((على ظاهر الرواية)) راجع إلى قوله: ((أو عزله)) أي بناء على ظاهر الرواية
من أن العزل كالموت في زوال الولاية، خلافاً لما عن أبي يوسف كما يعلم مما نقلناه
سابقاً على الفتح، ولا شك أن التقييد بالفور عند قيام القرينة حكم ثابت في المذهب.
فصار حاصل بحث ابن الهمام: أن الوالي إذا كان مراده دفع الفساد في البلد،
وحلف رجلاً بأن يعلمه بكل مفسد دخل البلد، فليس مراده أن يخبره بعد إفساده سنين
في البلد، بل مراده إخباره به قبل إظهاره الفساد، فهذا قرينة واضحة على أن هذه اليمين
يمين الفور الثابت حكمها في المذهب، فما في شرح الكنز والعناية مبني على عدم قيام
قرينة الفور، وما بحثه ابن الهمام مبني على قيامها فحيث قامت القرينة على الفور حكم
بها بنص المذهب وإلا فلا، فلم يكن بحثه مخالفاً للمنقول بل هو معقول مقبول فلذا
أقرّه عليه الفحول، فافهم. قوله: (وإذا سقطت لا تعود) أي إذا سقطت بالعزل كما هو
ظاهر الرواية كما مر لا تعود بعوده إلى الولاية. قوله: (ولو ترقى بلا عزل الخ) هذا لم
يذكره في الفتح، بل ذكره في البحر بحثاً بقوله: ولم أر حكم ما إذا عزل من وظيفته،
وتولى وظيفة أخرى أعلى منها، وينبغي أن لا تبطل اليمين لأنه صار متمسكاً من إزالة
الفساد أكثر من الحالة الأولى اهـ.
قلت: الظاهر أن محل هذا ما إذا لم يكن فاصل بين عزله وتوليته، بل المراد
ترقيه في الولاية، وانتقاله عن الأولى إلى أعلى منها، ولذا عبر الشارح بقوله: ((ولو
ترقى بلا عزل)) أما لو عزل ثم تولى بعد مثلاً فقد تحقق سقوط اليمين والساقط لا يعود.
قوله: (ومن هذا الجنس) أي جنس ما تقيد بالمعنى وإن كان مطلقاً في اللفظ. قوله:
(أو الكفيل بأمر المكفول عنه) كذا وقع في البحر، ولم يذكر في الفتح والنهر لفظ
الأمر، ولذا قيل: إنه لا فائدة للتقييد به.
أقول: أي لأن ربّ الدين له ولاية المطالبة على الكفيل سواء كان كفيلاً بأمر.
المكفول عنه أو لا، لكن هذا بناء على أن الكفيل منصوب عطفاً على غريمه، ولفظ
أمر مضاف إلى المكفول عنه، وليس كذلك، بل الكفيل مرفوع عطفاً على ربّ الدين،
ولفظ أمر بالتنوين، والمكفول عنه منصوب عطف على غريمه مفعول حلف، ويوضحه
قول كافي النسفي أو الكفيل بالأمر المكفول عنه، وعليه فالتقييد بالأمر له فائدة
ظاهرة، لأن الكفيل بالأمر له الرجوع على المكفول عنه فيصير بمنزلة ربّ الدين فلذا
كان لتحليفه المكفول فائدة، ويتقيد تحليفه بمدة قيام الدين بمنزلة رب الدين، فافهم.

٦٧١
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
بالخروج حال قيام الدين والكفالة) لأن الإذن إنما يصح ممن له ولاية المنع وولاية
المنع حال قيامه (و) منها: (لو حلف لا تخرج امرأته إلا بإذنه تقيد بحال قيام
الزوجية) بخلاف لا تخرج امرأته من الدار لعدم دلالة التقييد. زيلعي (حلف ليهبنّ
فلاناً فوهبه له فلم يقبل برّ) وكذا كل عقد تبرع كعارية ووصية وإقرار (بخلاف
البيع) ونحوه حيث لا يبرّ بلا قبول، وكذا في طرف النفي، والأصل أن عقود
وفي الخانية: الكفيل بالنفس إذا حلف الأصيل لا يخرج من البلدة إلا بإذنه فقضى
الأصيل دين الطالب ثم خرج بعد ذلك لا يحنث. قوله: (وولاية المنع حال قيامه) أي
قيام الدين، ومفاده أن ذلك فيما إذا لم يكن الدين مؤجلاً، إذ ليس له منعه من الخروج
ولا مطالبته قبل حلول الأجل، وفيما إذا أدّى الكفيل لربّ المال، إذ ليس له مطالبة
المكفول عنه قبل الأداء؛ نعم له ملازمته أو حبسه إذا لوزم الكفيل أو حبس، فليتأمل.
قوله: (لعدم دلالة التقييد) لأنه لم يذكر الإذن فلا موجب لتقييده بزمان الولاية في
الإذن، وعلى هذا لو قال لامرأته: كل امرأة أتزوجها بغير إذنك فطالق، فطلق امرأته
طلاقاً بائناً أو ثلاثاً، ثم تزوج بغير إذنها طلقت، لأنه لم تتقيد يمينه ببقاء النكاح، لأنها
إنما تتقيد به لو كانت المرأة تستفيد ولاية الإذن والمنع بعقد النكاح اهـ فتح: أي
بخلاف الزوج فإنه يستفيد ولاية الإذن بالعقد وكذا ربّ الدين، كما في الذخيرة، وما
قيل من أن الإضافة في قوله: ((امرأتي)) تدل على التقييد لأنها بعد العدة لم تبق امرأته
مدفوع بأن الإضافة لا للتقييد بل للتعريف، كما قالوا في قوله: إن قبلت امرأتي فلانة
فعبدي حر فقبلها بعد البينونة يحنث، فافهم، وانظر ما قدمناه في التعليق من كتاب
الطلاق .
مَطْلَبْ: حَلَفَ لَيَهَبَنَّ لَهُ فَوَهَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ بِخِلَافِ البَيْعِ وَنَحْوِهِ
قوله: (ونحوه) كالإجارة والصرف والسلم والنكاح والرهن والخلع. بحر. قوله:
(وكذا في طرف النفي) فإذا قال: لا أهب حنث بالإيجاب فقط، بخلاف لا أبيع. قوله:
(والأصل الخ) الفرق أن الهبة عقد تبرع، فيتم بالمتبرع، أما البيع فمعاوضة فاقتضى
الفعل من الجانبين؛ وعند زفر الهبة كالبيع، واتفقوا على أنه لو قال بعتك هذا الثوب أو
أجرتك هذه الدار فلم تقبل وقال بل قبلت فالقول له، لأن الإقرار بالبيع تضمن الإقرار
بالإيجاب والقبول وعلى الخلاف القرض. وعن أبي يوسف أن القبول فيه شرط لأنه في
حكم المعاوضة، ونقل فيه عن أبي حنيفة روايتان، والإبراء يشبه البيع لإفادته الملك
باللفظ والهبة لأنه تمليك بلا عوض. وقال الحلواني: إنهما كالهبة، وقيل الأشبه أن
يلحق الإبراء بالهبة والقرض بالبيع، والاستقراض كالهبة بلا خلاف اهـ ملخصاً من الفتح
والبحر، وانظر ما قدمناه في باب اليمين بالبيع والشراء.
فرع: في الفتح: لو قال لعبد إن وهبك فلان مني فأنت حرّ فوهبه منه: إن كان

٦٧٢
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
التبرّعات بإزاء الإيجاب فقط والمعاوضات بإزاء الإيجاب والقبول معاً (وحضرة
الموهوب له شرط في الحنث) فلو وهب الحالف لغائب لم يحنث اتفاقاً. ابن
ملك، فليحفظ (لا يحنث في حلفه لا يشم ريحاناً بشم ورد وياسمين) والمعول
عليه العرف. فتح (و) يمين (الشم تقع على) الشم (المقصود فلا يحنث لو حلف لا
يشم طيباً فوجد ريحه وإن دخلت الرائحة إلى دماغه) فتح. (ويحنث في حلفه لا
يشتري بنفسجاً أو ورداً بشراء ورقهما لا دهنهما) للعرف (حلف لا يتزوّج فزوجه
فضولي فأجاز بالقول حنث وبالفعل) ومنه الكتابة خلافاً لابن سماعة (لا) يحنث،
العبد في يد الواهب لا يعتق سلمه له أولا، وإن كان وديعة في يد الموهوب له إن بدأ
الواهب فقال وهبتكه لا يعتق قبل أولا، وإن بدأ الآخر فقال هبه مني فقال وهبته منك
عتق. قوله: (شرط في الحنث) هذا فيما لو كان الحلف على النفي، فلو على الإثبات
فهو شرط في البرّ فكان المناسب إسقاط قوله في الحنث. فافهم.
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَشِمُّ رَتَجَاناً
قوله: (لا يشم) بفتح الياء والشين مضارع شممت الطيب بكسر الميم في
الماضي، وجاء في لغة فتح الميم في الماضي وضمها في المضارع. نهر. والمشهورة
الفصيحة الأولى كما في الفتح. قوله: (وياسمين) بكسر السين وبعضهم بفتحها وهو
غير منصرف، وبعض العرب يعربه إعراب جمع المذكر السالم على غير قياس. مصباح.
قوله: (والمعول عليه العرف) ذكر ذلك في الفتح بعد حكاية الخلاف في تفسير
الريحان، وهو أنه ما طاب ريحه من النبات، أو ما ساقه رائحة طيبة كالورد، أو ما لا
ساق له من البقول مما له رائحة مستلذة وغير ذلك. قوله: (فوجد ريحه) أي من غير قصد
شمه. قوله: (للعرف) فما في الهداية من حثه بالدهن لا الورق وما قاله الكرخي من
حنثه بهما مبني على اختلاف العرف، وعرفنا ما ذكره المصنف. فتح ملخصاً.
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَوَّجَهُ فُضُولِيٍّ
قوله: (فأجاز بالقول) كرضيت وقبلت: نهر. وفي حاوي الزهدي: لو هناه الناس
بنكاح الفضولي فسكت فهو إجازة. قوله: (حنث) هذا هو المختار كما في التبيين
وعليه أكثر المشايخ، والفتوى عليه كما في الخانية، وبه اندفع ما في جامع الفصولين
من أن الأصح عدمه. بحر. قوله: (وبالفعل) كبعث المهر أو بعضه بشرط أن يصل
إليها، وقيل الوصول ليس بشرط. نهر. وكتقبيلها بشهوة وجماعها، لكن يكره تحريماً
لقرب نفوذ العقد من المحرم. بحر. قلت: فلو بعث المهر أولاً لم يكره التقبيل
والجماع لحصول الإجازة قبله. قوله: (ومنه الكتابة) أي من الفعل ما لو أجاز بالكتابة

٦٧٣
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
به يفتى. خانية (ولو زوجه فضولي ثم حلف لا يتزوج لا يحنث بالقول أيضاً) اتفاقاً
لاستنادها لوقت العقد (كل امرأة تدخل في نكاحي) أو تصير حلالاً لي (فكذا
فأجار نكاح فضولي بالفعل لا يحنث) بخلاف كل عبد يدخل في ملكي فهو حرّ
فأجازه بالفعل حنث اتفاقاً لكثرة أسباب الملك. عمادية. وفيها: حلف لا يطلق
فأجاز طلاق فضولي قولً أو فعلًا فهو كالنكاح، غير أن سوق المهر ليس بإجازة
لوجوبه قبل الطلاق. قال لامرأة الغير: إن دخلت دار فلان فأنت طالق فأجاز
الزوج فدخلت طلقت (ومثله) في عدم حثه بإجازته فعلاً ما يكتبه الموثقون في
التعاليق من نحو قوله (إن تزوجت امرأة بنفسي أو بوكيلي أو بفضولي) أو دخلت
في نكاحي بوجه ما تكن زوجته طالقاً، لأن قوله أو بفضولي إلى آخره عطف
لما في الجامع حلف لا يكلم فلاناً أو لا يقول له شيئاً فكتب إليه كتاباً لا يحنث، وذكر
ابن سماعة أنه يحنث. نهر. قوله: (به يفتى) مقابله ما في جامع الفصولين من أنه لا
يحنث بالقول كما مر، فكان المناسب ذكره قبل زواله ((وبالفعل)) أفاده ط. قوله:
(لاستنادها) أي الإجازة لوقت العقد وفيه لا يحنث بمباشرته ففي الإجازة أولى. بحر.
مَطْلَبٌ: قَالَ: كُلَّ أَمْرَأَةٍ تَدْخُلُ فِي نِكَاحِي فَكَذَا
قوله: (لا يحنث) هذا أحد قولين قاله الفقيه أبو جعفر ونجم الدين النسفي،
والثاني أنه يحنث، وبه قال شمس الأئمة والإمام البزدوي والسيد أبو القاسم، وعليه
مشى الشارح قبيل فصل المشيئة، لكن رجح المصنف في فتاواه الأول، ووجهه أن
دخولها في نكاحه لا يكون إلا بالتزويج، فيكون ذكر الحكم ذكر سببه المختص به
فيصير في التقدير كأنه قال إن تزوجتها، وبتزويج الفضولي لا يصير متزوجاً، كما في
فتاوى العلامة قاسم.
قلت: قد يقال: إن له سببين: التزوّج بنفسه، والتزويج بلفظ الفضولي؛ والثاني
غير الأول بدليل أنه لا يحنث به في حلفه لا يتزوج. تأمل. قوله: (لكثرة أسباب
الملك) فإنه يكون بالبيع والإرث والهبة والوصية وغيرها، بخلاف النكاح كما علمت
فلا فرق بين ذكره وعدمه. قوله: (أو فعلاً) بإخراج متاعها من بيته ط. قوله: (لوجوبه
قبل الطلاق) فلا يحال به إلى الطلاق، بخلاف النكاح، لأن المهر من خصائصه منح عن
العمادية. قوله: (قال) أي فضولي. قوله: (فأجاز الزوج) أي أجاز تعليق الفضولي.
قوله: (ومثله) أي مثل ما في المتن. قوله: (ما يكتبه الموثوقون) أي الذين يكتبون
الوثائق: أي الصكوك. قوله: (إلى آخره) المناسب حذفه لأن قوله: ((أو دخلت في
نكاحي)) معطوف على ((تزوجت)) لا على ((بنفسي)) فلا يصح تعليله بأن عامله تزوجت،

٦٧٤
كتاب الأبمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
على قوله بنفسي، وعامله تزوجت وهو خاص بالقول وإنما ينسد باب الفضولي
لو زاد أو أجزت نكاح فضولي ولو بالفعل فلا مخلص له، إلا إذا كان المعلق
طلاق المزوجة فيرفع الأمر إلى شافعي ليفسخ اليمين المضافة، وقدمنا في
التعاليق أن الإفتاء كاف في ذلك، بحر (حلف لا يدخل دار فلان انتظم المملوكة
والمستأجرة والمستعارة) لأن المراد بها المسكن عرفاً،
بل العلة فيه أنه ليس له إلا سبب واحد، وهو التزوج كما مر وهو لا يكون إلا بالقول.
أفاده ط. قوله: (وهو خاص بالقول) فقوله: ((أو بفضولي)) ينصرف إلى الإجازة بالقول
فقط. بحر. قوله: (فلا مخلص له الخ) كذا في البحر، وتبعه في النهر والمنح، وفي
فتاوى العلامة قاسم وجامع الفصولين أنه اختلف فيه. قيل لا وجه لجوازه لأنه شدد
على نفسه. وقال الفقيه أبو جعفر وصاحب الفضول: حيلته أن يزوجه فضولي بلا
أمرهما فيجيزه هو فيحنث قبل إجازة المرأة لا إلى جزاء لعدم الملك ثم تجيزه هي،
فإجازتها لا تعمل فيجددان العقد، فيجوز إذ اليمين انعقدت على تزوج واحد. وهذه
الحيلة إنما يحتاج إليها إذا قال أو يزوجها غيري لأجلي وأجيزه؛ أما إذا لم يقل
وأجيزه، قال النسفي: يزوج الفضولي لأجله فتطلق ثلاثاً إذ الشرط تزويج الغير له
مطلقاً، ولكنها لا تحرم عليه طلاقها قبل الدخول في ملك الزوج. قال صاحب جامع
الفصولين: فيه تسامح، لأن وقوع الطلاق قبل الملك محال اهـ.
قلت: إنما سماه تسامحاً لظهور المراد وهو انحلال اليمين لا إلى جزاء، لأن
الشرط تزويج الغير له وذلك يوجد من غير توقف على إجازته، بخلاف قوله:
((أتزوجها)) فإنه لا يوجد إلا بعقده بنفسه أو عقد غيره له وإجازته. قوله: (إلا إذا كان
المعلق طلاق المزوجة) في بعض النسخ ((المتزوجة)) أي التي حلف ألا يتزوجها بنفسه
أو بفضولي احتراز عما لو كان المعلق طلاق زوجته الأصلية بأن قال إن تزوجت عليك
بنفسي أو بفضولي فأنت طالق، فإن حكم الشافعي بفسخ اليمين المضافة يؤكد الحنث
لا ينافيه. قوله: (إن الإفتاء كاف) أي إفتاء الشافعي للحالف ببطلان هذه اليمين، وهو
رواية عن محمد أفتى بها أئمة خوارزم لكنها ضعيفة؛ نعم لو قال: كل امرأة أتزوجها
فهي كذا فتزوج امرأة وحكم القاضي بفسخ اليمين ثم تزوج أخرى يحتاج إلى الفسخ
ثانياً عندهما. وقال محمد: لا يحتاج، وبه يفتى كما في الظهيرية. فمن قال: إن بطلان
اليمين هو قول محمد المفتى به كما في الظهيرية فقد اشتبه عليه حكم بآخر كما قدمنا
بيانه في باب التعليق، فافهم. قوله: (بحر) الأولى أن يقول: ((نهر)) لأن جميع ما قدمه
مذكور فيه، أما في البحر فإنه لم يذكر قوله أنه مما يكتبه الموثقون ولا قوله أو دخلت
في نكاحي بوجه ما، ولا قوله وقدمنا في التعاليق. قوله: (لأن المراد بها المسكن عرفاً)
١

--
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٧٥
ولا بد أن تكون سكناه لا بطريق التبعية فلو حلف لا يدخل دار فلانة فدخل دارها
وزوجها ساكن بها لم يحنث، لأن الدار إنما تنسب إلى الساكن وهو الزوج. نهر
عن الواقعات (لا يحنث في حلفه أنه لا مال له ولا دين على مفلس) بتشديد اللام:
أي محكوم بإفلاسه (أو) على (مليءٍ) غني لأن الدين ليس بمال بل وصف في
الذمة لا يتصوّر قبضه حقيقة.
فروع: قال لغيره: والله لتفعلن كذا فهو حالف، فإن لم يفعله المخاطب
يعني أن المراد ما يشمل المسكن، فيصدق على المملوكة غير المسكونة، وفيه تفصيل
وخلاف ذكرناه في باب اليمين بالدخول. قوله: (ولا بد أن تكون سكناه لا بطريق التبعية
الخ) مخالف لما قدمه في الباب المذكور من قوله: ((ولو تبعاً» وهو ما في الخانية: لو
حلف لا يدخل دار بنته أو أمه وهي تسكن في بيت زوجها، فدخل الحالف حنث.
وقد ذكر في الخانية أيضاً مسألة الواقعات وقال: إن لم ينو تلك الدار لا يحنث، لأن
السكنى تضاف إلى الزوج لا إلى المرأة، ويمكن الجواب بأن الدار في مسألة الخانية
المارة لما لم تكن للمرأة انعقدت يمينه على دار السكنى بالتبعية فحنث، أما في مسألة
الواقعات المذكورة هنا فالدار فيها ملك المرأة فانصرفت اليمين إلى ما ينسب إليها
أصالة، فلما سكنها زوجها نسبت إليه وانقطعت نسبتها إليها فلم يحنث الحالف
بدخولها ما لم ينوها. أفاد بعضه السيد أبو السعود، لكن قدمنا في باب الدخول عن
التاترخانية ما يفيد اختلاف الرواية، ولكن ما ذكر من الجواب توفيق حسن رافع
للخلاف بقيد عدم النية المذكور أخذاً مما مر عن الخانية، فافهم.
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَاَ مَالَ لَهُ
قوله: (بل بتشديد اللام) كذا في البحر عن مسكين، والظاهر أن التشديد غير لازم
لأنه يقال مفلس وجمعه مفاليس كما في المصباح، وهذا أعم من المحكوم بإفلاسه
وغيره کما لا يخفى.
مَطْلَبْ: الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا
قوله: (بل وصف للذمة الخ) ولهذا قيل إن الديون تقضى بأمثالها على معنى أن
المقبوض مضمون على القابض، لأن قبضه بنفسه على وجه التملك ولرب الدين على
المدين مثله، فالتقى الدينان قصاصاً، وتمامه في البحر.
مَطْلَبْ: قَال لِغَيْرِهِ وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ حَالِفٌ
قوله: (فإن لم يفعله المخاطب حنث) كذا أطلقه في الخانية والفتح والنهر،
وظاهره أنه يحنث سواء أمره بالفعل أو لا، وهو كذلك لأن أمره لا يحقق الفعل من

٦٧٦
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
حنث ما لم ينو الاستحلاف.
قال لغيره: أقسمت عليك بالله أو لم يقل عليك لتفعلنّ كذا فالحالف هو
المبتدئ
المحلوف عليه، وشرط بره هو الفعل، وشرط حثثه عدمه، ويأتي تمام بيانه قريباً.
مَطْلَبٌ: وَاللَّهِ لَا تَقُمْ فَقَامَ لَا يُحْنَكُ
هذا، ورأيت في الصيرفية: مرّ علي رجل فأراد أن يقوم فقال والله لا تقم فقام،
لا يلزم المارّ شيء، لكن عليه تعظيم اسم الله تعالى اهـ. وذكره في البزازية بعبارة
فارسية، فهذا الفرع مخالف لما مر، وقد يجاب بأن قوله لا يقم نهي، وهو إنشاء في
الحال تحقق مضمونه عند التلفظ به، وهو طلب الكفّ عن القيام فصار الحلف على هذا
الطلب الإنشائي لا على عدم القيام، فالمقصود من الحلف تأكيد ذلك الطلب،
فليتأمل. والظاهر أن الأمر مثل النهي فإذا قال بالله أضرب زيداً اليوم لا يحنث بعدم
ضربه، ويظهر أيضاً أنه لو قعد ثم قام لا يحنث، ولو لم يكن بلفظ النهي لأن المراد
النهي عن القيام الذي تهيأ له المحلوف عليه فهو يمين الفور المارّ بيانها، وهذه المسألة
تقع كثيراً.
مَطْلَبٌ: قَالَ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا قَالَ نَعَمْ
قوله: (ما لم ينو الاستحلاف) فإن نوى الاستحلاف فلا شيء على واحد منهما.
خانية وفتح: أي لأن المخاطب لم يجبه بقوله نعم حتى يصير حالفاً. قال في الخانية:
ولو قال: والله لتفعلن كذا فقال الآخر نعم، فهو على خمسة أوجه:
أحدها: أن ينوي كل من المبتدئ والمجيب الحلف على نفسه فهما حالفان؛ أما
الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن قوله نعم يتضمن إعادة ما قبله، فكأنه قال والله لأفعلن
كذا، فإذا لم يفعل حنثا جميعاً.
الثاني: أن يريد المبتدئ الاستحلاف والمجيب اليمين على نفسه، فالحالف هو
المجيب فقط .
الثالث: أن لا يريد المجيب اليمين بل الوعد فلا يكون أحدهما حالفاً.
الرابع: أن لا يكون لأحدهما نية، فالحالف هو المبتدئ فقط.
الخامس: أن يريد المبتدئ الاستحلاف والمجيب الحلف، فالمجيب حالف لا
غير اهـ ملخصاً.
قلت: هذا الأخير هو عين الثاني، فتأمل. قوله: (فالحالف هو المبتدئ) وكذا
فيما لو قال أحلف أو أشهد بالله قال عليك أو لا فلا يمين على المجيب في الثلاثة،
وإن نويا أن يكون الحالف هو المجيب. خانية.

٦٧٧
اكتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
ما لم ينو الاستفهام. ولو قال عليك عهد الله إن فعلت كذا فقال نعم، فالحالف
المجيب.
لا يدخل فلان داره فيمينه على النهي إن لم يملك منعه، وإلا فعلى النهي
والمنع جميعاً.
قلت: ووجهه أنه أسند فعل القسم إلى نفسه فلا يمكن أن يكون فاعله غيره.
قوله: (ما لم ينو الاستفهام) أي بأن تكون همزة الاستفهام مقدرة فيصير المعنى هل
أحلف أم لا، وهذا يصلح حيلة إذا أراد أن لا يحنث، فافهم. قوله: (فالحالف
المجيب) ولا يمين على المبتدئ وإن نوى اليمين. خانية وفتح: أي لإسناده الحلف
إلى المخاطب فلا يمكن أن يكون الحالف غيره.
مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فُلَانْ دَارَهُ
قوله: (لا يدخل فلان داره الخ) نقله في النهر عن منية المفتي، وهذا رأيته فيها
لكن بلفظ ((الدار)» معرفة، وهذا محمول على ما إذا كان فلان ظالماً لا يمكن الحالف
أن يمنعه كما يعلم مما ذكره الشرنبلالي في رسالة عن الخانية والخلاصة وغيرهما:
حلف لا يدع فلاناً يدخل هذه الدار، فلو الدار ملك الحالف فشرط البر منعه بالقول
والفعل بقدر ما يطيق، فلو منعه بالقول دون الفعل حنث، وإن لم تكن له فمنعه بالقول
دون الفعل لا يحنث بالدخول. وفي القنية عن الوبري: حلف ليخرجن ساكن داره
اليوم، والساكن ظالم غالب يتكلف في إخراجه، فإن لم يمكنه فاليمين على التلفظ
باللسان اهـ.
قال: وهذا يفيد أن ما مر من حنث المالك بالمنع بالقول فقط مقيد بما إذا قدر
على منعه بالفعل، وإلا فيكفيه القول، ويفيده قول الخانية: بقدر ما يطيق. هذا حاصل
ما ذكره في الرسالة، وقد لخصها السيد أبو السعود تلخيصاً مخلّاً، ونقله عنه ط في
الباب السابق، وأنه أفتى بناء على ما فهمه فيمن حلف على أخته أن لا تتكلم بأنها لو
تكلمت بعد ما نهاها عن الكلام لا يحنث، لأنه لا يملك منعها، وقاس على ذلك أيضاً
أنه لو كانت اليمين على الإثبات مثل لتفعلن يكفي أمره بالفعل.
مَطْلَبٌ فِي الفَرْقِ بَينَ لَا يدَعُهُ يَدْخُلُ وَبَينَ لَا يَدْخُلُ
قلت: وهذا خطأ فاحش للفرق البين بين قولنا لا أدعه يفعل وبين لا يفعل،
يوضح ذلك ما قدمناه في التعليق عن الولوالجية: رجل قال: إن أدخلت فلاناً بيتي أو
قال إن تركت فلاناً يدخل بيتي فامرأته طالق، فاليمين في الأول على أن يدخل بأمره
لأنه متى دخل بأمره فقد أدخله، وفي الثانية على الدخول أمر الحالف أو لم يأمر علم
أو لم يعلم لأنه وجد الدخول، وفي الثالث على الدخول بعلم الحالف لأن شرط

٦٧٨
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
آجر داره ثم حلف أنه لا يتركه فيها برّ بقوله اخرج.
الحنث الترك للدخول، فمتى علم ولم يمنع فقد ترك اهـ. ونقل مثله في البحر عن
المحيط وغيره، فانظر كيف جعلوا اليمين في الثاني على مجرد الدخول، لأن
المحلوف عليه هو دخول فلان، فمتى تحقق دخوله تحقق شرط الحنث وإن منعه قولاً
أو فعلًا، لأن منعه لا ينفي دخوله بعد تحققه. وأما عدم الحنث بالمنع قولاً وفعلاً أو
قولاً فقط على التفصيل المار فهو خاص بالحلف على أنه لا يدعه أو لا يتركه يدخل،
وكذا قوله لا يخليه يدخل، لأنه متى لم يمنعه تحقق أنه تركه أو خلاه فيحنث، هذا هو
المصرح به في عامة كتب المذهب، وهو ظاهر الوجه وقدمنا في آخر اليمين في الأكل
والشرب فيما لو قال لا أفارقك حتى تقضيني حقي أنه لو فر منه لا يحنث، ولو قال لا
يفارقني يحنث كما في الخانية فقد جزم بحثه إذا فرّ منه بعد حلفه لا يفارقني.
وعلى هذا فالصواب في جواب الفتوى السابقة أن أخته إذا تكلمت يحنث، سواء
منعها عن الكلام أو لا لتحقق شرط الحنث وهو الكلام، ومنعه لها لا يرفعه بعد تحققه
كما لا يخفى؛ نعم لو كان الحلف على أنه لا يتركها أو لا يخليها تتكلم فإنه يبرّ بالمنع
قولًا فقط، ولا يحتاج إلى المنع بالفعل لأنه لا يملكه. كما قال في الخانية: رجل
حلف بطلاق امرأته أن لا يدع فلاناً يمرّ على هذه القنطرة فمنعه بالقول يكون باراً، لأنه
لا يملك المنع بالفعل اهـ. وبما قررناه ظهر أن ما نقله الشارح تبعاً للمنية لا يصح حمله
على ظاهره لمخالفته للمشهور في الكتب فلا بد من تأويله بما قدمناه.
وقد يؤول بأنه أراد معنى لا يدعه يدخل كما أفتى به في الخيرية، حيث سئل
عمن حلف على صهره أنه لا يرحل من هذه القرية فرحل قهراً عليه فهل يحنث؟
أجاب: مقتضى ما أفتى به قارئ الهداية واستدل به الشيخ محمد الغزي وأفتى به أنه إن
نوى لا يمكنه فرحل قهراً عليه لا يحنث اهـ. أو يؤول بأنه سقط من عبارة المنية لفظ
((لا يدعه)) وإلا فهو مردود، لأن العمل على ما هو المشهور الموافق للمعقول والمنقول
دون الشاذ الخفي المعلول، فاغتنم هذا التحرير، والله سبحانه أعلم.
تنبيه: علم أيضاً مما ذكرناه أنه لو كان الحالف على الإثبات مثل قوله والله
لتفعلن كذا فشرط البرّ هو الفعل حقيقة، ولا يمكن قياسه على لا يدعه يفعل، بأن يقال
هنا: يكفي أمره بالفعل فإن ذلك لم يقل به أحد وأما ما مر عن القنية في: ليخرجن
ساكن داره، فذاك في معنى لا يدعه يسكن كما علم مما مر، أما هنا فلا يكفي الأمر
لأنه حلف على الفعل لا على الأمر به، ومجرد الأمر به لا يحققه كما لا يخفى، فإذا
لم يفعل يحنث الحالف كما مرّ سواء أمره أو لا، وهذا ظاهر جليّ أيضاً، ولكن جلّ
من لا يسهو، فافهم. قوله: (بر بقوله اخرج) لأن عقد الإجارة منعه من الإخراج

٦٧٩
كتاب الأيمان / باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
لا يدع ما له اليوم على غريمه فقدمه للقاضي وحلفه بر.
قيل له إن كنت فعلت كذا فامرأتك طالق فقال نعم وقد كان فعل طلقت.
وفي الأشباه: القاعدة الحادية عشرة السؤال معاد في الجواب، قال: امرأة زيد
طالق أو عبده حر أو عليه المشي لبيت الله إن فعل كذا وقال زيد نعم كان حالفاً
إلى آخره.
ادعى عليه فحلف بالطلاق ما له عليه شيء فبرهن بالمال حنث، به يفتى.
حلف أن فلاناً ثقيل وهو عند الناس غير ثقيل وعنده ثقيل لم يحنث، إلا أن
ینوي ما عند الناس.
لا يعمل معه في القصارة مثلاً فعمل مع شريكه حنث، ومع عبده المأذون لا .
لا يزرع أرض فلان فرزع أرضاً بينه وبين غيره حنث، لأن نصف الأرض
تمسى أرضاً، بخلاف لا أدخل دار فلان فأدخل المشتركة إذا لم يكن ساكناً، والله
سبحانه أعلم.
بالفعل، لأن مالك الدار لا يملك المنفعة مدة الإجارة، فهو حينئذ كالأجنبي.
شرنبلالي. قوله: (وحلفه برّ) لأن قوله ((لا يدع)) ينصرف إلى ما يقدر عليه، وبعد
تحليفه لا يقدر على الأخذ، وشرط الحنث أن يتركه مع القدرة ولذا لا يحنث إذا قال لا
أدع فلاناً يفعل ففعل في غيبته. قوله: (طلقت) لأنه صار حالفاً للقاعدة المذكورة عقبه.
قوله: (به يفتى) وهو قول أبي يوسف خلافاً لمحمد، بخلاف ما لو برهن أنه أقرضه
ألفاً والمسألة بحالها لا يحنث اهـ فتح: أي لجواز أنه أترضه ثم أبرأه أو استوفى منه قبل
الدعوى فلم يظهر كذب المدعى عليه. قوله: (حنث الخ) لأن كل واحد من الشريكين
يرجع بالعهدة على صاحبه، ويصير الحالف عاملاً مع المحلوف عليه، وإن كان عقد
الشركة نفسه لا يوجب الحقوق. أما العبد المأذون فلا يرجع بالعهدة على المولى فلا
يصير الحالف شريكاً لمولاه. بحر عن الظهيرية. قوله: (فدخل المشتركة) أي فلا
يحنث. لأن نصف الدار لا يسمى داراً. فتح. قوله: (إذا لم يكن ساكناً) ترك في الفتح
هذا القيد، وقد صرح به في الخانية. قال ط: أما إذا كان ساكناً فهي داره، لأن الدار
حينئذ تعم المستأجرة فأولى المشتركة التي سكنها، والله سبحانه أعلم.
٠

٦٨٠
فهرس الجزء الخامس
الفهرس
كتاب الطلاق
باب طلاق المريض .
٣
مطلب حال فشوِّ الطاعون هل للصحيح حكم المريض؟
١٢
باب الرجعة
٤٠
٢٣
مطلب في العقد على المبانة
مطلب مال أصحابنا إلى بعض أقوال مالك رحمه الله ضرورة
٤٢
مطلب حيلة إسقاط عدة المحلل
٤٣
مطلب في حكم لعن العصاة
٤٩
مطلب حيلة إسقاط التحليل بحكم شافعي بفساد النكاح الأول
٥٠
٥٢
مطلب مسألة الهدم
مطلب الإقدام على النكاح إقرار بمضي العدة
٥٤
٥٧
باب الإيلاء
٧٤
مطلب في قوله: أنت عليَّ حرام
٨٣
باب الخلع
٩١
مطلب ألفاظ الخلع خمسة
مطلب أبرأته من حق يكون للنساء على الرجال
٩٢
مطلب معنی المجتهد فيه
٩٢
مطلب تستعمل ((على)) في الاستعلاء واللزوم حقيقةً
٩٩
مطلب حاصل مسائل الخلع والمباراة على أربعةٍ وعشرين وجهاً
١٠٥
مطلب في البراءة بقولها: أبرأك الله
١٠٩
مطلب في الخلع على نفقة الولد
١٠٩
مطلب في خلع الصغير
١١١