Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام اللبن يحنث البدوي لا الحضري. زيلعي (والتعشي منه) أي الزوال. وفي البحر عن الإسبيجابي: وفي عرفنا وقت العشاء بعد صلاة العصر اهـ. قلت: وهو عرف مصر والشام (إلى نصف الليل، والسحور هو الأكل بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر، قال إن أكلت أو) قال إن (شربت أو لبست) أو نكحت ونحو ذلك فعبدي حرّ (ونوى معيناً) أي خبزاً أو لبناً أو قطناً مثلاً (لم يصدق أصلا) فيحنث بأي شيء أكل أو شرب وقیل یدین، يتغدى فأكل تمراً أو أرزاً أو غيره حتى شبع لا يحنث، ولا يكون غداء حتى يأكل الخبز، وكذلك إن أكل لحماً بغير خبز اعتباراً للعرف، كذا في الاختيار ونحوه في البحر والفتح، والظاهر أنه مبني على أن المراد بالغداء ما يتغدى به في العرف غالباً، وهذا وإن كان يتغدى به في العرف لكنه قليل، ونظيره ما مر في الإدام. وفي البحر عن المحيط: لو تغدى بالعنب لا يحنث، إلا أن يكون من أهل الرستاق من عادتهم التغدي به في وقته. قوله: (بعد صلاة العصر) والظاهر أنه ينتهي إلى دخول وقت السحور. قوله: (والسحور) بالفتح ما يؤكل، وبالضم فعل الفاعل. مصباح. والمناسب هنا ضبطه بالضم لقوله: (هو الأكل)) وليناسب التعبير بالتغدي والتعشي. قال في الفتح: لما كان السحور ما يؤكل في السحر والسحر من الثلث الأخير، سمي ما يؤكل في النصف الثاني لقربه من الثلث الأخير سحوراً بالفتح، والأكل فيه التسحر اهـ. قلت: في زماننا لا يطلقون السحور إلى على ما يؤكل ليلاً لأجل الصوم. مَطْلَبْ: قَالَ إِنْ أَكَلْتُ أَوْ شَرِبْتُ وَنَوَى مُعَيّاً لَمْ يَصِحّ قوله: (ونحو ذلك) كما لو حلف لا يركب أو لا يغتسل، أو لا ينكح، أو لا يسكن دار فلان، أو لا يتزوّج امرأة ونوى الخيل أو من جنابة امرأة معينة، أو بالإجارة أو الإعارة أو كوفية لم تصح نيته أصلاً. نهر. قوله: (أي خبزاً أو لبناً الخ) لفّ ونشر مرتب، وأفاد أنه ليس المراد بالمعين الفرد الشخصي، بل ما يعم النوعي. قوله: (لم يصدق أصلًا) أي لا قضاء ولا ديانة، لأن النية إنما تعمل في الملفوظ لتعين بعض محتملاته وما نواه غير مذكور نصاً فلم تصادف النية محلها فلغت. نهر. قوله: (وقيل يدين) هو رواية عن الثاني، واختاره الخصاف لأنه مذكور تقديراً وإن لم يذكر تنصيصاً. وأجيب بأن تقديره لضرورة اقتضاء الأكل مأكولًا، وكذا اللبس والشراب، والمقتضى لا عموم له كذا قالوا. والتحقيق أن هذا ليس من المقتضى، لأنه ما يقدر لتصحيح المنطوق بأن يكون الكلام كذباً ظاهراً كرفع الخطأ والنسيان، أو غير صحيح شرعاً كأعتق عبدك عني، وقولك لا آكل خال عن ذلك؛ نعم المفعول: أعني المأكول من ضروريات وجود الأكل، ومثله ليس من المقتضي بل من حذف المفعول اقتصاراً، وإلا ٥٨٢ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام كما لو نوى كل الأطعمة أو كل مياه العالم حتى لا يحنث أصلاً لنيته محتمل كلامه (ولو ضم) لأن أكلت (طعاماً أو) شربت (شراباً أو) لبست (ثوباً دين) إذا قال عنيت شيئاً دون شيء لأنه ذكر اللفظ العام القابل للتخصيص، لأنه نكرة في سياق الشرط فتعم كالنكرة في النفي، والأصل أن النية إنما تصح في الملفوظ لزم أن يكون كل كلام مقتضي، إذ لا بد أن يستدعي مكاناً وزماناً، وحيث كان هذا المصدر ضرورياً للفعل لا يصح تخصيصه وإن عم بوقوعه في سياق النفي، فإن من ضرورة ثبوت الفعل في النفي ثبوت المصدر العام بدون ثبوت التصرف فيه بالتخصيص، فإن عمومه ضرورة تحقق الفعل في النفي فلا يقبل التخصيص، بخلاف إن أكلت أكلاً فإن الاسم مذكور صريحاً فيقبله، وتمامه في الفتح. قوله: (كما لو نوى الخ) أي كما يصدق ديانة لو نوى كل الأطعمة أو المياه، حتى لو أكل طعاماً أو طعامين أو أكثر لا يحنث، وكذا لو شرب مدة عمره لأنه لم يأكل الكل ولم يشرب الكل. ثم اعلم أنه لا محل لتذكر هذه المسألة هنا، بل محلها بعد قوله: ((ولو ضم طعاماً الخ)) كما فعله في البحر: أي فيما إذا صرح بالمفعول كما نبه عليه، ويدل عليه التعليل بقوله: (لنيته محتمل كلامه)) لأنه إذا لم يصرح به ويكون معناه لا أوجد أكلاً أو شرباً أو لبساً فيحنث بكل أكل وجد، ولذا لم تصح نيته المعين منه، بخلاف ما إذا صرح به، لأن طعاماً المذكور يحتمل البعض والكل، فأيهما نوى صح، ولذا نقل في البحر عن المحيط أنه يصدق قضاء أيضاً، وعلله في البدائع بأنه نوى حقيقة كلامه، ثم نقل عن الكشف أنه إنما يصدق ديانة فقط، وقال: لأنه خلاف الظاهر، لأن الإنسان إنما يمنع نفسه عما يقدر عليه والكل ليس في وسعه، وفيه تخفيف عليه أيضاً، وتمامه فيه. أقول: ويظهر لي ترجيح الأول، لأنه إذا نوى البعض إنما يصدق ديانة فقط كما يأتي، وهذا لا نزاع فيه، ويلزم منه أن يصدق قضاء وديانة إذا نوى الكل، لأن عدم تصديقه في الأول قضاء، لأنه خلاف ظاهر اللفظ، فيكون الظاهر العموم، وإلا لزم تصديقه اقتضاء في نية الخصوص. وفي تلخيص الجامع: إن كلمت بني آدم أو الرجال أو النساء حنث بالفرد، إلا أن ينوي الكل، قال شارحه: فيصدق ديانة وقضاء لا يحنث أبداً، لأن الصرف إلى الأدنى عند الإطلاق لتصحيح كلامه، فإذا نوى الكل فقد نوى حقيقة كلامه فيصدق؛ وقيل: لا يصدق قضاء لأن الحقيقة مهجورة اهـ. وسيأتي هذا آخر الباب، وتعبيره عن الثاني بقيل يفيد ضعفه، وترجيح الأول كما قلنا، فافهم. قوله: (دين) أي يؤكل إلى دينه فيما بينه وبين ربه تعالى، وأما القاضي فلا يصدقه لأنه خلاف الظاهر، وقدمنا في الطلاق أن المرأة كالقاضي. قوله: (لأنه نكرة في سياق الشرط فتعم) لأن الحلف في الشرط المثبت يكون على نفيه، فقوله إن لبست ثوباً في ٥٨٣ كتاب الأيمان / باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام إلا في ثلاث فيدين في فعل الخروج والمساكنة وتخصيص الجنس كحبشية أو معنى: لا ألبس ثوباً. قوله: (إلا في ثلاث فيدين الخ) يعني لو قال: إن خرجت فعبدي حرّ نوى السفر مثلاً، أو إن ساكنت فلاناً فعبدي حرّ ونوى المساكنة في بيت واحد يدين، لأن الخروج في نفسه متنوّع إلى سفره وغيره حتى اختلفت أحكامهما، فقبلت إرادة أحد نوعيه؛ وكذا المساكنة متنوعة إلى كاملة هي المساكنة في بيت واحد، ومطلقة وهي ما تكون في دار، فإرادة المساكنة في بيت إرادة أخص أنواعها كما في الفتح. وحاصله: أن النية صحت هنا لكون المصدر متنوعاً لا باعتبار عمومه، فهو تخصيص أحد نوعي الجنس وزاد في تلخيص الجامع: إن اشتريت ونوى الشراء لنفسه: أي فتصح نيته ديانة، وإن لم يذكر المفعول لتنوع الشراء، فإنه تارة يكون لنفسه، وتارة يكون لموكله ولذا رتب على الأول الملك لنفسه، وعلى الثاني الملك للموكل، وهذا بخلاف ما إذا نوى الخروج لبغداد أو المساكنة بالإجارة أو الشراء لعبد، فإن الفعل فيه غير متنوع، فلم يصح تخصيصه بالنية بدون ذكر، كما في شرح التلخيص. قلت: ونظير ذلك ما إذا قال أنت بائن ونوى الثلاث أو الواحدة يصح، بخلاف نية الثنتين، لأن البينونة نوعان: غليظة، وخفيفة، فتصح نية إحداهما بخلاف الثنتين لأنه عدد محض كما مر تقريره في محله لكنه يصدق في نية البينونة قضاء. قال في الفتح: وكذا لو حلف لا يتزوّج امرأة ونوى كوفية أو بصرية لا يصح، لأنه تخصيص الصفة، ولو نوى حبشية أو عربية صحت ديانة لأنه تخصيص الجنس، ثم قال: وكون إرادة نوع ليس تخصيصاً للعام مما لا يقبل المنع لأنه لا يخرج عن قصر عام على بعض متناولاته اهـ. أقول: قد يقال لا عموم هنا ولا تخصيص لعام، وإنما هو إرادة أحد محتملي اللفظ المشترك أو أحد نوعي الجنس كما في التوضيع والتلويح، والأول أولى، وبيانه أن الخروج مشترك بين سفر والانفصال من داخل إلى خارج، وكذا المساكنة مشتركة بين الكاملة وهي ما تكون في بيت واحد، ومطلقة وهي ما تكون في الدار مطلقاً، وكذا الشراء فإنه يحتمل الخاص وهو ما يكون له والمطلق، ولكن لما كان المتبادر عرفاً هو المعنى الثاني في المسائل الثلاث صدق ديانة فقط في نية المعنى الأول منها، ولا يصدقه القاضي لأنه خلاف الظاهر، وله نظائر في تلخيص الجامع لو قال: إن جامعتك أو باضعتك فهو على الجماع في الفرج لأنه المتفاهم عرفاً إلا أن ينوي ما دونه للاحتمال لكن لا يصرف عن الظاهر في القضاء فيحنث بهما: أي إذا نوى ما دونه يحنث به عملاً بإقراره على نفسه بالحنث، ويحنث بالجماع في الفرج لتبادره، وكذا إن وطئتك فعبدي حر إلا أن يعني الوطء بالقدم، وفي إن أتيتك ينوي لاستواء احتمالي الجماع والزيارة، لكن لو نوى الزيارة حنث بالجماع لأنه زيارة وزيادة اهـ. ٥٨٤ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام عربية لا الصفة ككوفية أو بصرية. فتح (نية تخصيص العام تصح ديانة) إجماعاً، وبما قررناه: ظهر الفرق بين هذه المسائل المستثناة وبين ما مر في لا آكل ونحوه فإن حقيقة الأكل فيه واحدة فلم تصح نيه التخصيص، بخلاف ما إذا صرح بالمفعول فإنه لفظ صريح فيصح تخصيصه، لكن نية التخصيص إنما تصح فيما كان من أفراد ذلك العام وهو المأكولات كالخبز ونحوه دون ما كان من متعلقاته الضرورية كالزمان والمكان والوصف، فلو نوى في زمان كذا لم يصح، ومثله لا أتزوج امرأة ونوى حبشية أو عربية فإنها بعض أفراد العام، لأن الإنسان أنواع: حبشي، وعربي، ورومي، باعتبار أصوله الذين ينسب إليهم بخلاف كوفية أو بصرية لأنه وصف ضروري راجع إلى تخصيص المكان وهو غير ملفوظ صريحاً فلا تصح نيته كبقية الصفات الضرورية ومثله ما في البحر عن البدائع: لا يكلم هذا الرجل ونوى ما دام قائماً لم يصح؛ بخلاف لا يكلم هذا القائم ونوى ذلك يدين لتخصيصه الملفوظ، وكذا لأضربنه خمسين ونوى سوطاً بعينه فإنه يبرّ بأي شيء ضربه، وكذا لا أتزوّج امرأة أبوها يعمل كذا وكذا فهو باطل اهـ. وظهر بما قررناه أيضاً: أن الاستثناء في المسائل الثلاث في غير محله لأن النية إنما وجدت في الملفوظ أيضاً لأن الفعل فيها صار مشتركاً بواسطة اشتراك المصدر تأمل على أن لا أتزوج امرأة صرح فيه بالمفعول، فهو مثل لا آكل طعاماً ولعله ذكره لينبه على أنه إنما يصح فيه تخصيص الجنس فقط دون الوصف، لكن فيه أن لا آكل طعاماً كذلك بدليل أنه لو نوى لقمة أو لقمتين لم يصح على أنه يخالفه ما يذكره قريباً فيما لو قال نويت من بلد كذا فإنه يصدق ديانة لا قضاء، ولعل في المسألة قولين يدل عليه أنه في التاتر خانية قال وروي عن محمد فيمن قال لا أتزوج امرأة ونوى كوفية أو بصرية الخ وذكر فيها أيضاً إن تزوجت فعبدي حر وقال عنيت فلانة وامرأة من أهل الكوفة لا يصح، ولو قال إن تزوجت امرأة وقال عنيت فلانة يصح اهـ. وهذا ظاهر لأنه في الأول لم يذكر المفعول. ثم اعلم أنه يرد ما مر في يمين الفور حيث خصص بما دلت عليه القرينة كالغداء المدعو إليه ولعل وجهه أن العرف جعل اللفظ كالمصرح به ولا سيما إذا كان جواباً لكلام قبله لأن السؤال معاد فيه فلم يكن تخصيصاً للعام الغير مذكور بالنية، وهذا الموضع من مشكلات مسائل الإيمان ولم أجد من أعطاه حقه من البيان وما ذكر به هو غاية ما ظهر لفهمي القاصر وفكري الفاتر. مَطْلَبٌ: نِيَّةُ تَخْصِيصِ العَامُّ تَصِحُّ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، خِلَافاً لِلْخَصَّافِ قوله: (نية تخصيص العام تصح ديانة لا قضاء) هذه الجملة بمنزلة التعليل لقوله قبله ((ولو ضم طعاماً أو شراباً أو ثياباً دين)) لما علمت من أنه إذا ضم ذلك يصير نكرة ٥٨٥ كتاب الأيمان / باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام فلو قال: كل امرأة أتزوّجها فهي طالق ثم قال: نويت من بلد كذا (لا) يصدق (قضاء) وكذا من غصب دراهم إنسان فلما حلفه الخصم عاماً نوى خاصاً (به يفتى) خلافاً للخصاف. وفي الولوالجية: متى حلفه ظالم وأخذ بقول الخصاف، فلا بأس. في سياق الشرط فتعم، والعام تصح فيه نية التخصيص، لكن لا يصدقه القاضي لأنه خلاف الظاهر. واعلم أن الفعل لا يعم ولا يتنوّع كما في تلخيص الجامع، لأن العموم للأسماء لا للفعل هو المنقول عن سيبويه، كذا في شرحه للفارسي. قلت: ويردّ عليه ما مر من مسألة الخروج والمساكنة والشراء، إلا أن يقال كما مر: إن التنوع هناك للفعل بواسطة مصدره لا أصالة. تأمل. تنبيه: قيد بالنية لأن تخصيص العام بالعرف يصح ديانة وقضاء أيضاً، وأما الزيادة على اللفظ بالعرف فلا تصح، كما أوضحنا ذلك أول باب اليمين في الدخول والخروج. بقي هل يصح تعميم الخاص بالنية؟ قال في الأشباه: لم أره. قلت: والظاهر أن تعميمه من الزيادة على اللفظ، وإذا لم تصح الزيادة عليه بالعرف فلا تصح بالنية الأولى، لأن العرف ظاهر، بخلاف النية. تأمل. قوله: (لا يصدق قضاء) ظاهره أنه يصدق ديانة، وهو مخالف لقوله آنفاً ((لا الصفة ككوفية أو بصرية)) أي أنه لا يدين فيها كما نبهنا عليه، وما ذكره الشارح مأخوذ من الولوالجية كما ذكره في البحر، ومثله في البزازية حيث قال: كل امرأة من بلد كذا لا يصدق في ظاهر الرواية، وذكر الخصاف أنه يصدق، وهذا بناء على جواز تخصيص العام بالنية فالخصاف جوّزه، وفي الظاهر لا؛ وعلى هذا لو أخذ منه دراهم وحلفه على أنه ما أخذ منه شيئاً ونوى الدنانير فالخصاف جوزه، والظاهر خلافه، والفتوى على الظاهر، وإذا أخذ بقول الخصاف فيما إذا وقع في يد الظلمة لا بأس به اهـ. قلت: وهذا كله في القضاء، أما في الديانة فنية تخصيص العام صحيحة بالإجماع كما في البحر وقد مر. والحاصل أن نية تخصيص العام تصح في ظاهر الرواية ديانة فقط، وعند الخصاف تصح قضاء أيضاً، وهذا إذا كان العام مذكوراً، وإلا فلا تصح نية تخصيصه أصلاً في ظاهر الرواية، وقيل يدين كما قدمه الشارح وقدمنا أنه رواية عن الثاني وأنه اختاره الخصاف، فصار حاصل ما اختاره الخصاف المذكور في أنه يصدق ديانة وقضاء، وفي غيره ديانة فقط. قوله: (متى حلفه ظالم وأخذ بقول الخصاف فلا بأس) أقول: سے۔ ٥٨٦ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام وقالوا: النية للحالف لو بطلاق أو عتاق، وكذا بالله لو مظلوماً وإن ظالماً فللمستحلف، ولا تعلق للقضاء في اليمين بالله. المناسب أن يكون أخذ بضم أوله مبنياً للمجهول: أي وأخذ القاضي، إذ لا معنى لأخذ الحالف به قضاء، لأن أخذ الحالف بما نواه غير خاص بقول الخصاف. مَظْلَبُ: إِذَا كَانَ الحَالِفُ مَظْلُوماً يُفْتَى بِقَوْلِ الخَصَّافِ والحاصل أنه لو حلفه ظالم فحلف ونوى تخصيص العام أو غير ذلك مما هو خلاف الظاهر وعلم القاضي بحاله لا يقضي عليه، بل يصدقه أخذاً بقول الخصاف، وأما إذا لم يكن مظلوماً فلا يصدقه، فافهم. قال في الفتاوى الهندية عن الخلاصة ما حاصله: أراد السلطان استحلافه بأنك ما تعلم غرماء فلان وأقرباءه ليأخذ منهم شيئاً بلا حق لا يسعه أن يحلف، والحيلة أن يذكر اسم الرجل وينوي غيره، وهذا صحيح عند الخصاف لا في ظاهر الرواية، فإن كان الحالف مظلوماً يفتى بقول الخصاف، ولو حلفه القاضي ما له عليك كذا فحلف وأشار بأصبعه في كمه إلى غير المدعي صدق ديانة لا قضاء اهـ. مَطْلَبٌ: النِّيَّةُ لِلْحَالِفِ لَوْ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ قوله: (وقالوا النية للحالف الخ) قال في الخانية: رجل حلف رجلًا فحلف ونوى غير ما يريد المستحلف إن بالطلاق والعتاق ونحوه يعتبر نية الحالف إذا لم ينو الحالف خلاف الظاهر ظالماً كان الحالف أو مظلوماً، وإن كان اليمين بالله تعالى، فلو الحالف مظلوماً فالنية فيه إليه، وإن ظالماً يريد إبطال حق الغير اعتبر نية المستحلف، وهو قول أبي حنيفة ومحمد اهـ. قلت: وتقييده بما إذا لم ينو خلاف الظاهر يدل على أن المراد باعتبار نية الحالف اعتبارها في القضاء، إذ لا خلاف في اعتبار نية ديانة، وبه علم الفرق بينه وبين مذهب الخصاف، فإن عنده تعتبر نية في القضاء أيضاً، ويفتى بقوله إذا كان الحالف مظلوماً كما علمت. وفي الهندية عن المحيط: ذكر ابراهيم النخعي اليمين على نية الحالف لو مظلوماً، وعلى نية المستحلف لو ظالماً، وبه أخذ أصحابنا. مثال الأول: لو أكره على بيع شيء بيده فحلف بالله أنه دفعه لي فلان: يعني بائعه لئلا يكره على بيعه لا يكون يمين غموس حقيقة، لأنه نوى ما يحتمله لفظه، ولا معنى لأن الغموس ما يقتطع به حق مسلم. ومثال الثاني: لو ادعى شراء شيء في يد آخر بكذا وأنكر فحلفه بالله ما وجب عليك تسليمه إلي فحلف ونوى التسليم إلى المدعي بالهبة لا بالبيع، فهذا وإن كان صادقاً فهو غموس معنى فلا تعتبر نيته. قال الشيخ الإمام خواهر زاده: هذا في اليمين بالله تعالى، فلو بالطلاق أو العتاق وهو ظالم أو لا ونوى خلاف الظاهر بأن نوى الطلاق عن وثاق أو العتاق عن عمل كذا أو نوى الإخبار فيه كاذباً فإنه ٥٨٧ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام حلف (لا يشرب من) شيء يمكن فيه الكرع نحو (دجلة ف) يمينه (على الكرع) منه حتى لو شرب من نهر أخذ منه لم يحنث. وفي البحر عن الظهيرية: يصدق ديانة، لأنه نوى محتمل لفظه، إلا أنه لو ظالماً أثم إثم الغموس، لأنه وإن كان ما نوى صدقاً حقيقة إلا أن هذا اليمين غموس معنى لأنه قطع بها حق مسلم اهـ ملخصاً. وقوله: ونوى خلاف الظاهر وقوله بعده فإنه يصدق ديانة يدل على أنه لا يصدق قضاء، وهذا على إطلاقه موافق لظاهر الرواية، أما على مذهب الخصاف فيفرق بين المظلوم فيصدق قضاء أيضاً وبين الظالم فلا يصدق. والحاصل: أن الحلف بطلاق ونحوه تعتبر فيه نية الحالف ظالماً أو مظلوماً إذا لم ينو خلاف الظاهر كما مر عن الخانية، فلا تطلق زوجته لا قضاء ولا ديانة بل يأثم لو ظالماً إثم الغموس، ولو نوى خلاف الظاهر فكذلك، لكن تعتبر نية ديانة فقط، فلا يصدق القاضي بل يحكم عليه بوقوع الطلاق، إلا إذا كان مظلوماً على قول الخصاف، ويوافقه ما قدمه الشارح أو الطلاق من أنه لو نوى الطلاق عن وثاق دين إن لم يقرنه بعدد، ولو مكرهاً صدق قضاء أيضاً اهـ. وأما الحلف بالله تعالى فليس للقضاء فيه دخل، لأن الكفارة حقه تعالى لا حق فيها للعبد حتى يرفع الحالف إلى القاضي كما في البحر، لكنه إن كان مظلوماً تعتبر نيته فلا يأثم لأنه غير ظالم، وقد نوى ما يحتمله لفظه فلم يكن غموساً لا لفظاً ولا معنى، وإن كان ظالماً تعتبر نية المستحلف فيأثم إثم الغموس وإن نوى ما يحتمله لفظه. قال ح: وهذا مخصص لعموم قولهم نية تخصيص العام تصح ديانة، فاغتنم توضيح هذا المحل. مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ دِجْلَةَ فَهُوَ عَلَى الكَرْعِ قوله: (يمكن فيه الكرع) قال في المصباح: كرع الماء كرعاً من باب نفع وكروعاً شرب بفيه من موضعه، فإن شرب بكفيه أو بشيء آخر فليس بكرع، وكرغ في الإناء: أمال عنقه إليه فشرب منه. قوله: (فيمينه على الكرع منه الخ) قال في الفتح: أي بأن يتناوله بفمه من نفس النهر عند أبي حنيفة: يعني إذا لم يكن له نية، فلو نوى بإناء حنث به إجماعاً، وقال: إذا شرب منها كيفما شرب حنث، بلا فرق بينه وبين قوله من ماء دجلة اهـ. قلت: هو المتعارف في زماننا، بخلاف من هذا الكوز فإنه على الكرع منه في العرف أيضاً. وفي البحر عن المحيط: لا يشرب من هذا الكوز فحقيقته أن يشرب منه كرعاً، حتى لو صبّ على كفه وشرب لم يحنث اهـ. لكن فيه إن وضعه على فمه وشربه منه لا يسمى كرعاً كما علم من تعريفه. تأمل. قوله: (لم يحنث) لعدم الكرع في دجلة ٥٨٨ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام الكرع لا يكون إلا بعد الخوض في الماء، لكن في القهستاني عن الكشف أنه ليس بشرط (بخلاف من ماء دجلة) فيحنث بغير الكرع أيضاً (وفيما لا يتأتى فيه الكرع) كالبئر والحب يحنث (ب) الشرب بـ (الإناء مطلقاً) سواء قال من البئر أو من ماء البئر لتعين المجاز (ولو تكلف الكرع فيما لا يتأتى فيه ذلك) أي الكرع (لا يحنث) في الأصح لعدم العرف (إمكان تصوّر البرّ في المستقبل شرط انعقاد لحدوث النسبة إلى غيره. بحر. قوله: (لا يكون إلا بعد الخوض في الماء) فإنه من الكراع، وهو من الإنسان ما دون الركبة ومن الدوابّ ما دون الكعب، كذا قال الشيخ الإمام نجم الدين النسفي، بحر عن الظهيرية. قوله: (لكن في القهستاني الخ) مثله في المنح عن التلويح، وفي النهر: وهذا الشرط أهمله شراح الهداية كغيرهم لما قدمناه عن المغرب: أي من أن الكرع تناول الماء بالفم من موضعه ولو إناء. قوله: (فيحنث بغير الكرع أيضاً) كما إذا تناوله بكفه أو بإناء من غير أن يدخل فمه داخله. قوله: (كالبئر والحب) أي إذا لم يكونا ممتلئين، وإلا حنث بالكرع. والحب بالحاء المهملة: الخابية والكرامة غطاؤها، ويقال لك عندي حب وكرامة: يعني خابية وغطاؤها ط. قوله: (ولو تكلف الكرع) أي من أسفل البئر فيما إذا قال: لا أشرب من هذا البئر بدون إضافة ماء. قوله: (لعدم العرف) لأن اليمين انعقد على غير الكرع لكون الحقيقة مهجورة، كما لا يضع قدمه في دار فلان. تنبيه: قال في الفتح: ونظير المسألتين ما لو حلف لا يشرب من هذا الكوز فصب الماء في كوز آخر فشرب منه لا يحنث بالإجماع، ولو قال من ماء هذا الكوز فصبّ في كوز آخر فشرب منه حنث بالإجماع، وكذا لو قال من هذا الحبّ أو من ماء هذا الحب فنقل إلى حب آخر اهـ. مَطْلَبٌ: تَصَوُّرُ البِّ فِي المُسْتَقْبَلِ شَرْطُ انْعِقَادِ اليَمِينِ وَبَقَائِهَا قوله: (إمكان تصور البر) قال في المنح: كل ما وقع في هذه المسائل من لفظ تصورّ فمعناه ممكن وليس معناه متعقل اهـ. فالصواب حينئذ إسقاط تصور كما هو في بعض النسخ ط . قلت: لكن عبر في البحر: وعليه فالمراد بتصوره كونه ذا صورة: أي كونه موجوداً، فالمراد إمكان وجوده في المستقبل: أي إمكانه عقلًا وإن استحال عادة احترازاً عما لا يمكن عقلاً ولا عادة كما في المثال الآتي، فهذا لا تنعقد في اليمين ولا تبقى منعقدة، بخلاف ما أمكن وجوده عقلاً وعادة أو عقلاً فقط مع استحالته عادة كما في مسألة صعود السماء وقلب الحجر ذهباً فإنها تنعقد كما سيأتي. قوله: (في المستقبل) قيد لبيان الواقع، لأن المنعقدة لا تتأتى في غيره. قوله: (شرط انعقاد اليمين) أي ٥٨٩ اكتاب الأيمان / باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام اليمين) ولو بطلاق (وبقائها) إذ لا بد من تصوّر الأصل لتنعقد في حق الخلف وهو الكفارة ثم فرع عليه (ففي) حلفه (لأشربنّ ماء هذا الكوز اليوم ولا ماء فيه أو كان فيه) ماء (وصبّ) ولو بفعله أو بنفسه (في يومه) قبل الليل (أو أطلق) يمينه عن الوقت (ولا ماء فيه لا يحنث) سواء علم وقت الحلف فيه ماء أو لا في المطلقة أو المقيدة بوقت. قوله: (ولو بطلاق) تعميم لليمين: أي لا فرق بين اليمين بالله تعالى أو بطلاق. قوله: (وبقائها) أي شرط بقاء اليمين منعقدة، وهذا في اليمين المقيدة فقط، فإذا قال: والله لأوفينك حقك غداً فمات أحدهما قبل الغد بطلت اليمين، بخلاف المطلقة حيث لا يشترط لها تصوّر البّ في البقاء باتفاق كما يأتي في قوله: ((وإن أطلق وكان فيه ماء فصب حنث)). قوله: (إذ لا بد من تصور الأصل الخ) بيانه أن اليمين إنما تنعقد لتحقيق البرّ، فإن من أخبر بخبر أو وعد بوعد يؤكده باليمين لتحقيق الصدق فكان المقصود هو البرّ، ثم تجب الكفارة خلفاً عنه لرفع حكم الحنث، وهو الإثم ليصير بالتكفير كالبار، فإذا لم يكن البّ متصوراً لا تنعقد، فلا تجب الكفارة خلفاً عنه لأن الكفارة حكم اليمين، وحكم الشيء إنما يثبت بعد انعقاده كسائر العقود، وتمامه في شرح الجامع الكبير. ثم اعلم أن هذا الأصل وما فرّع عليه قولهما. وقال أبو يوسف: لا يشترط تصوّر البّ. مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ أَوْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَصُبَّ قوله: (ففي حلفه الخ) في محل مفعول ((فرع)). وحاصل المسألة أربعة أوجه: لأن اليمين إما مقيدة، أو مطلقة، وكل منهما على وجهين: إما أن لا يكون فيه ماء أصلاً، أو كان فيه ماء وقت الحلف ثم صب. ففي المقيدة لا يحنث في الوجهين لعدم انعقادها في الوجه الأول ولبطلانها عند الصبّ في الثاني، وفي المطلقة لا يحنث أيضاً في الوجه الأول لعدم الانعقاد ويحنث في الثاني. قوله: (اليوم) أي مثلاً، إذ المراد كل وقت معين من يوم أو جمعة أو شهر. قوله: (أو بنفسه) أي أو انصبّ بنفسه بلا فعل أحد. قوله: (قبل الليل) أشار إلى أن المراد باليوم بياض النهار فلا يدخل فيه الليل. قوله: (أو لا) صادق بما إذا علم عدم الماء فيه أو لم يعلم شيئاً. وقصره الإسبيجابي على الثاني، لأنه إذا علم تقع يمينه على ما يخلقه الله تعالى فيه، وقد تحقق العدم فيحنث. وصحح الزيلعي الإطلاق، وبه جزم في الفتح فقوله في الأصح: قيد للتعميم في قوله: ((أو لا)) لكن فصل المصنف في قوله الآتي ((ليقتلن فلاناً)) بين علمه بموته فيحنث، وبين عدمه فلا، ومثله في الكنى، فيحمل ما هنا على التفصيل الآتي فيقيد عدم حنثه بما إذا لم يعلم، لكن فرق الزيلعي هناك بأن حنثه إذا علم تكون يمينه عقدت على حياة ستحدث وهو متصور، أما هنا فلأن ما ٥٩٠ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام الأصح لعدم إمكان البرّ (وإن) أطلق و (كان) فيه ماء (فصب حنث) لوجوب البرّ في المطلقة كما فرغ وقد فات بصبه، أما المؤقتة ففي آخر الوقت، يحدث في الكوز غير المحلوف عليه اهـ: أي لأن المحلوف عليه ماء مظروف في الکوز وقت الحلف دون الحادث بعد. قلت: وفيه نظر، فإنه إذا علم بأنه لا ماء فيه يراد ماء مظروف فيه بعد الحلف، أي منه سيحدث مثل لأقتلنّ زيداً، فإن القتل إزهاق الروح، فإذا علم بموته يراد روح ستحدث، لكن سيأتي أن ذات الشخص لم تتغير، بخلاف الماء، فليتأمل. تنبيه: قال ط: هل يأثم إذا علم أنه لا ماء فيه؟ قياس ما مر عن التمرتاشي في ليصعدن السماء الإثم اهـ. قلت: وقد مر أن الغموس تكون على المستقبل فهذا منها. قوله: (لعدم إمكان البر) اعترض بأن البرّ متصوّر في صورة الإراقة، لأن الإعادة ممكنة. وأجيب بأن البرّ إنما يجب في هذه الصورة في آخر جزء من أجزاء اليوم بحيث لا يسع فيه غيره، فلا يمكن إعادة الماء في الكوز وشربه في ذلك الزمان اهـح عن العناية. قوله: (لوجوب البرّ في المطلقة كما فرع) قال في الفتح: لقائل أن يقول: وجوبه في الحال إن كان بمعنى تعينه حتى يحنث في ثاني الحال، فلا شك أنه ليس كذلك، وإن كان بمعنى الوجوب الموسع إلى الموت، فيحنث في آخر جزء من الحياة فالموقتة كذلك، لأنه لا يحنث إلا في آخر جزء من الوقت الذي ذكره، فذلك الجزء بمنزلة آخر جزء من الحياة، فلأي معنى تبطل اليمين عند آخر جزء من الوقت في الموقتة، ولم تبطل عند آخر جزء من الحياة في المطلقة؟ اهـ. وأجاب في النهر بما حاصله: أن الحالف في الموقتة لم يلزم نفسه بالفعل إلا في آخر الوقت، بخلاف المطلقة لأنه لا فائدة في التأخير. قلت: أنت خبير بأنه غير دافع مع استلزامه وجوب البرّ في المطلقة على فور الحلف، وإلا فلا فرق فافهم. ويظهر لي الجواب بأن المقيدة لما كان لها غاية معلومة لم يتعين الفعل إلا في آخر وقتها، فإذا فات المحل فقد فات قبل الوجوب، فتبطل ولا يحنث لعدم إمكان البرّ وقت تعينه، أما المطلقة فغايتها آخر جزء من الحياة، وذلك الوقت لا يمكن البرّ فيه، ولا خلفه وهو الكفارة، ففي تأخير الوجوب إليه إضرار بالحالف، لأنه إذا حنث في آخر الحياة لا يمكنه التكفير ولا الوصية بالكفارة، فيبقى في الإثم فتعين الوجوب قبله، ولا ترجيح لوقت دون آخر فلزم الوجوب عقب الحلف موسعاً بشرط عدم الفوات، فإذا فات المحل ظهر أن الوجوب كان مضيقاً من أول أوقات الإمكان. ونظيره ما قرروه في القول بوجوب الحج موسعاً، فقد ظهر أن المعنى ٥٩١ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام وهذا الأصل فروعه كثيرة. منها: إن لم تصلي الصبح غداً فأنت كذا لا يحنث بحيضها بكرة في الأصح، ومنها: إن لم تردي الدينار الذي أخذتيه من كيسي فأنت طالق فإذا الدينار في كيسه لم تطلق لعدم تصوّر البِّ. ومنها: إن لم تهبيني صداقك اليوم فأنت طالق، وقال أبوها: إن وهبتيه فأمك طالق، فالحيلة أن تشتري منه بمهرها ثوباً ملفوفاً وتقبضه، فإذا مشى اليوم لم يحنث أبوها لعدم الهبة ولا الزوج لعجزها عن الهبة عند الغروب لسقوط المهر الذي لأجله اعتبر آخر الوقت في الموقتة ولم يعتبر آخر الحياة في المطلقة، هذا ما وصل إليه فهمي القاصر، فتدبره. قوله: (وهذا الأصل) وهو إمكان البرّ في المستقبل. قوله: (منها الخ) ومنها ما سيذكره المصنف في باب اليمين بالضرب والقتل بقوله: ((لو حلف ليقضين دينه غداً فقضاه اليوم الخ)) ومنها ما في البحر: لو قال لها بعد ما أصبح: إن لم أجامعك هذه الليلة فأنت كذا ولا نية له، فإن علم أنه أصبح انصرف إلى الليلة القابلة، وإن نوى تلك الليلة بطلت يمينه؛ وكذا إن نمت الليلة أو إن لم أبت الليلة هنا وقد انفجر الصبح، وهو لا يعلم لا يحنث، لأن النوم في الليلة الماضية لا يتصوّر كقوله: إن صمت أمس، ومنها: إن لم آت بامرأتي إلى داري الليلة فلما أصبح قالت كنت في الدار لم يحنث، وإن قالت كنت غائبة حنث إن صدقها، ومنها: لا يعطيه أو لا يضربه حتى يأذن فلان فمات فلان ثم أعطاه لم يحنث اهـ. قال الرملي: ولم يقيد هذه بالوقت، ومثله في الفتح، وانظر ما الفرق بينها وبين مسألة الكوز إذا أطلق وكان فيه ماء فصب. قوله: (فحاضت بكرة) (١) الظاهر أن المراد وقت الطلوع أو بعيده في وقت لا يمكن أداء الصلاة فيه، ثم ما ذكره من تصحيح عدم الحنث عزاه في البحر إلى المبتغى، لكن ذكر في باب اليمين بالبيع والشراء تصحيح الحنث وعليه مشى المصنف هناك، وسيأتي تمام الكلام عليه. قوله: (لعدم تصوّر البرّ) أي فلم تنعقد اليمين فلا يترتب الحنث ط. وانظر ما تذكره قريباً عن شرح الجامع الكبير. قوله: (ثوباً ملفوفاً) قيد به ليمكنها الردّ عليه بخيار الرؤية ليعود مهرها كما في الفتح. قوله: (وتقبضه) هذا ليس بقيد، فإنه بمجرد الشراء ثبت لها في ذمته الثمن فانتفيا قصاصاً، ولذا لم يذكره الزيلعي، وتمامه في ح. قوله: (لعجزها عن الهبة الخ) يشكل عليه قولهم: إن الدين إذا قبض لا يسقط عن ذمة المديون حتى لو برأه الدائن يرجع عليه بما قبضه منه، وقصارى أمر الشراء به أن تكون كقبضه اهـح عن شرح المقدسي. (١) في ط قوله: (فحاضت بكرة) هكذا بخطة، والذي في نسخ الشارح التي بيدي ((لا يحنث بحيضها بكرة)). ٥٩٢ (كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام بالبيع، ثم إذا أرادت الرجوع ردته بخيار الرؤية (وفي) حلفه والله (ليصعدنّ السماء أو ليقلبوا هذا الحجر ذهباً حنث للحال) لإمكان البرّ حقيقة قلت: وأصل الإشكال لصاحب البحر ذكره في باب التعليق عند قوله: وزوال الملك لا يبطل اليمين. وأجاب ط بأن مبنى الأيمان على العرف، والعرف يقضي بأنها إذا اشترت بمهرها شيئاً تصير لا شيء لها، وفيه أن المقصود العجز وعدم التصوّر شرعاً لا عرفاً، وإلا انتقض الأصل المار في كثير من المسائل، فافهم وأجاب السائحاني بأنها لما جعلت المهر ثمناً والكل وصف في الذمة تغير من المهرية إلى الثمنية، فلم يكن هناك مهر حتى يوهب، وأما الدين فبدله لم يدفع على صريح المعاوضة، فلم يقع التقاصّ به من كل وجه ولم يدفع حالة كونه وصفاً في الذمة، حتى ينتقل إليه لقربه منه اهـ. مَطْلَبُ فِي قَوْلِهِمْ: الدّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا قلت: والجواب الواضح أن يقال: قد قالوا إن الديون تقضى بأمثالها: أي إذا دفع الدين إلى دائنه ثبت للمديون بذمة دائنه مثل ما للدائن بذمة المديون فيلتقيان قصاصاً لعدم الفائدة في المطالبة، ولذا لو أبرأه الدائن براءة إسقاط يرجع عليه المديون كما مر، وكذا إذا اشترى الدائن شيئاً من المديون بمثل دينه التقيا قصاصاً، أما إذا اشتراه بما في ذمة المديون من الدين ينبغي أن لا يثبت للمديون بذمة الدائن شيء، لأن الثمن هنا معين وهو الدين فلا يمكن أن يجعل شيئاً غيره، فتبرأ ذمة المديون ضرورة بمنزلة ما لو أبرّه من الدين، وبه يظهر الفرق بين قبض الدين وبين الشراء به، فتدبر. مَطْلَبُ: حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَيَقْلِيَنَّ الحَجَرَ ذَهَباً قوله: (وفي ليصعدن السماء الخ) مثله إن لم أمس السماء، بخلاف إن تركت مس السماء فعبدي حرّ لا يحنث، لأن الشرط هو الترك، وهو لا يتحقق في غير المقدور عادة، وفي الأول شرط عدم المس والعدم يتحقق في غير المقدور، كذا في التحرير شرح الجامع الكبير للحصيري معزياً إلى المنتقى، ومثله في النهر عن المحيط. قلت: ويظهر الفرق في قولك لا أمس السماء وقولك اترك مس السماء، فإن الأول لا يقتضي أنه معتاد ممكن، بخلاف الثاني، وهذا ينافي ما مر في إن لم تصل(١) الصبح غداً، وفي إن لم تردي الدينار، ولعله رواية أخرى، فتأمل. مَطْلَبٌ: يَجُوزُ تَحْوِيلُ الصَّفَاتِ وَتَحْوِيلُ الأَجْزَاءِ قوله: (لإمكان البرّ حقيقة) لأنه صعدتها الملائكة وبعض الأنبياء، وكذا تحويل (١) في ط (قوله لم تصل) هكذا بخطه، والأنسب يكون الخطاب لمؤنث كما مر الشارح أن يرسم ((لم تصلي)) بالياء كما لا يخفى. ٥٩٣ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام ثم يحنث للعجز عادة، ولو وقت اليمين لم يحنث ما لم يمض ذلك الوقت، وفي حيرة الفقهاء قال لامرأته: إن لم أعرج إلى السماء هذه الليلة فأنت كذا ينصب سلماً ثم يعرج إلى سماء البيت لقوله تعالى: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ أي سماء البيت قال الباقاني: والظاهر خروجها عن قاعدة مبنى الأيمان (وكذا) الحكم لو حلف (ليقتلن فلاناً عالماً بموته) إذ يمكن قتله بعد إحياء الله تعالى الحجر ذهباً بتحيل الله تعالى صفة الحجرية إلى صفة الذهبية، بناء على أن الجواهر كلها متجانسة في قبول الصفات، أو بإعدام الأجزاء الحجرية وإبدالها بأجزاء ذهبية، والتحويل في الأول أظهر وهو ممكن عند المتكلمين على ما هو الحق. فتح. قوله: (ثم يحنث) عطف على معلوم من المقام: أي فتنعقد ثم يحنث ط. قال في شرح الجامع الكبير: فباعتبار التصور في الجملة انعقدت اليمين، وباعتبار العجز عادة حنث للحال، وهذا العجز غير العجز المقارن لليمين، لأن هذا هو العجز عن البرّ الواجب باليمين اهـ: أي بخلاف العجز في مسألة الكوز فإنه مقارن لليمين فلذا لم تنعقد. واعلم أن الحنث في هذه المسألة عند أئمتنا الثلاثة، وفيها خلاف زفر، فعنده لا تنعقد اليمين ولا يحنث لإلحاقه المستحيل حقيقة، بخلاف مسألة الكوز فإن فيها خلاف أبي يوسف كما مر. تنبيه: المراد بالعجز هنا عدم الإمكان والتصوّر عادة، فلو حلف ليؤدين له دينه اليوم فلم يكن معه شيء ولم يجد من يقرضه يحنث بمضيّ اليوم على المفتى به كما مر في باب التعليق، لأن الأداء غير مستحيل عادة. قوله: (لم يحنث ما لم يمض ذلك الوقت) أي فيحنث في آخر مرة. قال في الفتح: فلو مات قبله فلا كفارة عليه إذ لا حنث اهـ. تنبيه: قال في شرح الجامع الكبير: قال الكرخي: إذا حلف أن يفعل ما لا يقدر عليه كقوله لأصعدن السماء فهو آثم. وروى الحسن عن زفر فيمن قال: لأمسن السماء اليوم إنه آثم ولا كفارة عليه، لأنه لا تنعقد عنده إلا على ما يمكن. قوله: (والظاهر خروجها الخ) هذا الاعتذار يحتاج إليه إن كانت المسألة من نص المذهب لا إن كانت من تخريج بعض المشايخ على القول باعتبار الحقيقة اللغوية، وإن لم يكن فالعرف وعليه مشى الزيلعي وقد تقدم رده وأن الاعتماد على العرف، ولو كانت هذه المسألة منصوصة لذكروا استثناءها من القاعدة المبني عليها مسائل الأيمان وهو العرف، والذي ظهر حمل هذه المسألة على ما إذا نوى سقف البيت، كما أجابوا عن قول صاحب الذخيرة والمرغيناني في لا يهدم بيتاً أنه يحنث بهدم بيت العنكبوت كما أوضحناه في أول الباب السابق فراجعه ليظهر لك ما قلنا. قوله: (وكذا الحكم) أي في الانعقاد والحنث للحال، وقيد بالقتل احترازاً عن الضرب. ففي الخانية: ليضربن فلاناً اليوم ٥٩٤ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام فيحنث (وإن لم يكن عالماً) بموته (فلا) يحنث لأنه عقد يمينه على حياة كانت فيه، ولا يتصوّر كمسألة الكوز وكقوله إن تركت مس السماء فعبدي حرّ، لأن الترك لا يتصوّر في غير المقدور. (حلف لا يكلمه فناداه وهو نائم فأيقظه) فلو لم يوقظه لم يحنث، وهو المختار، ولو مستيقظاً حنث لو بحيث يسمع بشرط انفصاله عن اليمين، فلو قال موصولاً: إن كلمتك فأنت طالق فاذهبي أو واذهبي لا تطلق وفلان ميت لا يحنث علم بموته أو لا، ولو حياً ثم مات فكذلك عندهما، وحنث عند أبي يوسف اهـ. أفاده في الشرنبلالية، فافهم. قوله: (فيحنث) أي بالإجماع، لأن يمينه انصرفت إلى حياة يحدثها الله تعالى فيه، وأنه تصوّر، وإذا أحياه الله تعالى فهو فلان بعينه لكنه خلاف العادة فيحنث، كما في صعود السماء. قوله: (كمسألة الكوز) تشبيه في عدم الحنث لعدم التصور، لا في التفصيل بين العالم وغيره لما مر أن الأصح عدم التفصيل فيها، فإن حنث العالم هنا لأن البّ متصور كما علمت، أما في الكوز لو خلق الماء لا يكون عين الماء الذي انعقد عليه اليمين، فلا يتصوّر البّ أصلاً، فكان الماء نظير الشخص لا نظير الحياة، كذا في شرح الجامع، وكأنه يشير إلى أنه لو جعل الماء نظير الحياة فلزم التفصيل فيه أيضاً، لأن الحياة الحادثة غير المعقود عليها. تأمل. قوله: (لأن الترك لا يتصور في غير المقدور) لأن ترك الشيء فرع عن إمكان فعله عادة: أي بخلاف العدم فإنه يتحقق مطلقاً فلذا حنث في إن لم أمس السماء، كما في النهر وقدمناه عن شرح الجامع. مَطْلَبٌ: حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ قوله: (حلف لا يكلمه) قال في الذخيرة: يقع على الأبد، وإن نوى يوماً أو يومين أو بلداً أو منزلاً فإنه لا يصدق دیانة ولا قضاء، وفي أي يوم کلمه حنث لأنه نوی تخصيص ما ليس بملفوظ اهـ. قوله: (هو المختار) خلافاً لما ذكره القدوري من أنه يحنث إذا كان بحيث لم يسمع، ورجحه السرخسي متمسكاً بما في السير: لو أمن المسلم أهل الحرب من موضع بحيث يسمعون صوته لكنهم باشتغالهم بالحرب لم يسمعوه فهذا أمان ودفع بالفرق، وذلك أن الأمان يحتاط في إثباته بخلاف غيره. نهر. قوله: (لو بحيث يسمع) أي إن أصغى إليه بإذنه وإن لم يسمع لعارض شغل أو صمم، فلو لم يسمع مع الإصغاء لشدة بعد لا يحنث كما في البحر عن الذخيرة، وفيه لو كلمه بكلام لم يفهمه المحلوف عليه ففيه روايتان. قوله: (لا تطلق) أقول في البزازية: فلو وصل وقال إن كلمتك فأنت طالق فاذهبي لا يحنث، ولو اذهبي أو واذهبي يحنث اهـ. لكن ما ذكره الشارح من التسوية بين الواو والفاء هو المذكور في الفتح والبحر عن المنتقى، ومثله في ٥٩٥ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام ما لم يرد الاستئناف، ولو قال اذهبي طلقت لأنه مستأنف؛ ولو قال: يا حائط اسمع أو اصنع كذا وكذا وقصد إسماع المحلوف عليه، لم يحنث. زيلعي. وفي السراجية: سأل محمد حال صغره أبا حنيفة فيمن قال لآخر والله لا أكلمك ثلاث مرات؟ فقال أبو حنيفة ثم ماذا؟ فتبسم محمد وقال: انظر حسناً يا شيخ، فنكس أبو حنيفة ثم قال: حنث مرتين، فقال محمد: أحسنت، فقال أبو حنيفة: لا أدري أي الكلمتين أوجع لي؟ قوله حسناً أو أحسنت (أو) حلف لا يكلمه (إلا بإذنه فأذن له ولم يعلم) بالإذن فكلمه (حنث) لاشتقاق الإذن من الأذان التاترخانية. قوله: (ما لم يرد الاستئناف) قال في التاترخانية: وفي الذخيرة والمنتقى: إن أراد بقوله فاذهبي طلاقاً طلقت به واحدة، وباليمين أخرى. قوله: (وقصد إسماع المحلوف عليه) أي ولم يقصد خطابه مع الحائط بل قصد خطاب الحائط فقط، ولذا قال في البحر وغيره: لو سلم على قوم هو فيهم حنث، إلا أن لا يقصده فيدين؛ أما لو قال السلام عليكم إلا على واحد فيصدق قضاء عندنا، ولو سلم من الصلاة لا يحنث، وإن كان المحلوف عليه عن يساره هو الصحيح، لأن السلامين في الصلاة من وجه، ولو سبح له لسهو أو فتح عليه القراءة وهو مقتد لم يحنث، وخارج الصلاة يحنث. تنبيه: لو قال إن ابتدأتك بكلام فعبدي حرّ فالتقيا فسلم كل على الآخر لا يحنث وانحلت اليمين لعدم تصوّر أن يكلمه بعد ذلك ابتداء، ولو قال لها إن ابتدأتك بكلام وقالت هي كذلك لا يحنث إذا كلمها لأنه لم يبتدئها، ولا تحنث هي بعد ذلك لعم تصور ابتدائها، كذا في الفتح ومثله في البحر والزيلعي والذخيرة والظهيرية. وفي تلخيص الجامع: إِن ابتدأتك بكلام أو تزوج أو كلمتك قبل أن تكلمني فتكالما أو تزوجا معاً لم يحنث أبداً لاستحالة السبق مع القران اهـ. وبه ظهر أن قول البزازية: حنث الحالف صوابه: لا يحنث. قوله: (حنث مرتين) لأنه انعقد اليمين بالأولى فيحنث بالثانية وتنعقد بها يمين أخرى، فيحنث بها في الثالثة مرة،، لأن اليمين الأولى قد انحلت بالثانية، وفي تلخيص الجامع: لو قال ثلاثاً لغير المدخولة إن كلمتك فأنت طالق انحلت الأولى بالثانية لاستئناف الكلام، بخلاف فاذهبي يا عدوة الله. اهـ. وحيث انحلت الأولى بالثانية لا يقع بالثالثة شيء لأنها بانت لا إلى عدة، بخلاف المدخول بها. قوله: (حسناً أو أحسنت) لأن قوله انظر حسناً يفيد التفريع بأنك لم تتأمل في الجواب، وقوله أحسنت وإن كان تصويباً إلا أنه يتضمن أنه لم يحسن قبله، فكل من الكلمتين موجع. قوله: (أو حلف الخ) عطف على قول المصنف ((حلف لا يكلمه)) وقوله: ((حنث)) جواب المسألتين. قوله: (لاشتقاق الإذن) أي اشتقاقاً كبيراً كما في النهر من الأذان وهو الإعلام ح. ٥٩٦ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام فيشترط العلم، بخلاف لا يكلمه إلا برضاه فرضي ولم يعلم، لأن الرضا من أعمال القلب فيتم به (الكلام) والتحديث (لا يكون إلا باللسان) فلا يحنث بإشارة وكتابة كما في النتف. وفي الخانية: لا أقول له كذا فكتب إليه حنث ففرق بين القول والكلام، لكن نقل المصنف بعد مسألة شم الريحان عن الجامع أنه كالكلام، خلافاً لابن سماعة (والإخبار والإقرار والبشارة تكون بالكتابة لا بالإشارة والإيماء، والإظهار والإنشاء والإعلام يكون) بالكتابة و (بالإشارة أيضاً) ولو قال لم أنو الإشارة دين، وفي لا يدعوه أو لا يبشره يحنث بالكتابة (إن أخبرتني) أو قلت: وفيه نظر يعلم مما قدمناه في الوضوء. قوله: (فيشترط العلم) ظاهره أنه لا يكتب بمجرد السماع، بل لا بد معه من العلم بمعناه احترازاً عما لو خاطبه بلغة لا يفهمها، كما قدمنا نظيره في حلفه: لا تخرجي إلا بإذني. قوله: (فرضي) أي بأن أخبره بعد الكلام بأنه كان رضي. قوله: (فلا يحنث بإشارة وكتابة) وكذا بإرسال رسول، لأنه لا يسمى كلاماً عرفاً، خلافاً لمالك وأحمد رحمهما الله تعالى، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَخياً﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] أجيب عنه بأن مبنى الأيمان على العرف. فتح. قوله: (عن الجامع) حيث قال إذا حلف لا يكلم فلاناً أو قال والله لا أقول لفلان شيئاً فکتب له كتاباً لا يحنث، وذكر ابن سماعة في نوادره أنه يحنث اهـ. فقوله خلافاً لابن سماعة: أي فيهما، فتحصل أن الأقوال ثلاثة: الحنث مطلقاً، وعدمه مطلقاً، وتفصيل. قاضيخان ط. قوله: (تكون بالكتابة) أي كما تكون باللسان ولم ينبه عليه لظهوره، فافهم. قوله: (والإيماء) بالجر عطف على الإشارة، وكأنه أراد الإشارة باليد والإيماء بالرأس، لأن الأصل في العطف المغايرة. قوله: (والإظهار الخ) بالرفع مبتدأ. قوله: (والإنشاء) كذا في النسخ، والذي في الفتح والبحر والمنح: الإفشاء بالفاء: أي لو حلف لا يفشي سرّ فلان أو لا يظهره أو لا يعلم به يحنث بالكتابة وبالإشارة. قوله: (ولو قال الخ) قال في البحر: فإن نوى في ذلك كله: أي في الإظهار والإفشاء والإعلام والإخبار كونه بالكتابة دون الإشارة دين فيما بينه وبين الله تعالى اهـ. وهكذا في الفتح ونحوه في البزازية، ولم يذكر في النهر الإخبار، وهو الظاهر لما مر أن الإخبار لا يكون بالإشارة، فما معنى أنه يدين في أنه لم ينو به الإشارة، ومفهوم قوله: ((دين الخ)) أنه لا يصدّق قضاء، كما عزاه في التاترخانية إلى عامة المشايخ، وفيها: وكل ما ذكرنا أنه يحنث بالإشارة إذا قال أشرت وأنا لا أريد الذي حلفت عليه، فإن كان جواباً لشيء سئل عنه لم يصدق في القضاء ويدين. قوله: (أو لا يبشره) تكرار مع قول المتن ((والبشارة تكون بالكتابة)) اهـح. ولعله أو ((لا يسره)) من الإسرار. قوله: (إن أخبرتني أو علمتني الخ) وكذا البشارة كما في ٥٩٧ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام أعلمتني (أن فلاناً قدم ونحوه يحنث بالصدق والكذب، ولو قال بقدومه ونحوه ففي الصدق خاصة) لإفادتها إلصاق الخبر بنفس القدوم كما حققناه في بحث الباء من الأصول، وكذا إن كتبت بقدوم فلان كما سيجيء في الباب الآتي. وسأل الرشيد محمداً عمن حلف لا يكتب إلى فلان، فأومأ بالكتابة هل يحنث؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، إن كان مثلك (لا يكلمه شهراً، فمن حين حلفه) ولو عرفه فعلى باقيه (بخلاف لأعتكفنّ) أو لأصومن (شهراً فإن التعيين الفتح والبحر، وهو مخالف لما سيذكره في الباب الآتي عن البدائع من أن الإعلام كالبشارة لا بد فيهما من الصدق ولو بلا باء، ويؤيده ما في تلخيص الجامع الكبير لو قال: إن أخبرتني أن زيداً قدم فكذا حنث بالكذب، كذا إن كتبت إليّ وإن لم يصل، وفي بشرتني أو أعلمتني يشترط الصدق وجهل الحالف، لأن الركن في الأوليين الدال على المخبر وجمع الحروف، وفي الأخريين إفادة البشر والعلم، بخلاف ما إذا قال بقدومه لأن باء الإلصاق تقتضي الوجود وهو بالصدق، ويحنث بالإيماء في أعلمتني وبالكتاب والرسول في الكل اهـ. قوله: (لإفادتها) أي الباء إلصاق الخبر بنفس القدوم: أي فصار كأنه قال إن أخبرتني خبراً ملصقاً بقدوم زيد فاقتضى وجود القدوم لا محالة. قال ط: وفيه أن الباء في إن أخبرتني أن فلاناً قدم مقدرة ومقتضاه قصره على الصدق اهـ. قلت: قد يجاب بأنها لم تدخل على المصدر الصريح، وفرقا بين الصريح والمؤول على أن تقديرها لضرورة التعدية فلا تفيد ما تفيده ملفوظة، فتأمل. قوله: (وكذا إن كتبت بقدوم فلان) أي أنه مثله في اقتصاره على الصدق، بخلاف إن كتبت إلي أن فلاناً قدم فعبدي حرّ يحنث بالخبر الكاذب، حتى لو كتب إليه قبل القدوم أن زيداً قدم حنث وإن لم يصل الكتاب إلى الحالف، كذا في شرح التلخيص. ومفاده الحنث بمجرد الكتابة، ومقاد الفتح والبحر اشتراط الوصول، ويدل للأول تعليل التلخيص المار بأن الركن في الكتابة جمع الحروف: أي تأليفها بالقلم وقد وجد. قوله: (فقال نعم الخ) قال السرخسي: هذا صحيح، لأن السلطان لا يكتب بنفسه وإنما يأمر به، ومن عادتهم الأمر بالإيماء والإشارة. فتح. مَطْلَبٌ فِي حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ شَهْراً فَهُوَ مِنْ حِيْنِ حَلِفِهِ قوله: (فمن حين حلفه) أي يقع على ثلاثين يوماً من حين حلف، لأن دلالة حاله وهي غيظه توجب ذلك، كما إذا آجره شهراً، لأن العقود تراد لدفع الحاجة القائمة، بخلاف لأصومنّ شهراً فإنه نكرة في الإثبات توجب شهراً شائعاً ولا موجب لصرفه إلى الحال. فتح. قوله: (ولو عرفه) كقوله: لا أكلمه الشهر يقع على باقيه، وكذا السنة ٥٩٨ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام إليه) والفرق أن ذكر الوقت فيما يتناول الأبد لإخراج ما وراءه وفيما لا يتناول للمد إليه. زيلعي. (حلف لا يتكلم فقرأ القرآن أو سبع في الصلاة لا يحنث) اتفاقاً (وإن فعل ذلك خارجها حنث على الظاهر) كما رجحه في البحر، ورجح في الفتح عدمه مطلقاً للعرف، وعليه الدرر والملتقى، بل في البحر عن التهذيب أنه لايحنث بقراءة الكتب في عرفنا انتهى، وقوّاه في الشرنبلالية قائلاً: ولا عليك من أكثرية واليوم والليلة، وأشار إلى أنه لو حلف بالليل لا يكلمه يوماً حنث بكلامه في بقية الليل وفي الغد، لأن ذكر اليوم للإخراج؛ وكذا لو حلف بالنهار لا يكلمه ليلة حنث بكلامه من حين حلف إلى طلوع الفجر، ولو قال في النهار: لا أكلمه يوماً فهو من ساعة حلفه مع الليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة من الغد، لأن اليوم منكر فلا بد من استيفائه، ولا يمكن إلا بإتمامه من الغد فلا يتبعه الليل؛ وكذا لا يكلمه ليلة فهو من تلك الساعة إلى مثلها من الليلة الآتية مع النهار الذي بينهما. أفاده في البحر عن البدائع ٧. وفيه عن الواقعات لا أكلمك اليوم ولا غداً ولا بعد غد فله أن يكلمه ليلاً لأنها أيمان ثلاثة، ولو لم يكرر النفي فهي واحدة فيدخل الليل بمنزلة قوله ثلاثة أيام. قوله: (فيما يتناول الأبد الخ) مثل لا أكلمه فإنه لو لم يذكر الشهر تتأبد اليمين فذكر الشهر لإخراج ما وراءه فبقي ما يلي يمينه داخلاً. بحر. قوله: (وفيما لا يتناوله) مثل لأصومن أو لأعتكفن فإنه لو لم يذكر الشهر لا تتأبد اليمين فكان ذكره لتقدير الصوم به وأنه منكر فالتعيين إليه، بخلاف إن تركت الصوم شهراً فإن الشهر من حين حلف، لأن تركه مطلقاً يتناول الأبد فذكر الوقت لإخراج ما وراءه، وتمامه في البحر. قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية من الفرق بين الصلاة وخارجها، وهو ما عليه القدوري. قوله: (كما رجحه في البحر) حيث قال: فقد اختلفت الفتوى، والإفتاء بظاهر المذهب أولى. قوله: (ورجح في الفتح عدمه) حيث قال: ولما كان مبنى الأيمان على العرف، وفي العرف المتأخر لا يسمى التسبيح والقرآن كلاماً، حتى يقال لمن سبح طول يومه أو قرأ: لم يتكلم اليوم بكلمة، اختار المشايخ أنه لا يحنث بجميع ما ذكر خارج الصلاة، واختير للفتوى من غير تفصيل بين اليمين بالعربية والفارسية اهـ. وأفاد أن ظاهر الرواية مبني على عرف المتقدمين، وقوله من غير تفصيل الخ يبين قول الشارح مطلقاً. قوله: (وقوّاه في الشرنبلالية الخ) الضمير راجع إلى ما في الفتح، فكان الأولى تقديمه على قوله: ((بل في البحر)). قوله: (قائلاً ولا عليك الخ) الذي رأيته في الشرنبلالية بعد نقله عن البحر أن الإفتاء بظاهر المذهب أولى. قلت: الأولوية غير ظاهرة، لما أن مبنى الأيمان على العرف المتأخر، ولما ٥٩٩ كتاب الأيمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام التصحيح له مع مخالفته العرف، ويقاس عليه إلقاء درس ما، لكن يعكر عليه ما في الفتح، وأما الشعر فيحنث به لأنه كلام منظوم انتهى، فغير المنظوم أولى، فتأمل. (حلف لا يقرأ القرآن اليوم يحنث بالقراءة في الصلاة أو خارجها ولو قرأ البسملة، فإن نوى ما في النمل حنث وإلا لا) لأنهم لا يريدون به القرآن ولو حلف لا يقرأ سورة كذا أو كتاب فلان لا يحنث بالنظر فيه وفهمه. به يفتى. واقعات. (حلف لا يكلم فلاناً اليوم فعلى الجديدين) لقرانه اليوم بفعل لا يمتد فعم علمت من أكثرية التصحيح له اهـ. قوله: (ويقاس عليه) أي على ما في التهذيب والبحث لصاحب النهر، وكذلك الاستدراك بعده. قوله: (فتأمل) إشارة إلى مخالفة ما في الفتح لكلام التهذيب أو إلى ما في دعوى الأولوية من البحث، إذ لا يلزم من كونه كلاماً منظوماً وكون قائله متكلماً أن يسمى إلقاء الدرس كلاماً، وإلا لزم أن تكون قراءة الكتب كذلك، وهذا كله بناء على عدم العرف، وإلا فإن وجد عرف فالعبرة له كما تقرر، فافهم. مَطْلَبٌ مُهِمٍّ: لَا يُكَلِّمُهُ اليَوْمَ وَلَ غَداً أَوْ لَا بَعْدَ غَدٍ فَهِيَ أَيْمَانٌ ثَلَاثَةٌ قوله: (اليوم) قيد اتفاقي ط. قوله: (وإلا لا) أي وإن لم ينو ما في النمل بأن نوى غيرها أو لم ينو شيئاً لا يحنث كما في البحر. قوله: (لأنهم لا يريدون به القرآن) أي لأن الناس لا يريدون بغير ما في النمل القرآن بل التبرك. قوله: (به يفتى) هو قول أبي يوسف. وفرق محمد فقال: المقصود من قراءة كتاب فلان فهم ما فيه وقد حصل، ويحنث بقراءة سطر منه لا نصفه، لأنه لا يكون مفهوم المعنى غالباً، والمقصود من قراءة القرآن عين القرآن إذ الحكم متعلق به كما في البحر. قال ح: قول محمد: هو الموافق لعرفنا كما لا يخفى. مَطْلَبْ: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَاناً فَهُوَ عَلَى الجَدِيدَيْنِ قوله: (حلف لا يكلم فلاناً اليوم) هذا المثال غير صحيح هنا، لأن الحكم فيه أن اليمين على باقي اليوم كما في البحر، والذي مثل به في الكنز كعامة المتون يوم أكلم فلاناً فعلى الجديدين اهـح: أي لو قال يوم أكلم فلاناً فأنت طالق فهو على الليل والنهار. سميا جديدين: لتجددهما: أي عودهما مرة بعد أخرى، فإن كلمه ليلا أو نهاراً حنث. قوله: (لقرانه اليوم بفعل لا يمتد) قيل المراد به الكلام، لأن عرض والعرض لا يقبل الامتداد إلا بتجدد الأمثال كالضرب والجلوس والسفر والركوب ولك عند الموافقة صورة ومعنى والكلام الثاني يفيد معنى غير مفاد الأول، وفيه أن الكلام اسم لألفاظ ٦٠٠ كتاب الايمان / باب اليمين في الاكل والشرب واللبس والكلام (فإن نوى النهار صدق) لأنه الحقيقة (ولو قال ليلة) أكلم فلاناً فكذا (فهو على الليل خاصة) لعدم استعماله مفرداً في مطلق الوقت، قال (إن كلمته) أي عمراً (إلا أن يقدم زيد أو حين أو إلا أن يأذن أو حتى يأذن فكذا فكلمه قبل قدومه أو) قبل (إذنه حنث و) لو (بعدهما لا يحنث) لجعله القدوم والإذن غاية لعدم الكلام (وإن مات زيد قبلهما سقط الحلف) قيد بتأخير الجزاء، لأنه لو قدمه فقال امرأته طالق إلا أن يقدم زيد لم يكن لغاية بل بشرط، مفيدة معنى كيفما كان فتحققت المماثلة، ولذا يقال كلمته يوماً فالصحيح أن المراد بما لا يمتد الطلاق، ولأن اعتبار العامل في الظرف أولى من اعتبار ما أضيف إليه الظرف، لأنه غير مقصود إلا لتعيين ما تحقق فيه المقصود، وتمامه في الفتح. وقد مر مبسوطاً في بحث إضافة الطلاق إلى الزمان. قوله: (صدق) أي ديانة وقضاء وعن الثاني لا يصدق قضاء. بحر. قوله: (لعدم استعماله مفرداً الخ) أي بخلاف الجمع فإنه يستعمل في مطلق الوقت كقول الشاعر: [الطويل] وَكُنَّا حَسِبْنَا كُلَّ بَيْضَاءَ شَخْمَةً لَيَالِيَ لَقَينا جُذَاماً وَخْميرا قوله: (ولو بعدهما لا يحنث) أقول: وكذا معهما لقول الخانية: حلف لا يدخل هذه الدار حتى يدخلها فلان فدخلاها معاً لم يحنث، وكذا لا أكلمك حتى تكلمني، وكذا إن كلمتك إلا أن تكلمني اهـ سائحاني. قوله: (لجعله القدوم والإذن غاية لعدم الكلام) أما الغاية في ((حتى)) فظاهرة، وأما في ((إلا أن)) فإن الاستثناء وإن كان هو الأصل فيها إلا أنها تستعار الشرط، والغاية عند تعذره لمناسبة هي أن حكم كل واحد منها يخالف ما بعده، وقيل هي للاستثناء. قال في الفتح: وفيه شيء وهو أن الاستثناء فيها إنما يكون من الأوقات أو الأحوال على معنى امرأته طالق في جميع الأوقات أو الأحوال إلا وقت قدوم فلان أو إذنه أو إلا حال قدومه أو إذنه، وهو يستلزم تقييد الكلام بوقت الإذن أو القدوم، فيقتضي أنه لو كلمه بعده حنث لأنه لم يخرج من أوقات وقوع الطلاق إلا ذلك الوقت اهـ. قلت: وللفرق بين الغاية والحال قال في التاترخانية وغيرها: لا يكلمه إلا ناسياً فكلمه مرة ناسياً ثم مرة ذاكراً حنث، وفي إلا أن ينسى لا يحنث. قوله: (سقط الحلف) أي بطل ويأتي وجهه. قوله: (قيد بتأخير الجزاء) تبع في هذا التعبير صاحب النهر، وأحسن منه قول البحر: قيد بالشرط لأنه لو قال الخ. أفاده ح. مَطْلَبْ: إِنْ كَلَّمَهُ إِلَّ أَنْ يَقْدَمَ زَيْدٌ أَوْ حَتَّى قوله: (بل للشرط الخ) قال في البحر: وهي هنا للشرط كأنه قال إن لم يقدم فلان