Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب الطلاق/ باب النفقة
حتى لو شرط في العقد أن النفقة تكون من غير تقدير والكسوة كسوة الشتاء
والصيف لم يلزم فلها بعد ذلك طلب التقدير فيهما.
ولو حكم بموجب العقد مالكي يرى ذلك فللحنفي تقديرها لعدم الدعوى
والحادثة.
بقي لو حكم الحنفي بفرضها دراهم هل للشافعي بعده أن يحكم بالتموين؟
قال الشيخ قاسم في موجبات الأحكام: لا،
(حتى لو شرط) تفريع على مفهوم كون تقدير القاضي النفقة حكماً منه اهـح. والمفهوم
هو كونها بدون تقدير القاضي لا تكون لازمة، وفيه أنها تلزم بالتراضي على قدر معلوم
وتصير به ديناً في ذمة للقضاء والرضا، لأن الفرض معناه التقدير وهو حاصل بكل
منهما، ومفهوم أنها قبل الفرض المذكور لا تكون لازمة، لأن الشرط المذكور ليس في
تقدير كما يظهر قريباً، فافهم. قوله: (تكون من غير تقدير) كذا في بعض النسخ، وفي
بعضها ((تموين)) بدل ((تكون)) فقوله: ((من غير تقدير)) تفسير للتموين. قوله: (والكسوة
کسوة الشتاء والصيف) أي يأتيها بالکسوة الواجبة في کل نصف حول، بأن يأتيها بها
ثياباً بلا تقويم وتقدير بدراهم بدل الثياب، فافهم. قوله: (لم يلزم الخ) كذا ذكره في
البحر بحثاً.
ووجهه أن ذلك الشرط وعدمه سواء، لأن ذلك هو الواجب عليه بنفس العقد
سواء شرطه أو لا، وإنما يعدل إلى التقدير بشيء معين بالصلح والتراضي أو بقضاء
القاضي إذا ظهر له مطله، فتصير النفقة بذلك لازمة عليه وديناً بذمته حتى لا تسقط
بمضي المدة ويصح الإبراء عنها، وقبل ذلك لا تصير كذلك كما علمت. قوله: (فلها
بعد ذلك الخ) أي بعد ما ذكر من الشرط طلب التقدير في النفقة والكسوة من الزوج أو
القاضي بشرطه المار. قوله: (ولو حكم بموجب العقد مالكي الخ) أي لو ترافعا إلى
مالكي بعد المنازعة في صحة العقد فقال حكمت بصحته وصحة شروطه وبموجبه: أي
بما يستوجبه العقد ویتقضیه من لزوم المهر ولزوم تسلیمها نفسها ونحوه صح الحکم،
لكن للحنفي تقدير النفقة دراهم، وإن كان مذهب المالكي لزوم الشرط بالتموين، لأن
ذلك لم يصح حكم المالكي فيه، إذ لا بد في صحة الحكم من الدعوى والحادثة: أي
ترافعهما لديه في الحادثة التي يحكم بها، ولم يقع بينهما تنازع في صحة اشتراط
التموين حتى يصح حكمه به، وإن قال حكمت بشروطه وموجبه، إذ ليس لزوم اشتراط
التموين من موجبات العقد اللازمة له، فللحنفي الحكم بخلافه. قوله: (بقي لو حكم
الحنفي) أي حكماً مستوفياً شرائطه كما مر. قوله: (لا) أي ليس للشافعي الحكم

٣٠٢
كتاب الطلاق/ باب النفقة
وعليه فلو حكم الشافعي بالتموين ليس للحنفي الحكم بخلافه فليحفظ؛ نعم لو
اتفقا بعد الفرض على أن تأكل معه تمويناً بطل الفرض السابق لرضاها بذلك.
وفي السراجية: قدر كسوتها دراهم ورضيت وقضى به هل لها أن ترجع
بالتموين، لأن فيه إبطال قضاء الحنفي ط. قوله: (وعليه الخ) هذا بحث لصاحب
النهر ط. قوله: (فلو حكم الشافعي بالتموين) بأن ترافعا إليه وطلبت منه التقدير وأبى
ولم يظهر للقاضي مطله فحكم لها بالتموين لم يكن للحنفي نقضه.
قلت: إلا أن يظهر بعد ذلك مطله، فيفرضها دراهم لكون ذلك حادثة أخرى غير
التي حكم بها الشافعي. قوله: (بطل الفرض السابق) أي الفرض الحاصل بالقضاء أو
بالرضا. قوله: (لرضاها بذلك) لأن الفرض كان حقها لكونه أنفع لها، فإن النفقة تصير
به ديناً في ذمته فلا تسقط بالمضي، فإذا اتفقا على التموين في المستقبل يكون إعراضاً
عن الفرض السابق، وهذه المسألة ذكرها في البحر بحثاً وقال: إنها كثيرة الوقوع، وقد
أخذها مما في الذخيرة: لو صالحته على ثلاثة دراهم كل شهر قبل التقدير بالقضاء أو
الرضا أو بعده كان تقديراً للنفقة، فتجوز الزيادة عليه لو قالت لا يكفيني، والنقصان منه
لو قال لا أطيقه وعلم القاضي صدقه بالسؤال عنه، وإلا لا، لأن التزامه ذلك باختياره
دليل قدرته عليه؛ ولو صالحته على نحو ثوب أو عبد مما لا يصح للقاضي أن يفرضه
في النفقة: فإن كان قبل التقدير بانقضاء أو الرضا كان تقديراً أيضاً، وإن كان بعده كان
معاوضة فلا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان اهـ ملخصاً. قال في البحر: وعلم منه أن
تراضيهما على ما يصلح للنفقة مبطل لفرض القاضي، فيستفاد منه أنهما لو اتفقا الخ.
قوله: (وفي السراجية الخ) أي فتاوى سراج الدين قارئ الهداية، وهذا مخالف لما قاله
الشيخ قاسم، وكون ذاك مفروضاً في النفقة وهذا في الكسوة لا يجدي نفعاً في الفرق.
تأمل.
وقد يجاب بأن ذاك في فرض القاضي، وهذا في التراضي بدليل قوله؛
((ورضيت)) وقوله: ((وقضى به)) لم يرد به القضاء الحقيقي بل الصوري، لأن التقدير:
صح بتراضيهما قبل القضاء؛ وأيضاً فإن شرط القضاء ظهور المطل، وبمجرد التراضي
لم يظهر مطل، وحينئذ فرجوعها وطلب الكسوة قماشاً ليس فيه إيطال قضاء سابق، بل
فيه إعراض عن حقها لكون التقدير برضاهما أنفع لها كما مر في فرض القاضي، ويظهر
من هذا أن قوله السابق: ((لو اتفقا الخ)) غير قيد بل يكفي طلبها. ويظهر منه أيضاً أنه لا
فرق بين كون طلبها بعد الفرض والتقدير بالقضاء أو الرضا، ولذا ذكر ما في السراجية
عقب قوله: ((لو اتفقا الخ)) لكن يشكل على هذا ما مر عن الشيخ قاسم، فإنه إذا لم
يصح حكم الشافعي بالتموين بعد حكم الحنفي بالتقدير بالدراهم فعدم صحة طلبها

٣٠٣
كتاب الطلاق/ باب النفقة
وتطلب كسوة قماشاً؟ أجاب نعم، وقالوا: ما بقي من النفقة لها فيقضي بأخرى،
بخلاف إسراف وسرقة وهلاك ونفقة محرم وكسوة، إلا إذا تخرّقت، بالاستعمال
المعتاد أو استعملت معها أخرى فيفرض أخرى (و) تجب (لخادمها المملوك) لها
بدون حكم يكون بالأولى، فليتأمل. قوله: (وقالوا الخ) الأصل أن القاضي إذا ظهر له
الخطأ في التقدير يرده وإلا فلا، فلو قدر لها عشرة دراهم نفقة شهر فمضى الشهر وبقي
منها شيء يفرض لها عشر أخرى إذا لم يظهر خطؤه في التقدير بيقين لجواز أنها قترت
على نفسها فيبقى التقدير معتبراً فيقضي لها بأخرى بخلاف ما إذا أسرفت فيها أو سرقت
أو هلكت قبل مضيّ الوقت لا يقضي بأخرى ما لم يمض الوقت لعدم ظهور الخطأ.
بخلاف نفقة المحرم، وكذا كسوته، فإنه إذا مضى الوقت وبقي شيء لا يقضي بأخرى
لأنها في حقه باعتبار الحاجة، ولذا لو ضاعت منه يفرض له أخرى، وفي حق المرأة
معاوضة عن الاحتباس. وبخلاف كسوة المرأة فإنها لا يقضي لها بأخرى إلا إذا تخرقت
قبل مضيّ المدة بالاستعمال المعتاد، فيقضي لها بأخرى قبل تمام المدة لظهور خطئه
في التقدير حيث وقت وقتاً لا تبقى معه الكسوة، وإلا إذا مضت المدة وهي باقية لكونه
استعملت أخرى معها فيقضي لها بأخرى أيضاً لعدم ظهور الخطأ، ومثله ما إذا لم
تستعملها أصلاً، وسكت عنه الشارح لعلمه بالأولى، وفهم من كلامه أنها إذا تخرقت
قبل مضيّ المدة باستعمال غير معتاد لا يقضي بأخرى ما لم تمض المدة لعدم ظهور
الخطأ في التقدير، وأنها إذا بقيت في المدة مع استعمالها وحدها فكذلك لا يقضي لها
بأخرى ما لم تتخرق لظهور خطئه، حيث وقت وقتاً تبقى الكسوة بعده، وتمام الكلام
في البحر عن الذخيرة.
مَطْلَبْ فِي نَفَقَةٍ خَادِمِ المَرْأَةِ
قوله: (وتجب لخادمها المملوك لها) لأن كفايتها واجبة عليه، وهذا من تمامها إذ
لا بد لها منه. هداية، ويعلم منه أنها إذا مرضت وجب عليه إخدامها ولو كانت أمة،
وبه صرح الشافعية، وهو مقتضى قواعد مذهبنا؛ ولم أره صريحاً وإن علم من كلامهم.
رملي.
قلت: هذا ظاهر على خلاف الظاهر. ففي البحر: قيل هو: أي الخادم كل من
يخدمها حرّاً كان أو عبداً ملكاً لها أو له أو لهما أو لغيرهما، وظاهر الرواية عن أصحابنا
الثلاثة كما في الذخيرة أنه مملوكها، فلو لم يكن لها خادم لا يفرض عليه نفقة خادم
لأنها بسبب الملك، فإذا لم يكن في ملكها لا تلزمه نفقته اهـ.
ثم قال: وبهذا علم أنه إذا لم يكن لها خادم مملوك لا يلزمه كراء غلام يخدمها،
لكن يلزمه أن يشتري لها ما تحتاجه من السوق كما صرح به في السراجية اهـ. إلا أن
-
!

٣٠٤
كتاب الطلاق/ باب النفقة
على الظاهر ملكاً تاماً ولا شغل له غير خدمتها بالفعل، فلو لم يكن في ملكها أو
لم يخدمها لا نفقة له، لأن نفقة الخادم بإزاء الخدمة، ولو جاءها بخادم لم يقبل
منه إلا برضاها فلا يملك إخراج خادمها، بل ما زاد عليه. بحر بحثاً (لو) حرة لا
يقال: هذا في غير المريضة، لأنه إذا اشترى لها ما تحتاجه تستغني عنه، بخلاف
المريضة إذا لم تجد من يمرضها فيكون من تمام الكفاية الواجبة على الزوج. نعم إذا
طلبته ليقوم عنها في الطبخ ونحوه، فقد مر أنها إذا لم تفعل يأتيها بمن يكفيها ذلك إذا
كانت ممن لا يخدم أو لا تقدر، وكذا إذا كان لخدمة أولاده كما يأتي. قوله: (على
الظاهر) أي ظاهر الرواية كما علمت. قوله: (ملكاً تاماً) احترز به عن الزوجة المكاتبة
إذا كان لها مملوك فإن نفقته لا تجب على زوجها، كما في المنح أخذاً من تقييد
الزيلعي وغيره بالحرة.
بقي لو كانت الزوجة حرة وكاتبت أمتها، فالظاهر أن نفقتها على الزوج إن لم
تشتغل عن خدمتها، لأن التقييد بالحرة لا يلزم منه إخراج أمتها المكاتبة، فافهم. قوله:
(بالفعل) ليس المراد أنه إنما يستحق النفقة في حال تلبسه بالخدمة دون ما قبل الشروع
فيها أو بعد الفراغ منها إذ لا يتوهمه أحد، وإنما المراد الاحتراز عما إذا لم يخدمها وإن
كان لا شغل له غير خدمتها، ولذا قال في الدر المنتقى: فلو لم يكن في ملكها أو كان
له شغل غير خدمتها أو لم يكن له شغل لكن لم يخدمها فلا نفقة له اهـ. فقد فرع على
القيود الثلاثة.
وفي البحر عن الذخيرة: نفقة الخادم إنما تجب عليه بإزاء الخدمة، فإذا امتنعت
عن الطبخ والخبز وأعمال البيت لم تجب، بخلاف نفقة المرأة فإنها بمقابلة
الاحتباس اهـ. فافهم. قوله: (ولو جاءها بخادم الخ) أي قاصداً إخراج خادمها من بيته
فلا يملك ذلك في الصحيح. خانية. لأنه قد لا تتهيأ لها الخدمة بخادم الزوج. ولو
لوالجية.
قال في النهر: وينبغي أن يقيد بما إذا لم يتضرر من خادمها، أما إذا تضرر منه
بأن كان يختلس من ثمن ما يشتريه كما هو دأب صغار العبيد في ديارنا ولم تستبدل به
غيره وجاءها بخادم أمين فإنه لا يتوقف على رضاها اهـ. وفيه أنه يمكن الزوج تعاطي
الشراء بخادمة لأنه من الواجب عليه، وليس ذلك من خدمتها الخاصة بها، والكلام
فيما يتعلق بها ط. نعم لو كان خادمها يختلس أمتعة بيته يمكن أن يكون عذراً للزوج.
في إخراجه. قوله: (بحر بحثاً) راجع لقوله: ((بل ما زاد)) وعبارته: وظاهره. أي ظاهر
قولهم: «لا یملك إخراج خادمها» أنه يملك إخراج ما عدا خادم واحد من بيته لأنه زائد
على قولهما اهـ. أما على قول أبي يوسف الآتي فلا. قوله: (لو حرّة) لا حاجة إليه بعد

٣٠٥
كتاب الطلاق/ باب النفقة
أمة. جوهرة. لعدم ملكها (موسراً) لا معسراً في الأصح والقول له في العسار،
ولو برهنا فبينتها أولى. خانية (ولو له أولاد لا يكفيه خادم واحد فرض عليه) نفقة
(لخادمين أو أكثر اتفاقاً) فتح.
وعن الثاني: غنية زفت إليه بخدم كثير استحقت الجميع. ذكره المصنف.
ثم قال: وفي البحر عن الغاية: وبه نأخذ. قال: وفي السراجية: ويفرض عليه
قول المتن: ((المملوك)) كما صرح به المصنف في المنح. أفاده ح. وأشار إليه الشارح
بقوله: ((لعدم ملكها)). قوله: (موسراً) منصوب على أنه خبر (كان)) وعلى حل الشارح
صار منصوباً على الحالية من الزوج في قول المصنف أول الباب ((فتجب للزوجة على
زوجها)) فإن قوله هنا ((ولخادمها)) معطوف على قوله: ((للزوجة)) فافهم. قال في البحر:
وفي غاية البيان: واليسار مقدر بنصاب حرمان الصدقة لا بنصاب وجوب الزكاة اهـ.
وفي الذخيرة: ولا تقدر نفقة الخادم بالدراهم على ما ذكرنا في نفقة المرأة، بل
يفرض له ما يكفيه بالمعروف، ولكن لا تبلغ نفقته نفقتها لأنه تبع لها فتنقص نفقته عنها
في الإدام. وما ذكره محمد في الكتاب من ثياب الخادم فهو بناء على عاداتهم، وذلك
يختلف في كل وقت؛ فعلى القاضي اعتبار الكفاية فيما يفرض له في كل وقت
ومكان اهـ ملخصاً. قوله: (في الأصح) خلافاً لما يقوله: محمد من أنه يفرض لخادمها
ولو كان الزوج معسراً، وتمامه في الفتح والبحر. قوله: (والقول له في العسار) لأنه
متمسك بالأصل. منح. ولأنه منكر لسبب الوجوب. قال في البحر: إلا أن تقيم المرأة
البينة، ويشترط في هذا الخبر العدد والعدالة لا لفظ الشهادة. وفي القهستاني: العسار
اسم من الإعسار: أي الافتقار يسعمله بعض أهل العلم، إلا أنه غير مسموع كما في
الطلبة، وقال المطرزي: إنه خطا محض، وكأنهم ارتكبوها لمزاوجة اليسار. قوله: (لا
يكفيه) عبارة الفتح: لا يكفيهم. قوله: (فرض عليه لخادمين أو أكثر) ظاهره أن الخدم
لها: أي لا يلزمه نفقة أكثر من خادم لها إلا إذا احتاجهم لأولاده، لأنها لو لم يكن لها
خدم واحتاج أولاده إلى أكثر من خادم يلزمه، لأن ذلك من جملة نفقتهم كما لا
يخفي. قوله: (وعن الثاني) أي أبي يوسف، أشار إلى أن هذا رواية عن أبي يوسف،
لأن المنقول عنه في الهداية وغيرها أنه يفرض لخادمين لاحتياج أحدهما لمصالح
الداخل والآخر لمصالح الخروج. قوله: (زفت إليه) أشار إلى أن المعتبر حالها في
بيت أبيها، لا حالها الطارئ عليها في بيت الزوج. تأمل. رملي. قوله: (ثم قال وفي
البحر الخ) عبارة البحر: هكذا قال الطحاوي.
وروى صاحب الإملاء عن أبي يوسف أن المرأة إذا كانت ممن يجلّ مقدارها عن

٣٠٦
كتاب الطلاق/ باب النفقة
نفقة خادمها، وإن كانت من الأشراف فرض نفقة خادمين، وعليه الفتوى (ولا
يفرّق بينهما بعجزه عنها) بأنواعها الثلاثة (ولا بعدم إِيفائه) لو غائباً (حقها ولو
موسراً) وجوّزه الشافعي بإعسار الزوج وبتضرّرها بغيبته، ولو قضى به حنفيّ لم
ينفذ؛ نعم لو أمر شافعیاً فقضى به نفذ
خدمة خادم واحد أنفق على من لا بد لها منه من الخدم ممن هو أكثر من الخادم
الواحد أو الاثنين أو أكثر من ذلك؛ قال: وبه نأخذ، كذا في غاية البيان.
وفي الظهيرية والولوالجية: المرأة إذا كانت من بنات الأشراف ولها خدم يجبر
الزوج على نفقة خادمین اهـ.
فالحاصل أن المذهب الاقتصار على واحد مطلقاً، والمأخوذ به عند المشايخ
قول أبي يوسف اهـ.
مَطْلَبٌ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بَالعَجْزِ عَنِ النَّفَقَّةِ وَبِالْغَيْبَةِ
قوله: (ولا يفرق بينهما بعجزه عنها) أي غائباً كان أو حاضراً. قوله: (بأنواعها)
وهي مأكول وملبوس ومسكن ح. قوله: (حقها) أي من النفقة وهو منصوب مفعول
المصدر وهو إيفاء. قوله: (ولو موسراً) المناسب ولو معسراً، لأنه إشارة إلى خلاف
الشافعي رحمه الله، والأصح عنده عدم الفسخ بمنع الموسر حقها كمذهبنا. قوله:
(بإعسار الزوج) مقابل قوله: ((ولا يفرق بينهما بعجزه)) ط. قوله: (وبتضررها بغيبته) أي
تضرر المرأة بعدم وصول النفقة بسبب غيبته. وفي بعض النسخ ((وبتعذرها بغيبته)) أي
تعذر النفقة وهي أظهر، وهذا مقابل قوله: ((ولا بعدم إِيفائه حقها)).
والحاصل أن عند الشافعي إذا أعسر الزوج بالنفقة فلها الفسخ، وكذا إذا غاب
وتعذر تحصيلها منه على ما اختاره كثيرون منهم، لكن الأصح المعتمد عندهم أن لا
فسخ ما دام موسراً وإن انقطع خبره وتعذر استيفاء النفقة من ماله كما صرح به في الأم.
قال في التحفة بعد نقله ذلك: فجزم شيخنا في شرح منهجه بالفسخ في منقطع خبر لا
مال له حاضر مخالف للمنقول كما علمت، ولا فسخ بغيبة من جهل حاله يساراً
وإعساراً، بل وشهدت بينة أنه غاب معسراً فلا فسخ ما لم تشهد بإعساره الآن وإن علم
استنادها للاستصحاب أو ذكرته تقوية لا شكاً كما يأتي اهـ. قوله: (نعم لو أمر شافعياً)
أي بشرط أن يكون مأذوناً له بالاستنابة. خانية.
قال في غرر الأذكار؛ ثم اعلم أن مشايخنا استحسنوا أن ينصب القاضي الحنفي
نائباً ممن مذهبه التفريق بينهما إذا كان الزوج حاضراً وأبى عن الطلاق، لأن دفع الحاجة
الدائمة لا يتيسر بالاستدانة، إذ الظاهر أنها لا تجد من يقرضها، وغنى الزوج مآلاً أمر

٣٠٧
كتاب الطلاق/ باب النفقة
إذا لم يرتش الآمر والمأمور.
متوهم، فالتفريق ضروري إذا طلبته؛ وإن كان غائباً لا يفرق لأن عجزه غير معلوم حال
غيبته، وإن قضى بالتفريق لا ينفذ قضاؤه لأنه ليس في مجتهد فيه لأن العجز لم
يثبت اهـ.
ونقل في البحر اختلاف المشايخ، وأن الصحيح كما في الذخيرة عدم النفاذ
لظهور مجازفة الشهود كما في العمادية والفتح. وذكر في قضاء الأشباه في المسائل
التي لا ينفذ فيها قضاء القاضي أن منها التفريق للعجز عن الإنفاق غائباً على الصحيح لا
حاضراً اهـ.
والحاصل أن التفريق بالعجز عن النفقة جائز عند الشافعي حال حضرة الزوج،
وكذا حال غيبته مطلقاً أو ما لم تشهد بينة بإعساره الآن كما علمت مما نقلناه عن
التحفة؛ والحالة الأولى جعلها مشايخنا حكماً مجتهداً فيه فينفذ فيه القضاء دون الثانية،
وبه تعلم ما في كلام الشارح حيث جزم بالنفاذ فيهما فإنه مبني على خلاف الصحيح
المارّ عن الذخيرة.
وذكر في الفتح أنه يمكن الفسخ بغير طريق إثبات عجزه، بل بمعنى فقده، وهو
أن تتعذر النفقة عليها. ورده في البحر بأنه ليس مذهب الشافعي.
قلت: ويؤيده ما قدمناه عن التحفة حيث ردّ على شرح المنهج بأنه خلاف
المنقول، فعلى هذا ما يقع في زماننا من فسخ القاضي الشافعي بالغيبة لا يصح، وليس
للحنفي تنفيذه، سواء بني على إثبات الفقر أو على عجز المرأة عن تحصيل النفقة منه
بسبب غيبته، فليتنبه لذلك؛ نعم يصح الثاني عند أحمد كما ذكر في كتب مذهبه،
وعليه يحمل ما في فتاوى قارئ الهداية حيث سأل عمن غاب زوجها ولم يترك لها
نفقة. فأجاب: إذا أقامت بينة على ذلك وطلبت فسخ النكاح من قاض يراه ففسخ نفذ
وهو قضاء على الغائب. وفي نفاذ القضاء على الغائب روايتان عندنا، فعلى القول
بنفاذه يسوغ للحنفي أن يزوّجها من الغير بعد العدة وإذا حضر الزوج الأول وبرهن على
خلاف ما ادعت من تركها بلا نفقة لا تقبل بينته، لأن البينة الأولى ترجحت بالقضاء فلا
تبطل بالثانية اهـ. وأجاب عن نظيره في موضع آخر بأنه إذا فسخ النكاح حاكم يرى ذلك
ونفذ فسخه قاض آخر وتزوجت غيره صح الفسخ والتنفيذ والتزوج بالغير، ولا يرتفع
بحضور الزوج وادعائه أنه ترك عندها نفقة في مدة غيبته الخ، فقوله: ((من قاض يراه)) لا
يصح أن يراد به الشافعي فضلاً عن الحنفي، بل يراد به الحنبلي، فافهم. قوله: (إذا لم
يرتش الآمر والمأمور) أما الأول فلأن نصب القاضي بالرشوة لا يصح، وأما الثاني فلأن
حکمه بها لا يصح، ولو صح نصبه، وعليه فالمناسب العطف بأو.

٣٠٨
كتاب الطلاق/ باب النفقة
بحر (و) بعد الفرض (يأمرها القاضي بالاستدانة) لتحيل (عليه) وإن أبى الزوج،
مَطْلَبٌ فِي الأَمْرِ بِالاسْتِدَانَةِ عَلَى الزَّوْجِ
قوله: (وبعد الفرض) أشار إلى أن في عبارة المصنف كلاماً مطوياً بعد قوله:
(ولا يفرق بينهما بعجزه عنها الخ)) تقديره: بل يفرض لها النفقة عليه ويأمرها
بالاستدانة، لكن الفرض يظهر فيما لو كان المعسر عن النفقة حاضراً، لأن الغائب إذا
لم يكن له مال حاضر لا يفرض لها نفقة عليه كما في الحاكم، وسيذكره المصنف
بعد؛ نعم سيذكر أن المفتى به قول زفر، فافهم. قوله: (بالاستدانة) ذكر الخصاف وتبعه
الشارحون أنها الشراء بالنسيئة لتقضي الثمن من مال الزوج. وفي المجتبى أنها
الاستقراض. بحر. ونقل القهستاني عن صدر الشريعة. قال: وإليه يشير كلام
المغرب اهـ. وفي اليعقوبية أنه الأولى كما لا يخفى. قال في الدر المنتقى: لكن
التوكيل بالاستقراض لا يصح، فالأصح الأول اهـ. ومثله في الحموي عن البرجندي.
قلت: الثاني أيسر على المرأة، لأنها قد لا تجد من يبيعها بالنسيئة ما تحتاجه في
كل يوم، بخلاف الاستقراض لنفقة شهر مثلاً، ويأتي قريباً الجواب عن الإيراد.
تنبيه في قضاء الحاوي الزاهدي: فإن لم تجد من تستدين منه عليه اكتسبت وأنفقت
وجعلته ديناً عليه بأمر القاضي، وإن لم تقدر على الاكتساب لها السؤال ليومها وتجعل
مسؤولها ديناً عليه أيضاً بأمره به. قوله: (لتحيل عليه الخ) اعلم أنهم قالوا: إن للمرأة حق
الرجوع على الزوج بالنفقة بعد فرض القاضي، سواء أكلت من مالها أو استدانتها بأمر
القاضي أو بدونه، ولكن فائدة الأمر بالاستدانة عدم سقوطها بموت أحدهما كما سيذكره
المصنف بقوله: ((بموت أحدهما وطلاقها يسقط المفروض إلا إذا استدانت بأمر قاض))
وأشار الشارح إلى فائدة أخرى، وهي ما في تجريد القدوري والهداية، من أن فائدة الأمر بها
أن تحيل الغريم على الزوج وإن لم يرض الزوج وبدون الأمر ليس لها ذلك. وذكر في الفتح
عن التحفة أن فائدته رجوع الغريم على الزوج أو على المرأة. قال في البحر: وظاهره أن
للغريم الرجوع عليه بلا حوالة منها وعلى ما في التجريد: لا رجوع له بلا حوالة اهـ.
قلت: الظاهر عدم المخالفة، وأن المراد بالإحالة دلالتها الغريم على زوجها
ليطالبه، بأن تقول له إن زوجي فلان فطالبه بالدين، إذ لا يمكن إرادة حقيقة الحوالة هنا
بدليل تصريحهم بأن للغريم مطالبة المرأة بها أيضاً، وأنه لا يشترط رضا الزوج بالحوالة.
هذا، وقد صرّحوا بأن الاستدانة بأمر القاضي إيجاب الدين على الزوج، لأن
للقاضي ولاية كاملة عليه، فلذا كان للغريم أن يرجع عليه، وبدون الأمر بها لا يرجع
عليه بل عليها وهي ترجع على الزوج، فقد ظهر من هذا أن الاستدانة بالأمر تقع لها،
ويجب بها الدين على الزوج بسبب ولاية القاضي عليه لا بطريق الوكالة عن الزوج، وبه

٣٠٩
كتاب الطلاق/ باب النفقة
أما بدون الأمر فيرجع عليها، وهي عليه، إن صرّحت بأنها عليه أو نوت، ولو
أنكر نيتها فالقول له. مجتبى. وتجب الإدانة على من تجب عليه نفقتها ونفقة
الصغار لولا الزوج كأخ وعم، ويحبس الأخ ونحوه إذا امتنع، لأن هذا من
المعروف. زيلعي واختيار. وسيتضح (قضى بنفقة الإعسار ثم أيسر فخاصمته
تمم) القاضي نفقة يساره
اندفع ما مر من أن التوكل بالاستقراض لا يصح، فافهم. قوله: (إن صرحت الخ) لا
يصح جعله قيداً لقوله ((وهي عليه)) لأن رجوع المرأة على الزوج ثابت لها قبل الأمر
بالاستدانة كما علمته، بل هو قيد لقوله: ((لنحيل عليه)).
وعبار المجتبى: فإذا استدانت هل تصرح بأني أستدين على زوجي أو تنوي؟ أما
إذا صرحت فظاهر، وكذا إذا نوت، وإذا لم تصرح ولم تنو لا يكون عليه؛ ولو ادعت
أنها نوت الاستدانة عليه وأنكر الزوج فالقول له اهـ.
قلت: وفائدة إنكاره عدم رجوع الغريم عليه، بل يرجع عليها وهي ترجع عليه،
وأنها تسقط بموت أحدهما أو طلاقها كما علم مما مر. والظاهر أنه لا يمين على الزوج،
إذ كيف يحلف على عدم نيتها ولذا لم يقيد اليمين، خلافاً لما نقله الرحمتي من التقييد
به، فإني لم أره في المجتبى ولا في البحر. قوله: (وتجب الإدانة الخ) قال في
الاختيار: المعسرة إذا كان زوجها معسراً ولها ابن من غيره موسر أو أخ موسر فنفقتها
على زوجها، ويؤمر الابن أو الأخ بالإنفاق عليها، ويرجع به على الزوج إذا أيسر،
ويحبس الابن أو الأخ إذا امتنع، لأن هذا من المعروف. قال الزيلعي: فتبين بهذا أن
الإدانة لنفقتها إذا كان الزوج معسراً وهي معسرة تجب على من كانت تجب عليه نفقتها
لولا الزوج، وعلى هذا لو كان للمعسر أولاد صغار ولم يقدر على إنفاقهم تجب نفقتهم
على من تجب عليه، لولا الأب كالأم والأخ والعم ثم يرجع به على الأب إذا أيسر،
بخلاف نفقة أولاده الكبار حيث لا يرجع عليه بعد اليسار، لأنه لا تجب مع الإعسار
فكان كالميت اهـ. وأقرّه عليه في فتح القدير. بحر.
قلت: ومقتضاه أنه لا فرق بين الأم وغيرها في ثبوت الرجوع على الأب، مع أنه
سيذكر قبيل الفروع أنه لا رجوع في الصحيح إلا للأم، وفيه كلام سنذكره هناك. قوله:
(كأخ وعم) يصح رجوعه لكل من الزوجة والصغار اهـح: أي كأن يكون لها أخ أو عم
ولأولادها أخ من غيرها أو عم فتستدين لنفسها من أخيها أو عمها ولأولادها من أخيهم
أو عمهم، وظاهره أنه لا يقدم الأخ على العم هنا. تأمل. قوله: (وسيتضح) أي في
الفروع. قوله: (ثم أيسر) أي الزوج كما فسره في المنح. والأولى أن يقول: ثم أيسر
أحدهما ح. قلت: ومثله ما لو أيسرا. قوله: (فخاصمته) إذ لا تقدير بدون طلبها. قوله:
(تمم) أي القاضي نفقة يساره: أي يسار الزوج الذي امرأته فقيرة وهي الوسط. ولو

٣١٠
كتاب الطلاق/ باب النفقة
في المستقبل (وبالعكس وجب الوسط) كما مر.
(صالحت زوجها عن نفقة كل شهر على دراهم ثم) قالت لا تكفيني
زيدت، ولو (قال الزوج لا أطيق ذلك فهو لازم) فلا التفات لمقالته بكل حال
قال: وجب الوسط كما قال فيما بعده لكان أوضح ح. قوله: (في المستقبل) أما
الماضي قبل المخاصمة فقد رضيت به ولو بعد عروض اليسار. قوله: (وبالعكس) بأن
قضى بنفقة اليسار لكونهما موسرين ثم أعسر الزوج على ما قال أو ثم أعسر أحدهما
على ما هو الأولى؛ ولو قال قضى بنفقة الإعسار ثم أيسر أحدهما أو بالعكس وجب
الوسط لكان أوضح وأخصر اهـح. قوله: (كما مر) في قوله: ((بقدر حالهما) ح.
مَطْلَبٌ فِي الصُّلْحِ عَنِ النَّفْقَةِ
قوله: (صالحت زوجها الخ) قدمنا عند قوله: ((لرضاها بذلك)) عن الذخيرة أن
الصلح على النفقة تارة يكون تقديراً للنفقة كالصلح على نحو الدارهم قبل تقدير النفقة
بالقضاء أو الرضا أو بعده، فتجوز الزيادة عليه والنقصان عنه: أي بالغلاء أو الرخص،
وتارة يكون معاوضة كالصلح على نحو عبد إن كان بعد تقديرها بما ذكر فلا تجوز
الزيادة ولا النقصان، ولو قبل التقدير فهو تقدير فكلامه هنا محمول على ما إذا لم يكن
معاوضة، ولذا قيد بقوله: ((على دراهم)). قوله: (زيدت) أي يسمع القاضي دعواها
ويزيد لها إذا كانت لا تكفيها؛ لما في كافي الحاكم: صالحت المرأة زوجها على نفقة
لا تكفيها فلها أن ترجع عنه وتطالب بالكفاية اهـ. قوله: (فلا التفات لمقالته) فإن التزامه
باختياره، وذلك دليل على كونه قادراً على أداء ما التزم فيلزمه جميع ذلك، إلا أن
يتعرف القاضي عن حاله بالسؤال من الناس، فإذا أخبروه أنه لا يطيق ذلك نقص عنه
وأوجب على قدر طاقته. ذخيرة.
وحاصله أنه لا يقبل قوله لتناقضه ما لم يظهر للقاضي حاله، بخلاف المرأة فإنه لا
تناقض منها، فإنها غير ملتزمة لأن لها الرجوع عن الصلح كما مر الكلام فيه، فحيث لم
تكن متناقضة تسمع دعواها على الزوج بعدم الكفاية، فإن أقرّ بذلك ألزمه بالزيادة، وإن
أنكر حلفه أو طلب منها بينة، ولا يفعل كذلك في دعوى الزوج لعدم سماعها، هذا ما
ظهر لي في بيانه، فافهم.
هذا، وأما ما في الذخيرة: من أن القاضي لو فرض لها مالا يكفيها فلها أن
ترجع، لأنه ظهر خطؤه فعليه التدارك بالقضاء بما يكفيها، وكذلك لو فرض على الزوج
زيادة على الكفاية فله الامتناع عنها اهـ. فلا يرد على ما مر، لأن هذا في القضاء بطريق
الإلزام على الزوج فلم يظهر فيه التناقض منه، بخلاف الصلح برضاه، وقد خفى هذا
على غير واحد، فافهم. قوله: (لكل حال) تابع فيه المصنف في شرحه، ولم أره لغيره

٣١١
كتاب الطلاق/ باب النفقة
(إلا إذا تغير سعر الطعام وعلم) القاضي (أن ما دون ذلك) المصالح عليه (يكفيها)
فحينئذ يفرض كفايتها، نقله المصنف عن الخانية. وفي البحر عن الذخيرة: إلا
أن يتعرّف القاضي حاله بالسؤال من الناس فيوجب بقدر طاقته.
وفي الظهيرية: صالحها عن نفقة كل شهر على مائة درهم والزوج محتاج لم
يلزمه إلا نفقة مثلها.
(والنفقة لا تصير ديناً إلا بالقضاء أو الرضا) أي اصطلاحهما على قدر معين
مع عدم ظهور وجهه، فالمناسب إسقاطه. تأمل. قوله: (إلا إذا تغير سعر الطعام الخ)
لأن ذلك عارض فلا يكون به منتاقضاً، لأنه لم يدّع أن ذلك كان وقت الصلح بل
عرض بعده، وكذلك الحكم في دعوى المرأة بالأولى، وكالصلح القضاء. ففي البحر
عن الظهيرية: إذا فرض القاضي للمرأة النفقة فغلا الطعام أو رخص فإن القاضي يغير
ذلك الحكم اهـ. قوله: (إلا أن يتعرف الخ) أي يطلب المعرفة، وهذا استثناء من قوله:
((فلا التفات لمقالته)) كما علمته فكان المناسب ذكره عقبه. قوله: (لم يلزمه إلا نفقة
مثلها) لظهور أن المائة لكل شهر على الفقير المحتاج شيء كثير في زمانهم لا يتغابن
فيه.
قال في الخلاصة: لو صالحته على أكثر من حقوقها في النفقة والكسوة، إن كان
قدر ما يتغابن الناس في مثله جاز، وإلا فالزيادة مردودة ولا يبطل القضاء اهـ. وعليه فلو
مضت مدة لا تسقط النفقة، إذ لو بطل أصل القضاء لسقطت بالمضيّ، وتمامه في
البحر. وكأنه أراد بالقضاء التقدير. تأمل.
مَطْلَبُ: لَا تَصِيرُ النَّفَقَةُ دَيْناً إِلَّ بَالْقَضَاءِ أَو الرِّضَا
قوله: (والنفقة لا تصير ديناً الخ) أي إذا لم ينفق عليها بأن غاب عنها أو كان
حاضراً فامتنع فلا يطالب بها بل تسقط بمضيّ المدة.
قال في الفتح: وذكر في الغاية معزوّاً إلى الذخيرة أن نفقة ما دون الشهر لا
تسقط، فكأنه جعل القليل مما لا يمكن الاحتراز عنه، إذ لو سقطت بمضيّ يسير من
الزمان لما تمكنت من الأخذ أصلا اهـ. ومثله في البحر، وكذا في الشرنبلالية عن
البرهان، ووجهه في غاية الظهور لمن تدبر، فافهم.
ثم اعلم أن المراد بالنفقة نفقة الزوجة، بخلاف نفقة القريب فإنها لا تصير ديناً
ولو بعد القضاء والرضا، حتى لو مضت مدة بعدهما تسقط كما يأتي، وسيأتي أن
الزيلعي استثنى نفقة الصغير، ويأتي تمام الكلام عليه عند قول المصنف: ((قضى بنفقة
غير الزوجة الخ)). قوله: (إلا بالقضاء) بأن يفرضها القاضي عليه أصنافاً أو دراهم أو

٣١٢
كتاب الطلاق/ باب النفقة
أصنافاً أو دراهم، فقبل ذلك لا يلزمه شيء، وبعده ترجع بما أنفقعت ولو من
مال نفسها بلا أمر قاض.
ولو اختلفا في المدة فالقول له والبينة عليها. ولو أنكرت إنفاقه فالقول لها
بيمينها. ذخيرة (وبموت أحدهما وطلاقها) ولو رجعياً. ظهيرية وخانية.
دنانير. نهر. قوله: (فقبل ذلك لا يلزمه شيء) أي لا يلزمه عما مضى قبل الفرض بالقضاء
أو الرضا، ولا عما يستقبل لأنه لم يجب بعد، ولذا لا يصح الإبراء عنها قبل الفرض
وبعده يصح مما مضى ومن شهر مستقبل كما تقدم قبل قوله ((ولخادمها)). وأما الكفالة بها
شهراً أو أكثر فصرح في البحر هنا عن الذخيرة أنها لا تصح قبل الفرض والتراضي، ونقل
بعده عن الذخيرة أيضاً ما يخالفه، وقدمنا الكلام عليه والتوفيق بين كلاميه. قوله:
(وبعده) أي وبعد القضاء أو الرضا ترجع لأنها بعده صارت ملكاً لها كما قدمناه، ولذا قال
في الخانية: لو أكلت من مالها أو من المسألة لها الرجوع بالمفروض اهـ؛ وكذا لو تراضيا
على شيء ثم مضت مدة ترجع بها ولا تسقط. قال في البحر: فهذا هو المراد بقولهم:
((أو الرضا» فأما ما توهمه بعض حنيفة العصر من أن المراد به إذا مضت مدة بغير فرض
ولا رضا ثم رضي الزوج بشيء فإنه يلزمه فخطأ ظاهر لا يفهمه من له أدنى تأمل اهـ.
ومقتضاه أنه لا يلزمه شيء بهذا الرضا لكون ما مضى قبله لم يجب عليه فهو التزام ما
يلزم، وإنما يلزمه ما يمضي بعد الرضا لأنه صار واجباً به كالقضاء، وأطلق في الرجوع
فشمل ما إذا شرط الرجوع لها أو لا كما هو ظاهر المتون والشروح.
وأما ما في الخانية والظهيرية من أن القاضي إذا فرض لها النفقة فقال الزوج
استقرضي كل شهر كذا وأنفقي لا ترجع ما لم يقل وترجعي بذلك عليّ، فلعل المراد لا
ترجع بما استقرضت بل المفروض فقط، وإلا فهو غلط محض. أفاده في البحر. وأجاب
المقدسي بأن التوكيل في القرض لا يصح، وإذا شرط الرجوع يكون كالاصطلاح على هذا
المقدار فترجع به، وكذا أجاب الخير الرملي بأنه لما لم يصح الأمر بالاستقراض عليه
صارت مستقرضة على نفسها متبرّعة إن لم يشترط الرجوع عليه.
تنبيه أطلق النفقة فشمل نفقة العدة إذا لم تقبضها حتى انفقضت العدة: ففي الفتح
أن المختار عند الحلواني أنها لا تسقط، وسنذكر عن البحر أن الصحيح السقوط، وأنه
لا بد من إصلاح المتون هنا لإطلاقها عدم السقوط، وأن هذا كله في غير المستدانة،
وسيأتي تمام الكلام فيه. قوله: (ولو اختلفا في المدة) أي في قدر ما مضى منها من
وقت القضاء أو الرضا، وكذا لو اختلفا في قدر النفقة أو جنسها كما في البزازية. قوله:
(فالقول له) لأنها تدعي زيادة دين وهو ينكر، فالقول له مع يمينه. ذخيرة. قوله:
(وبموت أحدهما وطلاقها) وكذا بنشوزها كما قدمه الشارح بقوله: ((وتسقط به)) أي

٣١٣
كتاب الطلاق/ باب النفقة
واعتمد في البحر بحثا عدم سقوطها بالطلاق، لكن اعتمد المصنف ما في جواهر
الفتاوى، والفتوى عدم سقوطها بالرجعي كي لا يتخذ الناس ذلك حيلة،
واستحسنه محشي الأشباه، وبالأول أفتى شيخنا الرملي،
بالنشوز المفروضة لا المستدانة في الأصح كالموت اهـ. وموت أحدهما غير قيد، فكذا
موتهما بالأولى كما لا يخفى. قال الخير الرملي: وقيد السقوط بالطلاق شيخنا الشيخ
محمد بن سراح الدين الحانوتي بما إذا مضى شهر: يعين فأزيد، وهو قيد لا بد منه.
تأمل اهـ. قوله: (واعتمد في البحر بحثاً الخ) فإنه أولاً نقل السقوط بالطلاق عن النقاية
والجوهرة والخانية والظهيرية والمجتبى والذخيرة، وأن القاضي أبا على النسفي نص
على أن ذلك مرويّ، وأنه أفتى به الصدر الشهيد والإمام ظهير الدين المرغيناني،
وشبهه بالذمي إذا اجتمع عليه خراج رأسه وأسلم يسقط عنه ما اجتمع عليه. ثم قال:
فقد ظهر من هذا أن الراجح عندهم سقوطها بالطلاق كالموت. ثم قال بعده: قال العبد
الضعيف: ينبغي ضعف القول بسقوطها بالطلاق ولو بائناً لأمور، وذكر ثلاثة اثنان منها
ضعيفان، وقال الثالث وهو أقواها: ما في البدائع من الخلع لو قال خالعتك ونوى
الطلاق يقع الطلاق، ولا يسقط شيء من المهر والنفقة. قال: فهذا صريح في المسألة.
وفي البدائع أيضاً: ولا خلاف بينهم في الطلاق على مال أنه لا يبرأ به عن سائر
الحقوق التي وجبت لها بسبب النكاح اهـ.
فالذي يتعين المصير إليه على كل مفت وقاض اعتماد عدم السقوط، خصوصاً
ماتضمنه القول بالسقوط من الإضرار بالنساء اهـ ملخصاً. وردّ عليه العلامة المقدسي
والخير الرملي بإمكان حمل ما في البدائع من الحقوق التي لا تسقط على المهر ونفقة
ما دون الشهر والنفقة المستدانة بأمر، وبأن هذه الرواية قد أفتى بها من تقدم، وذكرت
في المتون كالوقاية والنقاية والإصلاح والغرر وغيرها. قال المقدسي: ولهذا توقفت
كثيراً في الفتوى بالسقوط، وظفرت بنقل صريح في تصحيح عدم السقوط في خزانة
المفتين. وفي الجواهر أنه لا ينبغي أن يفتي بسقوطها بالطلاق الرجعي، لئلا يتخذها
الناس وسيلة لقطع حق النساء اهـ. والذي يتعين المصير إليه أن يقال: يتأمل عند الفتوى
كما جرت به عادة المشايخ في هذا المقام اهـ ملخصاً. قوله: (لكن الخ) استدراك على
إطلاق الطلاق الشامل للبائن والرجعي بتخصيص السقوط بالبائن وعدمه بالرجعي.
قوله: (والفتوى الخ) هذه عبارة جواهر الفتاوى كما في المنح. فيكون بدلاً من
ما اهـح. وفي هذه العبارة مخالفة لما نقله المقدسي عنها. قوله: (وبالأول) أي
بالسقوط بالطلاق مطلقاً ح. قوله: (أفتى شيخنا) يعني الخير الرملي. قال في الخيرية
بعد عزوه إلى الخلاصة والبزازية وكثير من الكتب: وأفتى به الشيخ زين الدين بن نجيم

٣١٤
كتاب الطلاق/ باب النفقة
لكن صحح الشرنبلالي في شرحه للوهبانية ما بحثه في البحر من عدم السقوط
ولو بائناً، قال: وهو الأصح، وردّ ما ذكره ابن الشحنة، فليتأمل عند الفتوى
(يسقط المفروض) لأنها صلة (إلا إذا استدانت بأمر القاضي) فلا تسقط بموت أو
طلاق في الصحيح لما مر أنها كاستدانته بنفسه. وعبارة ابن الكمال: إلا إذا
استدانت بعد فرض قاض آخر ولو بلا أمره، فلیحرر.
(ولا تردّ) النفقة والكسوة (المعجلة) بموت أو طلاق
ووالد شيخنا الشيخ أمين الدين، وهي في فتاويهما. قوله: (لكن صحح الشرنبلالي الخ)
وعبارته: المرأة إذا طلقت وقد تجمد لها نفقة مفروضة، قيل تسقط وهو غير المختار،
وأشار إليه المصنف: أي ابن وهبان بصيغة قيل. والأصح عدم السقوط، ولو كان
الطلاق بائناً لئلا يتخذ حيلة لسقوط حقوق النساء، وما ذكره الشارح: أي ابن الشحنة غير
التحقيق في المسألة اهـ. ويوافقه ما في القهستاني عن خزانة المفتين أن المفروضة لا
تسقط بالطلاق على الأصح اهـ ط. قوله: (فيتأمل عند الفتوى) بأن ينظر في حال
الرجل: هل فعل ذلك تخلصاً من النفقة، أو لسوء أخلاقها مثلاً؟ فإن كان الأول يلزم
بها، وإن كان الثاني لا يلزم، وهذا ما قاله المقدسي وينبغي التعويل عليه ط. قوله:
(لأنها صلة) أي والصلات تبطل بالموت قبل القبض. هداية. وهذا التعليل لا يظهر في
الطلاق، وتعليله ما قدمناه من أنها كخراج رأس الذمي. قوله: (في الصحيح) كذا في
الزيلعي عن النهاية والبحر والنهر وغيرها، ومقابله قول الخصاف بسقوطها ولو مع الأمر
بالاستدانة، وهو ظاهر الهداية. قال في الفتح: والصحيح ما ذكره الحاكم الشهيد أنها مع
الأمر بالاستدانة لا تسقط بالموت، لأن الاستدانة بأمر من له ولاية تامة عليه كالاستدانة
بنفسه فلا تسقط بالموت، وعلى هذا الخلاف سقوطها بعد الأمر بالاستدانة بالطلاق،
والصحيح: لا تسقط اهـ. قوله: (لما مر الخ) لم يمر هذا في كلامه ط. قوله: (فليحرر)
أنت خبير بأنه مخالف للمتون والشروح فلا يعوّل عليه اهـح. وقد علمت قول الخصاف
بسقوط المفروضة مع الأمر بالاستدانة فكيف بدونه؟ والظاهر أن ما ذكره ابن كمال سبق
قلم. قوله: (بموت أو طلاق) هذا عندهما. وقال محمد: يرفع عنها حصة ما مضى،
ويجب ردّ الباقي إن كان قائماً، وقيمته إن كان مستهلكاً. ذخيرة.
قال في الفتح: والموت والطلاق قبل الدخول سواء. وفي نفقة المطلقة إذا مات
الزوج اختلفوا فيه، قيل ترد وقيل لا تستردّ بالاتفاق، لأن العدة قائمة في موته، كذا في
الأقضية اهـ.
قال الخير الرملي: واستفيد منه ومما في الذخيرة جواب حادثة الفتوى: طلقها
بائناً وعجل لها نفقة تسعة أشهر فأسقطت سقطاً بعد عشرة أيام فانقضت بذلك عدتها،

٣١٥
كتاب الطلاق/ باب النفقة
عجلها الزوج أو أبوه ولو قائمة، به يفتى (يباع القن) ويسعى مدبر ومكاتب لم
يعجز (المأذون في النكاح) وبدونه يطالب بعد عتقه (في نفقة زوجته) المفروضة
(إذا اجتمع عليه ما يعجز عن أدائه
هل يرجع عليها بما زاد على حصة العشرة أم لا؟ الجواب لا يرجع عندهما لا عند
محمد، وهو القياس. قوله: (عجلها الزوج أو أبوه) لما في الولوالجية وغيرها؛ أبو
الزوج إذا دفع نفقة امرأة ابنه مائة ثم طلقها الزوج ليس للأب أن يسترد ما دفع، لأنه لو
أعطاها الزوج والمسألة بحالها لم يكن له ذلك عند أبي يوسف، وعليه الفتوى؛ فكذا
إذا أعطاها أبوه اهـ. ووجهه أنها صلة لزوجته، ولا رجوع فيما يهبه لزوجته، والعبرة
لوقت الهبة لا لوقت الرجوع، فالزوجية من الموانع من الرجوع كالموت ودفع الأب
كدفع الابن، فلا إشكال. بحر.
قلت: وظاهره أن دفع الأجنبي ليس كذلك، ولعل وجهه أن الأب يدفع بطريق
النيابة عن ابنه عادة فكان هبة من الابن فلا رجوع، بخلاف دفع الأجنبي، فتأمل.
مَطْلَبٌ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ لِنَفَقَّةِ زَوْجَتِهِ
قوله: (یباع القنّ) أي يبيعه سیده، لأنه دین تعلق رقبته بإذن المولى فیؤمر ببيعه،
فإن امتنع باعه القاضي بحضرته كما قدمناه في النهر في نكاح الرقيق. والقنّ عند
الفقهاء: من لا حرية فيه بوجه. وفي اللغة: من ملك هو وأبوه. بحر. قوله: (ويسعى
مدبر ومكاتب) لعدم صحة بيعهما، ومثلهما ولد أم الولد، وقوله في البحر والنهر: وأم
الولد فيه سقط؛ ومعتق البعض عند الإمام بمنزلة المكاتب. هندية عن المحيط. ولو
اختارت استسعاء القن دون بيعه ينبغي أن لها ذلك، كما قالوا في المأذون المديون إذا
اختار الغرماء استسعاءه. بحر. وأقره أخوه والمقدسي. قوله: (لم يعجز) أما لو عجز
نفسه عاد إلى الرقّ فيجري عليه حكم القن. قوله: (وبدونه الخ) يعين إذا تزوج القن أو
المدبر ونحوه بلا إذن السيد يطالب بالنفقة بعد العتق: أي بالنفقة المستقبلة لا التي في
حال رقه لعدم كونها زوجة وقته. قال في الفتاوى الهندية: فإن تزوّج هؤلاء بغير إذن
المولى فلا نفقة عليهم ولا مهر، كذا في الكافي، وإن أعتق واحد منهم جاز نكاحه
حين عتق وعليه المهر والنفقة في المستقبل اهـح. قوله: (المفروضة) كذا قيد به في
النهر وعزاه إلى الفتح وغيره: أي لأنها بدون الفرض تسقط بالمضي كنفقة زوجة الحر.
والذي في الفتح: فرضها بقضاء القاضي، وهل بالتراضي كذلك؟ لم أره، وذكرت في
باب نكاح الرقيق بحثاً أنه ينبغي أن لا يصح فرضها بتراضيهما لحجر العبد عن التصرّف
ولاتهامه بقصد الزيادة لإضرار المولى. تأمل. قوله: (إذا اجتمع عليه الخ) أفاد أنه لا
يباع بالقدر اليسير كنفقة كلّ يوم وأنه لا يلزمها أن تصبر إلى أن يجتمع لها من النفقة قدر

٣١٦
كتاب الطلاق/ باب النفقة
ولم يفده) ذخيرة. ولو بنت المولى، لا أمته ولا نفقة ولده ولو زوجته حرة، بل
نفقته على أمه ولو مكاتبة لتبعيته للأم ولو ماتبين سعى لأمه ونفقته على أبيه.
جوهرة (مرة بعد أخرى) أي لو اجتمع عليه نفقة أخرى بعد ما اشتراه من علم به
قيمته، لما في الأول من الإضرار بالمولى، وما في الثاني من الإضرار بها. أفاده في
البحر.
قلت: والظاهر أن الخیار للمولی، إن شاء باعه جمیعه أو باع منه بقدر ما لها
عليه، ثم إذا تجمد لها عليه نفقة أخرى يباع من حصة كل من السيد والمشتري بقدر ما
يخصه، لأنه عبد مشترك لزمه دين فيغرم كل منهما بقدر ما يملكه، وهكذا لو بيع منه
الثالث ورابع. تأمل. قوله: (ولم يفده) فلو اختار المولى فداءه لا يباع، لأن حقها في
النفقة لا في رقبة العبد. قوله: (ولو بنت المولى) تعميم للزوجة، فإن لها النفقة على
عبد أبيها، لأن البنت تستحق الدين على الأب فكذا على عبده. بحر عن الذخيرة.
قوله: (لا أمته) أي أمة مولاه: أي لا يجب على العبد نفقة زوجته التي هي أمة مولاه،
سواء بوأها أو لا، لأنهما جميعاً ملك المولى ونفقة المملوك على المالك. بحر. وينظر
ما لو كان مكاتباً للمولى ولعلها عليه. شرنبلالية. قوله: (ولا نفقة ولده الخ) لأنه إذا
كانت زوجته حرة فأولادها أحرار تبعاً لها، ونفقتهم عليها لو قادرة، وإلا فعلى الأقرب
فالأقرب ممن يرثهم؛ وإذا كانت مكاتبة فأولادها تبع لها في الكتابة فنفقتهم عليها.
وإذا كانت الزوجة قنة أو مدبرة أو أم ولد فأولادها تبع لها في الرقّ والتدبير
والاستيلاد، ونفقتهم على مولاهم لأنهم ملكه، وهذا معنى قوله: ((التبعية الأم)) أي لا
تلزم العبد نفقة ولده سواء كانت زوجته حرة أو غيرها لتبعية الولد لأمه في الحرية لو
حرة، والكاتبة لو مكاتبة، والرق لو قنة، والتدبير أو الاستيلاد لو مدبرة أو أم ولد،
فافهم. قوله: (ولو ماتبين الخ) في البحر عن كافي الحاكم وشرحه للنسفي وشرح
الطحاوي والشامل، وكذا في الفتح: المكاتب لا تجب عليه نفقة ولده سواء كانت امرأته
حرة أو أمة لهذا المعنى.
وإذا كانت امرأة المكاتب مكاتبة وهما لمولى واحد فنفقة الولد على الأم، لأن
الولد تابع للأم في كتابتها ولهذا كان كسب الولد لها وأرش الجناية عليه لها وميراثه
لها، فكذلك النفقة تكون عليها اهـ. وبه ظهر أن الضمير في قوله: ((سعى)) وكذا ما بعده
عائد على الولد، لأنه معنى كون كسبه لأمه ولا ضرورة لإرجاعه للزوج، لأن الكلام
في نفقة ولد المكاتب، أما نفقة زوجته فعلم حكمها من قوله: ((ومكاتب لم يعجز))
فافهم. نعم قوله: ((ونفقته على أبيه)) الظاهر أنه سبق قلم من صاحب الجوهرة، لما

٣١٧
كتاب الطلاق/ باب النفقة
أو لم يعلم ثم علم فرضي بيع ثانياً وكذا المشتري الثالث وهلم جرا لأنه دين
حادث. قاله الكمال وابن الكمال، فما في الدرر تبعاً للصدر سهو. (وتسقط
بموته وقتله) في الأصح (ويباع في دين غيرها) مرة لعدم التجدد، وسيجيء في
المأذون أن الغرماء استسعاءه، ومفاده أن لها استسعاءه ولو لنفقة كل يوم. بحر.
قال: وهل يباع في كفنها؟
علمت من صريح هذه الكتب المعتمدة من أن نفقته على أمه ونحوه في ح عن
الذخيرة. قوله: (ثم علم فرضي) أما إذا لم يعلم المشتري بحاله أو علم بعد الشراء
ولم يرض فله رده، لأنه عيب اطلع عليه. فتح. قوله: (لأنه دين حادث) أي عند
المشتري لأن النفقة تتجدد شيئاً فشيئاً على حسب تجدد الزمان على وجه يظهر في حق
السيد، فهو في الحقيقة دين حادث عند المشتري. فتح. قوله: (فما في الدرر الخ)
تفريع على قوله: ((بعد ما اشتراه)) وقوله: ((لأنه دين حادث)) فإن معناه أنه إنما يباع ثانياً
بما يجتمع عليه من النفقة عند المشتري لا بما بقي عليه من عند الأول، كما إذا بيع فلم
يف ثمنه بما عليه لا يباع ثانياً بما بقي بل بما يحدث عند الثاني، ولهذا ردّ تبعاً لغيره
على ما في الدرر تبعاً لصدر الشريعة، حيث قالا: صورته عبد تزوج امرأة بإذن
المولى، ففرض القاضي النفقة عليه فاجتمع عليه ألف درهم فبيع بخمسمائة وهي قيمته
والمشتري عالم أن عليه دين النفقة يباع مرة أخرى، بخلاف ما إذا كان عليه ألف بسبب
آخر فبيع بخمسمائة لا يباع مرة أخرى اهـ.
وأجاب ح بأن قوله يباع مرة أخرى يحتمل أن يكون المراد به يباع فيما تجدد لا في
الخمسمائة الباقية، فالأحسن قول الشرنبلالية: فيه تساهل، لأنه وهم أنه يباع فيما بقي
عليه من الألف وليس كذلك، بل فيما يتجدد عليه من النفقة عند المشتري كما هو
منقول في المذهب اهـ. لكن قوله: ((بخلاف الخ)) يمنع من هذا التأويل كما لا يخفى.
قوله: (في الأصح) وقيل لا تسقط بالقتل، لأنه أخلف القيمة فتنتقل إليه كسائر الديون،
وليس بشيء لأن الدين إنما ينتقل إلى القيمة إذا كان ديناً لا يسقط بالموت وهذا يسقط
بالموت. زيلعي. قوله: (ويباع في دين غيرها) بتنوين دين وجر غيرها على أنه صفة
له: أي غير النفقة كالمهر، وما لزمه بتجارة بإذن أو بضمان متلف. قال ح: وفيه أنه لا
يظهر فرق بين النفقة وغيرها، فإن الدين الحادث في ملك مولى إذا بيع فيه لا يباع في
بقيته عند مولى آخر نفقة كان أو غيرها. إلا أن يقال: إن سبب النفقة لما كان أمراً
واحداً مستمراً يقال إنه بيع فيه مراراً عند موال متعددة، بخلاف غيره. قوله: (ومفاده أن
لها استسعاءه) لكونها من جملة الغرماء، ولذ تخاصصهم ط. قوله: (قال) أي صاحب
البحر، وأقرّه أخوه والمقدسي. وذكر الرملي أنه سئل عن ذلك فأجاب كذلك قبل

٣١٨
كتاب الطلاق/ باب النفقة
ينبغي على قول الثاني المفتى به، نعم كما يباع في كسوتها.
(ونفقة الأمة المنكوحة) ولو مدبرة أو أم ولد، أما المكاتبة فكالحرّة (إنما
تجب) على الزوج ولو عبداً (بالتبوئة) بأن يدفعها إليه ولا يستخدمها (فلو
استخدمها المولى)
وقوفه على ما في البحراهـ. قلت: ورأيته مصرحاً في الذخيرة عن أبي يوسف. قوله:
(على قول الثاني) أي من أن مؤنة تجهيزها على الزوج وإن تركت مالاً، لأن الكفن
كالكسوة حال الحياة. قوله: (المنكوحة) أي التي زوجها سيدها لرجل، أما غير
المنكوحة فنفقتها على سيدها مطلقاً. قوله: (أما المكاتبة فكالحرة) لملكها منافعها،
فلم يبق للمولى عليها ولاية الاستخدام، فلها النفقة بمجرد التمكين من نفسها وإن لم
تنتقل، وتسقط بالنشوز كالحرة ط. قوله: (ولو عبداً) أي لغير سيد الأمة: إذا لو كان
عبده فنفقتها على السيد بوأها أولًا. ط عن الزيلعي. قوله: (بأن يدفعها إليه الخ) أي
بأن يخلي المولى بين الأمة وزوجها في منزل الزوج ولا يستخدمها، كذا في كافي
الحاكم الشهيد. بحر. لأن الاحتباس لا يتحقق إلا بالتبوئة؛ لأن المعتبر في استحقاق
النفقة تفريغها لمصالح الزوج وذلك يحصل بالتبوئة، وإن استخدمها بعد التبوئة سقطت
نفقتها لزوال الموجب. زيلعي: أي لزوال الاحتباس الموجب للنفقة، ومقتضاه أنه
استخدمها في غير بيت الزوج، ويدل عليه قوله في الهداية: ((إذا بوأها معه)) أي مع
الزوج منزلًا ((فعليه النفقة)) لأنه تحقق الاحتباس، ولو استخدمها بعد التبوئة سقطت النفقة
لأنه فات الاحتباس، وفسر التبوئة بما مر، فعلم أن النفقة لا تجب إلّ بالتبوئة، لأن بها
يحصل الاحتباس الموجب، فلو استخدمها وهي في بيت الزوج بخياطة أو غزل مثلاً لم
تسقط النفقة لبقاء الاحتباس في بيت الزوج.
ولا ينافيه قولهم: لو استخدمها سقطت النفقة، فإن المراد استخدامها في غير بيت
الزوج كما دل عليه كلام الزيلعي والهداية، خلافاً لما فهمه في البحر بناء على ما فهمه
من أن قولهم ولا يستخدمها في تعريف التبوئة شرط آخر لها، وليس كذلك، بل هو
عطف تفسير، فمعناه التخلية بينها وبين الزوج، ويدل عليه قوله في الذخيرة: ثم إذا
استخدمها المولى بعد ذلك ولم يخل بينها وبين الزوج فلا نفقة لها لفوات موجب النفقة
وهو التبوثة من جهة من له الحق، فشابهت الحرة الناشزة، فهذا كالصريح في أن
الاستخدام بدون فوات التخلية لا يضر، إذا لا تشبه الناشزة إلا بالخروج من بيت الزوج،
فافهم. قوله: (فلو استخدمها المولى) أي في غير بيت الزوج كما علمت، فافهم؛ وقيد
بالاستخدام، لأنها لو كانت تأتي إلى المولى في بعض الأوقات وتخدمه من غير أن
يستخدمها لم تسقط نفقتها، لأن النفقة حق المولى فلا تسقط بصنع غيره. ذخيرة.

٣١٩
كتاب الطلاق/ باب النفقة
أو أهله (بعدها أو بوأها بعد الطلاق لأجل انقضاء العدة لا قبله) أي ولم يكن
بوّأها قبل الطلاق (سقطت) بخلاف حرّة نشزت فطلقت فعادت.
وفي البحر بحثاً: فرضها قبل التبوئة باطل، ونفقات الزوجات المختلفة
بحالهما (وكذا تجب لها السكنى في بيت
فرع لو سلمها للزوج ليلاً واستخدمها نهاراً فعلى الزوج نفقة الليل، كما أفتى به
والد صاحب التتمة كما في التاترخانية. قوله: (أو أهله) أي لو جاءت إلى بيته وليس
هو فيه فاستخدمها أهل البيت ومنعوها من الرجوع إلى بيت الزوج فلا نفقة لها، لأن
استخدام أهل المولى إياها بمنزلة استخدامه. ذخيرة. قوله: (بعدها) أي بعد التبوئة.
قوله: (لأجل انقضاء العدة) الأولى لأجل الاعتداد، لأن انقضاءها لا يتوقف على
التبوئة، وقد مر في فصل الحداد أنه يجوز للأمة المطلقة الخروج إلا إذا كانت مبوأة.
قوله: (أي ولم يكن بوأها قبل الطلاق) كذا في البحر عن الولوالجية؛ والمراد نفي
التبوئة المستمرة إلى وقت الطلاق لا مطلقاً، لأنه لو بوأها ثم أخرجها قبل الطلاق لم
يكن له إعادتها لتطالب بالنفقة كما نص عليه في كافي الحاكم. قوله: (سقطت) هذا
ظاهر في مسألة الاستخدام بعد التبوئة؛ أما لو لم يبوئها إلا بعد الطلاق لم تجب أصلاً،
لأنها لم تستحق النفقة بهذا الطلاق فلا تستحق بعده. ثم اعلم أن للمولى أن يرجع
ويبوئها ثانياً وثالثاً وهكذا فتجب النفقة، وكلما استردها سقطت كما في الفتح. قوله:
(بخلاف حرة نشزت الخ) أي أن الحرة إذا نشزت فطلقها زوجها فلها النفقة والسكنى إذا
عادت إلى بيت الزوج والفرق كما في الولوالجية أن نكاح الأمة لم يكن سبباً لوجوب
النفقة، لأنها تجب بالاحتباس وهو التبوئة. والتبوئة لا تجب فيه، ونكاح الحرة حال
الطلاق سبب لوجوب النفقة إلا أنها فوتت بالنشوز فإذا عادت وجبت اهـ. قوله: (وفي
البحر الخ) حيث قال عقب الفرق المذكور: وظاهره أن تقدير النفقة من القاضي قبل
التبوئة لا يصح؛ لأنه قبل السبب، ولم أره صريحاً اهـ. قوله: (ونفقات الزوجات الخ)
في الذخيرة والولوالجية: وإذا كان للرجل نسوة بعضهن أحرار مسلمات وبعضهن إماء
ذميات فهن في النفقة سواء، لأنها مشروعة للكفاية، وذلك لا يختلف باختلاف الدین
والرق والحرية، إلا أن الأمة لا تستحق نفقة الخادم اهـ. قال في البحر: وينبغي أن
يكون هذا مفرعاً على ظاهر الرواية من اعتبار حاله، وأما على المفتى به فلسن في
النفقة سواء لاختلاف حالهن يساراً وعسراً، فليست نفقة الموسرة كنفقة المعسرة، وأن
نفقة الحرة كالأمة كما لا يخفى، ولم أر من نبه عليه اهـ. قال المقدسي: ولا معنى لهذا
بعد قولهم: لأن النفقة مشروعة للكفاية الخ اه: أي لأنه صريح في ذلك.
مَطْلَبٌ فِي مَسْكَنِ الزَّوْجَةِ
قوله: (وكذا تجب لها) أي للزوجة السكنى: أي الإسكان، وتقدم أن اسم النفقة

٣٢٠
كتاب الطلاق/ باب النفقة
خال عن أهله) سوى طفله الذي لا يفهم الجماع وأمته وأم ولده (وأهلها) ولو
ولدها من غيره بقدر حالهما كطعام وکسوة وبيت منفرد من دار له غلق. زاد في
الاختيار والعيني: ومرافق، ومراده لزوم كنيف ومطبخ، وينبغي الإفتاء به. بحر
يعمها؛ لكنه أفردها لأن لها حكماً يخصها. نهر. قوله: (خال عن أهله الخ) لأنها تتضرّر
بمشاركة غيرها فيه؛ لأنها لا تأمن على متاعها ويمنعها ذلك من المباشرة مع زوجها
ومن الاستمتاع، إلا أن تختار ذلك؛ لأنها رضيت بانتقاص حقها. هداية. قوله: (وأمته
وأم ولده) قال في الفتح: وأما أمته، فقيل أيضاً لا يسكنها معها إلا برضاها، والمختار
أن له ذلك، لأنه يحتاج إلى استخدامها في كل وقت، غير أنه لا يطؤها بحضرتها، كما
أنه لا يحل له وطء زوجته بحضرتها ولا بحضرة الضرّة اهـ. وذكر أم الولد في البحر
معزياً إلى آخر الكنز. قلت: وذكر في الذخيرة أن هذا مشكل، أما على المعنى
الأول(١) فظاهر، وأما على الثاني فلأنه تكره المجامعة بين يدي أمته اهـ.
قلت: وقد يكون إضرار أم ولده لها أكثر من إضرار ضرتها. وفي الدر المنتقى
عن المحيط أن أم الولد كأهله. قوله: (وأهلها) أي له منعهم من السكنى معها في بيته
سواء كان ملكاً له أو إجارة أو عارية. قوله: (من غيره) حال من ولدها لا صفة له، وإلا
لزم حذف الموصول مع بعض الصلة. قهستاني. إذ التقدير الكائن من غيره اهـ ح.
وأطلق ولدها فشمل الذي لا يفهم الجماع لأنه لا يلزمه إسكان ولدها في بيته.
وفي حاشية الخير الرملي على البحر: له منعها من إرضاعه وتربيته؛ لما في
التاترخانية أن الزوج منها عما يوجب خللاً في حقه. وما فيها عن السغناقي، ولأنها في
الإرضاع والسهر ينقص جمالها وجمالها حقه فله منعها. تأمل اهـ.
قلت: وعليه فله منعها من إرضاعه ولو كان البيت لها. قوله: (بقدر حالهما) أي
في اليسار والإعسار، فليس مسكن الأغنياء كمسكن الفقراء كما في البحر؛ لكن إذا كان
إحدهما غنياً والآخر فقيراً؛ فقد مر أنه يجب لها في الطعام والكسوة والوسط، ويخاطب
بقدر وسعه والباقي دين عليه إلى الميسرة، فانظر هل يتأتى ذلك هنا. قوله: (وبيت
منفرد) أي ما يبات فيه؛ وهو محل منفرد معين. قهستاني. والظاهر أن المراد بالمنفرد
ما كان مختصاً بها ليس فيه ما يشاركها به أحد من أهل الدار. قوله: (له غلق)
بالتحريك: ما يغلق ويفتح بالمفتاح. قهستاني. قوله: (زاد في الاختيار والعيني) ومثله
في الزيلعي، وأقره في الفتح بعد ما نقل عن القاضي الإمام أنه إذا كان له غلق يخصه
وكان الخلاء مشتركاً ليس لها أن تطالبه بمسكن آخر. قوله: (ومفاده لزوم كنيف
(١) في ط (قوله على المعنى الأول) أي ما مر قبله من التضرر بمشاركة غيرها، وقوله ((وأما على الثاني)) أي
منعها من المعاشرة مع زوجها.