Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ کتاب النكاح / باب الولي = عليها: ((وأين للمستدلين أن الزوجين بقيا على نكاحهما الأول ولم يجددا عقداً، وهل جاء ذلك قط بإسناد صحيح متصل إلى النبي # أنه عرف ذلك فأقره. ويقال: إن الهرب كان إلى حدود مكة وسوادها، فلم يحصل تباين في الدار، فلا تصلح للاستدلال. واستدلوا رابعاً : . بأن عقد النكاح عقد معاوضة بدليل عدم صحة تعليقه على شرط مستقبل شأن سائر عقود المعاوضات فلا ينفسخ باختلاف الدار كسائر عقود المعاوضات من البيع والإجارة وغيرها. ونوقش : . بأن قياس النكاح على غيره من عقود المعاوضات المحضة قياس مع الفارق، فإن الثمن في البيع مثلاً هو المقصود الأصلي منه وهو مال غير متأثر بتباين الدار، فأكثر البياعات تكون بين مختلفي الدار أما النكاح فلما كان المقصود الأصلي منه هو التناسل والتوالد دون المال، وهو لا يتم إلا عند اتحاد الدار تفارق غيره من المعاوضات الأخرى. واستدل الحنفية : . أولًا : . بقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾. دل قوله: ﴿فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ على أن الفرقة تقع بين الزوجة المهاجرة إلينا مسلمة وبين زوجها الذي تركته بدار الحرب كافراً؛ لأن الأمر بعدم إرجاعها إليه دليل على قطع النكاح بينهما ووقوع الفرقة پهجرتها. كما دل قوله: ﴿لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ على عدم الحل بين الزوجين متى اختلفت الدار بينهما واختلف دينهما، وذلك مفيد لقطع النكاح بينهما الذي كان سبباً في الحل. وأيضاً دل قوله: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾ على الأمر برد الزوجة المهاجرة مهرها لزوجها الكافر الذي اختار الإقامة بدار الحرب، والذي يعقل من ذلك هو انقطاع الزوجية بينهما وخروج المرأة عن أن تكون في عصمة هذا الزوج لئلا يجتمع العوضان في جهة واحدة. ودل قوله: ﴿ولا جناع عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن﴾ على حل المهاجرات بينهن للمؤمنين الذين بدار الإسلام من غير اشتراط شيء سوى إتيانهن المهور، وذلك دليل أيضاً على عدم بقاء النكاح الأول إذ لو كان باقياً لشرط سبحانه مضي عدة مثلاً أو استبراء. ودل قوله: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ على نهي المؤمنين أن يجعلوا الكافرة في عصمتهم، وذا يتحقق فيما لو أسلم الزوج وهاجر إلى دار الإسلام تاركاً زوجته بدار الحرب، فأفاد انقطاع العصمة بينهما؛ لأن العصمة معناها المنع قال تعالى: ((لا عاصم اليوم)) أي لا مانع؛ وعليه فالزوجة أو الزوج متى أسلم، وتباينت الدار بينهما وقعت الفرقة في الحال. ونوقش : . بأن الفرقة ما وقعت بسبب تباين الدار بل بسبب إسلامها، وكذا سائر الأحكام المذكورة. وأجيب : - يمنع ذلك إذ لو كان الإسلام هو السبب للفرقة لكان الحكم هو الانتظار إلى ما بعد تمام العدة، فلا تباح للأزواج إلا بعدها، وليس كذلك، فإنه أباح الشارع للمرأة الزواج في الحال إلا إذا كانت حاملاً، فلما كان الحكم كذلك علم أن السبب شيء آخر وراء الإسلام هو تباين الدار. واستدلوا ثانياً : . بما رواهعمرو بن شعيب عن أبيهعن جده عن النبي #ردابنته زینب علی أبي العاص بمهر جدیدونکاح جدید» . = ١٨٢ كتاب النكاح / باب الولى = دل الحديث على أن تباين الدار بين الزوجين موجب للفرقة وانقطاع النكاح. فإن زينب كانت بدار الإسلام وزوجها كان بدار الحرب، وكانت أسلمت قبله، وجدد الرسول بينهما النكاح بعد إسلامه، ولم يردّها عليه بالنكاح الأول فكان هذا دليلاً على وقوع الفرقة في الحال عند تباين الدار بعد إسلام أحد الزوجين. ونوقش: بأن حديث عمرو بن شعيب أخرجه ابن ماجه، وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وهو متكلم فيه بأنه لم يسمعه من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد بن عبد الله العرزمي، والعرزمي لا يساوي حديثه شيئاً قاله ابن كثير في الإرشاد، وقال البيهقي كان الشافعي يتوقف في رواية ابنه عن جده إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها؛ لأنه قال في روايته عن أبيه عن جده: إنها صحيفة كتبها عبد الله بن عمرو. كما أنهم قد اختلفوا في الاحتجاج بما يروى بهذا الإسناد. بسبب غير هذا، وذلك. أن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فجده الأدنى تابعي، والأعلى صحابي هو عبد الله، فإن أريد بجده ((الأدنى)) فهو مرسل لا حجة فيه وإن أريد بجده ((الأعلى)) فهو متصل يحتج به، فإذا أطلق ولم يبين احتمل الأمرين، وقد ذهب جماعة من المحدثين إلى أنه لا يحتج به كما أنه معارض بحديث ابن عباس الذي سبق بيانه. وأجيب : . بأن الطعن في السند غير صحيح؛ لأنه جرح مبهم، وقد وثق هذا السند أهل النقل حتى خرج له مسلم، وذهب أكثر المحدثين إلى صحة الاحتجاج به قال النووي: وهو الصحيح المختار. روى الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري بإسناده عن البخاري أنه سئل: أيحتج به؟ قال: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والحميدي يحتجون به، وما تركه أحد من المسلمين بعدهم، وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كأيوب عن نافع عن ابن عمر هذا الشبه في نهاية الجلال من مثل إسحاق، واختار أبو إسحاق الرازي في مهذبه ذلك، لأنه ظاهر الجد الأشهر المعروف بالرواية وهو عبد الله، وعمرو بن شعيب ومحمد ثقات، وقد ثبت سماع شعيب من محمد ومن عبد الله، وأبطل المحدثون قول أبي حاتم بن حبان لم يلق عبد الله؛ وقال البيهقي: وقد ذكرنا ما يدل على صحة سماع عمرو بن شعيب من أبيه وسماع أبيه من جده عبد الله بن عمرو. أما رواية ابن عباس فمتروكة الظاهر كما قدمنا لاضطراب النقل فيها؛ ولأن من تمسك بها لا يرى بقاء النكاح بعد انقضاء عدة المرأة قبل إسلام المتأخر منهما، على أن العمل على حديث عمرو بن شعيب وإن كان حديث ابن عباس أجود إسناداً، كذا روى الترمذي قال: سمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يقول ذلك. واستدلوا ثالثاً : . بأن تباين الدار بين الزوجين يجعل المرأة بحال تتمكن معها من استرقاق زوجها؛ لأن من غلب من المسلمين على شيء في دار الحرب ملكه. حتى لو غلب على سيده صار في ملكه. وصار سيداً له، وصيرورة المرأة غالبة لزوجها مبطل للنكاح، لأنه كملكها لرقبته، والأخير مبطل في الحال فكذا الأول. ونوقش : . بأن الغلبة في دار الحرب إنما تكون على الأعيان لتصور الاستيلاء عليها، أما الابضاع فغير ممكن الغلبة عليها، ولهذا لو أن مسلماً تغلب على مشركة لم تصر له زوجة، ولا يكون زوجاً لها، ولو حصل ملك لها وتغلب على رقبتها. وأجيب : - بأن المانع من التغلب على الأطباع هو أمر خارجي، وإلا فمالك الرقبة مالك لمنافعها والبضع من ضمنها، وكون المشركة لا تحل للمسلم إذا ملكها ناشئ من وجود مانع فيها هو شركها لا لذاتها. واستدلوا رابعاً : . = ١٨٣ كتاب النكاح / باب الولي تَقْبِيلُ سَبْيٍ وَإِسْلَامُ المُحَارِبِ أَوْ كفء فكأنها ماتت ط. قوله: (تقبيل) بالرفع من غير تنوين للضرورة: أي فعله ما يوجب حرمة المصاهرة بفروعها الإناث وأصولها، أو فعلها ذلك بفروعه الذكور وأصوله ط. قوله: (سبي) فيه نظر لما في باب نكاح الكافر: والمرأة تبين بتباين الدارين لا بالسبي، ولئن كان المراد السبي مع التباين فالتباين مغن عنه ح. قوله: (وإسلام المحارب) أي لو أسلم أحد المجوسيين في دار الحرب بانت منه بمضيّ ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر قبل إسلام الآخر إقامة لشرط الفرقة، وهو مضيّ الحيض أو الأشهر مقام السبب، وهو الإباء لتعذر العرض بانعدام الولاية، فيصير مضي ذلك بمنزلة تفريق القاضي، وهذه الفرقة طلاق عندهما فسخ عند أبي يوسف(١). قال في البحر في = بأن تباين الدار بين الزوجين مفوت لمقاصد النكاح، وكل ما من شأنه ذلك موجب لوقوع الفرقة في الحال . إذ يكون الزوجان بحال يتعذر معها انتظام التعاون المنشود، فكان كاعتراض المحرمية بسبب الرضاع، وتقبيل ابن الزوج بشهوة، والأخيران تقع بهما الفرقة في الحال، فكذا تباين الدار إذ يجمع الكل وصف واحد، وهو المنافاة للنكاح الطارئة عليه. ونوقش: بأن تأثير اختلاف الدار إنما يتحقق في انقطاع الولاية وعدم السيادة، وهما لا يوجبان انقطاع النكاح، وليس لهما تأثير في الفرقة، ولا نجيزها بين الزوجين، ولهذا لو أسلمت المرأة في دار الحرب وبقي زوجها المستأمن بدار الإسلام لا تقع الفرق بينهما بمثل هذا التباين، وكذا لو دخل زوج المسلمة دار الحرب بأمان لا يكون هذا سبباً في انقطاع النكاح الذي بينهما، وأيضاً لو كان لانقطاع الولاية تأثيراً على النكاح لوقعت الفرقة بين الزوجين أحدهما باغ والآخر عادل، وليس كذلك. وأجيب : . بأن الفرقة لم تكن مترتبة على انقطاع الولاية، وإنما ثبتت لفوات مقاصد النكاح، وإذا كان النكاح مشروعاً لمقاصده يفوت بقواتها الذي سببه تباين الدار بين الزوجين حيث لا يتمكن كل منهما من الانتفاع بالآخر عادة، فإن وجود أحدهما بدار الحرب جعله في حكم الميت بالنسبة لمن في دار الإسلام. دل على ذلك قسمة ماله بين ورثته، وبالموت الحقيقي تنقطع العصمة في الحال، فكذا من في حكمه. والتنظير بمن خرج بأمان إلى دار الإسلام، وأسلمت زوجته بدار الحرب ليس بصحيح؛ لأن المستأمن من أهل الدار التي خرج إليها حكماً لا حقيقة إذ هو متمكن من الرجوع إليها متى شاء، ومثله إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان؛ لأنه من أهل دار الإسلام حكماً. أما متعة أهل البغي فالخروج إليها خروج إلى دار الإسلام لأنها منها، وأهلها مسلمون مختلطون بأهل العدل، فلا تباين في الدار، فلا يصح التنظير. الحاوي الكبير جـ ١٠ للماوردي ومغني ابن قدامة جـ ٧ ص ٥٣٩ الباجي على الموطأ حـ ٣ ص ٣٩٤ المبسوط السرخسي حـ ٥ ص ٥١ نيل الأوطار ٦/ ١٦٢ .. (١) الفرقة الحاصلة عند إسلام أحد الزوجين دون الآخر. قد اختلف الفقهاء فيها، فذهب جمهور الفقهاء منهم مالك في المشهور من مذهبه والشافعي، وابن حنبل، والقاضي أبو يوسف من الحنفية إلى القول بأنها فرقة فسخ لا طلاق. وذهب الإمام أبو حنيفة ومحمد من أصحابه وابن القاسم من المالكية إلى القول بأنه لو أسلم الزوج، وجاءت الفرقة من قبل الزوجة بسبب إبائها عن الإسلام تكون فرقة فسخ. وفيما إذا أسلمت الزوجة، وأبى الزوج تكون فرقة طلاق. = ١٨٤ كتاب النكاح / باب الولى إِرْضَاعُ ضَرَّتِهِا قَدْ عُدَّ ذَا فِيهَا باب نكاح الكافر: ينبغي أن يقال إنها طلاق في إسلامها، لأنه هو الآبي حكماً فسخ في إسلامه. قوله: (أو إرضاع ضرتها) أي إذا أرضعت الكبيرة ضرتها الصغيرة في أثناء الحولين ينفسخ النكاح، كما يأتي في باب الرضاع لكونه يصير جامعاً بين الأم وبنتها ط. والضرة غير قيد، فإن منه ما مثل به في البدائع: لو أرضعت الصغيرة أم زوجها أو أرضعت زوجتيه الصغيرتين امرأة أجنبية. قوله: (خيار عتق) قد علمت أنه لا يكون إلا من جهتها، بخلاف ما بعده ح. قوله: (بلوغ) بالجر عطفاً على عتق بإسقاط العاطف ط. قوله: (ردة) بالرفع عطفاً على تباين بحذف العاطف ط. والمراد ردة أحدهما فقط، بخلاف ما لو ارتدا معاً فإنهما لو أسلما معاً يبقى النكاح(١). قوله: (ملك = استدل الجمهور : - أولاً بأن هذه فرقة نشأت عن اختلاف الدين الطارئ بين الزوجين ولم تحدث بسبب لفظي تلفظ به من بيده الطلاق، بل الشارع هو الذي حكم بوقوعها، فكانت واقعة بلا موقع لها، وكل فرقة كذلك تكون فسخاً لا طلاقاً. مثاله فرقة الرضاع. ونوقش : . بأنها وقفت بسبب إصرار المصر على كفره، والإصرار باختياره، فكانت بموقع. واستدلوا ثانياً : . بقياس الفرقة بإسلام أحد الزوجين على الفرقة بالمحرمية، وخيار البلوغ وملك أحدهما الآخر، وهي في الأخيرة فرقة فسخ، فكذلك تكون في الأولى للاشتراك في السبب؛ ولأنه يجمع الكل كونه فرقة. ونوقش : - بأنه قياس مع الفارق، فإن فرقة المحرمية وملك أحد الزوجين صاحبه سببها التنافي، وفي خيار البلوغ الفرقة جاءت من تطرق الخلل إلى مقاصد الزواج بسبب قصور شفقة العاقد لضعف قرابته، وعلى اعتبار هذا التطرق لا يكون للنكاح وجود في الأصل، ولا انعقاد، فكان الوجه في الفرقة أن تكون فسخاً، أما في إسلام أحد الزوجين، فالسبب هو الإباء، فافترقا في السبب، فيفترقان في نوع الفرقة. واستدل الحنفية ومن معهم : . بأن الأصل في الفرقة أن تكون طلاقاً، فيجب جعلها كذلك ما أمكن إلا أنه في حالة إسلام الزوج دون زوجته وإبائها عن الإسلام يتعذر جعلها طلاقاً، لما عرف من أن المرأة لا تملك شيئاً من الطلاق، فتكون الفرقة فسخاً، لأنه هو الذي تتملكه حين مقدرتها على التفريق. وأما في حالة تقدم إسلام الزوجة وإباء الزوج، فإن الإمساك يكون من قبله، فيتعين على التسريح بالإحسان، فإذا فعله بمباشرته الطلاق، فقد أتى بما طلب منه، وإلا ناب القاضي منابه، وحينئذ يكون فعل القاضي طلاقاً إذا كان نائباً عمن إليه الطلاق ونظير هذا التفريق بالجب والعنة. المبسوط السرخسي ٤٠/٥، فتح القدير ٥٠٦/٢، مغني ابن قدامة ٥٣٢/٧، والشرح الكبير للدسوقي ٢/ ٢٦٧، بدائع الصنائع ٣٣٦/٢ الحطاب ٤٧٧/٣، حواشي التحفة ٣٢٨/٧. (١) إذا ارتد أحد الزوجين بأن ترك دين الإسلام، ودخل في دين الكفر فقد اتفق الفقهاء على أن الردة تبطل عقد الزواج بينهما، وتكون سبباً في وقوع الفرقة. ولكنهم اختلفوا في وقت وقوعها والحكم بانفساخ العقد. فالحنفية والمالكية والحنابلة في إحدى الروايتين عندهم قائلون بتعجيل الفرقة بمجرد الارتداد من أحدهما زوجاً كان أو زوجة حصل دخول أولا. وذهب الشافعية والحنابلة في الرواية الأخرى إلى أن الردة إذا كانت قبل الدخول تتعجل الفرقة بها ويبطل العقد . = ١٨٥ كتاب النكاح / باب الولي = وإذا كانت بعد الدخول توقف النكاح ومنع الزوج من قربان الزوجة حتى تمام العدة، فإن لم يرجع المرتد حتى تمت العدة وقعت الفرقة من حين حدوثها، وإن رجع وجمعهما إسلام في العدة بقي النكاح على حاله. وقال ابن أبي ليلى: لا تقع الفرقة بردة أحدهما قبل الدخول حتى يستتاب المرتد، فإن تاب فهي امرأته، وإلا فلا. استدل ابن أبي ليلى : . بأن الفرقة بسبب ردة أحد الزوجين كالفرقة بإسلام أحدهما لأن كلا الفرقتين بسبب اختلاف دين طارئ على العقد، وفيما إذا أسلم أحد الزوجين لا تقع الفرقة إلا بإباء المتأخر عن الإسلام بعد عرضه عليه، فكذا لا تقع الفرقة بالردة حتى يطلب منه الرجوع عن ردته فيمتنع، فإنه في الحالين يظهر من حال المتأخر عدم إرادة الإمساك بالمعروف، وتنعدم مقاصد النكاح فتقع الفرقة، والمرأة إذا ارتدت واستتيبت فلم تتب صارت منابذة لملة زوجها، فيتعذر عليه إمساكها، فأوجب ذلك وقوع الفرقة. ونوقش : . بالفرق بين الفرقة بالردة وبإسلام أحدهما؛ لأن الردة ما أوجبت الفرقة إلا لكونها فوتت مقاصد النكاح، فإن المرتد مستحق للقتل المفوت لما شرع له وهو بقاء النسل؛ وبهذا كانت منافية للنكاح، واعتراض المنافي عليه موجب للفرقة في الحال لعدم احتمال المنافي للتراخي كالمحرمية، بخلاف إسلام أحد الزوجين؛ لأن الإسلام غير مناف للنكاح بل هو مقید له. واستدل الشافعي ومن معه : - أولاً بأن اختلاف الدين بالردة المقصود بها منابذة الملة إذا طرأ على النكاح قبل الدخول كان تأثيره أكبر مما لو طرأ عليه بعده إذ في الأول النكاح غير متأكد، فطروء الردة عليه موجب للفرقة في الحال، وفي الثاني وهي ما إذا طرأت الردة على النكاح بعد الدخول هو متأكد، فاستدعى ذلك سبباً آخر تضاف إليه الفرقة، وليس هناك وراء الردة إلا الانتظار إلى انقضاء العدة؛ لأنها المعتبرة شرعاً، فينتظر إلى تمامها، فإن مضت بدون رجوع من المرتد عن ردته ووقعت، وإن رجع فيها بقي النكاح. ونوقش : . بأن اختلاف الدين بالردة إما أن يكون سبباً موجباً للفرقة في الحال أولاً، فإن كان الأول يستوي الحكم فيما قبل الدخول وبعده، ولا حاجة إلى الانتظار فيما بعده إلى انقضاء العدة. وإن كان الثاني لم يحكم بوقوع الفرقة قبل الدخول لكن الاتفاق حاصل على وقوعها في الحال إذا كانت الردة قبل الدخول، فأوجب هذا كون اختلاف الدين بالردة سبباً، وإذا كان كذلك استوى فيه ما قبل الدخول بما بعده، ولا وجه للفرقة. واستدل الحنفية ومن معهم: أولًا أن الردة بمنزلة الموت لكونها مفضية إليه، وموجبة له عند عدم التوبة والرجوع، والموت مفوت لمحلية النكاح في الحال لمنافاته لها، فكذا الردة لكونها منافية له أيضاً، والمنافي لا يحتمل التراخي فتقع الفرقة في الحال. ونوقش : . بالفرق بين الردة والموت، فإن المرتد قد يرجع عن ردته بخلاف الميت لجريان العادة بعدم إرجاعه إلى الحياة إذا أراد. وأجيب : . بأن هذا الاحتمال لا يمنع أن يعمل المنافي المحقق وجوده عمله حتى يحكم ببقاء النكاح، وكيف يبقى مع زوال المحلية، ثم كون المرتد قد يرجع عن ردته لا ينفي عمل المنافي عمله. والمرتد إن تاب فلا مانع أن يرجع إلى امرأته بنكاح جديد وعقد جديد. فتح القدير على الهداية ٢/ ٥١٤. مغني ابن قدامة ٧/ ٥٦٤، = ١٨٦ كتاب النكاح / باب الولى خِيَارُ عِثْقٍ بُلُوغُ رِدَّةٍ وَكَذَا مِلْكٌ لِبَعْضِ وَتِلْكَ الفَسْخُ يحصِيهَا أَمَّا الطَّلَاقُ فَجَبُّ عِنَّةٌ وَكَذَا إِيلَاؤُهُ وَلِعَانٌ ذَاك يَتْلُوهَا قَضَاءُ قَاضٍ أَتَّى شَرْطُ الجَمْعِ خَلَا مِلْكٍ وَعِثْقٍ وَإِسْلَامٍ أَتَّى فِيهَا لبعض) أفاد أن ملك الكل كذلك بدلالة الأولى ح. قوله: (وتلك الفسخ يحصيها) أي يجمعها ويتحقق في كل منها، والإشارة إلى الاثني عشر المتقدمة وقد علمت سقوط السبي، وكان ينبغي أن يذكر بدله ما في البدائع: تزوج مسلم كتابية يهودية أو نصرانية فتمجست تثبت الفرقة بينهما، لأن المجوسية لا تصلح لنكاح المسلم، ثم لو كانت قبل الدخول فلا مهر لها ولا نفقة لأنها فرقة بغير طلاق فكانت فسخاً، ولو بعد الدخول فلها المهر دون النفقة لأنها جاءت من قبلها اهـ. وقد غيرت البيت الذي قبل هذا وأسقطت منه السبي، وزدت هذه المسألة فقلت: إِرْضَاعْ اسْلَامُ حَرْبِيٍّ تَمَجُّسٌ نَصْرَانِيَّةٌ قُبْلَةٌ قَدْ عُدَّ ذَا فِيهَا وقد علمت أن إسلام الحربيّ فسخاً مفرع على قول الثاني أو على ما بحثه في البحر. قوله: (أما الطلاق الخ) أي أمر الفرقة التي هي طلاق فهي الفرقة بالجبّ، والعنة، والإيلاء، واللعان، وبقي خامس ذكره في الفتح وهو: إباء الزوج عن الإسلام: أي لو أسلمت زوجة الذميّ وأبى عن الإسلام فإنه طلاق، بخلاف عكسه، فإنها لو أبت یبقی النكاح، وقد غیرت البيت إلى قولي: أَمَّا الطَّلَاقُ فَجَبُّ عِنَّةٌ وَإِبَاءُ الزَّوْجِ إِلَاؤُهُ وَاللَّعْنُ يَتْلُوهَا وكذا إسلام أحد الحربيين فرقة بطلاق على قولهما، لكن لما مشى على كونه فسخاً لم تذكره. تتمة: قدمنا عن الفتح أن كل فرقة بطلاق يلحق الطلاق عدتها إلا اللعان لأنه حرمة مؤبدة. قوله: (خلا ملك الخ) أراد بالملك ملك أحدهما للآخر أو لبعضه، وبالعتق خيار الأمة إذا أعتقها مولاها بعد ما زوجها، بخلاف العبد، وبالإسلام إسلام أحد الحربيين، وبالتقبيل فعل ما يوجب حرمة المصاهرة فإنه لا يرتفع النكاح بمجرد ذلك، بعد المتاركة أو تفريق القاضي كما مر في المحرّمات، فلم يتعين التفريق، وقد علمت أن ذكر السبي لا محل له. وحاصل ما ذكره مما لا يحتاج إلى القضاء ثمانية، ويرد عليه الفرقة بالردة، فسيأتي أن ارتداد أحدهما فسخ في الحال، وقد غيرت البيت الأخير إلى قولي: [البسيط] = الخطاب ٤٧٩/٣، منح الجليل ٧١/٢ المبسوط السرخسي ٤٩/٥، فتح القدير ٥١٤/٢، بدائع الصنائع ٣٣٧/٢. ١٨٧ کتاب النكاح / باب الولى تَقْبِيلُ سَبْيٍ مَعَ الإِيلَاءِ يَا أَمَلِي تَبَايُنْ مَعْ فَسَادِ العَقْدِ يُذْنِيهَا (وبطل خيار البكر بالسكوت) لو مختارة (عالمة بـ) أصل (النكاح) فلو سألت عن قدر المهر قبل الخلوة (١)، أو عن الزوج، أو سلمت على الشهود لم يبطل خيارها. نهر بحثاً إِيلَاؤُهُ رِدَّةٌ أَيْضاً مُصَاهَرةٌ تَبَايُنٌ مَعْ فَسَادِ العَقْدِ يُذْنِيهَا قوله: (وبطل خيار البكر) أي من بلغت وهي بكر. قوله: (لو مختارة) أما لو بلغها الخبر فأخذها العطاس أو السعال، فلما ذهب عنها قالت لا أرضى، جاز الردّ إذا قالته متصلًا، وكذا إذا أخذ فمها فترك فقالت لا أرضى، جاز الرد. ط عن الهندية. قوله: (عالمة بأصل النكاح) فلا يشترط علمها بثبوت الخيار لها، أو أنه لا يمتد إلى آخر المجلس كما في شرح الملتقى؛ وفي جامع الفصولين: لو بلغت وقالت الحمد لله اخترت نفسي، فهي على خيارها، وينبغي أن تقول في فور البلوغ: اخترت نفسي ونقضت النكاح، فبعده لا يبطل حقها بالتأخير حتى يوجد التمكين اهـ. قوله: (فلو سألت الخ) لا محل لهذا التفريع بل المقام مقام الاستدراك، لأن بطلان الخيار بعلمها بأصل النكاح يقتضي بطلانه بالأولى في هذه المسائل المذكورة لا عدم بطلانه، لأنها إنما تكون بعد العلم بأصل النكاح. ولو فرض وجودها قبله لم يحصل نزاع في عدم بطلان الخيار بها مع أن النزاع قائم كما تراه قريباً. قوله: (نهر بحثاً) أي على خلاف ما هو المنقول في الزيلعي والمحيط والذخيرة، وأصل البحث للمحقق ابن الهمام حيث قال: وما قيل لو سألت عن اسم الزوج أو عن المهر أو سلمت على الشهود بطل خیارها، تعسف لا دلیل علیه؛ وغاية الأمر كون هذه الحالة كحالة ابتداء النكاح؛ ولو سألت البكر عن اسم الزوج لا ينفذ عليها، وكذا عن المهر، وكذا السلام على القادم لا يدل على الرضا، كيف وإنما أرسلت لغرض الإشهاد على الفسخ اهـ ملخصاً. ونازعه في البحر في السلام بأن خيار البكر يبطل بمجرد السكوت، ولا شك أن الاشتغال بالسلام فرق السكوت. (١) تفسير الخلوة الصحيحة: والخلوة الصحيحة هي أن يجتمع الزوجان في مكان آمنين من اطلاع الغير عليهما بغير إذنهما، وأن يكون الزوج بحيث يتمكن من الوطء بلا مانع حسي يمنعها أصلاً، كوجود ثالث معهما يعقل الجماع، أو يمنع صحتها بعد تحققها كمرض أحدهما مرضاً يمنع الجماع، أو يلحق المريض بسببه ضرر. أو شرعي كصوم في رمضان، أو إحرام بحج فرضاً أو نفلاً أو بعمرة قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل الطواف، وكذا صلاة فرض فقط، أو طبيعي كالمرض، ومثل بعضهم له بوجود ثالث عاقل كذا ذكره ابن الكمال، وجعله في الأسرار من الحسي، وإذا نظرنا من ناحية نهي الشارع عنه قلنا بأنه مانع شرعي، فهو إذاً لهذه المعاني صح أن يكون حسياً، وشرعياً، وطبيعياً، ومثلوا للطبيعي أيضاً بالحيض مع كونه شرعياً، فهو شرعي وطبيعي، ونقل عن السرخسي أن جارية أحدهما تمنع الصحة بناء على أنه يمتنع من وطء زوجته بحضرتها طبعاً مع كونه لا بأس به شرعاً، فهو على هذا مانع طبيعي لا شرعي، ولكنه حسي أيضاً. ١٨٨ كتاب النكاح / باب الولي (ولا يمتد إلى آخر المجلس) لأنه كالشفعة، ولو اجتمعت معه تقول أطلب الحقین ثم تبدأ بخيار البلوغ لأنه ديني، قال في النهر: وأقول: ممنوع، فقد نقلوا في الشفعة أن سلامه على المشتري لا يبطلها، لأنهِوَ﴿ قال ((السَّلَامُ قَبْلَ الكَلَام)»(١) ولا شك أن طلب المواثبة بعد العلم بالبيع يبطل بالسكوت كخيار البلوغ ولو كان السلام فوقه لبطلت، وقالوا: لو قال من اشتراها وبكم اشتراها لا تبطل شفعته كما في البزازية، وهذا يؤيد ما في فتح القدير؛ نعم ما وجه به في المهر إنما يتم إذا لم يخل بها، أما إذا خلا بها خلوة صحيحة فالوقوف على كميته اشتغال بما لا يفيد لوجوبه بها فإطلاق عدم سقوطه مما لا ينبغي اهـ كلام النهر. وعن هذا الأخير قال الشارح: قبل الخلوة. والحاصل أن المنقول في هذه المسائل الثلاث بطلان الخيار، وبحث في الفتح عدمه فيها، ونازعه في البحر في مسألة السلام فقط، وانتصر في النهر للفتح في الكل، وكذا المحقق المقدسي والشرنبلالي، وكأن أصل الحكم مذكور بطريق التخريج والاستنباط من بعض مشايخ المذهب؛ فنازعهم في الفتح في صحة هذا التخريج، فإنه وإن كان من أهل الترجيح كما ذكره في قضاء البحر بل بلغ رتبة الاجتهاد كما ذكره المقدسي في باب نكاح العبد، لكنه لا يتابع فيما يخالف المذهب؛ فلو كان هذا الحكم منقولًا عن أحد أئمتنا الثلاثة لما ساغ لهؤلاء اتباع بحثه المخالف لمنقول المذهب، ومما يؤيد أنه قول لبعض المشايخ لا نص مذهبي قول المحقق ((وما قيل الخ)) فافهم. قوله: (ولا يمتد إلى آخر المجلس) أي مجلس بلوغها أو علمها بالنكاح كما في الفتح: أي إذا بلغت وهي عالمة بالنكاح أو علمت به بعد بلوغها فلا بد من الفسخ في حال البلوغ أو العلم، فلو سكتت ولو قليلاً بطل خيارها ولو قبل تبدل المجلس. قوله: (لأنه كالشفعة) أي في أنه يشترط لثبوتها أن يطلبها الشفيع فور علمه في ظاهر الرواية حتى لو سكت لحظة أو تكلم بكلام لغو بطلت، وما صححه الشارح في بابها من أنها تمتد إلى آخر المجلس ضعيف كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قوله: (ولو اجتمعت معه) أي الشفعة مع خيار البلوغ ح. قوله: (ثم تبدأ بخيار البلوغ) هذا قول، وقيل بالشفعة، وفي شفعة البزازية له حق خيار البلوغ والشفعة فقال: طلبتها واخترت نفسي يبطل المؤخر ويثبت المقدم، لأنه يمكنه أن يقول طلبتهما، أو أجزتهما، أو اخترتهما جميعاً نفسي والشفعة. قال القاضي أبو جعفر: يقدم خيار البلوغ لأن في خيار الشفعة ضرب سعة لما مر أنه لو قال من اشترى وبكم اشترى لا تبطل، وقيل يقول طلبت الحقين اللذين ثبتا لي الشفعة ورد النكاح اهـ. وتوقف الخير الرملي في وجه التعيين، واستبعد الخلاف (١) أخرجه الترمذي (١٦٦٩) وذكره الحافظ في المطالب (٢٦٤٨) وانظر التلخيص ٤/ ٩٥. ١٨٩ كتاب النكاح / باب الولي وتشهد قائلة بلغت الآن ضرورة إحياء الحق (وإن جهلت به) لتفرغها للعلم (بخلاف) فيه لأن الظاهر أن بعض المتقدمين قال على سبيل التمثيل: طلبتهما نفسي والشفعة، وبعضهم قال: الشفعة ونفسي، فظن بعض المتأخرين أن ذلك حتم، وليس كذلك لأن طلب الحقين جملة هو المانع من السقوط، فحيث ثبت ذلك بالإجمال المتقدم لا يضرّ في البيان تقديم أحدهما على الآخر، بل لو قيل لا حاجة إلى التفسير لكان له وجه وجيه اهـ ملخصاً، فتأمل. قلت: وأما الثيب فتبدأ بالشفعة بلا خلاف لأن خيارها يمتد كما يأتي. قوله: (وتشهد الخ) قال في البزازية: وإن أدركت بالحيض تختار عند رؤية الدم، ولو في الليل تختار في تلك الساعة، ثم تشهد في الصبح وتقول: رأيت الدم الآن، لأنها لو أسندت أفسدت، وليس هذا بكذب محض بل من قبيل المعاريض المسوغة لإحياء الحق، لأن الفعل الممتد لدوامه حكم الابتداء والضرورة داعية إلى هذا لا إلى غيره اهـ. وحاصله: أنها تعني بقولها بلغت الآن: إني الآن بالغة، لئلا يكون كذباً صريحاً لأنه حيث أمكن إحياء الحق بالتعريض، وهو أن يريد المتكلم ما هو خلاف المتبادر من كلامه كان أولى من الكذب الصريح، فافهم. وفي جامع الفصولين: فإن قالوا متى بلغت تقول كما بلغت نقضته، لا تزيد على هذا، فإنها لو قالت بلغت قبل هذا ونقضته حين بلغت لا تصدق والإشهاد لا يشترط لاختيارها نفسها، لكن شرط لإثباته ببينة ليسقط اليمين عنها، وتحليفها على اختيارها نفسها كتحليف الشفيع على الشفعة، فإن قالت للقاضي: اخترت نفسي حين بلغت صدقت مع اليمين، ولو قالت: بلغت أمس وطلبت الفرقة لا يقبل وتحتاج إلى البيئة. وكذا الشفيع لو قال: طلبت حين علمت فالقول له، ولو قال: علمت أمس وطلبت لا يقبل بلا بينة اهـ. قلت: وتحصل من مجموع ذلك أنها لو قالت: بلغت الآن وفسخت تصدّق بلا بينة ولا يمين، ولو قالت: فسخت حين بلغت تصدق بالبينة أو اليمين، ولو قالت: بلغت أمس وفسخت، فلا بد من البينة لأنها لا تملك إنشاء الفسخ في الحال، بخلاف الصورة الثانية، حيث لم تسنده إلى الماضي فقد حكت ما تملك استئنافه، فقد ظهر الفرق بين الصورتين وإن خفي على صاحب الفصولين كما أفاده في نور العين. قوله: (وإن جهلت به) أي بأن لها خيار البلوغ أو بأنه لا يمتد. قال القهستاني: وهذا عند الشيخين. وقال محمد: إن خيارها يمتد إلى أن تعلم أن لها خياراً كما في النتف. قوله: (لتفرغها للعلم) أي لأنها تتفرّغ لمعرفة أحكام الشرع، والدار دار العلم فلم تعذر بالجهل. بحر: أي أنها يمكنها التفرغ للتعلم لفقد ما يمنعها منه، وإن لم تكلف به قبل بلوغها. قوله: (بخلاف ١٩٠ کتاب النكاح / باب الولي خيار (المعتقة) فإنه يمتد لشغلها بالمولى (وخيار الصغير والثيب إذا بلغا لا يبطل) بالسكوت (بلا صریح) رضا (أو دلالة) عليه (كقبلة ولمس) ودفع مهر (لا) يبطل (بقيامهما عن المجلس) لأن وقته العمر فيبقى حتى يوجد الرضا، ولو ادعت التمكين كرهاً صدقت، ومفاده أن القول لمدعي الإكراه لو في حبس الوالي فليحفظ (الوالي في النكاح) لا المال خيار المعتقة فإنه يمتد) أي يمتد إلى آخر المجلس ويبطل بالقيام عنه كما في الفتح، فافهم. وكذا لا يحتاج إلى القضاء، بخلاف خيار البكر على ما مر. والحاصل كما في النهر: أن خيار العتق خالف خيار البلوغ في خمسة: ثبوته للأنثى فقط، وعدم بطلانه بالسكوت في المجلس، وعدم اشتراط القضاء فيه، وكون الجهل عذراً، وفي بطلانه بما يدل على الإعراض؛ وهذا الأخير بخلاف خيار الثيب والغلام على ما يأتي اهـ. وأراد بالمعتقة التي زوّجها مولاها قبل العتق صغيرة أو كبيرة، فيثبت لها خيار العتق لا خيار البلوغ لو صغيرة، إلا إذا زوجها بعد العتق فيثبت لها وللعبد الصغير أيضاً، بخلاف خيار العتق فإنه لا يثبت له لو زوّجه قبل العتق صغيراً أو كبيراً كما حررناه سابقاً. قوله: (والثيب) شمل ما لو كانت ثيباً في الأصل أو كانت بكراً ثم دخل بها ثم بلغت كما في البحر وغيره. قوله: (أو دلالة) عطف على ((صريح)) وضمير ((عليه)) للرضاط. قوله: (ودفع مهر) حمله في الفتح على ما إذا كان قبل الدخول» أما لو دخل بها قبل بلوغه، ينبغي أن لا يكون دفع المهر بعد بلوغه رضا، لأنه لا بد منه أقام أو فسخ اهـ بحر. ومثله يقال في قبولها في المهر بعد الدخول بها أو الخلوة. أفاده ط. ومن الرضا دلالة في جانبها تمكينه من الوطء وطلب الواجب من النفقة، بخلاف الأكل من طعامه وخدمته. نهر عن الخلاصة. وتقدم في استئذان البالغة تقييد الخدمة بما إذا كانت تخدمه من قبل، والظاهر جريانه هنا. قوله: (لأن وقته العمر الخ) على هذا تظافرت كلمتهم كما في غاية البيان، فما نقل عن الطحاوي من أنه يبطل بصريح الإبطال، أو بما يدل عليه كما إذا اشتغلت بشيء آخر مشكل، إذ يقتضي تقيده بالمجلس. فتح. والجواب: أن مراده بالشيء الآخر عمل يدل على الرضا كالتمكين ونحوه، لتصريحه بأنه لا يبطل بالقيام عن المجلس بحر. قوله: (صدقت) أي لأن الظاهر يصدقها. فتح. قوله: (ومفاده الخ) قال في المنح: وهذا الفرع يدل على ما نقله البزازي وأفتى به مولانا صاحب البحر من أن القول قول مدعي الإكراه إذا كان في حبس الوالي ح. قوله: (لا المال) فإنه الوليّ فيه الأب ووصيه والجد ووصيه والقاضي ونائبه ١٩١ كتاب النكاح / باب الولى (العصبة بنفسه) وهو من يتصل بالميت حتى المعتقة (بلا توسطة أنثى) بيان لما قبله (على ترتيب الإرث والحجب) فيقدم ابن المجنونة على أبيها، فقط ح. ثم لا يخفى أن قوله ((لا المال)) على معنى فقط: أي المراد بالولي هنا الوليّ في النكاح، سواء كان له ولاية في المال أيضاً كالأب والجد والقاضي، أو لا كالأخ لا الوليّ في المال فقط، وبه اندفع ما في الشرنبلالية من أن فيه تدافعاً بالنسبة إلى الأب والجد لأن لهما ولاية في المال أيضاً. قوله: (العصبة بنفسه) خرج به العصبة بالغير كالبنت تصير عصبة بالابن، ولا ولاية لها على أمها المجنونة، وكذا العصبة مع الغير كالأخوات مع البنات، ولا ولاية للأخت على أختها المجنونة كما في المنح والبحر. والمراد خروجهما من رتبة التقديم، وإلا فلهما ولاية في الجملة، يدل عليه قول المصنف بعد (فإن لم يكن عصبة الخ). والحاصل أن ولاية من ذكر بالرحم لا بالتعصيب، وإن كانت في حال عصوبتها كالبنت مع الابن الصغير فإنها تزوّج أمها المجنونة بالرحم لا بكونها عصبة مع الابن. قوله: (وهو من يتصل بالميت) الضمير للعصبة المذكور المراد به المعهود في باب الإرث بقرينة قوله ((على ترتيب الإرث والحجب)) فيكون تعريفه ما عرفوه به في باب الإرث. فلا يرد ما قيل: إنه لا ميت هنا، فالأولى أن يقال: وهو من يتصل بغير المكلف، فافهم. هذا وفي النهر: هو من يأخذ كل المال إذا انفرد والباقي مع ذي سهم، وهذا أولى من تعريفه بذكر يتصل بلا واسطة أنثى إذ المعتقة لها ولاية الإنكاح على معتقها الصغير حيث لا أقرب منها اهـ. فعبر الشارح بمن بدل ذکر لإدخال المعتقة فیندفع اعتراض النهر، لکن یرد علیه كما قال الرحمتي: عصبات المعتقة، فإن لهم ولاية بعدها مع أنهم متصلون بواسطة أنثى اهـ. فالأولى تعريف النهر، ولا يرد عليه أن العصبة هنا لا يأخذ كل المال ولا شيئاً منه لما قلنا آنفاً، ونظيره قولهم في نفقة الأرحام: تجب النفقة على الوارث بقدر إرتّه، مع أن الكلام في النفقة على الحي، أو يقال: المراد من يسمي عصبة ولو فرض المقصود تزويجه ميتاً، وعلى كل فتكلف التأويل عند ظهور المعنى غير لازم، والاعتراض بما لا يخطر بالبال غير وارد، بل ربما يعاب على فاعله كما عيب على من أورد على تعريفهم الماء الجاري بأنه ما يذهب بتبنة أنه يصدق على الحمار مثلاً أنه يذهب بها. قوله: (بيان لما قبله) أي لقوله ((العصبة بنفسه)) لأنه لا يكون إلا بلا توسط أنثى: يعني إذا كان من جهة النسب، أما من السبب فقد يكون كعصبة المعتقة، ولا يخفى أنه بيان بالنسبة لكلام المتن. أما في كلام الشارح فهو جزء من التعريف لأنه أفاد إخراج من يتصل بالميت بواسطة أنثى كالجد لأم مثلاً. قوله: (فيقدم ابن المجنونة على أبيها) هذا عندهما خلافاً لمحمد، حيث قدم الأب، وفي الهندية عن الطحاوي أن الأفضل أن يأمر ١٩٢ كتاب النكاح / باب الولي لأنه يحجبه حجب نقصان (بشرط حرية وتكليف وإسلام الأب الابن بالنكاح حتی يجوز بلا خلاف اهـ. وابن الابن کالابن، ثم يقدم الأب، ثم أبوه، ثم الأخ الشقيق، ثم الأب. وذكر الكرخي أن تقديم الجد على الأخ قول الإمام، وعندهما يشتركان، والأصح أنه قول الكل. ثم ابن الأخ الشقيق، ثم لأب، ثم العم الشقیق، ثم لأب، ثم ابنه کذلك، ثم عم الأب کذلك، ثم ابنه كذلك، ثم عم الجد كذلك، ثم ابنه كذلك. كل هؤلاء لهم إجبار الصغيرين، وكذا الكبيرين إذا جنا، ثم المعتق ولو أنثى، ثم ابنه وإن سفل، ثم عصبته من النسب على ترتيبهم. بحر عن الفتح وغيره. تنبيه: يشترط في المعتق أن يكون الولاء له ليخرج من كانت أمها حرة الأصل وأبوها معتق فإنه لا ولاية لمعتق الأب عليها، ولا يرثها، فلا يلي إنكاحها كما نبه عليه صاحب الدرر في كتاب الولاء. فلو لم يوجد لها سوى الأم ومعتق الأب فالولاية للأم دونه، ولم أر من نبه عليه هنا. أفاده السيد أبو السعود عن شيخه. قوله: (لأنه يحجبه حجب نقصان) فيه أن الأب لا يرث بالفرضية أكثر من السدس، وذلك مع الابن وابنه، ومع البنت يرثه بالفرض، والباقي بالتعصيب، وعند عدم الولد بالتعصيب فقط، وليس ما يرثه بالتعصيب، مقدراً حتى ينقص منه، فالأولى التعليل بأنه لا يكون عصبة مع الابن. تأمل. قوله: (بشرط حرية الخ) قلت: وبشرط عدم ظهور كون الأب أو الجد سيئ الاختيار مجانة وفقاً إذا زوّج الصغير أو الصغيرة بغير كفء أو بغبن فاحش، وكونه غیر سکران أيضاً کما مر بيانه، واحترز بالحرية عن العبد فلا ولاية له على ولده ولو مكاتباً إلا على أمته دون عبده لنقصه بالمهر والنفقة كما سيأتي في بابه، وبالتكليف عن الصغيرة والمجنونة، فلا يزوّج في حال جنونه مطبقاً أو غير مطبق، ويزوج حال إفاقته عن المجنون بقسميه، لكن إن كان مطبقاً تسلب ولايته فلا تنتظر إفاقته، وغير المطبق الولاية ثابتة له فتنتظر إفاقته كالنائم، ومقتضى النظر أن الكفء الخاطب إذا فات بانتظار إفاقته تزوج موليته، وإن لم يكن مطبقاً، وإلا انتظر على ما اختاره المتأخرون في غيبة الوليّ الأقرب على ما سنذكره. فتح. وتبعه في البحر والنهر، والمطبق شهر، وعليه الفتوى. بحر. مَطْلَبُ: لَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الصَّغِيرِ شَيْخاً عَلَى خَيراتٍ تنبيه: علل الزيلعي عدم الولاية لمن ذكر بأنهم لا ولاية لهم على أنفسهم، فأولى أن لا يكون لهم ولاية على غيرهم، لأن الولاية على الغير فرع الولاية على النفس. وذكر السيد أبو السعود عن شيخه أن هذا نص في جواب حادثة سئل عنها هي: أن الحاكم قرر طفلاً في مشيخة على خيرات يقبض غلاتهم وتوزيع الخبز عليهم والنظر في ١٩٣ كتاب النكاح / باب الولي في حق مسلمة) تريد التزوّج (وولد مسلم) لعدم الولاية (وكذا لا ولاية) في نكاح مصالحهم، فأجاب ببطلان التولية أخذاً مما ذكر. قوله: (في حق مسلمة) قيد في قوله ((وإسلام)). قوله: (تريد التزوج) أشار إلى أن المراد بالمسلمة البالغة، حيث أسند التزوج إليها لئلا يتكرر مع قوله ((وولد مسلم)) فإن الولد يشمل الذكر والأنثى، وحينئذ فليس في كلامه ما يقتضي أن للكافر التصرف في مال بنته الصغيرة المسلمة، فافهم، وعلى ما قلنا فإذا زوجت المسلمة نفسها وكان لها أخ أو عم كافر، فليس له حق الاعتراض لأنه لا ولاية له، وقد مر أول الباب أن من لا وليّ لها فنكاحها صحيح نافذ مطلقاً: أي ولو من غير كفء، أو بدون مهر المثل؛ وإذا سقطت ولاية الأب الكافر على ولده المسلم، فبالأولى سقوط حق الاعتراض على أخته المسلمة أو بنت أخيه، ويؤخذ من هذا أيضاً أنه لو كان لها عصبة رقيق أو صغير فهي بمنزلة من لا عصبة لها، لأنه لا ولاية لهما كما علمته وقدمنا ذلك أول الباب. قوله: (لعدم الولاية) تعليل للمفهوم: يعني أن الكافر لا يلي على المسلمة وولده المسلم لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُجِعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾(١) [النساء ١٤١] ح. قوله: (وكذا الخ) عطف على المفهوم الذي قلناه، (١) أما حكم ولاية الكافر على موليته المسلمة : . فلا خلاف بين الفقهاء على عدم ثبوتها، فقد اتفقوا على اشتراط اتحاد الدين في ولي التزويج، ومعنى ذلك أنه لو كانت المسلمة التي يراد عقد نكاحها لها أخوان شقيقان أحدهما مسلم والآخر غير مسلم، فالولاية في التزويج للأخ المسلم، وعليه فليس للأب الكافر على ابنه المسلم ولاية تزويج لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ والولاية طريق إلى ذلك، وأيضاً لقوله تعالى: ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ فالآية الأولى وإن نفت الحجة في الآخرة من الكافرين على المسلمين إلا أنها بعمومها أفادت نفي السبيل مطلقاً، والآية الثانية نفت اتحاد غير المسلمين أولياء، فأفادت انقطاع الولاية بينهما. ولأن النبي # لما أراد أن يتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكان أبوها وأخوها كافرين، وهي مسلمة مهاجرة بأرض الحبشة أمر أن يزوجها من هو أقرب من عصباتها من المسلمين، وهو خالد بن سعد بن العاص، فدل ذلك على أن الكفر مسقط لولاية التزويج وناقل لها إلى الولي المسلم، وإن كانت قرابته أبعد من الكافر. ولأن الميراث لم يثبت بين المسلم والكافر بناء على نفي الولاية لكونها سببه، فلا يزوج الكافر مسلمة لأن الولاية إنما شرعت لطلب الحظ للزوجة، واختلاف الدين مانع من ذلك. على أن الكافر ليست له ولاية أصلاً بمعنى أن كفره سلب عنه ولايته. بل المراد أن الكفر سالب لولاية الكافر على المسلم، فأصل الولاية ثابت له، فهو أهل للتزويج على مثله، قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾. لكن ولايته على مثله إنما تكون صحيحة متى لم تكن هناك شائبة ولاية على مسلم. كما لو زوّج الكتابي ابنته أو أخته من مسلم، وباشر بنفسه عقد زواجها له، فالفقهاء قد اختلفوا في ذلك. فذهب الحنفية والمالكية والشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة إلى القول بصحة العقد، وذهب القاضي من الحنابلة إلى القول بأن الحاكم يزوجها؛ لأن أحمد قال: ((لا يعقد يهودي ولا نصراني عقد نكاح مسلم) . = ١٩٤ كتاب النكاح / باب الولى ولا في مال (المسلم على كافرة إلا) بالسبب العام (بأن يكون) المسلم (سيد أمة كافرة أو سلطاناً) أو نائبه أو شاهداً (وللكافر ولاية على كافر مثله) اتفاقاً (فإن لم والمسألة مذكورة في الفتح والبحر. قوله: (لمسلم على كافرة) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾(١) [الأنفال ٧٣]. قوله: (إلا بالسبب العام الخ) قالوا: وينبغي أن يقال: إلا أن يكون المسلم سيد أمة كافرة أو سلطاناً قال السروجي: لم أر هذا الاستثناء في كتب أصحابنا، وإنما هو منسوب إلى الشافعي ومالك. قال في المعراج: وينبغي أن يكون مراداً، ورأيت في موضع معزوّاً إلى المبسوط الولاية بالسبب العام تثبت للمسلم على الكافر كولاية السلطنة والشهادة، فقد ذكر معنى ذلك الاستثناء اهـ بحر وفتح ومقدسي. وذكره الزيلعي أيضاً بصيغة ((وينبغي))، وتبعه في الدرر والعيني وغيره، فحيث عبروا كلهم عنه بصيغة ((ينبغي)) كان المناسب للمصنف أن يتابعهم لئلا يوهم أنه منقول في كتب المذهب صريحاً، وقول المعراج: ورأيت في موضع الخ، لا يكفي في النقل لجهالته، فافهم. قوله: (أو نائبه) أي كالقاضي، فله تزويج اليتيمة الكافرة حيث لا وليّ لها وكان ذلك في منشوره. نهر. قوله: (فإن لم يكن = ووجه قول الجمهور هو أن العقد من الكتابي متى كان ولياً للكتابية يصح من غير نظر الزوج؛ ولأن الكتابية امرأة لها ولي مناسب تولى عقد نكاحها، فلا يجوز أن يليها غيره فيصح كما لو زوَّجها من ذمي. ونوقش: بأن هذا يستقيم إذا لم يكن الزوج مسلماً أما إذا كان كما هو فرض المسألة تسقط الولاية والحالة هذه نظراً الشائبة الولاية على المسلم؛ لأنه الزوج. ووجه قول القاضي: قد يكون - أن الكافر متى ولي عقد نكاح ابنته الكافرة على مسلم ثبتت له ولاية تبعية على المسلم؛ لأن له في تلك الحال حق مخاصمته ومطالبته بحقوق الزوجية، وفيه إثبات للسبيل من الكافر على المسلم منع منه الشارع الحكيم. ومما سبق يترجم مذهب القاضي الحنبلي، الشرح الكبير للدسوقي ٢٣١/٧، الوجيز للغزالي ٦/٢، الزيلعي ١٢٥/٢. (١) فقد وقع الخلاف بين الفقهاء، في تزويج الولي المسلم ابنته الكافرة . فذهب الجمهور منهم إلى عدم جواز ذلك كما لم يثبت العكس.، وذهب ابن وهب من المالكية إلى أن المسلم له الولاية على الكافرة، وله حق إنكاحها من المسلم، أما من النصراني فلا تثبت له الولاية. استدل ابن وهب: بأن المسلم لأفضليته على الكافر يثبت له من الولاية ما لا يثبت للكافر؛ ولأن المسلم إذا عقد وقع عقده صحيحاً غير فاسد، فلا ينقض دل على ذلك الاتفاق على أن السيد إذا كان مسلماً ثبتت له ولاية التزويج لأمته النصرانية من مسلم أو نصراني. ونوقش : - بأن الأفضلية لا دخل لها في الأحكام، وإنما يملك السيد تزويج مملوكته الكافرة نظراً لملكة رقبتها، فلم يؤثر اختلاف الدين في ذلك؛ ولأنها أشبه بولاية مال، فلم يمنعها إسلام السيد كما في سائر الولایات. واحتج الجمهور على مذهبهم بما سبق من نفي الولاية بين المسلمين والكفار فلا حاجة إلى إعادة ذكرها .، والراجح مذهب الجمهور لضعف دليل ابن وهب. ١٩٥ كتاب النكاح / باب الولي يكن عصبة فالولاية للأم) ثم لأم الأب، وفي القنية عكسه؛ ثم البنت، ثم لبنت الابن، ثم لبنت البنت، ثم لبنت ابن الابن، ثم لبنت بنت البنت، وهكذا، ثم للجد الفاسد (ثم للأخت لأب وأم، ثم للأخت لأب ثم لولد الأم) عصبة) أي لا نسبية ولا سببية كالعتق ولو أنثى وعصباته كما مر فيقدمان على الأم. بحر. قوله: (فالولاية للأم الخ) أي عند الإمام ومعه أبو يوسف في الأصح. وقال محمد: ليس لغير العصبات ولاية، وإنما هي للحاكم، والأول الاستحسان والعمل عليه، إلا في مسائل ليست هذه منها، فما قيل من أن الفتوى على الثاني غريب لمخالفته المتون الموضوعة لبيان الفتوى من البحر والنهر. قوله: (وفي القنية عكسه) أي حيث قال فيها: أم الأب أولى في الترجيح من الأم. قال في النهر: وحكي عن خواهر زاده وعمر النسفي تقديم الأخت على الأم لأنها من قوم الأب، وينبغي أن يخرج ما في القنية على هذا القول اهـ: أي فيكون من اعتبر ترجيح الجدة قوم الأب يرجح الأب والأخت على الأم، لكن المتون على ذكر الأم عقب العصبات، وعلى ترجيحها على الأخت، وصرح في الجوهرة بتقديم الجدة على الأخت فقال: وأولاهم الأم، ثم الجدة ثم الأخت لأب وأم. ونقل ذلك الشرنبلالي في رسالة عن شرح النقاية للعلامة قاسم وقال: ولم يقيد الجدة بكونها لأم أو لأب، غير أن السياق يقتضي أنها الجدة لأم، وهل تقدم أم الأب عليها أو تتأخر عنها أو تزاحمها؟ كلام القنية يدل على الأول، وسياق كلام الشيخ قاسم يدل على الثاني، وقد يقال بالمزاحمة لعدم المرجح وقد يقال: قرابة الأب لها حكم العصبة فتقدم أم الأب، فليتأمل اهـ ملخصاً. قلت: وجزم الخير الرملي بهذا الأخير فقال: قيد في القنية بالأم لأن الجدة لأب أولى من الجدة لأم قولاً واحداً، فتحصل بعد الأم أم الأب ثم أم الأم ثم الجد الفاسد. تأمل اهـ. وما جزم به الرملي أفتى به في الحامدية، ثم هذا في الجدة الصحيحة، أما الفاسدة فهي كالجد الفاسد كما يأتي قريباً. قوله: (ثم للبنت) إلى قوله (وهكذا)) ذكر ذلك في أحكام الصغار عقب الأم، وكذا في فتح القدير والبحر؛ وقول الكنز: وإن لم تكن عصبة فالولاية للأم، ثم للأخت الخ يخالفه، لكن اعتذر عنه في البحر بأنه لم يذكره في الكنز بعد الأم لأنه خاص بالمجنون والمجنونة. قوله: (وهكذا) أي إلى آخر الفروع وإن سفلواط. قوله: (ثم للجد الفاسد) قال في البحر: وظاهر كلام المصنف أن الجد الفاسد مؤخر عن الأخت لأنه من ذوي الأرحام، وذكر المصنف في المستصفى أنه أولى منها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف الولاية لهما كما في الميراث، وفي فتح القدير: وقياس ما صحح في الجد والأخ من تقدم الجد تقدم الجد الفاسد على الأخت اهـ. فثبت بهذا أن المذهب أن الجد الفاسد بعد الأم قبل ١٩٦ كتاب النكاح / باب الولي الذكر والأنثى سواء، ثم لأولادهم (ثم لذوي الأرحام) العمات، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام. وبهذا الترتيب أولادهم. شمني. ثم مولى الموالاة (ثم للسلطان ثم لقاض نص له عليه في منشوره) ثم لنوابه إن فوّض له ذلك، وإلا الأخت اهـ كلام البحر: أي بعد الأم في غير المجنون والمجنونة وإلا فالبنت مقدمة عليه كما علمت. قلت: ووجه القياس أنهم ذكروا أن الأصح أن الجد أبا الأب مقدم على الأخ عند الكل وإن اشترك مع الأخ في الميراث عندهما، لأن الولاية تبتنى على الشفقة وشفقة الجد فوق شفقة الأخ، وحينئذ يقاس عليه الجد الفاسد مع الأخت فإن شفقته أقوى منها، ومقتضى هذا أن الجدة الفاسدة كذلك، ويؤيد هذا أن من أخّر الجد الفاسد عن الأخت ذکر معه الجدة الفاسدة، وهو ما مشی علیه في شرح درر البحار حيث قال: وعند أبي حنيفة الأم، ثم الجدة الصحيحة، ثم الأخت لأبوين، ثم لأب، ثم الأخ، أو الأخت لأم، وبعد هؤلاء ذوو الأرحام كجد وجدة فاسدين، ثم ولد أخت لأبوين أو لأب، ثم ولد أخ لأم، ثم العمة، ثم الخال، ثم الخالة، ثم بنت العم، وهكذا الأقرب فالأقرب اهـ. قوله: (الذكر والأنثى سواء) لأن لفظ الولد يشملهما، ومقتضاه أنهما في رتبة واحدة، ومقتضى تقديم الأخوال على الخالات كما يأتي أن يقدم الذكر هنا. تأمل. قوله: (ثم لأولادهم) أي أولاد الأخت الشقيقة، وما عطف عليها على هذا الترتيب كما علمته مما نقلناه عن شرح درر البحار، وهذا يغني عنه ما بعده. قوله: (وبهذا الترتيب أولادهم) فيقدم أولاد العمات، ثم أولاد الأخوال ثم أولاد الخالات، ثم أولاد بنات الأعمام ط. قوله: (ثم مولى الموالاة) هو الذي أسلم على يده أبو الصغيرة، ووالاه لأنه يرث له ولاية التزويج. فتح: أي إذا كان الأب مجهول النسب ووالاه على أنه إن جنى يعقل عنه، وإن مات يرثه، وقد تكون الموالاة من الطرفين كما سيأتي في بابها، وشمل المولى الأنثى كما في شرح الملتقى. قوله: (ثم لقاض) نقل القهستاني عن النظم أنه مقدم على الأم. قلت: وهو خلاف ما في المتون وغيرها. قوله: (نص له عليه في منشوره) أي على تزويج الصغار، والمنشور ما كتب فيه السلطان: إني جعلت فلاناً قاضياً ببلدة كذا، وإنما سمي به لأن القاضي ينشره وقت قراءته على الناس. قهستاني. وسنذكر في مسألة عضل الأقرب أنه تثبت الولاية فيها للقاضي وإن لم يكن في منشوره: أي لأن ثبوت الولاية له فيها بطريق النيابة عن الأب أو الجد الفاضل دفعاً لظلمه، فيحمل ما هنا على ما إذا ثبتت له الولاية لا بطريق النيابة. تأمل. قوله: (إن فوض له ذلك وإلا فلا) أي وإن لم يفوّض للقاضي التزويج فليس لنائبه ذلك لما في المجتبى، ثم للقاضي ونوابه إذا ١٩٧ كتاب النكاح / باب الولى لا (وليس للوصي) من حيث هو وصي (أن يزوج) اليتيم (مطلقاً) وإن أوصى إليه الأب بذلك على المذهب؛ نعم لو كان قريباً أو حاكماً يملكه بالولاية كما لا يخفى. فروع: وليس للقاضي تزويج الصغيرة من نفسه ولا ممن لا تقبل شهادته له شرط في عهده تزويج الصغار والصغائر وإلا فلا اهـ. قال في البحر: هذا بناء على أن هذا الشرط إنما هو في حق القاضي دون نوابه، ويحتمل أن يكون شرطاً فيهما، فإذا كتب في منشور قاضي القضاة، فإن كان ذلك في عقد نائبه منه ملكه النائب وإلا فلا، ولم أر فيه منقولًاً صريحاً اهـ. وحاصله: أن القاضي إذا كان مأذوناً بالتزويج، فهل يكفي ذلك لنائبه أم لا بد أن ينص القاضي لنائبه على الإذن؟ وعبارة المجتبى محتملة والمتبادر منها الأول، وما في النهر من أن ما في المجتبى لا يفيد عدم اشتراط تفويض الأصيل للنائب كما توهمه في البحر رده الرملي بأن كيف لا يفيد مع إطلاقه في نوابه والمطلق يجري على إطلاقه، ووجهه أنه لما فوّض لهم ما له ولايته التي من جملتها التزويج صار ذلك من جملة ما فوض إليهم، وقد تقرر أنهم نواب السلطان حيث أذن له بالاستنابة عنه فيما فوضه إليه اهـ. فافهم. قلت: لكن قال في أنفع الوسائل: الظاهر أن النائب الذي لم ينص له القاضي على تزويج الصغائر لا يملكه، لأنه إن كان فوّض إليه الحكم بين الناس فهذا مخصوص بالرافعات، فلا يتعدى إلى التزويج، وكذا لو قال: استنبتك في الحكم، أما لو قال له: استنبتك في جميع ما فوّض إلى السلطان فيملكه حيث عمم له اهـ. ثم استظهر في أنفع الوسائل أنه إذا ملك التزويج ليس له أن يأذن به لغيره، لأنه بمنزلة الوكيل عن القاضي، وليس للوكيل أن يوكل إلا بإذن اهـ. قوله: (وليس للوصي) أي وصيّ الصغير والصغيرة. بحر، واليتيم بوزن فعيل يشملهما. قوله: (من حيث هو وصيّ) احترز به عن قوله الآتي ((نعم لو كان قريباً أو حاكماً يملكه الخ)). قوله: (على المذهب) لأنه المذكور في كافي الحاكم مطلقاً، حيث قال: والوصيّ ليس بوليّ، وزاد في الذخيرة: سواء أوصى إليه الأب بالنكاح أو لا؛ نعم في الخانية وغيرها: أنه روى هشام في نوادره عن أبي حنيفة أنه له ذلك إن أوصى إليه به، وعليه مشى الزيلعي. قال في البحر، وهي رواية ضعيفة. واستثني في الفتح ما لو عين له الموصي في حياته رجلًاً، واعترضه في البحر بأنه إن زوجها من المعين في حياة الموصي فهو وكيل لا وصي وإن بعد موته، فقد بطلت الوكالة وانتقلت الولاية للحاكم عند عدم قريب. قوله: (يملكه) أي التزويج إن لم يكن أحد أولى منه. قوله: (ولا ممن لا تقبل شهادته له) كأصوله وإن ١٩٨ كتاب النكاح / باب الولي كما في معين الحكام، وأقره المصنف، وبه علم أن فعله حكم وإن عري عن الدعوى. صغيرة زوجت نفسها ولا ولي ولا حاكم ثمة توقف، ونفذ بإجازتها بعد علوا وفروعه وإن سفلوا ط. قوله: (علم أن فعله حكم) أي وليس له أن يحكم لنفسه لأنه في حق نفسه رعية، وكذا السلطان. ح عن الهندية. تنبيه: أفتى ابن نجيم بأن القاضي إذا زوّج يتيمة ارتفع الخلاف، فليس لغيره نقضه، أي لما علمت من أن ذلك حكم منه، ثم رأيت ما أفتى به في أنفع الوسائل. قوله: (وإن عري عن الدعوى) وأما قولهم: شرط نفاذ القضاء في المجتهدات أن يصير الحكم حادثة تجري فيه خصومة صحيحة عند القاضي من خصم على خصم، فالظاهر أنه محمول على الحكم القولي، أما الفعلي فلا يشترط فيه ذلك توفيقاً بين كلامهم. نهر. قلت: وكذا القضاء الضمني لا تشترط له الدعوى والخصومة، كما إذا شهدا على خصم بحق وذكرا اسمه واسم أبيه وجده وقضى بذلك الحق كان قضاء بنسبه ضمناً وإن لم يكن في حادثة النسب، وكذا لو شهدا بأن فلانة زوجة فلان، وكلت زوجها فلاناً في كذا على خصم منكر وقضى بتوكيلها كان قضاء بالزوجية بينهما، ونظيره الحكم بثبوت الرمضانية في ضمن دعوى الوكالة، وتمامه في قضاء الأشباه. قوله: (صغيرة زوجت نفسها) أي من كفء بمهر المثل، وإلا لم يتوقف، لأن الحاكم لا يملك العقد عليها بذلك فلا يملك إجازته، فكان عقداً بلا مجيز؛ نعم لو كان لها أب أو جد وزوّجت نفسها كذلك توقف، لأن له ميزاً وقت العقد، لأن الأب والجد يملكان العقد بذلك، والصغيرة كالصغير لما في الخانية من أن الصغير لو تزوّج بالغة ثم غاب فتزوّجت آخر وكان الصبيّ أجاز بعد بلوغه العقد الذي باشره في صغره: فإن كانت الإجازة بعد العقد الثاني جاز الثاني لأنها تملك الفسخ قبل إجازته، وإن كانت قبله. فإن كان الأول بمهر المثل أو بغين فاحش وللصغير أب أو جد نفذ بإجازة الصبيّ بعد بلوغه، وإلا فيجوز الثاني. قوله: (ولا حاكم ثمة) أي في موضع العقد. قوله: (توقف الخ) هذا قول بعض المتأخرين، ففي أحكام الصغار: فإن كانت في موضع لم يكن فيه قاض: إن كان ذلك الموضع تحت ولاية قاضي تلك البلدة ينعقد، ويتوقف على إجازة ذلك القاضي، وإلا فلا ينعقد. وقال بعض المتأخرين: ينعقد ويتوقف على إجازتها بعد البلوغ اهـ. واستشكله في البحر بأنهم قالوا: كل عقد لا مجيز له حال صدوره فهو باطل لا يتوقف. ثم قال: التوقف فيه باعتبار أن مجيزه السلطان كما لا يخفى اهـ. وهذا مبني على كفاية كون ذلك المكان تحت ولاية السلطان وإن لم يكن تحت ولاية قاض، وعليه ١٩٩ کتاب النكاح / باب الولي بلوغها لأنه له مجيزاً وهو السلطان ولو زوّجها وليان مستويان قدم السابق، فإن لم يدر أو وقعا معاً بطلا (وللولي الأبعد التزويج بغيبة الأقرب) فلو زوّج الأبعد حال قيام الأقرب توقف على إجازته، ولو تحولت الولاية إليه لم يجز إلا بإجازته بعد فبطلان العقد يتصور فيما إذا كان في دار الحرب أو البحر أو المفازة ونحو ذلك، بخلاف القرى والأمصار؛ ويدل عليه ما في الفتح في فصل الوكالة بالنكاح حيث قال: وما لا مجيز له: أي ما ليس له من يقدر على الإجازة يبطل كما إذا كانت تحته حرّة فزوجه الفضولي أمة أو أخت امرأته أو خامسة أو زوجه معتدة أو مجنونة أو صغيرة يتيمة في دار الحرب أو إذا لم يكن سلطان ولا قاض لعدم من يقدر على الإمضاء حالة العقد فوقع باطلًااهـ. وسيأتي تمامه في آخر الباب الآتي. وقد أطلنا الكلام في تحريره هذه المسألة في تنقيح الفتاوى الحامدية من كتاب المأذون. قوله: (وليان مستويان) كأخوين شقيقين، فلو أحد الوليين أقرب من الآخر: فلا ولاية للأبعد مع الأقرب إلا إذا غاب غيبة منقطعة، فنكاح الأبعد يجوز إذا وقع قبل عقد الأقرب. بحر: أي يجوز على أحد القولين، وفيه كلام يأتي قريباً. قوله: (فان لم يدر) ينبغي أنها لو بلغت وادعت أن أحدهما هو الأول يقبل لما في الفتح، ولو زوّجها أبوها وهي بكر بالغة بأمرها وزوجت هي نفسها من آخر فأيهما قالت هو الأول فالقول لها وهو الزوج، لأنها أقرّت بملك النكاح له على نفسها، وإقرارها حجة تامة عليها وإن قالت: لا أدري الأول ولا يعلم من غيرها فرق بينهما، وكذا لو زوّجها وليان بأمرها اهـ. قوله: (وللولي الأبعد الخ) المراد بالأبعد من يلي الغائب في القرب كما عبر به في كافي الحاكم، وعليه فلو كان الغائب أباها ولها جد وعم، فالولاية للجد لا للعم. قال في الاختيار: ولا تنتقل إلى السلطان لأن السلطان وليّ من لا وليّ له، وهذه لها أولياء إذ الكلام فيه اهـ. ومثله في الفتح وغيره، وبه علم أنه ليس المراد بالأبعد هنا القاضي، وما في الشرنبلالية من أن المراد به القاضي دون غيره لأن هذا من باب دفع الظلم اهـ إنما قاله في المسألة الآتية: أي مسألة عضل الأقرب كما يأتي بيانه، ويدل عليه التعليل بدفع الظلم فإنه لا ظلم في الغيبة، بخلاف العضل فالاعتراض على الشرنبلالية بمخالفتها لإطلاق المتون ناشئ عن اشتباه إحدى المسألتين بالأخرى، فافهم. قوله: (حال قيام الأقرب) أي حضوره وهو من أهل الولاية، أما لو كان صغيراً أو مجنوناً جاز نكاح الأبعد. ذخيرة. قوله: (توقف على إجارته) تقدم أن البالغة لو زوجت نفسها غير كفء، فللوليّ الاعتراض ما لم يرض صريحاً أو دلالة كقبض المهر ونحوه، فلم يجعلوا سكوته إجازة، والظاهر أن سكوته هنا كذلك فلا يكون سكوته إجازة النكاح الأبعد وإن كان حاضراً في مجلس العقد ما لم يرض صريحاً أو دلالة. تأمل. قوله: (ولو تحولت الولاية إليه) أي إلى الأبعد بموت ٢٠٠ كتاب النكاح / باب الولي التحول. قهستاني وظهيرية (مسافة القصر) واختار في الملتقى ما لم ينتظر الكفء الخاطب جوابه، واعتمده الباقاني، ونقل ابن الكمال أن عليه الفتوى، وثمرة الخلاف فيمن اختفى في المدينة هل تكون غيبة منقطعة (ولو زوّجها الأقرب حيث هو جاز) النكاح (على) القول (الظاهر) ظهيرية (ويثبت للأبعد) الأقرب أو غيبته غيبة منقطعة ط. قوله: (مسافة القصر الخ) اختلف في حدّ الغيبة، فاختار المصنف تبعاً للكنز أنها مسافة القصر، ونسبه في الهداية لبعض المتأخرين والزيلعي لأكثرهم، قال: وعليه الفتوى اهـ. وقال في الذخيرة: الأصح أنه إذا كان في موضع لو انتظر حضوره أو استطلاع رأيه فات الكفء الذي حضر فالغيبة منقطعة، وإليه أشار في الكتاب اهـ. وفي البحر عن المجتبى والمبسوط: أنه الأصح، وفي النهاية: واختاره أكثر المشايخ وصححه ابن الفضل، وفي الهداية أنه أقرب إلى الفقه. وفي الفتح أنه الأشبه بالفقه، وأنه لا تعارض بين أكثر المتأخرين وأكثر المشايخ: أي لأن المراد من المشايخ المتقدمون، وفي شرح الملتقى عن الحقائق أنه أصح الأقاويل، وعليه الفتوى اهـ. وعليه مشى في الاختيار والنقاية، ويشير كلام النهر إلى اختياره، وفي البحر: والأحسن الإيتاء بما عليه أكثر المشايخ. قوله: (هل تكون غيبة منقطعة) أي فعلى الأول لا، وعلى الثاني نعم لأنه لم يعتبر مسافة السفر. قلت: لكن فيه أن الثاني اعتبر فوات الكفء الذي حضر، فينبغي أن ينظر هنا إلى الكفء إن رضي بالانتظار مدة يرجى فيها ظهور الأقرب المختفي لم يجز نكاح الأبعد، وإلا جاز، ولعله بناه على أن الغالب عدم الانتظار. تأمل. قوله: (جاز على الظاهر) أي بناء على أن ولاية الأقرب باقية مع الغيبة. وذكر في البدائع اختلاف المشايخ فيه. وذكر أن الأصح القول بزوالها وانتقالها للأبعد. قال في المعراج وفي المحيط: لا رواية فيه، وينبغي أن لا يجوز لانقطاع ولايته، وفي المبسوط: لا يجوز، ولئن سلم فلأنها انتفعت برأيه، ولكن هذه منفعة حصلت لها اتفاقاً فلا يبنى الحكم عليها اهـ. وكذا ذكر في الهداية المنع ثم التسليم بقوله، ولو سلم قال في الفتح: وهذا تنزل، وأيد الزيلعي المنع من حيث الرواية والمنقول، وكذا في البدائع وبه علم أن قوله ((على الظاهر)) ليس المراد به ظاهر الرواية لما علمت من أنه لا رواية فيه، وإنما هو استظهار لأحد القولين؛ وقد علمت ما فيه من تصحيح خلافه ومنعه في أكثر الكتب. أقول: ويؤخذ من هذا بالأولى أن الوليين لو كانا في درجة واحدة كأخوين غاب أحدهما فزوج في مكانه لا يصح، لأنه إذا لم يصح تزويج الأقرب الغائب مع حضور