Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
باب الحج عن الغير
(أهلية المأمور لصحة الأفعال) ثم فرّع عليه بقوله (فجاز حج الضرورة) بمهملة:
من لم يحج (والمرأة) ولو أمة (والعبد وغيره) كالمراهق، وغيرهم أولى لعدم
الخلاف (ولو أمر ذمياً) أو مجنوناً
الزكاة. قوله: (لصحة الأفعال) عبر بالصحة دون الوجوب ليعم المراهق فإنه أهل
للصحة دون الوجوب ط. قوله: (ثم فرّع عليه) أي على أن الشرط هو الأهلية دون
اشتراط أن يكون المأمور قد حج عن نفسه ودون اشتراط الذكورة والحرية والبلوغ.
قوله: (بمهملة) أي بصاد مهملة وبتخفيف الراء.
مَطْلَبٌ فِي حَجِّ الصَّرُورَةِ
قوله: (من لم يحج) كذا في القاموس. وفي الفتح: والصرورة يراد به الذي لم
يحج عن نفسه اهـ. أي حجة الإسلام، لأن هذا الذي فيه خلاف الشافعي، فهو أعم من
المعنى اللغوي، فكان ينبغي للشارح ذكره، لأنه يشمل من لم يحج أصلاً، ومن حج عن
غيره أو عن نفسه نفلاً أو نذراً أو فرضاً فاسداً أو صحيحاً ثم ارتد ثم أسلم بعده كما
أفاده ح. قوله: (وغيرهم أولى لعدم الخلاف) أي خلاف الشافعي فإنه لا يجوز حجهم
كما في الزيلعي ح. ولا يخفى أن التعليل يفيد أن الكراهة تنزيهية، لأن مراعاة الخلاف
مستحبة، فافهم. وعلل في الفتح الكراهة في المرأة بما في المبسوط من أن حجها
أنقص؛ إذ لا رمل عليها، ولا سعي في بطن الوادي، ولا رفع صوت بالتلبية، ولا
حلْق. وفي العبد بما في البدائع من أنه ليس أهلاً لأداء الفرض عن نفسه؛ وأطلق في
صحة إحجاج العبد، فشمل ما إذا كان بإذن مولاه أو بغير إذنه كما صرح به في
المعراج، فافهم. وقال في الفتح أيضاً: والأفضل أن يكون قد حج عن نفسه حجة
الإسلام خروجاً عن الخلاف، ثم قال: والأفضل إحجاج الحرّ العالم بالمناسك الذي
حج عن نفسه. وذكر في البدائع كراهة إحجاج الصرورة لأنه تارك فرض الحج. ثم قال
في الفتح بعد ما أطال الاستدلال: والذي يقتضيه النظر أن حج الصرورة عن غيره إن
كان بعد تحقق الوجوب عليه بملك الزاد والراحلة والصحة فهو مكروه كراهة تحريم،
لأنه تضيق عليه في أول سني الإمكان فيأثم بتركه، وكذا لو تنفل لنفسه، ومع ذلك
يصح لأن النهي ليس لعين الحج المفعول بل لغيره وهو الفوات، إذ الموت في سنة
غیر نادر اهـ.
قال في البحر: والحق أنها تنزيهية على الآمر لقولهم: والأفضل الخ، تحريمية
على الصرورة المأمور الذي اجتمعت فيه شروط الحج ولم يحج عن نفسه، لأنه أثم
بالتأخير اهـ.
قلت: وهذا لا ينافي كلام الفتح لأنه في المأمور، ويحمل كلام الشارح على

٢٢
باب الحج عن الغير
(لا) يصح.
(وإذا مرض المأمور) بالحج (في الطريق ليس له دفع المال إلى غيره
ليحج) ذلك الغير (عن الميت إلا إذا) أذن له بذلك، بأن (قيل له وقت الدفع
اصنع ما شئت فيجوز له) ذلك (مرض أو لا) لأنه صار وكيلاً مطلقاً
الآمر، فيوافق ما في البحر من أن الكراهة في حقه تنزيهية وإن كانت في حق المأمور
تحریمیة.
تنبيه: قال في نهج النجاة لابن حمزة النقيب بعد ما ذكر كلام البحر المار: أقول:
وظاهره يفيد أن الصرورة الفقير لا يجب عليه الحج بدخول مكة، وظاهر كلام البدائع
بإطلاقه الكراهة: أي في قوله: يكره إحجاج الصرورة لأنه تارك فرض الحج يفيد أنه
يصير بدخول مكة قادراً على الحج عن نفسه وإن كان وقته مشغولاً بالحج عن الآمر
وهي واقعة الفتوى، فليتأمل اهـ.
قلت: وقد أفتى بالوجوب مفتي دار السلطنة العلامة أبو السعود، وتبعه في سكب
الأنهر، وكذا أفتى به السيد أحمد بادشاه، وألف فيه رسالة. وأفتى سيدي عبد الغني
النابلسي بخلافه وألف فيه رسالة، لأنه في هذا العام لا يمكنه الحج عن نفسه لأن سفره
بمال الآمر، فيحرم عن الآمر ويحج عنه، وفي تكليفه بالإقامة بمكة إلى قابل ليحج عن
نفسه ويترك عياله ببلده حرج عظيم، وكذا في تكليفه بالعود وهو فقير حرج عظيم أيضاً.
وأما ما في البدائع فإطلاقه الكراهة المنصرفة إلى التحريم يقتضي أن كلامه في
الصرورة الذي تحقق الوجوب عليه من قبل كما يفيده ما مر عن الفتح؛ نعم قدمنا أول
الحج عن اللباب وشرحه أن الفقير الآفاقي إذا وصل إلى ميقات فهو كالمكي في أنه إن
قدر على المشي لزمه الحج ولا ينوي النفل على زعم أنه فقير لأنه ما كان واجباً عليه وهو
آفاقي، فلما صار كالمكي وجب عليه؛ حتى لو نواه نفلاً لزمه الحج ثانياً اهـ. لكن
هذا لا يدل على أن الصرورة الفقير كذلك، لأن قدرته بقدرة غيره كما قلنا، وهي غير
معتبرة؛ بخلاف ما لو خرج ليحج عن نفسه وهو فقير، فإنه عند وصوله إلى الميقات صار
قادراً بقدرة نفسه فيجب عليه وإن كان سفره تطوعاً ابتداء، ولو كان الصرورة الفقير مثله
لما صح تقييد ابن الهمام كراهة التحريم بما إذا كان حجه عن الغير بعد تحقق الوجوب
عليه، وتعليله للكراهة بأنه تضيق الوجوب عليه، فليتأمل. قوله: (لا يصح) أي لعدم
الأهلية المذكورة. قوله: (وإذا مرض) أي عرض له مانع من ذهابه کمرض وحبس وشمل
ما لو عليه الآمر أو لا. قوله: (عن الميت) أي عن المحجوج عنه حياً أو ميتاً. قوله: (إلا
إذا أذن له) بالبناء للمجهول ليناسب ما بعده، ويشمل ما لو أذن له الميت أو وصيه ولم

٢٣
باب الحج عن الغير
(خرج) المكلف (إلى الحج ومات في الطريق وأوصى بالحج عنه) إنما تجب
الوصية به إذا أخّره بعد وجوبه، أما لو حج من عامه فلا (فإن فسر المال) أو
المكان (فالأمر عليه) أي على ما فسره (وإلا فيحج) عنه (من بلده) قياساً لا
استحساناً فليحفظ،
يكن عينه الميت بمنع إحجاج غيره كما مر. قوله: (خرج المكلف الخ) أما إذا لم يخرج
وأوصى بأن يحج عنه وأطلق: أي لم يعين مالًا ولا مكاناً فإنه يحج عنه من ثلث ماله من بلده
إن بلغ الثلث، لأن الواجب عليه الحج من بلده الذي يسكنه، وإلا فمن حيث يبلغ، وإن
لم يمكن من مكان بطلت الوصية كما في اللباب، قال شارحه: ولعل المكان مقيد بما قبل
المواقيت، وإلا فبأدنى شيء يمكن أن يحج عنه من مكة؛ وكذا الحكم إذا أوصى أن يحج
عنه بمال وسمی مبلغه، فإنه إن کان یبلغ من بلده فمنها، وإلا فمن حیث یبلغ اهـ. واحترز
بالمکلف عن غيره کالصبي والمجنون فإن وصیته لا تعتبر. واحترز بقوله ((إلى الحج)» عما
لو خرج للتجارة ونحوها وأوصى فإنه يحج عنه من وطنه إجماعاً كما في المعراج وغيره،
وقيد بخروجه بنفسه لأنه لو أمر غيره ومات المأمور في الطريق فسيذكر تفصيله بعد.
قوله: (ومات في الطريق) أراد به موته قبل الوقوف بعرفة ولو كان بمكة بحر.
وفي التجنيس: إذا مات بعد الوقوف بعرفة أجزأ عن الميت، لأن ((الحج عرفة)»
بالنص، وقدمنا عند الكلام على فرض الحج أن الحاج عن نفسه إذا أوصى بإتمام الحج
تجب بدنة. قوله: (إنما تجب الوصية به الخ) كذا في التجنيس. قال الكمال: وهو قيد
حسن. شرنبلالية. قوله: (فالأمر عليه) أي الشأن مبني على ما فسره: أي عينه، فإن
فسر المال یحج عنه من حیث یبلغ وإن فسر المكان يحج عنه منه ح.
قلت: والظاهر أنه يجب عليه أن يوصي بما يبلغ من بلده إن كان في الثلث سعة،
فلو أوصى بما دون ذلك أو عين مكاناً دون بلده يأثم لما علمت أن الواجب عليه الحج
من بلد يسكنه. قوله: (من بلده) فلو كان له أوطان فمن أقربها إلى مكة، وإن لم يكن له
وطن فمن حيث مات؛ ولو أوصى خراساني بمكة أو مكي بالري يحج عنهما من
وطنهما، ولو أوصى المكي: أي الذي مات بالري أن يقرن عنه يقرن عنه من الري
لباب: أي لأنه لا قران لمن بمكة.
مَطْلَبٌ: العَمَلُ عَلَى القِيَاسِ دُونَ الاسْتِحْسَانِ هُنَا
قوله: (قياساً لا استحساناً) الأول قول الإمام، والثاني قولهما، وأخّر دليله في
الهداية فيحتمل أنه مختار له، لأن المأخوذ به في عامة الصور الاستحسان. عناية. وقوّاه
في المعراج، لكن المتون على الأول، وذكر تصحيحه العلامة قاسم في کتاب
١

٢٤
باب الحج عن الغير
فلو أحج الوصيّ عنه من غيره لم يصح (إن وفى به) أي بالحج من بلده (ثلثه)
وإن لم يف فمن حيث يبلغ استحساناً، ولوصي الميت ووارثه أن يسترد المال من
المأمور ما لم يحرم، ثم إن رده لخيانة منه فنفقة الرجوع في ماله، وإلا ففي مال
الميت.
الوصايا، فهو مما قدم فيه القياس على الاستحسان وإليه أشار بقوله ((فليحفظ)). قوله:
(فلو أحج الوصي عنه من غيره) أي من غير بلده فيما إذا وجب الإحجاج من بلده لم
يصح ويضمن ويكون الحج له ويحج عن الميت ثانياً، لأنه خالف، إلا أن يكون ذلك
المكان قريباً من بلده بحيث يبلغ إليه ويرجع إلى الوطن قبل الليل كما في اللباب
والبحر. قوله: (ثلثه) أي ثلث مال الموصي، فإن بلغ الثلث الإحجاج راكباً فأحج
ماشياً لم يجز، وإن لم يبلغ إلا ماشياً من بلده، قال محمد: يحج عنه من حيث بلغ راكباً.
وعن الإمام أنه يخير بينهما. وأما إن كان الثلث يكفي لأكثر من حجة، فإن عين الميت
حجة واحدة فالفاضل للورثة، وإن أطلق أحج عنه في كل سنة حجة واحدة أو أحج في
سنة حججاً، وهو الأفضل تعجيلاً لتنفيذ الوصية لأنه ربما يهلك المال؛ وإن عين
الميت في كل سنة حجة فهو كالإطلاق، كما لو أمر الوصي رجلاً بالحج السنة فأخره
إلى القابلة جاز عن الميت ولا يضمن، لأن ذكر السنة للاستعجال لا للتقييد. بحر.
قلت: ومثل الثلث ما لو قال أحجوا عني بألف، وبالألف يبلغ حججاً كما في اللباب
وشرحه. قوله: (وإن لم يف فمن حيث يبلغ) لكن لو أحج عنه من حيث يبلغ وفضل
من الثلث وتبين أنه يبلغ من موضع أبعد منه يضمن الوصي ويحج عن الميت من حيث
يبلغ، إلا أن يكون الفاضل شيئاً يسيراً من زاد أو كسوة فلا يضمن. شرح اللباب. ونقله
في الفتح عن البدائع. قوله: (ووارثه) الأولى العطف بأو كما فعل في اللباب، لأنه لو
کان وصی فلا كلام للوارث في الوصية؛ نعم لو كان الميت هو الذي دفع للمأمور ثم
مات كان للوارث استرداد ما في يد المأمور، وإن أحرم كما سيأتي في الفروع: أي
ولو مع وجود الوصي لأن الباقي صار ميراثاً لكون الميت لم يوص به. قوله: (ما لم
يحرم) فلو أحرم ليس له الاسترداد، والمحرم يمضي في إحرامه، وبعد فراغه من الحج
ليس له استرداده حتى يرجع إلى أهله، وإن أحرم حين أراد الأخذ فله أن يأخذه ویکون
إحرامه تطوعاً عن الميت. شرح اللباب عن خزانة الأكمل. قوله: (وإلا) يعني بأن رده
لعلة غير الخيانة كضعف رأي فيه أو جهل بالمناسك، أما لو بلا علة فالنفقة في مال
الدافع. قال في البحر: إن استرد بخيانة ظهرت منه: أي من المأمور فالنفقة في ماله
خاصة وإن استرد لا بخيانة ولا تهمة فالنفقة على الوصي في ماله خاصة، وإن استرد
لضعف رأي فيه أو لجهله بأمور المناسك فأراد الدفع إلى أصلح منه فنفقته في مال

٢٥
باب الحج عن الغير
(أوصى بحج فتطوّع عنه رجل لم يجزه) وإن أمره الميت؛ لأنه لم يحصل
مقصوده وهو ثواب الإنفاق، لكن لو حج عنه ابنه ليرجع في التركة جاز إن لم
يقل من مالي، وكذا لو أحج لا ليرجع كالدين إذا قضاه من مال نفسه.
الميت لأنه استرد لمنفعة الميت اهـ. أفاده ح. قوله: (أوصى بحج الخ) قيد بالوصية
لأنه لو کان لم یوص فتبّع عنه الوارث بالحج أو الإحجاج یصح کما قدمه المصنف:
أي يصح عن الميت عن حجة الإسلام إن شاء الله تعالى كما قدمناه. ونقل ط عن .
الولوالجية أن التعليق بالمشيئة على القبول لا على الجواز، وقدمنا أيضاً عن شرح
اللباب أن الوارث غير قيد، فإذا لم يوص بجزئه تبرع الوارث والأجنبي عنه، وسيأتي
تمام الكلام عليه. قوله: (فتطوع عنه رجل) أطلق الرجل المتطوّع فشمل الوارث، وبه
صرح قاضيخان بقوله: الميت إذا أوصى بأن يحج عنه بماله فتبرع عنه الوارث أو
الأجنبي: لا يجوز اهـ.
قلت: يعني لا يجوز عن فرض الميت، وإلا فله ثواب ذلك الحج. ح عن
الشرنبلالية. ولهذا قال المصنف: لم يجزه من الإجزاء، لكن سيأتي ما يدل على أن
الثواب إنما يحصل للميت إذا جعله له الحاج بعد الأداء. قوله: (وإن أمره الميت) أي
إن الميت إذا أوصى بالإحجاج عنه وأمر أن يحج عنه زید فحجّ عنه زيد من مال نفسه لم
يجز عن الميت للعلة المذكورة، فافهم. قوله: (لكن لو حج عنه ابنه) أي مثلاً، وإلا
فكذا حكم بقية الورثة. شرح اللباب.
قلت: بل الوصي كذلك كما يفيده ما يأتي قريباً عن عمدة الفتاوى. ثم إن هذا
استدراك على إطلاق الرجل في قوله ((فتطوع عنه رجل)) بأن الوارث أو الوصيّ يخالف
الأجنبي في أنه لو تطوع من وجه بأن أنفق من ماله ليرجع في التركة جاز، بخلاف
الأجنبي، لأن الوارث خليفة عن الميت، ولذا لو قضى الدين من مال نفسه ليرجع
جاز. قال في البحر: ولو حج على أن لا يرجع فإنه لا يجوز عن الميت لأنه لم يحصل
مقصود الميت وهو ثواب الإنفاق اهـ.
قلت: وقدمنا أن الوارث ليس له الحج بمال الميت إلا أن تجيز الورثة وهم كبار،
لأن هذا مثل التبرع بالمال، فالظاهر تقييد حج الوارث هنا بذلك أيضاً. تأمل. قوله:
(إن لم يقل من مالي) في البحر عن آخر عمدة الفتاوى للصدر الشهيد: لو أوصى بأن
يحج عنه بألف من ماله فأحج الوصي من مال نفسه ليرجع ليس له ذلك، لأن الوصية ... ..
باللفظ فيعتبر لفظ الموصي وهو أضاف المال إلى نفسه فلا يبدل اهـ. قوله: (وكذا لو
أحج لا ليرجع) أي إنه يجوز.
واستفيد منه أنه لو أحج ليرجع أنه يجوز بالأولى، وقد نص عليهما في الخانية

٢٦
باب الحج عن الغير
(ومن حج عن) كل من (آمريه وقع عنه وضمن مالهما) لأنه خالفهما (ولا يقدر
على جعله عن أحدهما) لعدم الأولوية، وينبغي صحة التعيين لو أطلق الإحرام.
ولو أبهمه، فإن عين أحدهما قبل الطواف والوقوف
حيث قال: إذا أوصى الرجل بأن يحج عنه فأحج الوارث رجلاً من مال نفسه ليرجع في
مال الميت جاز، وله أن يرجع في مال الميت، وكذا الزكاة والكفارة، ولو فعل ذلك
الأجنبي لا يرجع؛ ولو أوصى بأن يحج عنه فأحج الوارث من مال نفسه لا ليرجع عليه
جاز للميت عن حجة الإسلام اهـ. قال في شرح اللباب بعد نقله: وفيه بحث لا
يخفى اهـ. أي لما مر من أنه يشترط في الحج عن الغير إذا كان بوصية الإنفاق من مال
المحجوج عنه احترازاً عن التبرع كما مر بيانه، فتجويزه فيما لو أحج من ماله لا ليرجع
مخالف لذلك، ولذا لم يجز فيما لو حج الوارث بنفسه لا ليرجع، ولا يظهر فرق بينهما،
لما علمت من أن مقصود الميت بالوصية ثواب الإنفاق من ماله، وهو حاصل فيما لو
حج الوارث أو أحج عنه ليرجع دون ما إذا أنفق لا ليرجع فيهما.
واستشكل ذلك في الشرنبلالية أيضاً، والتفرقة بأنه في الإحجاج قام الوارث مقام
الميت في دفع المال، فكأن المأمور أنفق من مال الميت، بخلاف ما إذا حج الوارث
بنفسه فإنه لم يحصل منه دفع المال، بل ما حصل منه إلا مجرد الأفعال، فلم يجز ما لم
ينو الرجوع في ماله غير ظاهرة، لأن حجه بنفسه لا بد له من النفقة أيضاً، فافهم.
قوله: (ومن حج) أي أهلّ بحج لأنه يصير مخالفاً بمجرد الإهلال بلا توقف على
الأعمال. أفاده ح. قلت: أي في صورة المتن وإلا فقد لا يصير مخالفاً إلا بالشروع كما
سيظهر لك. قوله: (عن آمريه) أي لو كانا أبويه أو أجنبيين كما صرح به في الفتح،
فقوله في البحر: شمل الأبوين وسيأتي إخراجهما، فيه نظر، لأن الآتي في الإحرام
عنهما بغير أمرهما، والكلام هنا في الإحرام عن الآمرين، فافهم. قوله: (وقع عنه) أي
عن المأمور نفلاً، ولا يجزئه عن حجة الإسلام. بحر ونهر. وفيه نظر يأتي قريباً. قوله:
(لأنه خالفهما) علة لوقوعه عنه وللضمان: أي لأن كل واحد إنما أمره أن يخلص النفقة
له، وقد صرفها لحج نفسه لأنه لا يمكنه إيقاعه عن أحدهما لعدم الأولوية. قوله:
(وينبغي صحة التعيين لو أطلق) أي كما لو قال لبيك بحجة وسكت.
قال الزيلعي: وإن أطلق، بأن سكت عن ذكر المحجوج عنه معيناً ومبهماً، قال
في الكافي: لا نص فيه، وينبغي أن يصح التعيين هنا إجماعاً لعدم المخالفة اهـ. وقوله
(وينبغي أن يصح التعيين)) أي تعيين أحد آمريه قبل الطواف والوقوف كما في مسألة
الإبهام، وقوله ((إجماعاً)) قال شيخنا: ينبغي أن يجري فيه خلاف أبي يوسف الآتي في
مسألة الإبهام لجريان علته هنا أيضاً ح. قوله: (ولو أبهمه) بأن قال لبيك بحجة عن أحد
آمري ح. قوله: (قبل الطواف) المراد به طواف القدوم كما قال أبو حنيفة، فيما لو جمع

٢٧
باب الحج عن الغير
جاز،
بين إحرامين لحجتين ثم شرع في طواف القدوم ارتفضت إحداهما.
فإن قلت: ذكر الوقوف مستدرك. قلت: يمكن أن لا يطوف للقدوم فيكون
الوقوف حينئذ هو المعتبر اهـ ح. قوله: (جاز) أي عندهما. وقال أبو يوسف: بل وقع
ذلك عن نفسه بلا توقف وضمن نفقتهما وهو القياس، لأن كل واحد منهما أمره بتعين
الحج له، فإذا لم يعين فقد خالف. وجه قولهما وهو الاستحسان أن هذا إبهام في
الإحرام، والإحرام ليس بمقصود، وإنما هو وسيلة إلى الأفعال، والمبهم يصلح وسيلة
بواسطة التعيين فاكتفى به شرطاً. ح عن الزيلعي.
قلت: والحاصل أن صور الإبهام أربعة: أن يهلّ بحجة عنهما وهي مسألة المتن،
أو عن أحدهما على الإبهام، أو يهل بحجة ويطلق، والرابعة أن يحرم عن أحدهما معيناً
بلا تعيين لما أحرم به من حج أو عمرة، ولم يذكر الشارح الرابعة لجوازها بلا خلاف
كما في الفتح.
وقد ذكر في الفتح أن مبنى الجواب في هذه الصور على أنه إذا وقع المأمور لا
يتحوّل بعد ذلك إلى الآمر، وأنه بعد ما صرف نفقة الآمر إلى نفسه ذاهباً إلى الوجه
الذي أخذ النفقة له، لا ينصرف الإحرام إلى نفسه إلا إذا تحققت المخالفة أو عجز شرعاً
عن التعيين.
ففي الصورة الأولى من الصور الأربع: تحققت المخالفة والعجز عن التعيين، ولا
ترد مسألة الأبوين الآتية لأنها بدون الآمر كما يأتي، فلا تتحقق المخالفة في ترك التعيين،
ويمكنه التعيين في الانتهاء لأن حقيقته جعل الثواب، ولذا لو أمره أبواه بالحج كان الحكم
كما في الأجنبیین.
وفي الصورة الثانية من الأربع: لم تتحقق المخالفة بمجرد الإحرام قبل الشروع في
الأعمال، ولا يمكن صرف الحجة له لأنه أخرجها عن نفسه بجعلها لأحد الآمرين فلا
تنصرف إليه إلا إذا وجد تحقق المخالفة أو العجز عن التعيين ولم يتحقق ذلك لأنه يمكنه
التعيين إلا إذا شرع في الأعمال ولو شوطاً، لأن الأعمال لا تقع لغير معین فتقع عنه ثم لا
يمكنه تحويلها إلى غيره، وإنما له تحويل الثواب فقط، ولولا النص لم يتحول الثواب أيضاً.
وفي الصورة الثالثة: لا خفاء أنه ليس فيها مخالفة لأحد الآمرين ولا تعذر التعيين ولا
تقع عن نفسه لما قدمناه.
وأما الرابعة: فأظهر الكل. اهـ ما في الفتح ملخصاً. وأنت خبير بأن ما قرره في
الصورة الثانية صريح في أنه إذا شرع في الأعمال قبل تعيين أحد الآمرين وقعت الحجة

٢٨
باب الحج عن الغير
بخلاف ما لو أهل بحج عن أبويه أو غيرهما من الأجانب حال كونه (متبرّعاً فعين
بعد ذلك جاز)
عن نفسه لتحقق المخالفة والعجز عن التعيين، وكذا تقع عن نفسه بالأولى في الصورة
الأولى. والظاهر أنها تجزئه عن حجة الإسلام لأنها تصح بالتعيين وبالإطلاق، بخلاف ما
لو نوى بها النفل والمأمور إن كان صرفها عن نفسه بجعلها للآمرين أو لأحدهما، لكن
لما تحققت المخالفة بطل ذلك الصرف وإلا لم تقع عن نفسه أصلاً؛ فیکون حينئذ كما
لو أحرم عن نفسه ابتداء ولم ينو النفل فتقع عن حجة الإسلام، ولذا قال في الفتح أيضاً
فيما لو أمره بالحج فقرن معه عمرة لنفسه: لا يجوز ويضمن اتفاقاً. ثم قال: ولا تقع
عن حجة الإسلام عن نفسه، لأن أقل ما تقع بإطلاق النية وهو قد صرفها عنه في النية
وفي نظر. اهـ كلامه. والظاهر أن وجه النظر ما قررناه من أنه حيث تحققت المخالفة،
ووقعت عن نفسه بطل صرف النية فتجزيه عن حجة الإسلام، فقوله في البحر فيما مر:
تقع عن المأمور نفلاً ولا تجزئه عن حجة الإسلام، فيه نظر، وقد صرح الباقاني في
شرح الملتقى، وتبعه الشارح في شرحه عليه أيضاً بأنه يخرج بها عن حجة الإسلام،
فهذا ما تحرر لي، فافهم والسلام. قوله: (بخلاف ما لو أهل الخ) مرتبط بقوله ((ومن
حج عن آمريه)) وقوله ((جاز)) جملة مستأنفة لبيان جهة المخالفة بين المسألتين، فإنه في
الأولى لا يجوز والثانية بخلافها، لكن الجواز هنا مشروط بما إذا لم يأمراه بالحج،
وقوله ((عن أبويه أو غيرهما)) تنبيه على أن ذكر الأبوين في الكنز وغيره ليس بقيد
احترازي، وإنما فائدته الإشارة إلى أن الولد يندب له ذلك جداً كما في النهر، وبه علم
أن التقييد بالأبوين في هذه المسألة لا يدل على أن المراد بالآمرين في التي قبلها
الأجنبيان، بل الأبوان إذا أمراه فحكمهما كالأجنبيين كما قدمناه عن الفتح، فظهر أنه لا
فرق بين الأبوين والأجنبيين في المسألتين وإنما العبرة للأمر وعدمه: أي صريحاً كما
يظهر قريباً، فإذا أحرم بحجة عن اثنين أمره كل منهما بأن يحج عنه وقع عنه ولا يقدر
على جعله لأحدهما، وإن أحرم عنهما بغير أمرهما صح جعله لأحدهما أو لكل منهما؛
وكذا لو أحرم عن أحدهما مبهماً يصح تعيينه بعد ذلك بالأولى كما في الفتح. قال:
ومبناه على أن نيته لهما تلغو لعدم الأمر، فهو متبرّع فتقع الأعمال عنه البتة. وإنما
يجعل لهما الثواب وترتبه بعد الأداء فتلغو نیته قبله، فيصح جعله بعد ذلك لأحدهما أو
لهما.
ولا إشكال في ذلك إذا كان متنفلاً عنهما، فإن كان على أحدهما حج الفرض
وأوصى به لا يسقط عنه بتبرع الوارث عنه بمال نفسه، وإن لم يوص به فتبرع الوارث
عوه بالإحجاج أو الحج بنفسه، قال أبو حنيفة: يجزيه إن شاء الله تعالى لقوله (وَلخام

٢٩
باب الحج عن الغير
لأنه متبرع بالثواب، فله جعله لأحدهما أو لهما،
للخثعمية ((أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» الحديث انتهى. وبهذا ظهر فائدة أخرى
للتقييد بالأبوين في هذه المسألة، وهي سقوط الفرض عن الذي عينه له بعد الإبهام لو
بدون وصية، لكن يشكل عليه أنه إذا لغت نيته لهما لعدم الأمر ووقعت الأعمال عنه
البتة كيف يصح تحويلها إلى أحدهما؟ وقد مر أن الحج إذا وقع عن المأمور لا يمكن
تحويله بعد ذلك إلى الآمر؛ نعم يمكن تحويل الثواب فقط للنص كما مر، ولهذا والله
أعلم قال في الفتح: ولا إشكال في ذلك إذا كان متنفلاً عنهما: أي لأن غاية حال
المتنفل أن يجعل ثواب عمله لغيره وهو صحيح. أما وقوع عمله عن فرض الغير بغير
أمره فهو مشكل. والجواب ما مر في كلام الشارح من أن الوارث إذا حج أو أحج عن
مورّثه جاز لوجود الأمر دلالة: أي فكأنه مأمور من جهته بذلك، وعليه فتقع الأعمال
عن الميت لا عن العامل، فقوله في الفتح: ومبناه على أن نيته لهما تلغو الخ،
مخصوص بما إذا لم يكن عليهما فرض لم يوصيا به، وقدمنا عن البدائع تعليله بالنص
أيضاً وهو ما علمته من حديث الخثعمية، وبهذا فارق الوارث الأجنبي، لكن قدمنا عن
شرح اللباب عن الكرماني والسروجي أن الأجنبي كذلك؛ نعم هذا مخالف لاشتراط
الأمر في الحج عن الغير، والأجنبي غير مأمور لا صريحاً ولا دلالة، وقدمنا الجواب
بأنه مبني على اختلاف الرواية في هذا الشرط والمشهور اشتراطه، وحيث علم وجوده
في الوارث دلالة ظهر لاقتصار الكنز وغيره على الأبوين. فائدة ثالثة، وهي أن الأمر
دلالة ليس له حكم الأمر حقيقة من كل وجه لما علمت من أن الأبوين لو أمراه حقيقة
لم يصح تعيين أحدهما بعد الإبهام كما في الأجنبيين، وإن لم يأمراه صريحاً صح
التعيين؛ ولو فرضوا المسألة ابتداء في الأجنبيين لتوهم أن الأبوين لا يصح تعيين
أحدهما لوجود الأمر دلالة ففرضوها في الأبوين لإفادة صحة التعيين وإن وجد الأمر
دلالة، وليفيدوا أن المراد بالأمر في المسألة الأولى الأمر صريحاً، والله أعلم.
تنبيه: الذي تحصل لنا من مجموع ما قررناه أن من أهلّ بحجة عن شخصين، فإن
أمراه بالحج وقع حجه عن نفسه البتة، وإن عين أحدهما بعد ذلك، وله بعد الفراغ جعل
ثوابه لهما أو لأحدهما، وإن لم يأمراه فكذلك، إلا إذا كان وارثاً وكان على الميت حج
الفرض ولم يوص به فيقع عن الميت حجة الإسلام للأمر دلالة وللنص بخلاف ما إذا
أوصى به لأن غرضه ثواب الإنفاق من ماله، فلا يصح تبرّع الوارث عنه، وبخلاف
الأجنبي مطلقاً لعدم الأمر. قوله: (لأنه متبرع بالثواب) بيان لوجه صحة التعيين في
مسألة الأبوين دون مسألة الآمر، وهو معنى ما قدمناه من قوله في الفتح: ومبناه على أن
نيته لهما تلغو لعدم الأمر فهو متبرّع الخ.

٣٠
باب الحج عن الغير
قال في الشرنبلالية: قلت: وتعليل المسألة يفيد وقوع الحج عن الفاعل، فيسقط
به الفرض عنه وإن جعل ثوابه لغيره، ويفيد ذلك الأحاديث التي رواها في الفتح بقوله:
اعلم أن فعل الولد ذلك مندوب إليه جداً. لما أخرج الدارقطني عن ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما عنه ول# لمن حجّ عن أبويه أو قضى عنهما مغرماً بعث يوم القيامة مع
الأبرار)). وأخرج أيضاً عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال ((مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ
فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَج))(١). وأخرج أيضاً عن زيد بن أرقم
قال: قال رسول الله وَله((إِذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِّدَيه تُقُبلَ مِنْهُ وَمِنْهُمَا، وَأَسْتَبْشَرِتْ
أَرْوَاحُهُمَا، وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا)) (٢) اهـ.
أقول: قد علمت مما قررناه أنه إذا حج الوارث عنهما وعلى أحدهما فرض لم
يوص به يقع عن الميت لسقوط القرض عنه بذلك إن شاء الله تعالی. وحينئذ فكيف
يصح دعوى سقوط الفرض به عن الفاعل أيضاً وقد صرفه إلى غيره وأجزنا صرفه؛ نعم
يظهر ذلك فيما إذا كان على أحدهما فرض أو وصى به أو لم يكن عليه فرض أصلاً،
ويدل على ذلك قوله في الفتح: وإنما يجعل لهما الثواب وترقيه بعد الأداء، ومثله قول
قاضیخان في شرح الجامع: وإنما يجعل ثواب فعله لهما، وهو جائز عندنا وجعل ثواب
حجه لغيره لا يكون إلا بعد أداء الحج، فبطلت نيته في الإحرام، فكان له أن يجعل
الثواب لأيهما شاء اهـ. فهذا صريح في أن النية لم تقع لهما، وأن الأعمال وقعت له،
فله جعل ثوابها لمن شاء بعد الأداء، فيمكن ادّعاء سقوط الفرض عن الفاعل بذلك كما
حررناه في مسألة الحج عن الآمرين، وبه يعلم جواز- جعل الإنسان ثواب فرضه لغيره
کما ذکرناه أول الباب.
وأمنا إذا كان على الميت فرض لم يوص به وسقط به فرض الميت يلزم منه وقوع
النية والأعمال له لا للفاعل، إلا أن يقال: إن الأعمال تقع للعامل هنا أيضاً كما هو
مقتضى إطلاق عبارة الفتح وقاضيخان وغيرهما، ولكن يسقط بها الفرض عن الميت
فضلاً من الله تعالى عملًا بالنص، وهو حديث الخثعمية وإن خالف القياس، ولذا علقه
أبو حنيفة بالمشيئة، ويسقط بها الفرض عن الفاعل أيضاً أخذاً من الأحاديث المذكورة،
ولذا كان الوارث مخالفاً لحكم الأجنبي في ذلك.
فإن قلت: ما مر من تعليل جواز حج الوارث بوجود الأمر دلالة يقتضي وقوع
الأعمال عن الميت، لأنه لو أمره صريحاً وقعت عنه بلا شبهة، فخالف ما اقتضاه
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ٢٦٠/٢.
(٢) أخرجه الدارقطني في السنن ٢/ ٢٦٠.

٣١
باب الحج عن الغير
وفي الحديث «من حجّ عن أبویه فقد قضى عنه حجته وكان له فضل عشر حجج،
وبعث من الأبرار)).
(ودم الإحصار) لا غير (على الآمر في ماله ولو ميتاً) قيل من الثلث، وقيل
من الكل. ثم إن فاته لتقصير منه ضمن، وإن بآفة سماوية لا.
إطلاق الفتح وغيره. وحينئذ فلا يمكن سقوط فرض العامل بذلك أيضاً.
قلت: قد علمت أن الأمر دلالة ليس كالأمر صريحاً من كل وجه، ولذا صح
تعيين أحد أبويه بعد الإبهام، ولو أمره صريحاً لم يصح كالأجنبيين كما قدمنا؛ فلو
اقتضى الأمر دلالة وقوع الأعمال عن الميت لم يصح التعيين فقلنا بوقوع الأعمال
للعامل، وكذا فيسقط فرضه بها، وكذا يسقط فرض الأب أو الأم عملاً بالأحاديث
المذكورة، والله أعلم. هذا غاية ما وصل إليه فهمي القاصر في تحرير هذه المواضع
المشكلة التي لم أر من أوضحها هذا الإيضاح، ولله الحمد. قوله: (وفي الحديث)
كلامه يوهم أن هذا الحديث واحد مع أنه مأخوذ من حديثين كما علمت مع تغيير بعض
اللفظ بناء على الصحيح من جواز رواية الحديث بالمعنى للعارف اهـ ح. قوله: (لا
غير) أي لا غير دم الإحصار من باقي الدماء الثلاثة، وهو دم الشكر في القران والتمتع
ودم الجناية. قوله: (على الآمر) هذا عندهما وعليه المتون، وعند أبي يوسف: على
المأمور. قوله: (قيل من الثلث) لأن الوصية بالحج تنفذ من الثلث، وهذا من توابع
الوصية، وقيل من الكل لأنه دين وجب حقاً للمأمور على الميت فيقضى من جميع
ماله، كما لو أوصى بأن يباع عبده ويتصدق بثمنه فباعه الوصيّ وضاع الثمن من يده ثم
استحق العبد فإن المشتري يرجع بالثمن على الوصيّ، ويرجع الوصي في قول أبي
حنيفة الأخير في جميع التركة من شرح الجامع لقاضيخان، واستوجه ط الأول والرحمتي
الثاني. قوله: (ثم إن فاته الخ) أي فات المأمور المعلوم من المقام، وأطلق الفوات
فشمل ما يكون بسبب الإحصار وغيره، فإن الإحصار يمكن أن يكون بتقصير منه كأن
تناول دواء ممرضاً قصداً حتى أحصره. أفاده ح.
هذا، وقد صرحوا بأن عليه الحج من قابل بمال نفسه كفائت الحج كما في
البحر. ثم قال: ولم يصرحوا بأنه في الإحصار والفوات إذا قضى الحج، هل يكون عن
الآمر أو يقع المأمور، وإذا كان للآمر فهل يجبر على الحج من قابل بمال نفسه؟ اهـ.
أقول: قال في البدائع: فإن فاته الحج يصنع ما يصنعه فائت الحج بعد شروعه،
ولا يضمن النفقة لأنه فاته بغير صنعه، وعليه في نفسه الحج من قابل، لأن الحجة قد
وجبت عليه بالشروع فلزمه قضاؤها وهذا على قول محمد ظاهر، لأن الحج عنده يقع

٣٢
باب الحج عن الغير
(ودم القران) والتمتع (والجناية على الحاج) إن أذن له الآمر بالقران والتمتع
وإلا فيصير مخالفاً فيضمن (وضمن النفقة إن جامع قبل وقوفه) فيعيد بمال نفسه
عن الحاج اهـ. ونقله في النهر عن السراج، ثم قال: وعلى قول غير محمد من أنه يقع
عن الآمر ينبغي أن يكون القضاء عن الآمر وتلزمه النفقة اهـ. ويؤيده أنه صرح في
اللباب بأنه إن فاته بآفة سماوية لم يضمن ويستأنف الحج عن الميت: أي بناء على قول
غير محمد. فعلم أن على قول محمد عليه الحج عن نفسه، وعلى قول غيره عن الميت.
وظاهره أنه يجب عليه من ماله، لكن في التاترخانية عن المنتقى قال محمد: يحج عن
الميت من بلده إذا بلغت النفقة، وإلا فمن حيث تبلغ، وعلى المحرم قضاء الحج الذي
قات عن نفسه، ولا ضمان عليه فيما أنفق ولا نفقة له بعد الفوات اهـ. فإن مقتضاه أن
الحج عن الميت من ماله وعلى المأمور حج آخر قضاء لما شرع فيه من مال نفسه.
ويخالفه ما في التاترخانية أيضاً عن التهذيب. قال أبو يوسف: إذا فسد حجه قبل
الوقوف عليه ضمان النفقة، وعليه الحج الذي أفسده وعمرة وحجة للآمر؛ ولو فاته
الحج لا يضمن لأنه أمين، وعليه قضاء الفائت وحج عن الآمر اهـ. فإن قوله: وعليه
قضاء الفائت الخ، يقتضي أن عليه الحجتين من ماله إلا أن يكون قوله: وحج عن
الآمر، بضم أوله مبنياً للمفعول: أي وعلى الورثة الإحجاج من ماله. ثم إن الظاهر أن
هذا من مقول أبي يوسف، فينافي ما مر عن النهر، فليتأمل، وسيأتي بقية الكلام عليه.
قوله: (والجناية) أطلقه فشمل دم الجماع ودم جزاء الصيد والحلق ولبس المخيط
والطيب والمجاوزة بغير إحرام. بحر. قوله: (على الحج) أي المأمور. أما الأول فلأنه
وجب شكراً على الجمع بين النسكين وحقيقة الفعل منه، وإن كان الحج يقع عن الآمر
لأنه وقوع شرعي لا حقيقي. وأما الثاني فباعتبار أنه تعلق بجنايته. أفاده في البحر.
قوله: (فيصير مخالفاً) هذا قول أبي حنيفة. ووجهه أنه لم يأت بالمأمور به لأنه أمره
بسفر يصرفه إلى الحج لا غير، فقد خالف أمر الآمر فضمن. بدائع. زاد في المحيط:
لأن العمرة لا تقع عن الآمر لأنه ما أمره بها فصار كأنه حج عنه واعتمر لنفسه فيصير
مخالفاً؛ ولو أمره بالحج فاعتمر ثم حج من مكة فهو مخالف لأنه مأمور بحج ميقاتي،
ولو أمره بالعمرة فاعتمر ثم حج عن نفسه لم يكن مخالفاً، بخلاف ما إذا حج أولًا ثم
اعتمر اهـ. وانظر ما قدمناه قبيل باب الإحرام. قوله: (وضمن النفقة الخ) أما الدم فهو
على المأمور على كل حال. بحر. قوله: (فيعيد بمال نفسه) لأنه إذا أفسده ولم يقع
مأموراً به فكان واقعاً عن المأمور فيضمن ما أنفق في حجه من مال غيره، ثم إذا قضى
الحج في السنة القابلة على وجه الصحة لا يسقط الحج عن الميت، لأنه لما خالف في

٣٣
باب الحج عن الغير
(وإن بعده فلا) لحصول المقصود (وإن مات) المأمور (أو سرقت نفقته في
الطريق) قبل وقوفه (حج من منزل آمره بثلث ما بقي) من ماله، فإن لم يف فمن
حيث يبلغ، فإن مات أو سرقت ثانياً حج من ثلث الباقي بعدها، هكذا مرة بعد
أخرى، إلى أن لا يبقى من ثلثه ما يبلغ الحج، فتبطل الوصية.
السنة الماضية بالإفساد صار الإحرام واقعاً عنه، فكذا الحج المؤدي به صار واقعاً عنه.
ابن كمال، وعليه حجة أخرى للآمر كما قدمناه آنفاً عن التاتر خانية عن التهذيب: أي
سوى حجّ القضاء، وهو الأصح كما في المعراج، وبه اندفع ما في البحر من قوله:
وإذا فسد حجه لزمه الحج من قابل بمال نفسه، وفيه ما تقدم من التردد في وقوعه عن
الآمر اهـ. قوله: (وإن مات الخ) الأنسب ذكر هذه المسألة عند قوله المار ((خرج
المكلف الخ)). قوله: (قبل وقوفه) قيد به لأنه لو مات بعده قبل الطواف جاز عن الآمر
لأنه أدى الركن الأعظم. خانية وفتح، وقدمنا نحوه عن التجنيس. فما بحثه في البحر
من أن أعظميته للأمن من الإفساد بعده لا لأنه يكفي فيجب على الآمر الإحجاج اهـ.
مخالف للمنقول؛ وأما لو بقي حياً وأتم الحج إلا طواف الزيارة فرجع ولم يطفه فقال في
الفتح: لا يضمن النفقة، غير أنه حرام على النساء ويعود بنفقة نفسه ليقضي ما بقي عليه
لأنه جان في هذه الصورة اهـ. قوله: (من منزل آمره) أي إن لم يعين منزلاً وإلا اتبع كما
مر. قوله: (فإن مات) أي المأمور الثاني. قوله: (من ثلث الباقي بعدها) أي بعد
النفقة: أي ثلث الباقي بعد هلاكها، وهو المراد بقولهم: بثلث ما بقي من المال،
فافهم، وهذا عند الإمام، وعند أبي يوسف: بالباقي من الثلث، وعند محمد: بما بقي
مع المأمور.
مثاله: أوصى بأن يحج عنه ومات عن أربعة آلاف فدفع الوصيّ للمأمور ألفاً
فسرقت، فعند الإمام يؤخذ ما يكفي من ثلث ما بقي من التركة وهو ألف، فإن سرقت
يؤخذ من ثلث الألفين الباقيين، وهكذا إلى أن يبقى ما ثلثه يكفي الحج.
وعند أبي يوسف: إذا سرق الألف الأول لم يبق من ثلث التركة إلا ثلاثمائة
وثلاثة وثلاثون وثلث فتدفع له إن كفت، ولا تؤخذ مرة أخرى.
وعند محمد: إن فضل من الألف الأولى ما يبلغ الحج حج به، وإلا فلا، هكذا
ذكر الخلاف عامة المشايخ وبعضهم قالوا: هذا إن أوصى بأن يحج عنه من الثلث أو بأن
يحج عنه ولم يؤد؛ أما لو أوصى بأن يحج عنه بثلث ما له فقول محمد كقول أبي يوسف،
وتمامه في جامع قاضيخان والفتح. وهذا الاختلاف إذا هلك في يد المأمور فلو في يد
الوصي بعد ما قاسم الورثة يحج عنه بثلث ما بقي اتفاقاً كما في التاتر خانية. قوله:

٣٤
باب الحج عن الغير
قلت: وظاهره أنه لا رجوع في تركة المأمور، فليراجع (لا من حيث مات)
خلافاً لهما، وقولهما استحسان.
فروع: يصير مخالفاً بالقران أو التمتع كما مر، لا بالتأخير عن السنة الأولى
وإن عينت لأنه للاستعجال لا للتقييد، والأفضل أن يعود إليه وعليه ردّ ما فضل
(وظاهره أنه لا رجوع في تركة المأمور) إن كان المراد أنه لا رجوع لورثة الآمر في تركة
المأمور بما بقي معه، فهذا بعيد جداً، لأن ما بقي مع المأمور لا يملكه، بل لو أتم
الحج يجب عليه رد الفاضل كما يأتي، فيصدق على هذا الباقي أنه من مال الآمر
فيحسب من الثلث، وقد صرح به القهستاني حيث قال بثلث الباقي مما في أيدي الورثة،
والمأمور وإن كان المراد أنه لا رجوع لهم بما أنفقه قبل موته أو بما سرق منه فهو لا
شبهة فيه، حيث لم يخالف كما مر فيما لو فاته الحج بغير صنعه، وإن كان المراد أنه لا
رجوع في تركته بما يدفع للمأمور الثاني، فهذا هو المتبادر من قولهم بثلث ما بقي من
ماله: أي مال الآمر، والظاهر أن هذا مراد الشارح نبه به على أنه لو فاته الحج بلا
صنعه ولزمه القضاء أن القضاء يكون في نفسه اتفاقاً خلافاً لما قدمناه من أن هذا ظاهر
على قول محمد، وأنه على قول غيره يكون القضاء عن الآمر وتلزم المأمور نفقته، فإن
مقتضاه أن المأمور إذا مات في الطريق ترجع ورثة الآمر على تركته بنفقة الذي يأمرونه
بالحج عن مورثهم، وهذا خلاف ما قرره الفقهاء هنا في المسألة الخلافية، حيث جعلوا
الإحجاج ثانياً بثلث ما بقي من جميع مال الآمر أو الباقي من الثلث أو بالباقي مع
المأمور، ولم يقل أحد إنه يكون من مال المأمور، فينافي ما تقدم بحثاً عن البدائع
والسراج والنهر، فلله درّ هذا الشارح ما أبعد مرماه، فافهم. قوله: (خلافاً لهما) أي في
الموضعين فيما يدفع ثانياً، وفي المحل الذي يجب الإحجاج منه ثانياً. فتح. قوله:
(وقولهما استحسان) يعني قولهما في المحل، أما فيما يدفع ثانياً فلم يذكروا فيه
الاستحسان. وفي الفتح: قول الإمام في الأول: أي فيما يدفع ثانياً أوجه وقولهما هنا
أوجه، وقدمنا ما يفيد ترجيحه أيضاً عن العناية والمعراج، لكن قدمنا أيضاً أن المتون
على قول الإمام، ونقل تصحيحه العلامة قاسم. قوله: (كما مر) أي في قوله ((وإلا
فيصير مخالفاً فيضمن)) ح. قوله: (لا للتقييد) لأن الحج لا يختلف باختلاف السنین،
ففي أي سنة حصل فيها وقع عنه، ولا يخفى أن الأولى إيقاعه في السنة المعينة خوفاً
من ذهاب النفقة أو تعطل الحج ط. قوله: (والأفضل أن يعود إليه) أي إلى منزل الآمر
المذكور في المتن. قال في البحر: ولو أحج رجلاً فحج ثم أقام بمكة جاز، لأن
الفرض صار مؤدى، والأفضل أن يحج ثم يعود إلى أهله، فافهم. قوله: (وعليه رد ما

٣٥
باب الحج عن الغير
من النفقة وإن شرطه له فالشرط باطل، إلا أن يوكله بهبة الفضل من نفسه أو
يوصي الميت به لمعين، ولوارثه أن يستردّ المال من المأمور ما لم يحرم، وكذا
إن أحرم وقد دفع إليه ليحج عنه وصيه فأحرم ثم مات الآمر.
وللوصيّ أن يحج بنفسه إلا أن يأمره بالدفع أو يكون وارثاً ولم تجز البقية.
ولو قال: منعت وكذبوه لم يصدق، إلا أن يكون أمراً ظاهراً؛ ولو قال: حججت
فضل من النفقة) قال في البحر: فالحاصل أن المأمور لا يكون مالكاً لما أخذه من
النفقة، بل يتصرّف فيه على ملك الآمر حياً كان أو ميتاً معيناً كان القدر أولا، ولا يحل
له الفضل إلا بالشرط الآتي، سواء كان الفضل كثيراً أو يسيراً كيسير من الزاد، كما
صرح به في الظهيرية اهـ.
قلت: وهذا مما يدل على أن الاستئجار على الحج لا يصح عند المتأخرين كما
قدمنا الكلام عليه، فافهم. قوله: (إلا أن يوكله الخ) قال في الفتح: وإذا أراد أن يكون
ما فضل للمأمور يقول له: وكلتك أن تهب الفضل من نفسك وتقبضه لنفسك، فإن كان
على موت قال: والباقي مني لك وصية اهـ. زاد في اللباب: وإن لم يعين الآمر رجلاً
يقول للوصيّ: أعط ما بقي من النفقة من شئت، وإن أطلق فقال: وما يبقى من النفقة.
فهو للمأمور، فالوصية باطلة اهـ. أي لأنها لمجهول. قوله: (ولوارثه الخ) هذه المسألة
تقدمت عند. قوله ((إن وفى به ثلثه)) لكن ذكرت في كل من الموضعين مع زيادة، لم
توجد في الآخر، ففي الأول زاد الوصيّ، والتفصيل في نفقة الرجوع وفي هذا زاد قوله
(كذا إن أحرم الخ)) وكان عليه أن ينظمهما في سلك واحد ح. قوله: (وكذا إن أحرم
وقد دفع إليه ليحج عنه وصيه الخ) هذا التركيب فاسد المعنى. ووجد في نسخة ((ليحج
عنه بلا وصية)) وهي الصواب، لأن المراد أن المحجوج عنه إذا لم يوص بالحج ولكنه
دفع إلى رجل ليحج عنه ثم مات الدافع فللورثة استرداد المال الباقي من الرجل، وإن
أحرم بالحج. قال في النهر: وقيدنا بكون الآمر أوصى بالحج عنه لما في المحيط: لو
دفع إلى رجل مالاً ليحج به عنه فأهلّ بحجة ثم مات الآمر فلورثته أن يأخذوا ما بقي
من المال معه ويضمنونه ما أنفق بعد موته لأن نفقة الحج كنفقة ذوي الأرحام تبطل
بالموت اهـ. قوله: (وللوصي أن يحج الخ) قال في فتح القدير: ولا يجوز الاستئجار
على الطاعات، وعن هذا قلنا: لو أوصى أن يحج عنه ولم يزد على ذلك كان للوصي
أن يحج عنه بنفسه إلا أن يكون وارثاً، أو دفعه لوارث ليحج فإنه لا يجوز إلا أن تجيز
الورثة وهم كبار، لأن هذا كالتبرّع بالمال فلا يصح للوارث إلا بإجازة الباقين؛ ولو قال
الميت للوصي: ادفع المال لمن يحج عني لم يجز له أن يحج بنفسه مطلقاً اهـ. قوله:
(ولو قال منعت) أي عن الحج وكذبوه؛ أي الورثة لم يصدق، ويضمن ما أنفقه من مال

٣٦
باب الهدي
وكذبوه صدق بيمينه، إلا إذا كان مديون الميت وقد أمر بالإنفاق؛ ولا تقبل بينتهم
أنه كان يوم النحر بالبلد إلا إذا برهنا على إقراره أنه لم يحج.
بَابُ الهدي
(هو) في اللغة والشرع (ما يهدى إلى الحرم) من النعم (ليتقرب به) فيه
الميت إلا أن يكون أمراً ظاهراً يشهد على صدقه. لأن سبب الضمان قد ظهر فلا
يصدق في دفعه إلا بظاهر يدل على صدقه. فتح. قوله: (صدق بيمينه) لأنه يدعي
الخروج عن عهدة ما هو أمانة في يده. فتح. قوله: (إلا الخ) أي فإنه لا يصدق إلا ببينة
لأنه يدعي قضاء الدين هكذا في كثير من الكتب، وعليه المعوّل خلافاً لما في خزانة
الأكمل. بحر. قوله: (وقد أمر بالإنفاق) أي مما عليه من الدين ط. قوله: (ولا تقبل
الخ) لأنها شهادة على النفي. بحر: أي لأن مقصودهم نفي حجه وإن كانت صورة
شهادتهم إثباتاً. ح. قوله: (إلا إذا برهنا الخ) لأن إقراره وهو تلفظه بهذه الجملة
إثبات ح. وفي بعض النسخ ((برهنوا)) بصيغة الجمع: أي الورثة، وهي أولى.
تتمة: في المحيط عن المنتقى: أوصى لرجل بألف وللمساكين بألف ولحجة
الإسلام بألف والثلث ألفان يقسم الثلث بينهم أثلاثاً ثم تضاف حصة المساكين إلى
الحجة، فما فضل عن الحجة فللمساكين، لأن البداءة بالفرض أهم؛ ولو عليه حجة
وزكاة وأوصى لإنسان يتحاصّون في الثلث ثم ينظر إلى الزكاة والحج فيبدأ بما بدأ به
الموصي ولو فريضة ونذر بدئ بالفريضة، ولو تطوع ونذر بدئ بالنذر، ولو كلها
تطوعات أو فرائض أو واجبات بدئ بما بدأ به الميت اهـ.
وتوضيح هذه المسألة سيأتي في الوصايا فاحفظها، فإنها مهمة كثيرة الوقوع،
وبقي فروع كثيرة من هذا الباب تعلم من الفتح واللباب، والله أعلم بالصواب.
باب الهذي
لما دار ذكر الهدي فيما تقدم من المسائل نسكاً وجزاء احتيج إلى بيانه وما يتعلق
به. ابن كمال، ويقال فيه هدي بالتشديد على فعيل الواحد ھدیة کمطية ومطي ومطایا.
مغرب. قوله: (ما يهدى) مأخوذ من الهدية التي هي أعم من الهدي لا من الهدي، وإلا
لزم ذكر المعرف في التعريف، فيلزم تعريف الشيء بنفسه ح.
قلت: لو أخذ من الهدي يكون تعريفاً لفظياً وهو سائغ ط. واحترز بقوله ((إلى
الحرم)» عما يهدى إلى غيره نعماً كان أو غيره، وبقوله ((من النعم)) عما يهدى إلى الحرم
من غير النعم. فإطلاق الفقهاء في باب الأيمان والنذور الهدي على غيره مجاز. بحر.
ويقوله ليتقرّب به: أي بإراقة دمه فيه: أي في الحرم عما يهدى من النعم إلى الحرم
هدية لرجل. وأفاد به أنه لا بد من النية: أي ولو دلالة.

٣٧
باب الهدي
(أدناه شاة، وهو إيل) ابن خمس سنين (وبقر) ابن سنتين (وغنم) ابن سنة (ولا يجب
تعريفه) بل يندب في دم الشكر.
(ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا) كما سيجيء، فصح اشتراك
ستة في بدنة شريت لقربة
ففي البحر عن المحيط: الواحد من النعم يكون هدياً بجعله صريحاً أو دلالة،
وهي إما بالنية أو بسوق بدنة إلى مكة وإن لم ينو استحساناً، لأن نية الهدي ثابتة عرفاً،
لأن سوق البدنة إلى مكة في العرف يكون للهدي لا للركوب والتجارة. قال: وأراد
السوق بعد التقليد لا مجرد السوق. قوله: (أدناه شاة) أي وأعلاه بدنة من الإبل والبقر،
وفي الحكم الأدنى سبع بدنة. شرح اللباب. وأفاد ببيان الأدنى أنه لو قال: لله عليّ أن
أهدي، ولا نية له، فإنه يلزمه شاة لأنها الأقل، وإن عين شيئاً لزمه؛ ولو أهدى قيمتها
جاز في رواية، وفي أخرى، لا وهي الأرجح، ولا كلام فيما لو كان مما لا يراق دمه
من المنقولات، فلو عقاراً تصدق بقيمته في الحرم أو غيره لأنه مجاز عن التصدق. أفاده
في البحر واللباب. قوله: (ابن خمس سنين الخ) بيان لأدنى السن الجائز في الهدي وهو
الثني، وهو من الإبل ما له خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر ما طعن في
الثالثة، ومن الغنم ما طعن في الثانية لكنه يوهم أن الجذع من الغنم لا يجوز. قال في
اللباب: ولا يجوّزون الثنيّ إلا الجذع من الضأن وهو ما أتى عليه أكثر السنة، وإنما يجوز
إذا كان عظيماً، وتفسيره أنه لو خلط بالثنايا اشتبه على الناظر أنه منها اهـ. قوله: (ولا
يجب تعريفه) أي الذهاب به إلى عرفات أو تشهيره بالتقليد. ح عن البحر. قوله: (بل
يندب) أي التعريف بمعنييه ح. لكن الشاة لا يندب تقليدها. وفي اللباب: ويسن تقليد
بدن الشكر دون بدن الجبر، وحسن الذهاب يهدي الشكر إلى عرفة اهـ. فعبر في الأول
بالبدن ليخرج الشاة، وفي الثاني بالهدي ليدخلها فيه. وأفاد أيضاً أن الأول سنة،
والثاني مندوب، ففي كلام الشارح إجمال. قوله: (في دم الشكر) أي القران والتمتع،
وكذا يقلد هدي التطوّع والنذر؛ ولو قلد دم الإحصار والجناية جاز ولا بأس به كما
سيأتي. قوله: (ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاوز في الضحايا) كذا عبر في الهداية،
وعلله بأنه قربة تعلقت بإراقة الدم كالأضحية فيختصان بمحل واحد اهـ. فأشار إلى أنه
مطرد منعكس، فيجوز هنا ما يجوز ثمة، ولا يجوز هنا ما لا يجوز ثمة.
ولا يرد على طرده ما قدمناه من جواز إهداء قيمة المنذور في رواية مع أنه لا يجوز
في الأضحية، لأن ((ما)) واقعة على الحيوان كما اقتضاه قوله ((وهو إبل وبقر وغنم)) ولو
سلم فتلك الرواية مرجوحة، على أن القيمة قد تجزي في الأضحية كما إذا مضت أيامها
ولم يضحّ الغني فإنه يتصدق بقيمتها، فافهم. قوله: (فصح اشتراك ستة) أي لأن ذلك

٣٨
باب الهدي
وإن اختلفت أجناسها.
(وتجوز الشاة) في الحج في كل شيء (إلا في طواف الركن جنباً) أو حائضاً
جائز في الضحايا، فيجوز هنا لما علمته من القاعدة، واشتراك افتعال مصدر الرباعي
المتعدي كالاختصاص والاكتساب، وهو مضاف إلى مفعوله: أي اشتراك واحد ستة.
قال في الفتح عن الأصل والمبسوط: فإن اشترى بدنة لمتعة مثلاً ثم اشترك فيها
ستة بعد ما أوجبها لنفسه خاصة لا يسعه، لأنه لما أوجبها صار الكل واجباً، بعضها
بإيجاب الشرع، وبعضها بإيجابه؛ فإن فعل فعليه أن يتصدّق بالثمن، وإن نوى أن يشرك
فيها ستة أجزأته، لأنه ما أوجب الكل على نفسه بالشراء، فإن لم يكن له نية عند
الشراء ولكن لم يوجبها حتى شرك الستة جاز. والأفضل أن يكون ابتداء الشراء منهم أو
من أحدهم بأمر الباقين حتى تثبت الشركة في الابتداء اهـ. وقوله: لأنه ما أوجب الكل
على نفسه بالشراء الخ، يدل على أن معنى إيجابها لنفسه أن يشتريها لنفسه أو ينوي بعده
القربة، ومثله قوله في شرح اللباب: أي بتعيين النية وتخصيصها له.
إذا عرفت ذلك فالصور ستة: إما أن يشتريها لنفسه خاصة، أو يشتريها بلا نية ثم
يعينها لنفسه، أو يشتريها بلانية ولم يعينها لنفسه، أو يشتريها بنية الشركة، أو يشتريها
مع ستة، أو يشتريها وحده بأمرهم؛ فقول الشارح ((شريت لقربة)) لا يصلح على إطلاقه،
بل هو خاص بما عدا الصورتين الأوليين، لكن ينبغي أن يكون هذا التفصيل محمولاً
على الفقير، لأن الغني لا تجب عليه بالشراء بدليل ما ذكره في أضحية البدائع عن
الأصل، من أنه لو اشترى بقرة ليضحي بها عن نفسه فأشرك فيها يجزئهم، والأحسن
فعل ذلك قبل الشراء. قال: وهذا: أي قوله ((يجزئهم)) محمول على الغني لأنها لم
تتعين، أما الفقير فلا يجوز أن يشرك فيها لأنه أوجبها على نفسه بالشراء للأضحية
فتعينت اهـ. لكن سوّى في الخانية في مسألة الأضحية بين الغني والفقير، فتأمل.
قوله: (وإن اختلفت أجناسها) في الفتح عن الأصل والمبسوط: كل من وجب عليه من
المناسك جاز أن يشارك ستة نفر قد وجبت الدماء عليهم وإن اختلفت أجناسها من دم
متعة وإحصار وجزاء صيد وغير ذلك، ولو كان الكل من جنس واحد كان أحب
إليّ اهـ. وذكر نحوه في البحر هنا، وبه يظهر ما في قول البحر في القران والجنايات:
إن الاشتراك لا یکفي في الجنایات، بخلاف دم الشکر، وقد نبهنا علی ذلك أول باب
الجنايات. قوله: (في الحج) أي في كل دم له تعلق بالحج كدم الشكر والجناية
والإحصار والنفل. قال في النهر: فلا يرد أن من نذر بدنة أو جزوراً لا تجزئه الشاة.
قوله: (إلا الخ) أي فتجب فيهما بدنة، ولا ثالثة لهما في الحج. لباب. قال شارحه:
وفيه نظر إذ تقدم أنه إذا مات بعد الوقوف وأوصى بإتمام الحج تجب البدنة لطواف

٣٩
باب الهدي
(ووطء بعد الوقوف) قبل الحلق کما مر (ويجوز أكله) بل یندب كالأضحية (من
هدي التطوّع) إذا بلغ الحرم (والمتعة والقران فقط) ولو أكل من غيرها ضمن ما
أكل (ويتعين يوم النحر) أي وقته وهو الأيام الثلاثة (لذبح المتعة والقران) فقط،
فلم يجز قبله
الزيارة وجاز حجه، وكذا عند محمد تجب في النعامة بدنة، ثم قوله في الحج: احتراز
عن العمرة، حيث لا تجب البدنة بالجماع قبل أداء ركنها من طواف العمرة ولا أداء
طوافها بالجنابة أو الحيض أو النفاس اهـ .. قوله: (قبل الحلق) أما بعده ففي وجوبها
خلاف، والراجح وجوب الشاة. ط عن البحر. قوله: (كما مر) أي في الجنايات ح.
قوله: (كالأضحية) أشار به إلى أن المستحب أن يتصدق بالثلث، ويطعم الأغنياء
الثلث، ويأكل ويدخر الثلث. ح عن البحر. قوله: (إذا بلغ الحرم) قيد به لما سيأتي
من أن حلّ الانتفاع به لغير الفقراء مقيد ببلوغه محله. وأفاد في البحر أنه لا حاجة إلى
هذا القيد، لأنه قبل بلوغه الحرم ليس بهدي، فلم يدخل تحت عبارة المصنف ليحتاج
إلى إخراجه.
قال: والفرق بينهما أنه إذا بلغ الحرم فالقربة فيه بالإراقة وقد حصلت فالأكل بعد
حصولها، وإذا لم يبلغ فهي بالتصدق والأكل ينافيه اهـ. ونظر فيه في النهر، ولم يبين
وجه النظر، ولعل وجهه منع أنه لا يسمى هدياً قبل بلوغه الحرم، لأن قوله تعالى:
﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ يدل على تسميته هدياً قبل بلوغه، سواء قدر ((بالغ)) صفة أو حالاً
مقدرة، ولأن المتوقف على بلوغه الحرم جواز الأكل منه وإطعام الغني دون كونه
هدياً، ولذا لا يركبه في الطريق بلا ضرورة، ولا يحلبه؛ ولو عطب أو تعيب قبله نحره
وضرب صفحة سنامه بدمه ليعلم أنه هدي للفقراء فلا يأكله غني كما يأتي، فافهم.
قوله: (ولو أكل من غيرها) أي غير هذه الثلاثة من بقية الهدايا، كدماء الكفارات كلها
والنذور وهدي الإحصار والتطوع الذي لم يبلغ الحرم، وكذا لو أطعم غنياً، أفاده في
البحر. قوله: (ضمن ما أكل) أي ضمن قيمته.
وفي اللباب وشرحه: فلو استهلكه بنفسه بأن باعه ونحو ذلك، بأن وهبه لغني أو
أتلفه وضيعه لم يجز وعليه قيمته: أي ضمان قيمته للفقراء إن كان مما يجب التصدق به،
بخلاف ما إذا كان لا يجب عليه التصدق به فإنه لا يضمن شيئاً اهـ. وفيه كلام يعلم من
البحر ومما علقناه عليه. قوله: (أي وقته) أشار إلى أن المراد باليوم مطلق الوقت فيعم
أوقات النحر، أو هو مفرد مضاف فيعم ط. قوله: (فقط) أي لا يتعين غيرهما فيها،
ومنه هدي التطوع إذا بلغ الحرم فلا يتقيد بزمان هو الصحيح، وإن كان ذبحه يوم النحر
أفضل كما ذكره الزيلعي خلافاً للقدوري. بحر. قوله: (فلم يجز) أي بالإجماع، وهو

٤٠
باب الهدي
بل بعده وعليه دم.
(و) يتعين (الحرم) لا منى (للكل لا لفقره) لكنه أفضل (ويتصدق بجلاله
وخطامه) أي زمامه (ولم يعط أجر الجزار) أي الذابح (منه) فإن أعطاه ضمنه، أما
لو تصدّق عليه جاز (ولا يركبه) مطلقاً (بلا ضرورة) فإن اضطر إلى الركوب ضمن
ما نقص لركوبه وحمل متاعه وتصدق به على الفقراء. شرنبلالية.
بضم أوله من الإجزاء. قوله: (بل بعده) أي بل يجزئه بعده: أي بعد يوم النحر: أي
أيامه، إلا أنه تارك للواجب عند الإمام فيلزمه دم للتأخير؛ أما عندهما فعدم التأخير سنة،
حتى لو ذبح بعد التحلل بالحلق لا شيء عليه. قوله: (لا منى) أي بل يسن لما في
المبسوط من أن السنة في الهدايا أيام النحر منى، وفي غير أيام النحر فمكة هي
الأولى. شرح اللباب. قوله: (للكل) بيان لكون الهدي موقتاً بالمكان سواء كان دم
شكر أو جناية لما تقدم أنه اسم لما يهدى من النعم إلى الحرم ودخل فيه الهدي
المنذور، بخلاف البدنة المنذورة فلا تتقيد بالحرم عندهما. وقاسها أبو يوسف على
الهدي المنذور، والفرق ظاهر. بحر عن المحيط. قوله: (لا لفقيره)(١) المعطوف
محذوف تعلق به المجرور، والتقدير: لا التصدق لفقيره، واللام بمعنى على، وهذا
أولى من قول ح: الصواب لا فقيره بالرفع عطفاً على الحرم ط. قوله: (فإن أعطاه
ضمنه) أي إن أعطاه بلا شرط، أما لو شرطه لم يجز كما في اللباب.
قال شارحه: وتوضيح ما قاله الطرابلسي أنه إذا شرط إعطاءه منه يبقى شريكاً له
فيه فلا يجوز الكل لقصده اللحم اهـ.
أقول: وفيه نظر، لأن صيرورته شريكاً فرع صحة الإجارة، وسيأتي في الإجارة
الفاسدة أنه لو دفع لآخر غزلًا لينسجه له بنصفه أو استأجر بغلاً ليحمل طعامه ببعضه أو
ثوراً ليطحن بره ببعض دقيقه فسدت لأنه استأجره بجزء من عمله، وحيث فسدت
الإجارة يجب أجر المثل من الدراهم كما صرحوا به أيضاً، وهذا يقتضي أن يجب له أجر
مثله دراهم، ولا يستحق شيئاً من اللحم فلم يصر شريكاً فيه، فليتأمل.
ثم رأيت في معراج الدراية ما نصه: والبضعة التي جعلت أجرة بمنزلة قفيز
الطحان لأنها من منافع عمله فلا تكون أجرة اهـ. ثم ذكر أنه لو تصدق عليه منها
جاز، ولو أعطاه شيئاً بجزارته ضمته، فعلم أن كلامه الأول فيما لو شرط الأجرة
منها، والأخير فيما لو لم يشرطه، وأنه لا فرق بينهما، والله أعلم. قوله: (ولا
يركبه مطلقاً) أي سواء جاز له الأكل منه أو لا. نهر. قال: وصرح في المحيط
بحرمته. قوله: (شرنبلالية) نقل ذلك في الشرنبلالية عن الجوهرة والبرجندي
(١) في ط هكذا بالأصل الذي راجعنا عليه (الفقيره) وفي المتن (لفقره) فليحرر.