Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الحج
ومنه المسكن ومرمته ولو كبيراً يمكنه الاستغناء ببعضه والحج بالفاضل فإنه لا يلزمه بيع.
الزائد؛ نعم هو الأفضل، وعلم به عدم لزوم بيع الكل والاكتفاء بسكنى الإجارة
بالأولى، وكذا لو كان عنده ما لو اشترى به مسكناً وخادماً لا يبقى بعده ما يكفي للحج لا
يلزمه. خلاصة. وحرر في النهر أنه يشترط بقاء رأس مال لحرفته إن احتاجت لذلك،
وإلا لا. وفي الأشباه: معه ألف وخاف العزوبة إن كان قبل خروج أهل بلده فله التزوّج،
ولو وقته لزمہ الحج(و) فضلاً عن (نفقة عياله) ممن تلزمه نفقته
تنبيه: ليس من الحوائج الأصلية ما جرت به العادة المحدثة برسم الهدية للأقارب
والأصحاب، فلا يعذر بترك الحج لعجزه عن ذلك كما نبه عليه العمادي في منسكه، وأقره
الشيخ إسماعيل وعزاه بعضهم إلى منسك المحقق ابن أمير حاج، وعزاه السيد أبو السعود
إلى مناسك الكرماني. قوله: (ومنه المسكن) أي الذي یسکنه هو أو من يجب عليه مسكنه،
بخلاف الفاضل عنه من مسكن أو عبد أو متاع أو كتب شرعية أو آلية كعربية، أو نحو الطب
والنجوم وأمثالها من الكتب الرياضية فتثبت بها الاستطاعة وإن احتاج إليها كما في شرح
اللباب عن التاتر خانية. قوله: (فإنه لا يلزمه بيع الزائد) لأنه لا يعتبر في الحاجة قدر ما لا بد
منه ولو كان عنده طعام سنة، ولو أكثر لزمه بيع الزائد إن كان فيه وفاء كما في اللباب
وشرحه. قوله: (والاكتفاء) بالجر عطفاً على بيع. قوله: (لا يلزمه) تبع في عزو ذلك إلى
الخلاصة ما في البحر والنهر، والذي رأيته في الخلاصة هكذا: وإن لم يكن له مسكن ولا
شيء من ذلك وعنده دراهم تبلغ به الحج وتبلغ ثمن مسكن وخادم وطعام وقوت وجب عليه
الحج، وإن جعلها في غیره أثم اهـ. لكن هذا إذا كان وقت خروج أهل بلده كما صرح به في
اللباب، أما قبله فيشتري به ما شاء لأنه قبل الوجوب كما في مسألة التزوّج الآتية، وعليه
يحمل كلام الشارح فتدبر. قوله: (يشترط بقاء رأس مال لحرفته) كتاجر ودهقان ومزارع كما
في الخلاصة، ورأس المال يختلف باختلاف الناس. بحر.
قلت: والمراد ما يمكنه الاكتساب به قدر كفايته وكفاية عياله لا أكثر لأنه لا نهاية له.
قوله: (وفي الأشباه) المسألة منقولة عن أبي حنيفة في تقديم الحج على التزوج، والتفصيل
المذكور ذكره صاحب الهداية في التجنيس، وذكرها في الهداية مطلقة، واستشهد بها على
أن الحج على الفور عنده، ومقتضاه تقديم الحج على التزوج، وإن كان واجباً عند التوقان
وهو صريح ما في العناية مع أنه حينئذ من الحوائج الأصلية، ولذا اعترضه ابن كمال باشا في
شرحه على الهداية بأنه حال التوقان مقدم على الحج اتفاقاً، لأن في تركه أمرين: ترك
الفرض، والوقوع في الزنا. وجواب أبي حنيفة في غير حال التوقان اهـ: أي في غير حال
تحققه الزنا، لأنه لو تحققه فرض التزوج، أما لو خافه فالتزوج واجب لا فرض فيقدم الحج
الفرض علیه فافهم. قوله: (وفضلاً عن نفقة عیاله) هذا داخل تحت ما لا بد منه، فهو من

٤٦٢
كتاب الحج
لتقدم حق العبد (إلى) حين (عوده) وقيل بعده بيوم وقيل بشهر (مع أمن الطريق) بغلبة
السلامة ولو بالرشوة
عطف الخاص على العام اهتماماً بشأنه. نهر. والنفقة تشمل الطعام والكسوة والسكنى،
ويعتبر في نفقته ونفقة عياله الوسط من غير تبذير ولا تقتير. بحر: أي الوسط من حاله
المعهود، ولذا أعقبه بقوله ((من غير تبذير إلخ)) لا ما بين نفقة الغنيّ والفقير، فلا يرد ما في
البحر من أن اعتبار الوسط في نفقة الزوجة خلاف المفتى به، والفتوى على اعتبار حالهما
كما سيأتي إن شاء الله تعالى اهـ. لأن المراد بالوسط هناك المعنى الثاني، والمراد هنا
الأول، فافهم.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ: يُقَدَّمُ حَقُّ الْعَبْدِ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ
قوله: (لتقدم حق العبد) أي على حق الشرع لا تهاوناً بحق الشرع، بل لحاجة العبد
وعدم حاجة الشرع؛ ألا ترى أنه إذا اجتمعت الحدود وفيها حق العبد، يبدأ بحق العبد لما
قلنا، ولأنه ما من شيء إلا ولله تعالى فيه حق، فلو قدم حق الشرع عند الاجتماع بطل حقوق
العباد، كذا في شرح الجامع الصغير لقاضيخان. وأما قوله عليه الصلاة والسلام ((فَدَيْنُ اللّهِ
أَحَقُّ) فظاهر أنه أحقّ من جهة التعظيم، لا من جهة التقديم، ولذا قلنا: لا يستقرض ليحج
إلا إذا قدر على الوفاء كما مر، وكذا جاز قطع الصلاة أو تأخيرها لخوفه على نفسه أو ماله أو
نفس غيره أو ماله كخوف القابلة على الولد والخوف من تردي أعمى وخوف الراعي من
الذئب وأمثال ذلك کإفطار الضيف. قوله: (إلی حین عوده) متعلق بقوله «فضلا» أو بما لا بد
منه لأنه بمعنى ما يحتاج أو بنفقة: أي فلا يشترط بقاء نفقة لما بعد عوده، وهذا ظاهر
الرواية. قوله: (مع أمن الطريق) أي وقت خروج أهل بلده وإن كان مخيفاً في غيره. بحر.
وقدمنا عن اللباب أنه من شروط وجوب الأداء، وفي شرحه أنه الأصح، ورجحه في
الفتح. وروي عن الإمام أنه شرط وجوب، فعلى الأول تجب الوصية به إذا مات قبل أمن
الطريق، أما بعده فتجب اتفاقاً. بحر. قوله: (بغلبة السلامة) كذا اختاره الفقيه أبو الليث
وعليه الاعتماد.
واختلف في سقوطه إذا لم يكن بدّ من ركوب البحر، فقيل: يسقط، وقال الكرماني:
إن كان الغالب فيه السلامة من موضع جرت العادة بركوبه يجب وإلا فلا، وهو الأصح. بحر
قال في الفتح: والذي يظهر أنه يعتبر مع غلبة السلامة عدم غلبة الخوف، حتى لو غلب
لوقوع النهب والغلبة من المحاربين مراراً أو سمعوا أن طائفة تعرضت للطريق ولها شوكة
والناس يستضعفون أنفسهم عنهم، لا يجب، وما أفتى به الرازي من سقوطه عن أهل بغداد
وقول الإسكاف في سنة ست وثلاثين وستمائة: لا أقول إنه فرض في زماننا، وقول
الثلجي: ليس على أهل خراسان منذ كذا كذا سنة حج، إنما كان وقت غلبة النهب والخوف

٤٦٣
كتاب الحج
على ما حققه الكمال، وسيجيء آخر الكتاب أن قتل بعض الحجاج عذر، وهل ما
يؤخذ من المكس والخفارة عذر؟ قولان، والمعتمد لا كما في القنية والمجتبى، وعليه
فیحتسب في الفاضل عما لا بد منه القدرةعلى المكس ونحوه
في الطريق ثم زال ولله المنة. قوله: (على ما حققه الكمال) حيث قال: وقول الصفار: لا
أرى الحج فرضاً منذ عشرين سنة من حين خرجت القرامطة لأنه لا يتوصل إليه إلا
بإرشائهم، فتكون الطاعة سبب المعصية، فيه نظر، لأن هذا لم يكن من شأنهم، إنما شأنهم
استحلال قتل الأنفس وأخذ الأموال، وكانوا يغلبون على أماكن يترصدون فيها للحجاج،
وقد هجموا عليهم مرة في مكة فقتلوا خلقاً في الحرم؛ وقد سئل الكرخي عمن لا يحج خوفاً
منهم، فقال: ما سلمت البادية من الآفات: أي لا تخلو عنها لقلة الماء وهيجان السموم،
وهذا إيجاب منه رحمه الله تعالى، ومحمله أنه رأى أن الغالب اندفاع شرهم عن الحاج،
وبتقديره فالإثم في مثله على الآخذ على ما عرف من تقسيم الرشوة في كتاب القضاء اهـ
ملخصاً. واعترضه ابن كمال باشا في شرحه على الهداية بأن ما ذكر في القضاء ليس على
إطلاقه، بل فيما إذا كان المعطي مضطراً بأن لزمه الإعطاء ضرورة عن نفسه أو ماله، أما إذا
كان بالالتزام منه فبالإعطاء أيضاً يأثم، وما نحن فيه من هذا القبيل اهـ. وأقره في النهر.
وأجاب السيد أبو السعود بأنه هنا مضطر لإسقاط الفرض عن نفسه.
قلت: ويؤيده ما يأتي عن القنية والمجتبى، فإن المكس والخفارة رشوة، ونقل ح
عن البحر أن الرشوة في مثل هذا جائزة، ولم أره فيه فليراجع. قوله: (إن قتل بعض
الحجاج) أي في كل عام أو في غالب الأعوام، وحينئذ فلا تكون السلامة غالبة اهـح.
قلت: فيه نظر، فإن غلبة السلامة ليس المراد بها لكل أحد بل للمجموع، وهي لا
تنتفي إلا بقتل الأكثر أو الكثير، أما قتل اللصوص لبعض قليل مع جمع كثير سيما إذا كان
بتفريطه بنفسه وخروجه من بينهم فالسلامة فيه غالبة، نعم إذا كان القتل بمحاربة القطاع مع
الحجاج فهو عذر إذا غلب الخوف، لما مر عن الفتح من أنه يشترط عدم غلبة الخوف
إلخ، على أنك قد سمعت آنفاً جواب الكرخي في شأن القرامطة المستحلين لقتل
الحجاج، وأيضاً فإن ما يحصل من الموت بقلة الماء وهيجان السموم أكثر مما يحصل بالقتل
بأضعاف كثيرة، فلو كان عذراً لزم أن لا يجب الحج إلا على القريب من مكة في أوقات
خاصة، مع أن الله تعالى أوجبه على أهل الآفاق من كل فجّ عميق، مع العلم بأن سفره لا
يخلو عما يكون في غيره من الأسفار من موت وقتل وسرقة، فافهم. قوله: (من المكس
والخفارة) المكس: ما يأخذه العشار، والخفارة: ما يأخذه الخفير، وهو المجير، ومثله ما
يأخذه الأعراب في زماننا من الصر المعين من جهة السلطان نصره الله تعالى لدفع شرهم.
قوله: (والمعتمد لا) وعليه الفتوى شرح اللباب عن المنهاج. قوله: (وعليه) أي على كون

٤٦٤
كتاب الحج
كما في مناسك الطرابلسي (و) مع (زوج أو محرم) ولو عبداً أو ذمياً أو برضاع (بالغ) قيد
لهما كما في النهر بحثاً (عاقل والمراهق كبالغ) جوهرة (غير مجوسي ولا فاسق) لعدم
حفظهما (مع) وجوب النفقة لمحرمها (عليها) لأن محبوس (عليها) لامرأة حرة
المعتمد عدم كونه عذراً فيحتسب إلخ ح. قوله: (كما في مناسك الطرابلسي) وعزاه في
شرح اللباب إلى الكرماني. قوله: (ومع زوج أو محرم) هذا وقوله ومع عدم عدة عليها
شرطان مختصان بالمرأة فلذا قال: لا مرأة وما قبلهما من الشروط مشترك، والمحرم من لا
يجوز له مناكحتها على التأبيد بقرابة أو رضاع أو صهرية كما في التحفة، وأدخل في
الظهيرية بنت موطوءته من الزنا حيث يكون محرماً لها، وفيه دليل على ثبوتها بالوطء
الحرام، وبما تثبت به حرمة المصاهرة كذا في الخانية. نهر. لكن قال في شرح اللباب:
ذكر قوام الدين شارح الهداية أنه إذا كان محرماً بالزنا فلا تسافر معه عند بعضهم، وإليه ذهب
القدوري وبه نأخذ اهـ. وهو الأحوط في الدين والأبعد عن التهمة اهـ. قوله: (ولو عبداً)
راجع لكل من الزوج والمحرم. وقوله ((أو ذمياً أو برضاع)) يختص بالمحرم كما لا يخفى ح.
لكن نقل السيد أبو السعود عن نفقات البزازية: لا تسافر بأخيها رضاعاً في زماننا اهـ: أي
لغلبة الفساد.
قلت: ويؤيده كراهة الخلوة بها كالصهرة الشابة، فينبغي استثناء الصهرة الشابة هنا
أيضاً لأن السفر كالخلوة. قوله: (كما في النهر بحثاً) حيث قال: وينبغي أن يشترط في
الزوج ما يشترط في المحرم، وقد اشترط في المحرم العقل والبلوغ اهـ. لكن كان على
الشارح أن يؤخره عن قوله ((عاقل)) وهذا البحث نقله القهستاني عن شرح الطحاوي ح.
قوله: (والمراهق كبالغ) اعتراض بين النعوت ح. قوله: (غير مجوسي) مختص بالمحرم، إذ
لا يتصور في زوج الحاجة أن يكون مجوسياً ح. قوله: (ولا فاسق) يعم الزوج والمحرم ح،
وقيده في شرح اللباب بكونه ماجناً لا يبالي. قوله: (لعدم حفظهما) لمعد لأن المجوسي
يخشى عليها منه لاعتقاده حل نكاح محرمه، والفاسق الذي لا مروءة له كذلك ولو زوجاً،
وترك المصنف تقييد المحرم بكونه مأموناً لإغناء ما ذكره عنه، فافهم. قوله: (مع وجوب
النفقة إلخ) أي فيشترط أن تكون قادرة على نفقتها ونفقته. قوله: (لمحرمها) قید به لأنه لو
خرج معها زوجها فلا نفقة له عليها بل هي لها عليه النفقة؛ وإن لم يخرج معها فكذلك عند
أبي يوسف، وقال محمد: لا نفقة لها لأنها مانعة نفسها بفعلها. سراج. قوله: (لأنه محبوس
عليها) أي حبس نفسه لأجلها، ومن حبس نفسه لغيره فنفقته عليه. قوله: (لامرأة) متعلق
بمحذوف صفة لزوج أو محرم أو متعلق بفرض. قوله: (حرة) مستدرك لأن الكلام فيمن
يجب عليه الحج، وقد مر اشتراط الحرية فيه، لكن أشار به إلى أن ما استفيد من المقام من
عدم جواز السفر للمرأة إلا بزوج أو محرم خاص بالحرة، فيجوز للأمة والمكاتبة والمدبرة

٤٦٥
كتاب الحج
ولو عجوزاً في سفر، وهل يلزمها التزوج؟ قولان، وليس عبدها بمحرم لها وليس
لزوجها منعها عن حجة الإسلام، ولو حجت بلا محرم جاز مع الكراهة (و) مع (عدم عدة
وأم الولد السفر بدونه كما في السراج، لكن في شرح اللباب والفتوى: على أنه يكره في
زماننا. قوله: (ولو عجوزاً) أي لإطلاق النصوص. بحر. قال الشاعر:
لِكُلِّ سَاقِطَةٍ فِي الحَيِّ لَاقِطَةٌ وَكُلُّ كَاسِدَةٍ يَوْماً لَهَا سُوقُ
قوله: (في سفر) هو ثلاثة أيام ولياليها فيباح لها الخروج إلى ما دونه لحاجة بغير
محرم. بحر. وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهة خروجها وحدها مسيرة يوم واحد،
وينبغي أن يكون الفتوى عليه لفساد الزمان. شرح اللباب. ويؤيده حديث الصحيحين ((لَا
يِلّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةً يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّ مَعَ ذِي تَحَرَمٍ عَلَيهَا)) وفي
لفظ لمسلم ((مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ)) وفي لفظ ((يوم)) لكن قال في الفتح: ثم إذا كان المذهب الأول
فليس للزوج منعها إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام. قوله: (قولان) هما مبنيان على
أن وجود الزوج أو المحرم شرط وجوب أم شرط وجوب أداء، والذي اختاره في الفتح أنه
مع الصحة وأمن الطريق شرط وجوب الأداء فيجب الإيصاء إن منع المرض، وخوف
الطريق أو لم يوجد زوج، ولا محرم، ويجب عليها التزوّج عند فقد المحرم، وعلى الأول لا
يجب شيء من ذلك كما في البحرح وفي النهر وصحح الأول في البدائع، ورجح الثاني في
النهاية تبعاً لقاضيخان، واختاره في الفتح اهـ.
قلت: لكن جزم في الباب بأنه لا يجب عليها التزوج مع أنه مشى على جعل المحرم
أو الزوج شرط أداء، ورجح هذا في الجوهرة وابن أمير حاج في المناسك، كما قاله
المصنف في منحه قال: ووجهه أنه لا يحصل غرضها بالتزوج، لأن الزوج له أن يمتنع من
الخروج معها، بعد أن يملكها ولا تقدر على الخلاص منه، وربما لا يوافقها فتتضرر منه،
بخلاف المحرم، فإنه إن وافقها أنفقت عليه، وإن امتنع أمسكت نفقتها وتركت الحج اهـ.
فافهم. قوله: (وليس عبدها بمحرم لها) أي ولو مجبوباً أو خصياً، لأنه لا يحرم نكاحها عليه
على التأبيد بل ما دام مملوكاً لها. قوله: (وليس لزوجها منعها) أي إذا كان معها محرم وإلا فله
منعها كما يمنعها عن غير حجة الإسلام، ولو واجبة بصنعها كالمنذورة، والتي أحرمت بها
ففاتتها وتحللت منها بعمرة فلا تقضيها إلا بإذنه، وكذا لو دخلت مكة بعد مجاوزة الميقات غير
محرمة لأن حق الزوج لا تقدر على منعه بفعلها بل بإيجاب الله تعالى في حجة الإسلام.
رحمتي. وإذا منعها زوجها فيما يملكه تصير محصرة كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
قوله: (مع الكراهة) أي التحريمية للنهي في حديث الصحيحين ((لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ ثَلَاثاً إِلَّ
وَمَعَهَا مَحَرَمٌ)) زاد مسلم في رواية(١) ((أَوْ زَوْجٌ)) ط. قوله: (ومع عدم عدة إلخ) أي فلا يجب
(١) أخرجه البخاري ٢/ ٥٤ ومسلم في الحج (٤١٣).

٤٦٦
كتاب الحج
عليها مطلقاً) أية عدة كانت ابن ملك (والعبرة لوجوبها) أي العدة المانعة من سفرها
(وقت خروج أهل بلدها) وكذا سائر الشروط. بحر (فلو أحرم صبيّ عاقل
عليها الحج إذا وجدت كما في شرح المجمع واللباب، قال شارحه: وهو مشعر بأنه شرط
الوجوب، وذكر ابن أمير حاج أنه شرط الأداء وهو الأظهر. قوله: (أية عدة كانت) أي سواء
كانت عدة وفاة أو طلاق بائن أو رجعي ح. قوله: (المانعة من سفرها) أما الواقعة في
السفر: فإن كان الطلاق رجعياً لا يفارقها زوجها؛ أو بائناً فإن كان إلى كل من بلدها ومكة
أقل من مدة السفر تخيرت، أو إلى أحدهما سفر دون الآخر تعين أن تصير إلى الآخر، أو كل
منهما سفر؛ فإن كانت في مصر قرت فيه إلى أن تنقضي عدتها، ولا تخرج وإن وجدت محرماً
خلافاً لهما وإن كانت في قرية أو مفازة لا تأمن على نفسها فلها أن تمضي إلى موضع أمن،
ولا تخرج منه حتى تمضي عدتها، وإن وجدت محرماً عنده خلافاً لهما، كذا في فتح القدير.
قوله: (وقت) ظرف متعلق بمحذوف خبر العبرة: أي ثابتة وقت خروج أهل بلدها، ولو قبل
أشهر الحج لبعد المسافة ط. قوله: (وكذا سائر الشرائط) أي يعتبر وجودها في ذلك
الوقت.
تتمة: ذكر صاحب اللباب في منسكه الكبير أن من الشرائط إمكان السير، وهو أن
يبقى وقت يمكنه الذهاب فيه إلى الحج على السير المعتاد، فإن احتاج إلى أن يقطع كل يوم
أو في بعض الأيام أكثر من مرحلة لا يجب الحج اهـ. وذكر شارح اللباب أن منها أن يتمكن
من أداء المكتوبات في أوقاتها. قال الكرماني: لأنه لا يليق بالحكمة إيجاب فرض على وجه
يفوت به فرض آخر اهـ. وتمامه هناك. قوله: (فلو أحرم صبيّ إلخ)(١) تفريع على اشتراط
(١) الحج لا يجب على صبيّ، ولو مميّزاً لقوله وله: ((رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى
يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ))، ويصح منه فعل كل منهما، وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء من السلف
والخلف، لما روى مسلم عن ابن عباس أن امرأة رفعت صبيّاً إلى النبي وَل﴿ من محفَّتِها فقالت: يا رسول الله ألهذا
حج؟ قال ((نعم، ولكِ أجر)).
وقال أبو حنيفة في المشهور عنه: لا يصحّ حج الصبي، وأيّده بعض أصحابه، واحتج له أولاً بحديث رفع القلم عن
ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ الخ وثانياً بالقياس على النذر، فإنه لا يصح منه وثالثاً بأنه لا يجب عليه، فلا يصح منه
ورابعاً بأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده وخامساً بأنه عبادة بدنية، فلا يصح عقدها من الولي للصبي
کالصلاة.
وأجيب عن الأوَّل بأن المراد من الحديث رفع الإثم لا إبطال فعله أو المراد لا يكتب عليه شيء، وليس فيه منع
الکتابة له وحصول ثوابه .
وأجيب عن الثاني من وجهين ((أحدهما)) أنه منكسر بالوضوء والصلاة فإنه لا يصح منه نذرهما، ويصحّان منه،
((والثاني) أن النذر التزام بالقول، وقول الصبي ساقط لا يعتدّ به بخلاف الحج، فإنه فعل ونيّة فهو كالوضوء والصلاة
يعتدّ به منه .
وأجيب عن الثالث من وجهين ((أحدهما)): إنه منتقض بالوضوء فإنه لم يجب عليه ويصح منه، و((الثاني)) أن عدم
الوجوب للتخفيف عنه ولیس في صحته تغليظ علیه حتی یرفع بعدم صحّته.
=

٤٦٧
كتاب الحج
أو أحرم عنه أبوه صار محرماً) فينبغي أن يجرّده قبله ويلبسه إزاراً ورداء مبسوطين، وظاهره
أن إحرامه عنه مع عقله صحيح فمع عدمه أولى (فبلغ أو عبد فعتق) قبل الوقوف
(فمضى) كل على إحرامه (لم يسقط فرضهما) لانعقاده نفلاً، فلو جدّد الصبيّ الإحرام
قبل وقوفه بعرفة ونوى حجة الإسلام أجزأه (ولو فعل) العبد (المعتق ذلك) التجديد
البلوغ والحرية. قوله: (أو أحرم عنه أبوه) المراد من كان أقرب إليه بالنسب، فلو اجتمع
والد وأخ يحرم الولد كما في الخانية، والظاهر أنه شرط الأولوية. لباب وشرحه. قوله:
(وينبغي إلخ) قال في اللباب وشرحه: وينبغي لوليه أن يجنبه من محظورات الإحرام كلبس
المخيط والطيب، وإن ارتكبها الصبيّ لا شيء عليهما. قوله: (وظاهره) أي ظاهر قول
المبسوط: أو أحرم عنه أبوه بإعادة الضمير إلى الصبيّ العاقل، لكن تأمله مع قول اللباب:
وكل ما قدر الصبيّ عليه بنفسه لا تجوز فيه النيابة اهـ. وكذا ما في جامع الأستروشني عن
الذخيرة قال محمد في الأصل: والصبي الذي يحج له أبوه يقضي المناسك ويرمي الجمار،
وأنه على وجهين: الأول إذا كان صبياً لا يعقل الأداء بنفسه، وفي هذا الوجه إذا أحرم عنه
أبوه جاز، وإن كان يعقل الأداء بنفسه يقضي المناسك كلها، يفعل مثل ما يفعله البائع اهـ.
فهو كالصريح في أن إحرامه عنه إنما يصح إذا كان لا يعقل. قوله: (قبل الوقوف) وكذا بعده
بالأولى، وهو راجع لقوله ((بلغ وعتق). قوله: (لانعقاده نفلًا) وكان القياس أن يصح فرضاً
لو نوى حجة الإسلام حال وقوفه، لأن الإحرام شرط، كما أن الصبيّ إذا تطهر ثم بلغ فإنه
يصح أداء فرضه بتلك الطهارة، إلا أن الإحرام له شبه بالركن لاشتماله على النية فحيث لم
يعده لم يصح، كما لو شرع في صلاة ثم بلغ بالسن فإن جدد إحرامها ونوى بها الفرض يقع
عنه، وإلا فلا. شرح اللباب. قوله: (فلو جدد إلخ) بأن يرجع إلى ميقات من المواقيت
ويجدد التلبية بالحج كما في شرح الملتقى.
قلت: والظاهر أن الرجوع ليس بلازم، لأن إنشاء الإحرام من الميقات واجب فقط
كما يأتي ط. قوله: (قبل وقوفه بعرفة) قيل عبارة المبتغى: ولو أحرم الصبيّ أو المجنون أو
الكافر ثم بلغ أو أفاق ووقت الحج باق فإن جددوا الإحرام يجزيهم عن حجة الإسلام اهـ.
مقتضاه أن المراد بما قبل الوقوف قبل فوت وقته كما عبر به منلا علي القاري في شرحه على
الوقاية واللباب، لكن نقل القاضي عيد في شرحه على اللباب عن شيخه العلامة الشيخ
= وأجيب عن الرابع بأننا نلتزم القضاء إذا أفسده كما هو الصحيح عندنا.
وأجيب عن الخامس بمنع القياس بإبداء الفارق، فإن الحج تدخله النيابة بخلاف الصلاة.
ويترتب على صحة الحج والعمرة من الصبي وقوعهما نفلاً وعدم كفايتهما عن فرض الإسلام لما روى البيهقي
بإسناد جيد: ((أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى)) نعم إن بلغ قبل الوقوف أو طواف العمرة أو في أثنائهما أجزأه
عن فرض الإسلام لكنه يعيد بعض الطواف الذي تقدّم قبل البلوغ كما يعيد السعي إن كان قد سعى بعد طواف القدوم
لوقوعه في حال النقصان هذا بخلاف الإحرام، فإنه لا إعادة فيه لاستدامته بعد البلوغ.

٤٦٨
كتاب الحج
المذكور (لم تجزه) لانعقاده لازماً، بخلاف الصبي والكافر والمجنون.
(و) الحج (فرضه) ثلاثة (الإحرام) وهو شرط ابتداء، وله حكم الركن انتهاء حتى
لم يجز لفائت الحج استدامته
حسن العجيمي المكي أن المراد به الكينونة بعرفة حتى لو وقف بها بعد الزوال لحظة فبلغ
ليس له التجديد، وإن بقي وقت الوقوف، وأيده الشيخ عبد الله العفيف في شرح منسكه
بقول وَ﴿((مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُهُ)) وقال: وقد وقع الاختلاف في
هذه المسألة في زماننا، فمنهم من أفتى بصحة تجديده الإحرام بعد ابتداء الوقوف، ومنهم
من أفتى بعدمها، ولم نر فيها نصاً صريحاً اهـ ملخصاً.
قلت: وظاهر قول المصنف تبعاً للدرر ((قبل وقوفه)) أن المراد حقيقة الوقوف لا وقته،
فهو مؤيد لكلام العجيمي. قوله: (لم تجزه) أي عن حجة الإسلام ط. قوله: (لانعقاده) أي
إحرام العبد نفلاً لازماً، فلا يمكنه الخروج عنه. بحر ط. قوله: (بخلاف الصبي) لأن
إحرامه غير لازم لعدم أهلية اللزوم عليه، ولذا لو أحصر وتحلل لا دم عليه ولا قضاء ولا
جزاء عليه لارتكاب المحظورات، فتح. قوله: (والكافر) أي لو أحرم فأسلم فجدد الإحرام
لحجة الإسلام أجزأه لعدم انعقاد إحرامه الأول لعدم الأهلية ط عن البدائع. قوله:
(والمجنون) أي لو أحرم عنه وليه، ثم أفاق فجدد الإحرام قبل الوقوف أجزأه عن حجة
الإسلام. شرح اللباب، وفي الذخيرة: قال في الأصل: وكل جواب عرفته في الصبيّ يحرم
عنه الأب فهو الجواب في المجنون اهـ. وفي الولوالجية: قبيل الإحصار، وكذا الصبيّ
يحج به أبوه، وكذا المجنون يقضي المناسك ويرمي الجمار لأن إحرام الأب عنهما وهما
عاجزان كإحرامهما بنفسهما اهـ. وفي شرح المقدسي عن البحر العميق: لا حج على مجنون
مسلم، ولا يصح منه إذا حج بنفسه ولكن يحرم عنه وليه اهـ. فهذه النقول صريحة في أن
المجنون يحرم عنه وليه كالصبيّ، وبه اندفع ما في البحر من قوله: كيف يتصور إحرام
المجنون بنفسه، وكون وليه أحرم عنه يحتاج إلى نقل صريح يفيد أنه كالصبي اهـ.
مَطْلَبٌ فِي فُرُوضٍ الْحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ
قوله: (فرضه) عبر به ليشمل الشرط والركن ط. قوله: (الإحرام) هو النية والتلبية أو
ما يقوم مقامها: أي مقام التلبية من الذكر أو تقليد البدنة مع السوق. لباب وشرحه. قوله:
(وهو شرط ابتداء) حتی صح تقدیمه علی أشهر الحج وإن کره كما سيأتي ح. قوله: (حتى
لم يجز إلخ) تفريع على شبهه بالركن: يعني أن فائت الحج لا يجوز له استدامة الإحرام، بل
عليه التحلل بعمرة والقضاء من قابل كما يأتي، ولو كان شرطاً محضاً لجازت
الاستدامة اهـ ح. ويتفرع عليه أيضاً ما في شرح اللباب من أنه لو أحرم ثم ارتدّ والعياذ بالله

٤٦٩
كتاب الحج
ليقضي به من قابل (والوقوف بعرفة) في أوانه سميت به لأن آدم وحواء تعارفا فيها (و)
معظم (طواف الزيارة) وهما ركنان (وواجبه) نيف وعشرون (وقوف جمع) وهو المزدلفة
سميت بذلك لأن آدم اجتمع بحواء وازدلف إليها: أي دنا (والسعي) وعند الأئمة
الثلاثة: هو ركن (بين الصفا) سمي به لأنه جلس عليه آدم صفوة الله (والمروة) لأنه
تعالى بطل إحرامه، وإلا فالردة لا تبطل الشرط الحقيقي كالطهارة للصلاة اهـ. وكذا ما
قدمناه من اشتراط النية فيه، والشرط المحض لا يحتاج إلى نية، وكذا ما مر من عدم سقوط
الفرض عن صبيّ أو عبد أحرم فبلغ أو عتق ما لم يجدده الصبيّ. قوله: (ليقضي من قابل)
أي بهذا الإحرام السابق المستدام ط. قوله: (في أوانه) وهو من زوال يوم عرفة إلى قبيل
طلوع فجر النحر ط. قوله: (ومعظم طواف الزيارة) وهو أربعة أشواط وباقيه واجب كما
يأتي ط. قوله: (وهما ركنان) يشكل عليه ما قالوا: إن المأمور بالحج إذا مات بعد الوقوف
بعرفة، قبل طواف الزيارة فإنه يكون مجزئاً، بخلاف ما إذا رجع قبله فإنه لا جود للحج إلا
بوجود ركنيه ولم يوجدا، فينبغي أن لا يجزى الآمر سواء مات المأمور أو رجع. بحر. قال
العلامة المقدسي : یمکن الجواب بأن الموت من قبل من له الحق وقد أتی بوسعه، وقد
ورد ((الحج عرفة)) بخلاف من رجع اهـ. وأما الحاج عن نفسه فسنذكر عن اللباب أنه إذا
أوصى بإتمام الحج تجب بدنة. تأمل.
تتمة: بقي من فرائض الحج: نية الطواف، والترتيب بين الفرائض، الإحرام: ثم
الوقوف، ثم الطواف، وأداء كل: فرض في وقته. فالوقوف من زوال عرفة إلى فجر النحر،
والطواف بعده إلى آخر العمر، ومكانه: أي من أرض عرفات للوقوف ونفس المسجد
للطواف، وألحق بها ترك الجماع قبل الوقوف. لباب وشرحه. قوله: (وواجبه) اسم جنس
مضاف فيعم، وسيأتي حكم الواجب. قوله: (نيف وعشرون) أي اثنان وعشرون هنا بما
زاده الشارح أو أربعة وعشرون إن اعتبر الأخير، وهو المحظور ثلاثة، وأوصلها في اللباب
إلى خمسة وثلاثين، فزاد أحد عشر أخر وهي: الوقوف بعرفة جزءاً من الليل، ومتابعة الإمام
في الإفاضة: أي بأن لا يخرج من أرض عرفة إلا بعد شروع الإمام في الإفاضة، وتأخير
المغرب والعشاء إلى المزدلفة، والإتيان بما زاد على الأكثر في طواف الزيارة، قيل وبيتوتة
جزء من الليل فيها، وعدم تأخير رمي كل يوم إلى ثانيه، ورمي القارن والمتمتع قبل الذبح،
والهدي عليهما، وذبحهما قبل الحلق وفي أيام النحر، قيل وطواف القدوم اهـ.
قلت: لكن واجبات الحج في الحقيقة الخمسة الأول المذكورة في المتن والذبح،
أما الباقي فهي واجبات له بواسطة لأنها واجبات الطواف ونحوه. قوله: (وقوف جمع) بفتح
فسكون: أي الوقوف فيه ولو ساعة بعد الفجر كما في شرح اللباب. قوله: (سميت بذلك)
أي بجمع وبمزدلفة، فقد يشار بذا إلى ما فوق الواحد كقوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾

٤٧٠
كتاب الحج
جلس عليها امرأة وهي حواء ولذا أنثت (ورمي الجمار) لكل من حج (وطواف الصدر)
أي الوداع (للآفاقي) غير الحائض (والحلق أو التقصير وإنشاء الإحرام من الميقات ومدّ
الوقوف بعرفة إلى الغروب) إن وقف نهاراً (والبداءة بالطواف من الحجر الأسود) على
الأشبه لمواظبته عليه الصلاة والسلام وقیل فرض، وقيل سنة
فافهم. قوله: (لكل من حج) أي آفاقياً أو غيره قارناً أو متمتعاً أو مفرداً وهو راجع لجميع ما
قبله، وإنما ذكره لئلا يتوهم رجوع قوله ((لآفاقي)) إلى الجميع، وإلا فكثير من الواجبات
الآتية لكل من حج. قوله: (وطواف الصدر) بفتحتين بمعنى الرجوع ومنه قوله تعالى:
﴿يومئذ يصدر الناس أشتاتاً﴾ ولذا يسمى طواف الوداع بفتح الواو وتكسر لموادعته البيت.
شرح اللباب. فقول الشارح: أي الوداع على حذف مضاف: أي طواف الوداع فهو تفسير
لطواف الصدر لا تفسير للصدر إلا باعتبار اللزوم، لأن الوداع بمعنى الترك لازم للصدر
بمعنى الرجوع. تأمل. قوله: (للآفاقي) اعترض النووي في التهذيب على الفقهاء في ذلك
بأن الآفاق: النواحي، واحده أفق بضمتين، وبإسكان الفاء والنسبة إليه أفقي، لأن الجمع
إذا لم يسم به فالنسبة إلى واحده. وأجاب في كشف الكشاف بأنه صحيح لأنه أريد به
الخارجي: أي خارج المواقيت فكان بمنزلة الأنصاري. وتمامه في شرح ابن كمال
والقهستاني. قوله: (غير الحائض) لأن الحائض يسقط عنها كما سيأتي. قوله: (والحلق
أو التقصير) أي أحدهما، والحلق أفضل للرجل، وفيه أن هذا شرط للخروج من الإحرام
والشرط لا يكون إلا فرضاً، وأجاب في شرح اللباب بأن وجوبه من حيث إيقاعه في الوقت
المشروع، وهو ما بعد الرمي في الحج، وبعد السعي في العمرة.
قلت: وفيه أن هذا واجب آخر سيأتي، فالأحسن الجواب بأنه لا يلزم من توقف
الخروج من الإحرام عليه أن يكون فرضاً قطعياً، فقد يكون واجباً كتوقف الخروج الواجب
من الصلاة على واجب السلام. تأمل. ثم رأيت في الفتح قال: إن الحلق عند الشافعي غير
واجب، وهو عندنا واجب لأن التحلل الواجب لا يكون إلا به؛ ثم قال بعد كلام: غير أن
هذا التأويل ظني فيثبت به الوجوب لا القطع. قوله: (من الميقات) يشمل الحرم المكي
ونحوه كمتمتع لم يسق الهدي ط. والتقييد به للاحتراز عما بعده، وإلا فيجوز قبله بل هو
أفضل بشروطه كما في شرح اللباب. قوله: (إلى الغروب) لم يقل من الزوال، لأن ابتداءه
من الزوال غير واجب، وإنما الواجب أن يمده بعد تحققه مطلقاً إلى الغروب كما أفاده في
شرح اللباب. قوله: (إن وقف نهاراً) أما إذا وقف ليلاً فلا واجب في حقه، حتى لو وقف
ساعة لا يلزمه شيء كما في شرح اللباب؛ نعم يكون تاركاً واجب الوقوف نهاراً إلى
الغروب. قوله: (على الأشبه) ذكر في المطلب الفائق شرح الكنز أن الأصح أنه شرط،
لكن ظاهر الرواية أنه سنة يكره تركها، وعليه عامة المشايخ، وصححه في اللباب؛ وذکر

٤٧١
كتاب الحج
(والتیامن فیه) أي في الطواف في الأصح (والمشي فیه لمن ليس له عذر) يمنعه منه،
ولو نذر طوافاً زحفاً لزمه ماشياً، ولو شرع متنفلا زحفاً فمشيه أفضل (والطهارة فيه) من
النجاسة الحكمية على المذهب، قیل والحقیقیة من ثوب وبدن ومكان طواف والأكثر
على أنه سنة مؤكدة كما في شرح لباب المناسك (وستر العورة) فيه، ويكشف ربع
ابن الهمام أنه لو قيل: إنه واجب، لا يبعد لأن المواظبة من غير ترك مرة دليل الوجوب اهـ.
وبه صرح في المنهاج عن الوجيز وهو الأشبه والأعدل فينبغي أن يكون عليه المعول اهـ من
شرح اللباب. قوله: (والتيامن فيه) وهو أخذ الطائف عن يمين نفسه وجعله البيت عن
يساره. لباب. قوله: (في الأصح) صرح به الجمهور، وقيل إنه سنة، وقيل فرض شرح
اللباب. قوله: (والمشي فيه الخ) فلو تركه بلا عذر أعاده، وإلا فعليه دم لأن المشي واجب
عندنا على هذا نص المشايخ وهو كلام محمد، وما في الخانية من أنه أفضل تساهل أو
محمول على النافلة لا يقال، بل ينبغي في النافلة أن تجب صدقة لأنه إذا شرع فيه وجب
فوجب المشي، لأن الفرض أن شروعه لم يكن بصفة المشي، والشروع إنما يوجب ما شرع
فيه، كذا في الفتح. قوله: (لزمه ماشياً) قال صاحب اللباب في منسكه الكبير: ثم إن طافه
زحفاً أعاده، كذا في الأصل، وذكر القاضي في شرح مختصر الطحاوي أنه يجزيه لأنه أدى ما
أوجب على نفسه، وتمامه في شرح اللباب. قوله: (فمشيه أفضل) أشار إلى أن الزحف
يجزیه، ولا دم عليه، لكن يحتاج إلى الفرق بين وجوبه بالشروع، ووجوبه بالنذر على رواية
الأصل، ولعله أن الإيجاب بالقول أقوى منه بالفعل فيجب بالقول كاملاً لئلا يكون نذراً
بمعصية، كما لو نذر اعتكافاً بدون صوم لزمه به، ويلغو وصفه له بالنقصان، والواجب
بالشروع هو ما شرع فيه، وقد شرع فيه زحفاً فلا يجب عليه غيره، وإلا وجب بغير موجب.
تأمل. قوله: (من النجاسة الحكمية) أي الحدث الأكبر والأصغر وإن اختلفا في الإثم
والكفارة. قوله: (على المذهب) وهو الصحيح وقال ابن شجاع: إنها سنة. شرح اللباب
للقاري. قوله: (من ثوب) الأولى لثوب أو في ثوب ط. قوله: (ومكان طواف) لم ينقل في
شرح اللباب التصريح بالقول بوجوبه، وإنما قال: وأما طهارة المكان فذكر العزّ بن جماعة
عن صاحب الغاية أنه لو كان في مكان طوافه نجاسة لا يبطل طوافه، وهذا يفيد نفي الشرط
والفرضية واحتمال ثبوت الوجوب والسنية اهـ. قوله: (والأكثر على أنه) أي هذا النوع من
الطهارة في الثوب والبدن سنة مؤكدة. شرح اللباب. بل قال في الفتح: وما في بعض
الكتب من أن بنجاسة الثوب کله يجب الدم لا أصل له في الرواية اهـ. وفي البدائع: إنه سنة،
فلو طاف وعلى ثوبه نجاسة أكثر من الدرهم لا يلزمه شيء، بل يكره لإدخال النجاسة
المسجد اهـ. قوله: (وستر العورة فيه) أي في الطواف، وفائدة عده واجباً هنا مع أنه فرض
مطلقاً لزوم الدم به، كما عدّ من سنن الخطبة في الجمعة بمعنى أنه لا يلزم بتركه فسادها،

٤٧٢
كتاب الحج
العضو فأكثر كما في الصلاة يجب الدم (وبداءة السعي بين الصفا والمروة من الصفا) ولو
بدأ بالمروة لا يعتد بالشوط الأول في الأصح (والمشي فيه) في السعي (لمن ليس له
عذر) كما مر (وذبح الشاة للقارن والمتمتع وصلاة ركعتين لكل أسبوع) من أيّ طواف
كان فلو تركها هل عليه دم، قيل نعم فيوصي به (والترتيب الآتي) بيانه (بين الرمي
وإلا فالسنة تباين الفرض لعدم الإثم بتركها مرة، هذا ما ظهر لي وقدمناه في الجمعة. قوله:
(فأكثر) أي من الربع، فلو أقل لا يمنع، ويجمع المتفرق. لباب. قوله: (كما في الصلاة)
أي كما هو القدر المانع في الصلاة. قوله: (يجب الدم) أي إن لم يعده وإلا سقط، وهذا في
الطواف الواجب، وإلا تجب الصدقة. قوله: (في الأصح) مقابله ما قاله الكرماني إنه يعتد
به، لكنه يكره لترك السنة، وتستحب إعادة ذلك الشوط، لتكون البداءة على وجه السنة،
ومشى في اللباب على أنه شرط لصحة السعي، فعدم الاعتداد بالشوط الأول يتفرع عليه،
وعلى القول بالوجوب لأن المراد بعدم الاعتداد به لزوم إعادته أو لزوم الجزاء على تقدير
عدمها، وإنما الفرق من حيث إنه إذا لم يعد الشوط الأول يلزمه الجزاء لترك السعي على
القول بالشرطية، لأنه لا صحة للمشروط بدون شرطه، ولترك الشوط الأول على القول
بالوجوب الذي هو الأعدل المختار من حيث الدليل، كما في شرح اللباب. وقد يقال: إنه
إذا لم يعتد بالأول حصل البداءة بالصفا بالثاني فقد وجد الشرط، ولا يتصور تركه وإنما
يكون تاركاً لآخر الأشواط إلا إذا أعاد الأول، وكون ذلك شرطاً لا ينافي الوجوب، إذ لا
يلزم من كون الشيء شرطاً لآخر تتوقف عليه صحته أن يكون ذلك الشيء فرضاً، كما قدمناه
في الحلق خلافاً لما فهمه في شرح اللباب هنا. وفي الحلق ولو كان فرضاً لزم فرضية
السعي، أو فرضية بعضه ووجوب باقيه مع أنه كله واجب يجبر بدم وحينئذ تعين القول
بالوجوب، إذ لا ثمرة تظهر على القول بالشرطية كما نص عليه في المنسك الكبير وإن
استغربه القاري في شرح اللباب، والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (كما مر) أي في
الطواف. قوله: (قيل نعم) ضعفه هنا وإن جزم به في شرحه على الملتقى لأنه جزم بخلافه
صاحب اللباب فقال: ولا تختص: أي هذه الصلاة بزمان ولا بمكان: أي باعتبار الجواز
والصحة، ولا تفوت: أي إلا بالموت، ولو تركها لم تجبر بدم: أي إنه لا يجب عليه الإيصاء
بالكفارة. وذكر شارحه أن المسألة خلافية، ففي البحر العميق: لا يجب الدم، وفي
الجوهرة والبحر الزاخر: يجب، وفي بعض المناسك: الأكثر على أنه لا يجب، وبه قال في
الشافعية، وقيل يلزم. قوله: (والترتیب الآتي بیانه إلخ) أي في باب الجنایات حیث قال
هناك: يجب في يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم الذبح لغير المفرد، ثم الحلق، ثم
الطواف لكن لا شيء على من طاف قبل الرمي والحلق؛ نعم يكره. لباب. كما لا شيء على
المفرد إلا إذا حلق قبل الرمي لأن ذبحه لا يجب اهـ. وبه علم أنه كان ينبغي للمصنف هنا

٤٧٣
كتاب الحج
والحلق والذبح يوم النحر) وأما الترتيب بين الطواف وبين الرمي والحلق فسنة، فلو
طاف قبل الرمي والحلق لا شيء عليه، ويكره. لباب. وسيجيء أن المفرد لا ذبح عليه
وسنحققه (وفعل طواف الإفاضة) أي الزيارة (في) يوم من (أيام النحر) ومن الواجبات
كون الطواف وراء الحطيم، وكون السعي بعد طواف معتدّ به، وتوقيت الحلق بالمكان
والزمان وترك المحظور كالجماع بعد الوقوف، ولبس المخيط، وتغطية الرأس
والوجه، والضابط أن كل ما يجب بتركه دم فهو واجب، صرح به في الملتقى وسيتضح
في الجنايات (وغيرها سنن وآداب) كأن يتوسع في النفقة ويحافظ على الطهارة
تقديم الذبح على الحلق في الذكر ليوافق ما بينهما من الترتيب في نفس الأمر، وأن الطواف
لا يلزم تقديمه على الذبح أيضاً، لأنه إذا جاز تقديمه على الرمي المتقدم على الذبح جاز
تقدیمہ علی الذبح بالأولی کما قاله ح.
والحاصل أن الطواف لا يجب ترتيبه على شيء من الثلاثة ولذا لم يذكره هنا وإنما
يجب ترتيب الثلاثة: الرمي ثم الذبح ثم الحلق، لكن المفرد لا ذبح عليه فبقي الترتيب بين
الرمي والحلق. قوله: (في يوم) تقدم في الاعتكاف أن الليالي تبع للأيام في المناسك.
قوله: (وراء الحطيم) لأن بعضه من البيت كما يأتي بيانه. قوله: (وكون السعي بعد طواف
معتد به) وهو أن يكون أربعة أشواط فأكثر، سواء طافه طاهراً أو محدثاً أو جنباً، وإعادة
الطواف بعد السعي فيما إذا فعله محدثاً أو جنباً لجبر النقصان لا لانفساخ الأول. ح عن
البحر. ثم إن كون هذا واجباً لا ينافي ما في اللباب من عده شرطاً لصحة السعي كما علمته
سابقاً. قوله: (بالمكان) أي الحرم ولو في غير منى، والزمان: أي أيام النحر، وهذا في
الحاج، وأما المعتمر فلا يتوقت حقه بالزمان كما سيأتي في الجنايات. قوله: (وترك
المحذور) قال في شرح اللباب: فيه أن الاجتناب عن المحرمات فرض، وإنما الواجب هو
الاجتناب عن المكروهات التحريمية كما حققه ابن الهمام، إلا أن فعل المحظورات وترك
الواجبات لما اشتركا في لزوم الجزاء ألحقت بها في هذا المعنى. قوله: (كالجماع بعد
الوقوف إلخ) تمثيل للمحظورات، وقيد بما بعد الوقوف لأنه قبله مفسد، والمراد هنا غير
المفسد. تأمل. قوله: (والضابط إلخ) لما لم يستوف الواجبات کما علمته مما زدناه عن
اللباب ذكر هذا الضابط، وليفيد بعكس القضية حكم الواجب، لكنها تنعكس عكساً منطقياً
لا لغوياً فيقال: بعض ما هو واجب يجب بتركه دم لا كل ما هو واجب، لأن ركعتي الطواف
لا يجب بتركهما الدم، وكذا ترك الواجب بعذر على ما سنذكره في أول الجنايات، لكن في
الأول خلاف تقدم، فعلى القول بوجوب الدم فيه مع تقیید الترك بلا عذر یصح العکس
كلياً. قوله: (وغيرها إلخ) فيه أنه لم يستوف الواجبات، وإن كان مراده أن غير الفرائض
والواجبات سنن وآداب فغير مفيد. قوله: (كأن يتوسع في النفقة إلخ) أفاد بالكاف أنه بقي

٤٧٤
كتاب الحج
وعلى صون لسانه، ويستأذن أبويه ودائنه وكفيله، ويودع المسجد بركعتين، ومعارفه
ويستحلهم ويلتمس دعاءهم، ويتصدق بشيء عند خروجه ويخرج يوم الخميس، ففيه
خرج عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع أو الاثنين أو الجمعة بعد التوبة والاستخارة
أي في أنه هل يشتري أو يكتري، وهل يسافر براً أو بحراً، وهل يرافق فلاناً أولا، لأن
الاستخارة في الواجب والمكروه لا محل لها، وتمامه في النهر (وأشهره شوّال وذو
القعدة) بفتح القاف وتكسر (وعشر ذي الحجة) بكسر الحاء وتفتح، وعند الشافعي:
ليس منها يوم النحر، وعند مالك: ذو الحجة كله عملاً بالآية.
قلنا: اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، وفائدة التأقيت أنه لو فعل شيئاً من
منها أشياء لم يذكرها لأنها ستأتي، كطواف القدوم للآفاقي، والابتداء من الحجر الأسود
على أحد الأقوال، والخطب الثلاث، والخروج يوم التروية وغيرها مما سيعلم. قوله:
(وعلى صون لسانه) أي عن المباح والمكروه تنزيهاً وإلا فهو واجب. قوله: (ويستأذن أبويه
إلخ) أي إذا لم يكونا محتاجين إليه، وإلا فيكره، وكذا يكره بلا إذن دائنه وكفيله، والظاهر أنها
تحريمية لإطلاقهم الكراهة، ويدل عليه قوله فيما مر في تمثيله للحج المكروه ((كالحج بلا
إذن)) مما يجب استئذانه فلا ينبغي عده ذلك من السنن والآداب. قوله: (بفتح القاف وتكسر)
أي مع سكون العين وحكى الفتح مع كسر العين. قوله: (وتفتح) عزاه الشيخ إسماعيل إلى
تحرير الإمام النووي، وقال خلافاً لما في شرح الشمني من أنه لم يسمع إلا الكسر. قوله:
(وعند الشافعي ليس منها يوم النحر) هو رواية عن أبي يوسف أيضاً كما في النهر وغيره،
وظاهر المتن يوافقه لأنه ذكر العدد فكان المراد عشر ليال، لكن إذا حذف التمييز جاز
التذكير فيكون المعنى عشرة أيام. أفاده ح عن القهستاني. وقيل إن العشر اسم لهذه الأيام
العشرة فليس المراد به اسم العدد حتى يعتبر فيه التذكير مع المؤنث والعكس. تأمل. قوله:
(ذو الحجة كله) مبتدأ محذوف الخبر تقديره منها ح. قوله: (عملاً بالآية) أي قوله تعالى:
﴿الحج أشهر معلومات﴾. قوله: (قلنا اسم الجمع إلخ) الإضافة بيانية: أي اسم هو جمع،
وإلا فأشهر صيغة حقيقة، وهذا أحد جوابین للزمخشري.
حاصله: أنه تجوز في إطلاق صيغة الجمع على ما فوق الواحد لعلاقة معنى الاجتماع
والتعدد. ثانيهما أن التجوّز في جعل بعض الشهر شهراً فالأشهر على الحقيقة، واعترض
الأول بأن فيه إخراج العشر عن الإرادة لخروجه عن الشهرين، وأجيب بأنه داخل فيما فوق
الواحد، وهذا كله على تقدير الحج ذو أشهر؛ أما على تقدير الحج في أشهر، فلا حاجة
إلى التجوز، لأن الظرفية لا تقتضي الاستيعاب، لكن بين المراد الحديث الوارد في تفسير
الآية بأنها شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة. قوله: (وفائدة التأقيت إلخ) جواب عن
إشكال تقريره أن التوقيت بها إن اعتبر للفوات: أي أن أفعال الحج لو أخرت عن هذا الوقت

٤٧٥
كتاب الحج
أفعال الحج خارجها لا يجزيه (و) أنه (يكره الإحرام) له (قبلها) وإن أمن على نفسه من
المحظور لشبهه بالركن كما مر، وإطلاقها يفيد التحريم (والعمرة) في العمر (مرة سنة
يفوت الحج لفوته بتأخير الوقوف عن طلوع فجر العاشر يلزم أن لا يصح طواف الركن بعده،
وإن خصص الفوات بفوات معظم أركانه، وهو الوقوف، يلزم أن لا يكون العاشر منها كما
هو رواية عن أبي يوسف، وإن اعتبر التوقيت المذكور لأداء الأركان في الجملة يلزم أن
يكون ثاني النحر وثالثه منها: لجواز الطواف فيهما، وأجاب الشارح تبعاً للبحر وغيره بما
يفيد اختيار الأخير، وذلك بأن فائدته أن شيئاً من أفعال الحج لا يجوز إلا فيها، حتى لو صام
المتمتع أو القارن ثلاثة أيام قبل أشهر الحج لا يجوز، وكذا السعي عقب طواف القدوم لا يقع
عن سعي الحج إلا فيها، حتى لو فعله في رمضان لم يجز، ولو اشتبه عليهم يوم عرفة فوقفوا
فإذا هو يوم النحر جاز لوقوعه في زمانه، ولو ظهر أنه الحادي عشر لم يجز كما في اللباب
وغيره. قال القهستاني: ولا ينافيه إجزاء الإحرام قبلها ولا إجزاء الرمي والحلق وطواف
الزيارة وغیرها بعدها لأن ذلك محرم فيه اهـ.
قلت: فيه نظر، لأن طواف الزيارة يجوز في يومين بعد عشر ذي الحجة كما علمته
وإن كان في أوله أفضل، فالمناسب الجواب عن الإشكال بأن فائدة التوقيت ابتداء عدم
جواز الأفعال قبله وانتهاء الفوات بفوت معظم أركانه وهو الوقوف، ولا يلزم خروج اليوم
العاشر لما علمته من جوازه فيه عند الاشتباه، بخلاف الحادي عشر، هذا ما ظهر لي فافهم.
قوله: (وأنه يكره الإحرام إلخ) عطف على قوله ((أنه لو فعل)) وهو ظاهر في أنه أراد بأفعال
الحج غير الإحرام، فلا ينافي إجزاء الإحرام مع الكراهة، فقوله ((لا يجزيه)) واقع في محزه،
فافهم؛ نعم في كون الكراهة فائدة التوقيت خفاء، ولعل وجهه كون الإحرام شبيهاً بالركن.
تأمل. قوله: (قبلها) أفاد أنه لو أحرم فيها بحج ولو لعام قابل لا يكره، ولذا قال في
الذخيرة: لا يكره الإحرام بالحج يوم النحر، ويكره قبل أشهر الحج. قال في النهر: وينبغي
أن يكون مكروهاً حيث لم يأمن على نفسه وإن كان في أشهر الحج. قوله: (الشبهه بالركن)
علة لقوله «يكره)) أي ولو كان ركناً حقيقة لم يصح قبلها، فإذا كان شبيهاً به كره قبلها لشبهه
وقربه من عدم الصحة. بحر. قوله: (كما مر) أي عند قوله ((فرضه الإحرام)). قوله:
(وإطلاقها) أي الكراهة يفيد التحريم، وبه قيدها القهستاني، ونقل عن التحفة الإجماع على
الكراهة، وبه صرح في البحر من غير تفصيل بين خوف الوقوع في محظور أو لا. قال: ومن
فصل كصاحب الظهيرية قياساً على الميقات المكاني فقد أخطأ، لكن نقل القهستاني أيضاً
عن المحيط التفصيل ثم قال: وفي النظم عنه أنه يكره إلا عند أبي يوسف.
مَطْلَبُ أَحْكَامِ الْعُمْرَةِ
قوله: (والعمرة في العمر مرة سنة مؤكدة) أي إذا أتى بها مرة فقد أقام السنة غير مقيد

٤٧٦
كتاب الحج
مؤكدة) على المذهب، وصحح في الجوهرة وجوبها.
قلنا: المأمور به في الآية الإتمام، وذلك بعد الشروع وبه نقول (وهي إحرام
وطواف وسعي) وحلق أو تقصير، فالإحرام شرط، ومعظم الطواف ركن، وغيرهما
واجب هو المختار، ويفعل فيها كفعل الحاج (وجازت في كل السنة) وندبت في رمضان
بوقت غير ما ثبت النهي عنها فيه إلا أنها في رمضان أفضل، هذا إذا أفردها فلا ينافيه أن
القران أفضل، لأن ذلك أمر يرجع إلى الحج لا العمرة.
فالحاصل: أن من أراد الإتيان بالعمرة على وجه أفضل فيه فبأن يقرن معه عمرة.
فتح. فلا يكره الإكثار منها خلافاً لمالك، بل يستحب على ما عليه الجمهور، وقد قيل سبع
أسابيع من الأطوفة كعمرة. شرح اللباب. قوله: (وصحح في الجوهرة وجوبها) قال في
البحر: واختاره في البدائع وقال: إنه مذهب أصحابنا، ومنهم من أطلق اسم السنة، وهذا لا
ينافي الوجوب اهـ. والظاهر من الرواية السنية، فإن محمداً نص على أن العمرة تطوع اهـ.
ومال إلى ذلك في الفتح وقال بعد سوق الأدلة تعارض مقتضيات الوجوب والنفل، فلا تثبت
ويبقى مجرد فعله عليه الصلاة والسلام وأصحابه والتابعين، وذلك يوجب السنة فقلنا بها.
قوله: (قلنا المأمور إلخ) جواب عن سؤال مقدر أورده في غاية البيان دليلاً على الوجوب،
ثم أجاب عنه بما ذكره الشارح، ثم هذا مبني على أن المراد بالإتمام تتميم ذاتهما: أي تتميم
أفعالهما، أما إذا أريد به إكمال الوصف وعليه ما نقله في البحر من أن الصحابة فسرت
الإتمام بأن يحرم بهما من دويرة أهله، ومن الأماكن القاصية فلا حاجة إلى الجواب للاتفاق
على أن الإتمام بهذا المعنی غیر واجب فالأمر فیه للندب إجماعاً فلا يدل على وجوب
العمرة، فافهم. قوله: (وحلق أو تقصير) لم يذكره المصنف لأنه محلل مخرج منها. بحر.
قوله: (وغيرهما واجب) أراد بالغير من المذكورات هنا، وذلك أقل أشواط الطواف والسعي
والحلق أو التقصير، وإلا فلها سنن ومحرمات من غير المذكور هنا فافهم، وأشار بقوله «هو
المختار)) إلى ما في التحفة حيث جعل السعي ركناً كالطواف. قال في شرح اللباب: وهو
غير مشهور في المذهب. قوله: (ويفعل فيها كفعل الحاج) قال في اللباب: وأحكام
إحرامها كإحرام الحج من جميع الوجوه، وكذا حكم فرائضها وواجباتها وسننها ومحرماتها
ومفسدها ومكروهاتها وإحصارها وجمعها: أي بين عمرتين، وإضافتها: أي إلى غيرها في
النية ورفضها كحكمها في الحج: وهي لا تخالفه إلا في أمور، منها: أنها ليست بفرض،
وأنها لا وقت لها معين، ولا تفوت، وليس فيها وقوف بعرفة ولا مزدلفة، ولا رمي فيها، ولا
جمع: أي بين صلاتين، ولا خطبة، ولا طواف قدوم، ولا صدر، ولا تجب بدنة بإفسادها ولا
بطوافها جنباً: أي بل شاة، وأن ميقاتها الحل لجميع الناس، بخلاف الحج فإن ميقاته للمكي
الحرم اهـ. قوله: (وجازت) أي صحت. قوله: (وندبت في رمضان) أي إذا أفردها كما مر

٤٧٧
كتاب الحج
(وكرهت) تحريماً (يوم عرفة وأربعة بعدها) أي كره إنشاؤها بالإحرام حتى يلزمه دم، وإن
رفضها، لا أداؤها فيها بالإحرام السابق
عن الفتح، ثم الندب باعتبار الزمان لأنها باعتبار ذاتها سنة مؤكدة أو واجبة کما مر : أي إنها
فيه أفضل منها في غيره، واستدل له في الفتح بما عن ابن عباس ((عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ
حَّةً) (١) وفي طريق لمسلم (تقتضي حجة)) أو ((حجة معي)). قال: وكان السلف رحمنا الله
تعالى بهم يسمونها الحج الأصغر، وقد اعتمر وَله أربع عمرات كلهن بعد الهجرة في ذي
القعدة على ما هو الحق وتمامه فيه.
تنبيه: نقل بعضهم عن المنلا علي في رسالته المسماة «الأدب في رجب)» أن كون
العمرة في رجب سنة بأن فعلها عليه الصلاة والسلام أو أمر بها لم يثبت؛ نعم روي أن ابن
الزبير لما فرغ من تجديد بناء الكعبة قبيل سبعة وعشرين من رجب نحر إبلا وذبح قرابين وأمر
أهل مكة أن يعتمروا حينئذ شكراً لله تعالى على ذلك، ولا شك أن فعل الصحابة حجة وما
رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، فهذا وجه تخصيص أهل مكة العمرة بشهر رجب أهـ
ملخصاً. قوله: (تحريماً) صرح به في الفتح واللباب. قوله: (يوم عرفة) أي قبل الزوال
وبعده وهو المذهب، خلافاً لما مر عن أبي يوسف أنها لا تكره فيه قبل الزوال. بحر. قوله:
(وأربعة) بالنصب والتنوين، والأصل أربعة أيام بعدها: أي بعد عرفة: أي بعد يومها.
تنبيه: يزاد على الأيام الخمسة ما في اللباب وغيره من كراهة فعلها في أشهر الحج
لأهل مكة، ومن بمعناهم: أي من المقيمين، ومن في داخل الميقات لأن الغالب عليهم أن
يحجوا في سنتهم، فيكونوا متمتعين، وهم عن التمتع ممنوعون، وإلا فلا منع للمكي عن
العمرة المفردة في أشهر الحج، إذا لم يحج في تلك السنة، ومن خالف فعليه البيان. شرح
اللباب، ومثله في البحر. وهو ردّ على ما اختاره في الفتح من كراهتها للمكي، وإن لم يحج
ونقل عن القاضي عيد في شرح المنسك أن ما في الفتح: قال العلامة قاسم: إنه ليس
بمذهب لعلمائنا ولا للأئمة الأربعة، ولا خلاف في عدم كراهتها لأهل مكة أهـ.
قلت: وسيأتي تمام الكلام عليه في باب التمتع إن شاء الله تعالى، هذا وما نقله ح
عن الشرنبلالية من تقييده كراهة العمرة في الأيام الخمسة بقوله: أي في حق المحرم أو
مريد الحج يقتضي أنه لا يكره في حق غيرهما، ولم أر من صرح به فليراجع. قوله: (أي كره
إنشاؤها بالإحرام) أي كره إنشاء الإحرام لها في هذه الأيام ح. قوله: (حتى يلزمه دم وإن كان
رفضها) سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في آخر باب الجنايات. قوله: (لا أداؤها) عطف
(١) أخرجه مسلم في كتاب الحج (٢٢٢) وأبو داود في المناسك ب (٧٩) والترمذي (٩٣٩) وابن ماجه (٢٩٩١) وأحمد
في المسند ٣٠٨/١ والطبراني في الكبير ٢٢٣/١.

٤٧٨
كتاب الحج
كقارن فاته الحج فاعتمر فيها لم يكره. سراج. وعليه فاستثناء الخانية القارن منقطع فلا
يختص بيوم عرفة كما توهمه في البحر (والمواقيت) أي المواضع التي لا يجاوزها
على إنشاؤها ح. قوله: (كقارن فاته الحج) لو قال كما في المعراج: كفائت الحج، لشمل
المتمتع. قوله: (وعليه) أي على ما ذكر من أن المكروه الإنشاء لا الأداء بإحرام سابق.
قوله: (فاستثناء الخانية إلخ) حيث قال: تكره العمرة في خمسة أيام لغير القارن اهـ. ووجه
الانقطاع ما علمته من أن المكروه إنشاء العمرة في هذه الأيام، والقارن أحرم بها بإحرام
سابق على هذه الأيام فهو غير داخل فيما قبله فاستثناؤه منقطع فافهم. قوله: (فلا يختص
إلخ) تفريع على قوله ((منقطع)) لأن حاصله أنه لما لم يكن منشئاً للإحرام فيها لم يكن داخلاً
فيما تكره عمرته فيها، وحينئذ فلا يختص جواز عمرته بيوم عرفة، فافهم. قوله: (كما توهمه
في البحر) حيث قال بعد قول الخانية لغير القارن ما نصه: وهو تقييد حسن، وينبغي أن
يكون راجعاً إلى يوم عرفة لا إلى الخمسة كما لا يخفى، وأن يلحق المتمتع بالقارن اهـ. قال
في النهر: هذا ظاهر في أنه فهم أن معنى ما في الخانیة من استثناء القارن أنه لا بد له من
العمرة ليبني عليها أفعال الحج، ومن ثم خصه بيوم عرفة وهو غفلة عن كلامهم، فقد قال
في السراج: وتكره العمرة في هذه الأيام: أي يكره إنشاؤها بالإحرام أما إذا أدّاها بإحرام
سابق، كما إذا كان قارناً ففاته الحج وأدى العمرة في هذه الأيام لا يكره، وعلى هذا
فالاستثناء الواقع في الخانية منقطع ولا اختصاص ليوم عرفة اهـ.
أقول: لا يخفى عليك أن المتبادر من القارن في كلام الخانية المدرك لا فائت الحج،
بخلاف ما في السراج، وحينئذ فلا شك أن عمرته لا تكون بعد يوم عرفة، لأنها تبطل الولي
بالوقوف كما سيأتي في بابه، وليس في كلام البحر تعرض لمن فاته الحج، ولا لأن
الاستثناء متصل أو منقطع، فمن أين جاءت الغفلة؟ فتنبه وافهم.
مَطْلَبُ فِي المَوَاقِيتِ
قوله: (والمواقيت) جمع ميقات بمعنى الوقت المحدود، واستعير للمكان: أعني
مكان الإحرام كما استعير للوقت في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب:
١١] ولا ينافيه قول الجوهري: الميقات موضع الإحرام، لأنه ليس من رأيه التفرقة بين
الحقيقة والمجاز، وكأنه في البحر استند إلى ظاهر ما في الصحاح، فزعم أنه مشترك بين
الوقت والمكان المعين، والمراد هنا الثاني، وأعرض عن كلامهم السابق وقد علمت ما هو
الواقع. نهر.
ثم اعلم أن الميقات المكاني يختلف باختلاف الناس، فإنهم ثلاثة أصناف: آفاقي،
وحلي: أي من كان داخل المواقيت، وحرمي، وذكرهم المصنف على هذا الترتيب.

٤٧٩
كتاب الحج
مريد مكة إلا محرماً خمسة (ذو الحليفة) بضم ففتح: مكان على ستة أميال من المدينة
وعشر مراحل من مكة، تسميها العوامّ أبيار علي رضي الله عنه، يزعمون أنه قاتل الجن
في بعضها، وهو كذب (وذات عرق) بكسر فسكون: على مرحلتين من مكة (وجحفة)
على ثلاث مراحل بقرب رابغ (وقرن) على مرحلتين، وفتح الراء خطأ، ونسبة أويس
إليه خطأ آخر (ويلملم)
قوله: (مريد مكة) أي ولو لغير نسك كتجارة ونحوها كما يأتي. قوله: (لا محرماً) أي بحجّ
أو عمرة. قوله: (بضم ففتح) أي وسكون الياء مصغراً لحلفة بالفتح اسم نبت في الماء
معروف. قوله: (على ستة أميال من المدينة) وقيل سبعة، وقيل أربعة. قال العلامة القطبي
في منسكه: والمحرّر من ذلك ما قاله السيد نور الدين علي السمهودي في تاريخه: قد
اختبرت ذلك فكان من عتبة باب المسجد النبوي المعروف بباب السلام إلى عتبة مسجد
الشجرة بذي الحليفة تسعة عشر ألف ذراع بتقديم المثناة الفوقية وسبعمائة ذراع بتقديم السين
واثنين وثلاثين ذراعاً ونصف ذراع بذراع اليد اهـ.
قلت: وذلك دون خمسة أميال، فإن الميل عندنا أربعة آلاف ذراع بذراع الحديد
المستعمل الآن، والله أعلم اهـ. قوله: (وعشر مراحل) أو تسع كما في البحر. قوله: (وهو
كذب) ذكره في البحر عن مناسك المحقق ابن أمير حاج الحلبي. قوله: (وذات عرق) في
منسك القطبي: سميت بذلك لأن فيها عرقاً وهو الجبل، وهي قرية قد خربت الآن، وعرق
هو الجبل المشرف على العقيق، والعقيق واد يسيل ماؤه إلى غوري تهامة. قاله
الأزهري اهـ. ولهذا قال في اللباب: والأفضل أن يحرم من العقيق وهو قبل ذات عرق
بمرحلة أو مرحلتين. قوله: (على مرحلتين) وقيل ثلاث، وجمع بأن الأول نظر إلى المراحل
العرفية، والثاني إلى الشرعية. قوله: (وجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، سمیت
بذلك لأن السيل نزل بها وجحف أهلها: أي استأصلهم، واسمها في الأصل مهيعة، لكن
قيل إنها قد ذهبت أعلامها ولم يبق بها إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض
البوادي، فلذا والله تعالى أعلم اختار الناس الإحرام احتياطاً من المكان المسمى برابض،
وبعضهم يجعله بالغين لأنه قبل الجحفة بنصف مرحلة أو قريب من ذلك. بحر. وقال
القطبي: ولقد سألت جماعة ممن له خبرة من عربانها عنها فأوروني أكمة بعدما رحلنا من رابغ
إلى مكة على جهة اليمين على مقدار ميل من رابغ تقريباً. قوله: (وقرن) بفتح القاف وسكون
الراء: جبل مطل على عرفات لا خلاف في ضبطه بهذا بين رواة الحديث واللغة والفقه
وأصحاب الأخبار وغيرهم: نهر عن تهذيب الأسماء واللغات. قوله: (وفتح الراء خطأ إلخ)
قال في القاموس: وغلط الجوهري في تحريكه، وفي نسبة أويس القرني إليه، لأنه منسوب
إلى قرن بن رومان بن ناجية بن مراد أحد أجداده. قوله: (ويلملم) بفتح المثناة التحتية
١

٤٨٠
كتاب الحج
جبل على مرحلتين أيضاً (المدني والعراقي والشامي) الغير المار بالمدينة بقرينة ما يأتي
(والنجدي واليمني) لفّ ونشر مرتب، ويجمعها قوله: [الكامل]
عِزْقُ العِرَاقِ يَلَمْلَمُ اليَمَنِ وَبِذِي الحُليفَةِ نْجِرِمُ المَدَنِي
لِلشَّامِ جُخْفَةُ إِنْ مَرَرْتَ بِهِا وَلأَهْلٍ نَجْدٍ قَرْنُ فَاسْتَبِنِ
(وكذا هي لمن مرّ بها من غير أهلها) كالشام يمر بميقات أهل المدينة فهو ميقاته.
قاله النووي الشافعي وغيره: وقالوا: ولو مرّ بميقاتين فإحرامه من الأبعد أفضل، ولو
واللامين وإسكان الميم، ويقال لها ((ألملم)) بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها. قوله:
(جبل) أي من جبال تهامة مشهور في زماننا بالسعدية، قاله بعض شراح المناسك. قال في
البحر: وهذه المواقيت ما عدا ذات عرق ثابتة في الصحيحين، وذات عرق في صحيح
مسلم وسنن أبي داود. قوله: (والعراقي) أي أهل البصرة والكوفة، وهم أهل العراقين،
وكذا سائر أهل المشرق، وقوله ((والشامي)) مثله المصري والمغربي من طريق تبوك. لباب
وشرحه. قوله: (الغير المارين بالمدينة)(١) يعني أن كون ذات عرق للعراقي، وجحفة
للشامي إذا كانا غير مارين بالمدينة، أما لو مرا بها فميقاتهم ميقاتها: أعني ذا الحليفة، وهذا
بيان للأفضل لأنه لا يجب عليهما الإحرام من ذي الحليفة كالمدني كما يأتي تحريره، فافهم.
قوله: (بقرينة ما يأتي) أي في قوله ((وكذا هي لمن مر بها من غير أهلها)) ح. قوله:
(والنجدي) أي نجد اليمن ونجد الحجاز ونجد تهامة. لباب. قوله: (واليمني) أي باقي
أهل اليمن وتهامة. لباب. قوله: (ويجمعها إلخ) جمعها أيضاً الشيخ أبو البقاء في البحر
العميق بقوله :
مَوَاقِبِتُ آفَاقٌ يَمَانٌ وَنَجِدَةٌ عِرَاقٌ وَشَامٌ وَالمَدِينَةُ فَاعْلَم
يَلَمْلَمُ قَرْنٌ ذاتُ عِرْقٍ وَجُحْفَةُ حُلَيْفَةُ مِيْقَاتُ النَّبِيِّ المُكّرِّمِ
قوله: (وكذا هي) أي هذه المواقيت الخمسة. قوله: (قال النووي الشافعي وغيره)
سقطت هذه الجملة من بعض النسخ، وهو الحق لأن المسألة مصرح بها في كتب المذهب
متوناً وشروحاً، فلا معنى لنقلها عن النووى رحمه الله تعالى ح. وأجيب بأنه يشير إلى أنها
اتفاقية. قوله: (وقالوا) أي علماؤنا الحنفية. قوله: (ولو مر بميقاتين) كالمدني يمرّ بذي
الحليفة ثم بالجحفة فإحرامه من الأبعد أفضل: أي الأبعد عن مكة، وهو ذو الحليفة، لكن
ذكر في شرح اللباب عن ابن أمير حاج أن الأفضل تأخير الإحرام، ثم وفق بينهما بأن أفضلية
الأول لما فيه من الخروج عن الخلاف وسرعة المسارعة إلى الطاعة، والثاني لما فيه من
(١) في ط (قول المحشي الغير المارين) كذا بالأصل المقابل على خط المؤلف، والذي بنسخ الشارح (الغير المار)
وكتبوا ما يقع لمثل هذا نظائر، ولعل منشأه اختلاف النسخ.