Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الزكاة / باب صدقة الفطر
لتساويهما كيلً ووزناً (ودفع القيمة)
البرّ قد يكون أثقل من البعض فیختلف کیله ووزنه فلذا قدر الصاع بالماش أو العدس فيكون
مکیالا محرراً یکال به ما يراد إخراجه من الأشياء المنصوصة بلا اعتبار وزن، لأنك لو كلت به
شعيراً مثلاً ثم وزنته لم يبلغ وزنه ألفاً وأربعين درهماً، ولو اعتبر الوزن لكان ما يسع ألفاً
وأربعين درهماً من الشعير أكبر من الصاع الذي يسع هذا القدر من الماش أو العدس وقد
اعتبروا الصاع بهما، فعلم أنه لا اعتبار بالوزن أصلاً في غيرهما، ويدل على ذلك أيضاً قول
الذخيرة: قال الطحاوي: الصاع ثمانية أرطال مما يستوي كيله ووزنه، ومعناه أن العدس
والماش يستوي کیله ووزنه، حتى لو وزن من ذلك ثمانية أرطال ووضع في الصاع لا يزيد
ولا ينقص، وما سوى ذلك تارة يكون الوزن أكثر من الكيل كالشعير وتارة بالعكس کالملح،
فإذا كان المكيال يسع ثمانية أرطال من العدس والماش فهو الصاع الذي يكال به الشعير
والتمر والحنطة اهـ. وذكر نحوه في الفتح ثم قال: وبهذا يرتفع الخلاف في تقدير الصاع
كيلاً أو وزناً ومراده بالخلاف ما ذكره قبله حيث قال: ثم يعتبر نصف صاع من برّ من حيث
الوزن عند أبي حنيفة: لأنهم لما اختلفوا في أن الصاع ثمانية أرطال أو خمسة وثلث كان
إجماعاً منهم أنه يعتبر بالوزن. وروى ابن رستم عن محمد أنه إنما يعتبر بالكيل حتى لو دفع
أربعة أرطال لا يجزيه لجواز كون الحنطة ثقيلة لا تبلغ نصف صاع اهـ. وفي ارتفاع الخلاف
بما ذكر تأمل، فإن المتبادر من اعتبار نصف الصاع بالوزن عند أبي حنيفة اعتبار وزن البّ
ونحوه مما يريد إخراجه لاعتباره بالماش والعدس. والظاهر أن اعتباره بهما مبني على رواية
محمد، وأن الخلاف متحقق، وعن هذا ذكر صدر الشريعة في شرح الوقاية أن الأحوط تقدير
الصاع بثمانية أرطال من الحنطة الجيدة لأنه إن قدر بالماش يكون أصغر ولا يسع ثمانية
أرطال من الحنطة لأنه أثقل منها وهي أثقل من الشعير، فالمكيال الذي يملأ بثمانية أرطال
من الماش يملأ بأقل من ثمانية أرطال من الحنطة الجيدة المكتنزة اهـ.
مَطْلَبٌ فِي مِقْدَارِ اٌلْفِطْرَةِ بِأَلمدِ الشَّامِيِّ
قلت: وبهذا يخرج عن العهدة بيقين على روايتي تقدير الصاع كيلاً أو وزناً فلذا كان
أحوط، ولكن على هذا الأحوط تقديره بالشعير، ولهذا نقل بعض المحشين عن حاشية
الزيلعي للسيد محمد أمين ميرغني أن الذي عليه مشايخنا بالحرم الشريف المكي ومن قبلهم
من مشايخهم وبه كانوا يفتون تقديره بثمانية أرطال من الشعير، ولعل ذلك ليحتاطوا في
الخروج عن الواجب بيقين لما في مبسوط السرخسي من أن الأخذ بالاحتياط في باب
العبادات واجب اهـ. فإذا قدر بذلك فهو يسع ثمانية أرطال من العدس ومن الحنطة، ویزید
عليها ألبتة، بخلاف العكس، فلذا كان تقدير الصاع بالشعير أحوط اهـ. ولهذا قدمنا أن
الأحوط في زماننا إخراج ربع شامي تام. قوله: (ودفع القيمة) أطلقها فشمل قيمة الحنطة

٣٢٢
كتاب الزكاة / باب صدقة الفطر
أي الدراهم (أفضل من دفع العين على المذهب) المفتى به. جوهرة وبحر عن الظهيرية
وهذا في السعة، أما في الشدة فدفع العين أفضل كما لا يخفى (بطلوع فجر الفطر) متعلق
بيجب (فمن مات قبله) أي الفجر (أو ولد بعده أو أسلم لا تجب عليه. ويستحب
إخراجها قبل الخروج إلى المصلى بعد طلوع فجر الفطر) عملاً بأمره وفعله عليه الصلاة
والسلام وصح أداؤها إذا قدمه على يوم الفطر أو أخره اعتباراً بالزكاة، والسبب موجود
إذ هو الرأس (بشرط دخول رمضان في الأول) أي مسألة التقديم (هو الصحيح) وبه
يفتى. جوهرة وبحر عن الظهيرية. لكن عامة المتون والشروح على صحة التقديم
مطلقاً وصححه غير واحد، ورجحه في النهر، ونقل عن الولوالجية أنه ظاهر الرواية.
قلت: فکان ھو المذهب
وغيرها خلافاً لمحمد. قال في التاترخانية عن المحيط: وإذا أراد أن يعطي قيمة الحنطة أو
الشعير أو التمر يؤدي قيمة؛ أي الثلاث شاء عندهما. وقال محمد: يؤدي قيمة الحنطة.
قوله: (أي الدراهم) ربما يشعر أنها المرادة بالقيمة مع أن القيمة تكون أيضاً من الفلوس
والعروض كما في البدائع والجوهرة، ولعله اقتصر على الدراهم تبعاً للزيلعي لبيان أنها
الأفضل عند إرادة دفع القيمة، لأن العلة في أفضلية القيمة كونها أعون على دفع حاجة الفقير
لاحتمال أنه يحتاج غير الحنطة مثلاً من ثياب ونحوها، بخلاف دفع العروض؛ وعلى هذا
فالمراد بالدراهم ما يشمل الدنانير. تأمل. قوله: (على المذهب المفتى به) مقابله ما في
المضمرات من أن دفع الحنطة أفضل في الأحوال كلها، سواء كانت أيام شدة أم لا، لأن
في هذا موافقة السنة، وعليه الفتوى. منح. فقد اختلف الإفتاء ط. قوله: (وهذا) أي كون
دفع القيمة أفضل. قوله: (كما لا يخفى) يوهم أنه بحث منه مع أنه عزاه في التاتر خانية إلى
محمد بن سلمة. وقال في النهر: وهو حسن. قوله: (بطلوع الفجر) أي الفجر الثاني، وعند
الشافعي بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان. بدائع. قوله: (متعلق بيجب) أي
المذكور أول الباب. قوله: (لا تجب عليه) لأنه وقت الوجوب ليس بأهل. نهر. وكذا لو
افتقر قبله أو أيسره بعده كما في الهندية. قوله: (عملاً بأمره وفعله عليه الصلاة والسلام) رواه
الحاكم من حديث ابن عمر كما بسطه في الفتح. قوله: (أو أخره) قدمنا الكلام عليه أول
الباب. قوله: (اعتباراً بالزكاة) أي قياساً عليها. واعترضه في الفتح بأن حكم الأصل على
خلاف القياس فلا يقاس عليه، لأن التقديم وإن كان بعد السبب هو قبل الوجوب. وأجاب
في البحر بأنها كالزكاة بمعنى أنه لا فارق، لا أنه قياس اهـ. وفيه نظر، والأولى الاستدلال
بحديث البخاري، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين. قال في الفتح: وهذا مما لا يخفى
على النبي وَّر، بل لا بد من كونه بإذن سابق، فإن الإسقاط قبل الوجوب مما لا يعقل فلم
يكونوا يقدمون عليه إلا بسمع اهـ. قوله: (فكان هو المذهب) نقل في البحر اختلاف

٣٢٣
كتاب الزكاة / باب صدقة الفطر
(وجاز دفع كل شخص فطرته إلى) مسكين أو (مسكين على) ما عليه الأكثر، وبه جزم
في الولوالجية والخانية والبدائع والمحيط وتبعهم الزيلعي في الظهار من غير ذكر
خلاف وصححه في البرهان فكان هو (المذهب) كتفريق الزكاة، والأمر في حديث
((غنوهم)) للندب فيفيد الأولوية، ولذا قال في الظهيرية: لا يكره التأخير: أي تحريماً
التصحیح، ثم قال: لكن تأيد التقیید بدخول الشهر بأن الفتوی علیه فلیکن العمل علیه،
وخالفه في النهر بقوله: واتباع الهداية أولى. قال في الشرنبلالية: قلت: ويعضده أن العمل
بما عليه الشروح والمتون، وقد ذكر مثل تصحيح الهداية في الكافي والتبيين وشروح
الهداية. وفي البرهان وابن كمال باشا وفي البزازية: الصحيح جواز التعجيل لسنين، رواه
الحسن عن الإمام اهـ. وكذا في المحيط اهـ.
قلت: وحيث كان في المسألة قولان مصححان تخير المفتي بالعمل بأيهما، إلا إذا كان
لأحدهما رجح ككونه ظاهر الرواية أو مشى عليه أصحاب المتون والشروح أو أكثر المشايخ
کما بسطناه أول الكتاب، وقد اجتمعت هذه المرجحات هنا للقول بالإطلاق فلا یعدل عنه،
فافهم. قوله: (إلى مسكين) يغني عنه ما بعده لفهمه بالأولى ط. قوله: (فكان هو المذهب)
كذا قال في البحر رداً على ظاهر ما في الزيلعي هنا والفتح من أن المذهب المنع، وأن
القائل بالجواز إنما هو الكرخي اهـ. وكذا رده العلامة نوح بأن الأمر بالعكس، فإن المانعين
جمع يسير والمجوزين جمّ غفير، والاعتماد على ما عليه الجم الكثير. قوله: (والأمر في
حديث أفنوهم) هو ما خرجه الدارقطني وابن عديّ والحاكم في علوم الحديث عن ابن عمر
بلفظ ((أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوفِ فِي هَذَا الَّيْومِ)(١) نوح:
وهذا الجواب عما يقال إن الإغناء لا يحصل إلا بدفعها جملة فيجب عملاً بالأمر.
والجواب أن الأمر للندب وإلا لم يجز التقديم والتأخير، وقد مر الدليل على جوازهما أول
الباب، وذلك قرينة على أن الأمر هنا للندب، فخلافه لا يكره تحريماً بل تنزيهاً.
ويتحصل من هذا الجواب أن الدفع إلى متعدّد مكروه تنزيهاً ككراهة التأخير، إلا أن
يفرق بأنه لو أخر الناس عن اليوم لم يحصل الإغناء أصلاً، بخلاف ما لو فرقوا لحصول
الإغناء بالمجموع كما علل به الكرخي فلم يكن مخالفاً لأمر الندب لأنه أمر للمجموع لا
للأفراد، بقرينة أن ذا العيال لا يستغني بفطرة شخص واحد ولا يؤمر ذلك الواحد بإغنائه.
تأمل. وما في البحر من أن التحقيق أنه بالتأخير يكون قاضياً لا مؤدياً فيأثم للحديث: تبع
(١) ذكره الزيلعي في نصب الراية ٢/ ٤٣٠ وعزاه للحاكم وأخرجه أيضاً البيهقي ٤/ ١٧٥ قال ابن حجر في الدراية
وأصله من الصحيحين عن ابن عمر كان النبي # يأمرنا بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. انظر:
الدراية ٢٧٤/١.

٣٢٤
كتاب الزكاة / باب صدقة الفطر
(كما جاز دفع صدقة جماعة إلى مسكين واحد بلا خلاف) يعتدّ به (خلطت) امرأة أمرها
زوجها بأداء فطرته (حنطته بحنطتها بغير إذن الزوج ودفعت إلی فقير جاز عنها لا عنه) لما
مرّ أن الانخلاط عند الإمام استهلاك يقطع حق صاحبه، وعندهما لا يقطع، فيجوز إن
أجاز الزوج. ظهيرية. ولو بالعكس. قال في النهر: لم أره، ومقتضى ما مرّ جوازه
فيه صاحب الفتح وقدمنا أول الباب ترجيح خلافه، فافهم. قوله: (يعتد به) تصحيح لنفي
المصنف الخلاف تبعاً البحر بأن المراد نفي خلاف خاص، لأنه قد صرح في مواهب الرحمن
بالخلاف في المسألتين بقوله: ويجوز أخذ واحد من جمع ودفع واحدة لجمع على الصحيح
فيهما اهـ . .
قلت: ولعل محل الخلاف هنا ما إذا خلط الجماعة صدقاتهم ودفعوها لواحد، أما لو
دفع كل واحد بانفراده للواحد فيبعد جريان الخلاف في الجواز وعدمه، فليتأمل. قوله:
(أمرها زوجها) أفاد أنها إن أدت عنه بدون إذنه لم يجزه. ط عن أبي السعود. قوله: (بغير إذن
الزوج) أما لو بإذنه لا تملكه بالخلط فيجزئ عنه ط. قوله: (لا عنه) لأنه أمرها بالدفع من
ماله وقد ملكته بالخلط بدون إذنه فكانت متبرّعة ولزمها ضمان حنطته. قلت: وينبغي تقييده
بما إذا لم يجز الزوج ما فعلت أو لم توجد دلالة الإذن لما في الفصل التاسع من زكاة
التاتر خانية: دفع رجلان لرجل دراهم يتصدق بها عن زكاتهما فخلطها ثم دفعها ضمن، إلا
إذا جدد الإذن أو أجاز المالكان أو وجد دلالة الإذن بالخلط كما جرت العادة بالإذن من
أرباب الحنطة بخلط ثمن الغلات؛ وكذا الطحان ضمن إذا خلط حنطة الناس إلا في موضع
يكون مأذوناً بالخلط عرفاً اهـ ملخصاً. قوله: (لما مر) أي قبيل باب زكاة المال. قوله:
(فيجوز إن أجاز الزوج) أي يجوز عنه أيضاً، ولا حاجة إلى التقييد بالإجازة بعد قوله أولاً
(أمرها زوجها)) إلا أن يقال: إنه إشارة إلى الجواز وإن لم يوجد الأمر ابتداء، لكن لا بد في
جواز الإجازة من كون الحنطة قائمة في يد الفقير. ففي التاتر خانية سئل البقالي عمن تصدق
بطعام الغير عن صدقة الفطر، قال: توقفت على إجازة المالك فتعتبر شرائطها من قيام العين
ونحوه فإن لم يجز ضمن اهـ. وفيها من الفصل التاسع أيضاً عن شرح الطحاوي: تصدق
بماله عن رجل بلا أمره جاز عن نفسه وإن أجازه الرجل ولو بمال الرجل، فإن أجازه والمال
قائم جاز عنه، ولو هالكاً جاز عن المتطوع. قوله: (ولو بالعكس) بأن أمرته بأداء فطرتها
فخلط حنطتها بحنطته ط. قوله: (ومقتضى ما مر) أي من قوله: ولو أدى عنها بلا إذن أجزأ
استحساناً للإذن عادة فإنه يدل على جواز أدائه عنها من ماله، وإذا خلط حنطتها بحنطته في
مسألتنا صارت ملكه فيجوز عنه وعنها. ومثله ما في التاترخانية وغيرها: رجل له أولاد
وامرأة كال الحنطة لأجل كل واحد منهم حتى يعطي صدقة الفطر ثم جمع ودفع إلى الفقير
بنیتهم يجوز عنهم اهـ.

٣٢٥
كتاب الزكاة / باب صدقة الفطر
عنهما بلا إجازتها (ولا يبعث الإمام على صدقة الفطر ساعياً) لأنه عليه الصلاة والسلام
لم يفعله. بدائع.
(وصدقة الفطر كالزكاة في المصارف) وفي كل حال (إلا في) جواز (الدفع إلى
الذمي) وعدم سقوطها بهلاك المال
قلت: لكن قد يقال: إن دفعها الحنطة إليه من مالها قرينة على أنها أرادت أداء الفطر
من مالها لتنال فضيلة صدقة، وذلك ينافي إذنها له عادة بالدفع من ماله فينبغي عدم الجواز
حیث أرادت ذلك.
تنبيه: ما نقلناه عن التاتر خانية دليل على جواز الجمع، وأنه لا يلزمه إفراز كل فطرة
عن غيرها عند الدفع، ولكن لينظر أن الإفراز أولاً شرط أم لا؟ بل يكفيه دفع مدّ شامي مثلاً
جملة واحدة عن أربعة، ويكون قوله: كال الحنطة الخ بياناً للواقع: لم أره، وينبغي الثاني
لحصول المقصود، ومثله يقال فيما لو أراد دفع قيمة الحنطة وعن عياله، والأحوط إفراز
كل واحدة حتى يرى نقل صريح في المسألة، والله أعلم. قوله: (ولا يبعث الخ) في
الحديث الصحيح أنه جعل أبا هريرة على صدقة الفطر، فكان يقبل من جاءه بصدقته من غير
أن يذهب إليهم. رحمتي.
قلت: فالمراد أنه لا يبعث عاملًا كعامل الزكاة يذهب إلى القبائل بنفسه فلا ينافي ما
في الحديث. تأمل. قوله: (في المصارف) أي المذكورة في آية الصدقات إلا العامل الغنيّ
فيما يظهر، ولا تصح إلى من بينهما أولاد أو زوجية، ولا إلى غنيّ أو هاشميّ ونحوهم ممن
مر في باب المصرف، وقدمنا بیان الأفضل في المتصدق عليه. قوله: (وفي کل حال) لیس
المراد تعميم الأحوال مطلقاً من كل وجه، فإن لكل شروطاً ليست للأخرى، لأنه يشترط
في الزكاة الحول والنصاب النامي والعقل والبلوغ وليس شيء من ذلك شرطاً هنا، بل المراد
في أحوال الدفع إلى المصارف من اشتراط النية واشتراط التمليك فلا تكفي الإباحة كما في
البدائع، هذا ما ظهر لي. تأمل.
فرع: قدمنا في المصرف عن التاترخانية: لو دفع الفطرة إلى الطبال الذي يوقظهم وقت
السحر جاز، إلا أن الأحوط والأبعد عن الشبهة أن يقدم إليه قرصات هدية ثم يعطيه
الحنطة اهـ. قوله: (إلا في جواز الدفع إلى الذمي) في الخانية جاز ويكره، وعند الشافعي
وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: لا يجوز. تاتر خانية. وقدم عن الحاوي أن الفتوى على
قول أبي يوسف(١)، ومر الكلام فيه.
(١) اختلف الفقهاء في دفع المسلم صدقة فطره للكافر، فذهب الجمهور من الفقهاء الشافعي، ومالك، وأحمد، وزفر،
وأبو يوسف، في رواية عنه إلى القول بعدم جواز الصرف إلى الكافر. وذهب الإمام أبو حنيفة وجماعة إلى =

٣٢٦
كتاب الزكاة / باب صدقة الفطر
وقد مر (ولو دفع صدقة فطره إلى زوجة عبده جاز)
تنبيه: ینبعي استثناء العامل کما قلنا آنفاً لأنها ليست من عمالته. قوله: (وقد مر) کل
= القول بجواز ذلك استدل الجمهور : - أولا : - بأن صدقة الفطر صدقة مالية وجبت للمحاويج المناسبين في
الملة فلا تصرف إلى غيرهم، لأن المقصود منها هو التقوي على العبادة والطاعة، والمنع عن السؤال في يوم العيد
لإقامة الصلاة قال عليه السلام: ((أغنوهم عن سؤال هذا اليوم))، والمراد يوم الفطر، وحيث كان المقصود لا يتحقق
بالصرف، إلى أهل الذمة لعدم قيامهم بالصلاة لا تصرف الصدقة إليهم: ونوقش : - بأن المقصود الأصلي من دفع
الزكاة في هذا اليوم هو سد حاجة المحتاج، وإغناء الفقير بفعل هو قربة، وذلك حصل بالدفع إلى الذميين
المحتاجين لعدم ورود النهي عن برهم والإحسان إليهم واستدلوا ثانياً : . بقياس صدقة الفطر على زكاة المال فكما
لا يصح صرف الثانية إليهم لا تصرف الأولى، لأن المعنى الذي لأجله منعت عنهم الزكاة محقق في صدقة الفطر،
فكلا الصدقتين صدقة واجبة. ونوقش : - بالفرق بين الزكاة وصدقة الفطر، فإن الأولى طهرة للمال، والثانية طهرة
للصوم. الأولى وجبت بحولان حول، وملك النصاب، والثانية وجبت بسبب رأس يمونه، ويلي عليه.
واستدل الحنفية : - أولاً بقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾.
وجه الدلالة: أن الآية أفادت إباحة دفع الصدقات. ومنها صدقة الفطر . إلى جنس الفقراء من غير تخصيص بمسلم أو
بكافر، ومقتضى ذلك أن يجوز صرف الزكاة وصدقة الفطر إلى الفقير الكافر إلا أن الزكاة قد خصت بحديث معاذ
السابق فبقي ما عداها على أصل الجواز.
واستدلوا ثانياً : . بقوله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ دلت الآية على جواز البربمن لم
يقاتلنا في الدين، والمراد بهم أهل الذمة، ودفع الصدقات، ومنها صدقة الفطرِ برّبهم. فلم تكن محظورة.
واستدلوا ثالثاً : - بما روى ابن أبي شيبة مرسلاً عن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله وَلير: ((لا تصدقوا إلا على
أهل دينكم، فأنزل الله تعالى ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون
إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)) فقال ◌َله ((تصدقوا على أهل الأديان كلها)).
وجه الدلالة: أن قوله: تصدقوا على أهل الأديان مطلق، فيفيد بمقتضى إطلاق جواز صرف الزكاة إلى جميع
الكفار، لأنهم ضمن أهل الأديان الذي ورد جواز التصدق عليهم. وكان مقتضى ذلك أن يجوز صرف الزكاة إليهم إلا
أن حديث معاذ السابق اقتضى عدم جوازه، فتوفيقاً بين الدليلين حمل حديث معاذ على الزكاة، والحديث الذي معنا
على ما سواها من الصدقات الواجبة كصدقة الفطر والصدقات المنذورة والكفارات.
فإن قيل: إن حديث معاذ خبر آحاد لا تجوز الزيادة به على الكتاب، لأنها نسخ. أجيب: بأن النص مخصوص بنص
مثله هو قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم﴾. وبالإجماع على أن فقراء أهل الحرب مخرجون من عموم
الفقراء، فلم یکن التخصیص بالحديث.
وإن قيل : - لم لا يكون حديث معاذ شاملاً لصدقة الفطر وغيرها من الكفارات أجيب : - بأن الصدقات الأخرى
فارقت الزكاة من جهة أنه ليس للساعي الذي يوليه الإمام من قبله ولاية أخذها من المتصدق بخلاف الزكاة.
وإن قيل : - إن زكاة المال ليس للإمام أخذها الأمر الذي حرم أهل الذمة من أخذها:
أجيب: بأن الأصل فيها هو أخذ الإمام لها، فلما كان زمن عثمان قال للناس: ((إن هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه
دين فليؤده ثم ليترك بقية ماله)) فجعل أصحاب الأموال وكلاء عنه في الأداء، وهذا لم يسقط حق الإمام في الأخذ.
واستدلوا رابعاً : - بما روى الحجاج عن سالم المكي عن ابن الحنفية قال: «كره الناس أن يتصدقوا على المشركين
فأنزل الله ((ليس عليك هداهم)) فتصدق الناس عليهم من غير الفريضة.
وبما روى هشام بن عروة عن أسماء قالت: أتتني أمي في عهد قريش راغبة، وهي مشركة، فسألت النبي #
أَصِلها؟ قال: نعم . ((دلت الروايتان على جواز التصدق على الكفار، وصدقة الفطر منها، فكانت جائزة عليهم))
المجموع ٢٢٨/٦، فتح الجليل ٣٨٤/١، الخطاب ٣٧٦/٢، مغني ابن قدامة ٢/ ٦٩٠، فتح القدير ٩/٢، بدافع
الصنائع ٤٩/٢، المبسوط ١١١/٣.

٣٢٧
كتاب الصوم
وإن كانت نفقتها عليه، عمدة الفتاوى للشهيد.
خاتمة: واجبات الإسلام سبعة: الفطرة، ونفقة ذي رحم، ووتر، وأضحية،
وعمرة، وخدمة أبويه، والمرأة لزوجها. حدادي.
كِتَابُ اَلْصَّوْمِ(١)
من المسألتين: أما الأولى ففي باب المصرف، وأما الثانية ففي هذا الباب ح. قوله: (وإن
كانت نفقتها عليه) أي على الدافع باعتبار التزامه بذلك تبرّعاً وجعله إياها من جملة عياله وإلا
فنفقتها على زوجها ولذا لها بيعه بها؛ وقد يقال: إنها على السيد حكماً لأن العبد ملكه، فإذا
كان لها بيعه بها صارت كأنها واجبة في ماله، ويحتمل إرجاع الضمير إلى العبد ووجه المبالغة
أنها إذا كانت نفقتها عليه وهو ملك لسيده ربما يتوهم عدم الجواز، فافهم. قوله: (واجبات
الإسلام سبعة) عزاه صاحب الجوهرة إلى الإمام المحبوبي، وقد تقرر في الأصول أن العدد
لا مفهوم له، أو يقال إن ((واجبات)) خبر مقدم ((وسبعة)) مبتدأ مؤخر.
والمعنى: أن هذه السبعة من واجبات الإسلام، ولعل لها خصوصية اشتركت فيها من
بين سائر الواجبات فلا يرد ما في ط من أنه إن أراد المشتهر منها فغير مسلّم لأنه فاته صلاة
العيدين والجماعة وغيرهما وإن أراد مطلق واجب ففي الصلاة والحج وغيرهما واجبات لا
تحصى؛ ومراده بالواجب ما يعم الواجب ديانة كخدمة المرأة لزوجها والفرض العملي
كالوتر، وعدّ العمرة منها بناء على القول بوجوبها، وسيأتي اختلاف التصحيح فيه، والله
تعالى أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الصَّوْمِ(٢)
قال في الإيضاح: اعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين وأوثق قوانين الشرع المتين،
به قهر النفس الأمّارة بالسوء، وأنه مركب من أعمال القلب، ومن المنع عن المآكل
(١) الصيام لغة: مصدر صام. وهو في اللغة: عبارة عن الإمساك. قال الله تعالى: ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صوماً﴾
[مريم ٢٦]. ويقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح: إذا أمسكت عن الهبوب. قال أبو
عبيدة: كل ممسك عن طعام، أو كلام، أو سير، فهو صائم. انظر: الصحاح: ٥/ ١٩٧٠، ترتيب القاموس: ٢/
٨٧١، المصباح المنير: ٤٨٢/٢، لسان العرب: ٢٥٢٩/٤. واصطلاحاً: عرفه الحنفية بأنه: عبارة عن إمساك
مخصوص، وهو الإمساك عن المفطرات الثلاثة بصفة مخصوصة. وعرفه الشافعية بأنه: إمساك عن المفطر على وجه
مخصوص. وعرفه المالكية بأنه: إمساك عن شهوتي البطن والفرج في جميع النهار بنية. وعرفه الحنابلة بأنه: إمساك
عن أشياء مخصوصة. انظر: الاختيار: ١٥٨، الصنائع: ١٠٥٥/٣، المبسوط: ١١٤/٣، المجموع: ٥٠٤/٦،
الشرح الكبير بحاشية الدسوقي: ٥٠٩/١، الكافي: ٣٥٢/١، كشف القناع: ٢٩٩/٢، المغني: ١٨٦/٦.
(٢) شرع الصوم لأمور منها. أولًا : - غرس الرحمة بطريق عملي في قلوب الأغنياء نحو فقرائهم، والقيام بما يزود عنهم
عادي الجوع وغائل الصدى. إذ الصائم يعاني أثناء صومه من مرارة الجوع، ولظى الظمأ ما يدفعه إلى إعانة من =

٣٢٨
كتاب الصوم
والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس،
= رآه محتاجاً إلى طعام أو شراب لينقذه من مثل ما ذاق ألمه، بخلاف من لم يصم، فإن من لم يقاس بلاء لم يدرك عناء.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
ولهذا قال يوسف عليه السلام. حينما سئل لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ : . أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
ثانياً : - إدخال العزاء والسلوى على قلوب الفقراء بما يرون من مشاركة الأغنياء وأصحاب الثراء في الاحتباس عن
الطعام والشراب، والامتناع عن الملذات، وليس أدخل للسلوى على قلب المعدم البائس من وقوفه مع الغني
موقف المساواة ولو ساعة من نهار.
ثالثاً : - القبض على زمام شهواته النفسانية من الوقوع في الآثام فإن المرء ربما تاقت نفسه إلى النساء، ولا يجد طولًا،
ويخشى العنت، فيكسر حدة شهوته بالصوم، وذلك قوله ◌َير: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج،
ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء»
رابعاً : - تتألم النفس لحبسها عن الطعام فتشعر بذل العبودية، فتسكن إلى ربها خاشعة، وتقف على مقدار ضعفها
وعجزها، لأنها ضعفت قواها ووهنت للقيمة من طعام فاتتها، وأظلمت عليها الدنيا، وضاقت بسبب شربة ماء
تأخرت عنها، والعبد إذا لم ير ذل نفسه استحال عليه أن يرى عظمة مولاه، وما أجمل هذا الألم يتحمله العبد راضياً
في طاعة ربه راغباً في امتثال أمره، واجتناب نهيه حتى إذا ما حانت ساعة الإفطار استحال ذلك الألم إلى سرور
مشوب بالشكر لله تعالى على توفيقه لا يعدله إلا فرحه بلقاء ما أعد له من الجزاء في الدار الآخرة «للصائم فرحتان:
فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه)).
خامساً : - بالصوم يتعود الإنسان تدريجياً القبض على زمام شهواته النفسية التي هي سبب المعاصي كلها، والسعادة
جميعها في أن يملك الشخص نفسه، والشقاوة كل الشقاوة في أن تملكه نفسه. هذا كله فضلاً عما يستفيده الجسم
والعقل من الصوم فمما ما لا مراء فيه أنه يريح المعدة من المجهود الذي تبذله كل يوم، وله فوائد عظيمة في عدة
أمراض مختلفة، وما يعتري الإنسان من الضعف القليل نهاراً لا يذكر بجانب ما يجنيه من فوائد الصوم من إراحة الجهاز
الهضمي، وإحراق ما في الجسم من الفضلات وغير ذلك.
سادساً : - تعويده الصبر والثبات على المكاره، فإن الصائم يكلف نفسه البعد عن كل ما تشتهي، ويزودُها عن ذلك
بعزم قوي وصبر حسن، ألا تنظر إليه قبيل الغروب وما يتمناه من المآكل والمشارب بين يديه، وهو مشغول عنه
بالاستغفار إن هذا بلا ریب یعوده جمال الصبر واحتمال المكاره، وذلك من خير الخلال التي ينبغي أن يتحلى بها
المؤمن.
سابعاً : - تذكير العبد بما هو عليه من الذلة والمسكنة، لأنه يشعر أثناء صومه بحاجته إلى يسير الطعام وقليل
الشراب، والمحتاج إلى الشيء ذليل به.
ولذلك احتج الله تعالى على من اتخذ عيسى وأمه عليهما السلام إلهين من دونه بقوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا
رسول﴾ إلى قوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾، فهما محتاجان إليه ذليلان به، ولا يكون الإله محتاجاً ذليلاً، وهذا التذكير
يرفع عن عاتقه رداء الكبر، ويصيره خاضعاً لخالقه ورازقه، ويلزمه معاملة الخلق بالحسنى ولين الجانب، فتحصل
الرأفة والمودة، وتكون المساعدة والمعاونة:
ثامناً : - إدراك فوائد الجوع وأجلها إيقاد الفكر، وإنفاذ البصيرة، ولذا يقول الرسول وَ طاهر: ((من جاع بطنه عظمت
فکرته، وفطن قلبه)).
والخلاصة : - أن الصوم عبادة وقربة - من أفضل القرب إلى الله تعالى وأبعدها عن الرياء فهي بين العبد وربه أداء
وجزاءً، وكفاه فخراً في حديث قدسي ((الصوم لي، وأنا أجزي به))، وإنما كان له ومشرفاً بالنسبة إليه وإن كانت
العبادات كلها له كما شرف البيت لإضافته إليه مع أن الأرض كلها له؛ لأن الصوم كف وترك، وهو في نفسه سر
ليس فيه عمل يشاهد، وجميع الأعمال بمشهد من الخلق ومرأى، والصوم لا يراه إلا الله تعالى.

٣٢٩
كتاب الصوم
قيل لو قال الصيام لكان أولى لما في الظهيرية لو قال: لله عليّ صوم لزمه يوم،
ولو قال: صيام لزمه ثلاثة أيام كما في قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام﴾ وتعقب بأن
الصوم له أنواع، على أن أل تبطل معنى الجمع، والأصح أنه لا یکره قول رمضان.
فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ في التكاليف بالأخف، وهو الصلاة تمريناً للمكلف
ورياضة له، ثم يثنى بالوسط وهو الزكاة، ويثلث بالأشق وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارة
في مقام المدح والترتيب - والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدّقات والصائمين
والصائمات - وفي ذكر مباني الإسلام ((وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان))
فاقتدت أئمة الشريعة في مصنفاتهم بذلك اهـ. كذا في شرح ابن الشلبي. قوله: (قيل) قائله
صاحب البحر ح. قوله: (لما في الظهيرية الخ) وجه الاستشهاد أن هذا الفرع يدل على أن
الصيام جمع أقله ثلاثة أيام كما في الآية، فإن فدية اليمين صوم ثلاثة أيام، فكان التعبير به
أولى لدلالته على التعدد، فإن الترجمة لأنواع الصيام الثلاثة: أعني الفرض والواجب
والنفل. قوله: (وتعقب الخ) المتعقب صاحب النهر.
وحاصل كلام الشارح أن الصوم اسم جنس له أنواع وهي الثلاثة المذكورة، فحیث
عبر عنه بالصوم أو الصيام يراد منه أنواعه المترجم لها، لا ثلاثة أيام فأكثر. قال في
المغرب: یقال صام صوماً وصیاماً فهو صائم وهم صوّم وصيام اهـ. فأفاد أن مدلول كل من
الصوم والصيام واحد، ولا دلالة في واحد منهما على التعدد، ولذا قال القاضي في تفسير
قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام﴾ أنه بيان لجنس الفدية، وأما قدرها فبينه عليه الصلاة
والسلام في حديث كعب اهـ.
نعم يأتي الصيام جمعاً لصائم كما علمته، لكن لا تصح إرادته هنا ولا في الآية كما لا
يخفى، ولو سلم أن الصيام جمع لأفراد الصوم فلا أولوية في العدول إليه، لأن أل الجنسية
تبطل معنى الجمعية فيتساوى التعبير بالصوم وبالصيام، هذا تقرير كلام الشارح على وفق ما
في النهر، فافهم، وعلى هذا فيشكل ما مر عن الظهيرية، وإن قال في النهر: لعل وجهه أنه
أريد بلفظ صيام في لسان الشارع ثلاثة أيام، فكذا في النذر خروجاً عن العهدة، بخلاف
صوم اهـ: يعني أن لفظ صيام وإن لم يكن جمعاً لكنه لما أطلق في آية الفدية مراداً به ثلاثة أيام
كما بين إجماله الحديث فيراد في كلام الناذر كذلك احتياطاً، فتأمل. قوله: (والأصح الخ)
قال بعضهم: الصحيح ما رواه محمد عن مجاهد ولم يحك خلافه أنه كره أن يقال: جاء
رمضان، وذهب رمضان، لأنه اسم من أسمائه تعالى، وعامة المشايخ أنه لا يكره لمجيئه
في الأحاديث الصحيحة كقوله وَل﴿ ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَتْبِهِ، وَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً))(١) ولم يثبت في المشاهير كونه من أسمائه تعالى،
(١) أخرجه البخاري ١/ ٩٢ (٣٨) ومسلم ٥٢٤/١ (٠١٧٥ ٧٦٠).

٣٣٠
كتاب الصوم
وفرض بعد صرف القبلة إلى الكعبة لعشر في شعبان بعد الهجرة بسنة ونصف (وهو) لغة
(إمساك عن المفطرات) الآتية (حقيقة أو حكماً) كمن أكل ناسياً فإنه ممسك حكماً (في
وقت مخصوص) وهو اليوم (من شخص مخصوص)
ولئن ثبت فهو من الأسماء المشتركة كالحكيم، كذا في الدراية(١).
واعلم أنهم أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر هو مجموع المضاف والمضاف إليه
شهر رمضان وربيع الأول والآخر فحذف شهر هنا من قبيل حذف بعض الكلمة، وإلا أنهم
جوزوه لأنهم أجروا مثل هذا العلم مجرى المضاف والمضاف إليه حيث أعربوا الجزأين،
كذا في شرح الكشاف للسعد. نهر. ومقتضاه أن رجب ليس منها خلافاً للصلاح الصفدي،
وتبعه من قال : [الرجز]
وَلَا تُضِفْ شَهْراً لِلَفْظِ شَهْرٍ إِلَّ الَّذِي أَوَّلُهُ الرَّا فِآدْرِ
ولذا زاد بعضهم قوله : [الرجز]
وَأَسْتَثْنٍ مِنْ ذَا رَجَباً فَيَمْتَنِعْ لأَنه فِيمَا رَوَوْهُ مَا سُمِغْ
قوله: (إمساك مطلقاً) أي عن طعام أو كلام، وظاهره أنه حقيقة لغوية في الجميع وهو
ما يفيده عبارة الصحاح، وفي المغرب: هو إمساك الإنسان عن الأكل والشرب، ومن
مجازه: صام الفرس إذا لم يعتلف، وقول النابغة:
* خيل صيام وخيل غير صائمة *
نهر. قوله: (عن المفطرات الآتية) أشار بالآتية إلى أن للعهد، وأن المراد الأشياء
المعدودة المعلومة في باب مفسدات الصوم فلا تتوقف معرفتها على معرفته فلا دور،
فافهم. قوله: (فإنه ممسك حكماً) لحكم الشارع بعدم اعتبار ذلك الأكل مثلاً. قوله: (وهو
اليوم) أي اليوم الشرعي من طلوع الفجر إلى الغروب، وهل المراد أول زمان الطلوع أو
انتشار الضوء؟ فيه خلاف كالخلاف في الصلاة، والأول أحوط والثاني أوسع كما قال
الحلواني كما في المحيط، والمراد بالغروب: زمان غيبوبة جرم الشمس بحيث تظهر
الظلمة في جهة الشرق، قال وَ﴿ ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ))(٢) أي إذا
وجدت الظلمة حساً في جهة المشرق فقد ظهر وقت الفطر أو صار مفطراً في الحكم، لأن
(١) في ط لبعضهم:
إن حادي عشرين شهر جمادى
ذكروا الشهر وهو مع رمضان
في كلام الشهود لحن قبيح
والربيعين غير ذا لم يبيحوا
ت لنون والعكس حكم صحيح
وتعدوا في حذف واو إِثبا
قال ذاك المحقق ابن هشام جاد مثواه صوب غيث فسيح
(٢) أخرجه البخاري ١٩٦/٤ (١٩٥٤) ومسلم ٢/ ٧٧٢ (٥١. ١١٠٠).

٣٣١
كتاب الصوم
مسلم كائن في دارنا أو عالم بالوجوب طاهر عن حيض أو نفاس (مع النية) المعهودة.
وأما البلوغ والإفاقة فليسا من شرط الصحة، لصحة صوم الصبيّ، ومن جنّ أو أغمي
عليه بعد النية، وإنما لم يصح صومهما في اليوم الثاني لعدم النية .
وحكمه نيل الثواب ولو منهياً عنه كما في الصلاة في أرض مغصوبة (وسبب
الليل ليس ظرفاً للصوم، وإنما أدى بصورة الخبر ترغيباً في تعجيل الإفطار كما في فتح
الباري. قهستاني. قوله: (مسلم الخ) بيان للشخص المخصوص. قوله: (کائن في دارنا
الخ) أنت خبير بأن الكلام في بيان حقيقة الصوم شرعاً: أي ما يمكن أن يتحقق به، ولا
يخفى أن الصوم الذي هو الإمساك عن المفطرات نهاراً بنيته يتحقق من المسلم الخالي عن
حيض ونفاس، سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب، علم بالوجوب أولًا، على أن
الكلام في تعريف الصوم فرضاً أو غيره، والعلم بالوجوب أو الكون في دار الإسلام إنما هو
شرط لوجوب رمضان كالعقل والبلوغ لا شرط للصحة، فالمناسب الاقتصار على قوله
(طاهر الخ)) ثم رأيت الرحمتي ذكر نحو ما قلته، فافهم. قوله: (أو عالم بالوجوب) أي أو
كائن في غير دارنا عالم بالوجوب فالكون بدار الإسلام موجب للصوم، وإن لم يعلم
بوجوبه، إذ لا يعذر بالجهل في دار الإسلام، بخلاف من أسلم في دار الحرب ولم يعلم به
فإنه لا يجب عليه ما لم يعلم، فإذا علم ليس عليه قضاء ما مضى، إذ لا تكليف بدون العلم
ثمة للعذر بالجهل، وإنما يحصل له العلم الموجب بإخبار رجلين أو رجل وامرأتين
مستورتين أو واحد عدل، وعندهما لا تشترط العدالة ولا البلوغ والحرية كما في إمداد
الفتاح. قوله: (طاهر عن حيض أو نفاس) أي خال عنهما، وإلا فالطهارة عن حدثهما غير
شرط. قوله: (المعهودة) هي نية الشخص المذكور الصوم في وقتها الآتي بيانه. قوله:
(وأما البلوغ والإفاقة الخ) جواب عما قد يقال: لم لم تقيد الشخص المخصوص بالبلوغ
والإفاقة من الجنون أو الإغماء أو النوم؟.
وبيان الجواب: أن الكلام في تعریف الصوم الشرعي وذلك بذکر رکنه، وهو
الإمساك المذكور وذكر ما تتوقف عليه صحته وهي ثلاثة: الإسلام، والطهارة عن الحيض
والنفاس، والنية كما في البدائع، ولم يذكر في الفتح الإسلام لإغناء النية عنه، إذا لا تصح
بدونه، وليس البلوغ والإفاقة من شروط الصحة لصحته بدونهما كما ذكره؛ نعم هما من
شروط وجوب رمضان وهي أربعة ثالثها الإسلام ورابعها العلم بالوجوب أو الكون في دارنا
فلا محل للتقييد بهما. على أن الكلام في تعریف مطلق الصوم لا خصوص صوم رمضان كما
مر، ولذا لم يذكر شروط وجوب أدائه، وهي ثلاثة: الصحة والإقامة والخلوّ من حيض
ونفاس. قوله: (وحکمه) أي الأخروي، أما حکمه الدنيوي فهو سقوط الواجب إن كان
صوماً لازماً. بحر. قوله: (ولو منهياً عنه) كصوم الأيام الخمسة إذ النهي لمعنى مجاور وهو

٣٣٢,
كتاب الصوم
صوم) المنذور النذر، ولذا لو عين شهراً وصام شهراً قبله عنه أجزأه لوجود السبب،
ويلغو التعيين والكفارات الحنث والقتل و (رمضان شهود جزء من الشهر) من ليل أو
نهار على المختار كما في الخبازية، واختار فخر الإسلام وغيره أنه الجزء الذي يمكن
الإعراض عن ضيافة الله تعالى، وهو يفيد أن في صومها ثواباً كالصلاة في الأرض
" المغصوبة. ذكره في النهر راداً على البحر قوله: إنه لا ثواب في صوم الأيام المنهية، فكلام
الشارح بحث لصاحب النهر ط.
قلت: صرح في التلويح بأن الخلاف بيننا وبين الشافعي في أن النهي يقتضي الصحة
عندنا بمعنى استحقاق الثواب وسقوط القضاء وموافقة أمر الشارع، ثم نقل عن الطريقة
المعينة ما حاصله أن الصوم في هذه الأيام ترك للمفطرات الثلاث وإعراض عن الضيافة؛
فمن حيث الأول يكون عبادة مستحسنة، ومن حيث الثاني يكون منهياً، لكن الأول بمنزلة
الأصل والثاني بمنزلة التابع فبقي مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه اهـ. لكن بحث محشيه
الفنري في إرادة استحقاق الثواب: بل المراد ما سواها، والصحة لا تقتضي الثواب كالوضوء
بلانية والصلاة مع الرياء اهـ.
قلت: ويؤيده وجوب الفطر بعد الشروع وتصريحهم بأنه معصية. قوله: (ويلغو
التعيين) من هذا يؤخذ أنه لو نذر صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع يصح صوم غيرهما
عنهما ط .
قلت: وهذا في غير النذر المعلق لما سيأتي قبيل الاعتكاف من قوله: والنذر غير
المعلق لا يختص بزمان ومكان ودرهم وفقير، بخلاف المعلق فإنه لا يجوز تعجيله قبل وجود
الشرط اهـ: أي لأن المعلق على شرط لا ينعقد سبباً للحال، وسيأتي تمام الكلام على هذه
المسألة هناك. قوله: (والكفارات) أي سبب صومها الحنث والقتل: أي قتل النفس خطأ أو
قتل الصيد محرماً، والأولى قول الفتح، وسبب صوم الكفارات أسبابها من الحنث
والقتل اهـ. لأن منها العزم على العود في الظاهر والإفطار في فطر رمضان والحلق في حلق
المحرم لعذر. قوله: (على المختار) اختاره السرخسي بحر. قوله: (وغيره) كالإمام
الدبوسي وأبى اليسر. بحر. قوله: (الذي يمكن إنشاء الصوم فيه) وهو ما كان من طلوع
الفجر الصادق إلى قبيل الضحوة الكبرى، أما الليل والضحوة وما بعدها فلا يمكن إنشاء
الصوم فيهما، والموجود في الليل مجرد النية لا إنشاء الصوم ط. لكن صرح في البحر بأن
السبب هو الجزء الذي لا يتجزأ من كل يوم فيجب مقارناً إياه اهـ. وهذا يقتضي أنه الجزء
الأول من كل يوم كما صرح به غيره أيضاً، وصرح به هو في فصل العوارض عند قول
الكنز: ولو بلغ صبيّ أو أسلم كافر الخ، ودفع ما أورده ابن الهمام من أنه يلزم مقارنة السبب
للوجوب أو تقدم الوجوب على السبب بأنه يجوز مقارنته له للضرورة، كما لو شرع في

٣٣٣
كتاب الصوم
إنشاء الصوم فيه من كل يوم، حتى لو أفاق المجنون في ليلة أو في آخر أيامه بعد الزوال
لا قضاء عليه، وعليه الفتوى كما في المجتبى والنهر عن الدراية، و صححه غير واحد،
وهو الحق كما في الغاية .
الصلاة في أول جزء من الوقت فإنه يسقط اشتراط تقدم السبب على الوجوب المسبب
للضرورة كما صرح به في الكشف الكبير، وتمام الكلام هناك فتأمل. قوله: (حتى لو أفاق
المجنون في اليلة) أي من أول الشهر أو وسطه ثم جنّ قبل أن يصبح ومضى الشهر وهو
مجنون. بحر. وقوله ((أو في آخر أيامه بعد الزوال)) كذا وقع في البحر وغيره، والأحسن قول
الإمداد: وفيما بعد الزوال من يوم منه، ومثله في شرح التحرير. وفي نور الإيضاح، ولا
يلزمه قضاؤه بإفاقته ليلا أو نهاراً بعد فوات وقت النية في الصحيح. قلت: ولعل التقييد بآخر
يوم منه مبني على أن المراد الإفاقة التي لم يعقبها جنون، فإنها إذا كانت في وسطه لا شك
في وجوب القضاء، والمراد بما بعد الزوال ما بعد نصف النهار الشرعي: أي ما بعد
الضحوة الكبرى كما مر آنفاً، أو هو مبني على قول القدوري كما يأتي تحريره، فافهم.
تنبيه: تفريع هذه المسألة على ما ذكره من الاختلاف في السبب يخالفه ما في الهداية
حیث جمع بین القولین بأنه لا منافاة، فشهود جزء منه سبب لکله، ثم کل یوم سبب وجوب
أدائه، غاية الأمر أنه تكرّر سبب وجوب صوم الیوم باعتبار خصوصه ودخوله في ضمن غيره
كما في الفتح، ويؤيد ما قلناه قول ابن نجيم في شرح المنار: ولم أر من ذكر لهذا الخلاف
ثمرة في الفروع اهـ. تأمل. قوله: (كما في المجتبى) ونصه: ولو أفاق أول ليلة من رمضان
ثم أصبح مجنوناً واستوعب كل الشهر اختلف أئمة بخارى فيه، والفتوى على أنه لا يلزمه
القضاء لأن الليلة لا يصام فيها، وكذا إن أفاق في ليلة من وسطه أو في آخر يوم من رمضان
بعد الزوال وقبل الزوال يلزمه. قوله: (وصححه غير واحد) كصاحب النهاية والظهيرية. بحر
وقاضيخان والعناية شرنبلالية. ومشى عليه الإسبيجابي وحميد الدين الضرير من غير حكاية
خلاف شرح التحرير، ومشى عليه في نور الإيضاح.
قلت: وكذا نقل تصحيحه في الذخيرة، لكن نقل أيضاً تصحيح لزوم القضاء، ومشى
عليه في الفتح قائلاً: لا فرق بين إفاقته وقت النية أو بعده، وفي شرح الملتقى للبهنسي أنه
ظاهر الرواية.
قلت: ومثله في شرح التحرير عن الكشف، وعزاه في البدائع إلى أصحابنا ولم يحك
غيره، وكذا في السراج، وجزم به الزيلعي، وهو ظاهر القدوري والكنز والهداية حيث
أطلقوا لزوم القضاء بإفاقة بعض الشهر، وكذا في الجامع الصغير قال: وإن أفاق شيئاً منه
قضاه، وعبر في الملقتى بإفاقة ساعة، وفي المعراج: لو كان مفيقاً في أول ليلة منه ثم جنّ
وأصبح مجنوناً إلى آخر الشهر قضاه كله بالاتفاق غير يوم تلك الليلة، ثم نقل عبارة المجتبى

٣٣٤
كتاب الصوم
(وهو) أقسام ثمانية: (فرض) وهو نوعان: معين (كصوم رمضان أداء و) غير
معين كصومه (قضاء و) صوم (الكفارات) لكنه فرض عملاً لا اعتقاداً ولذا لا يكفر
جاحده. قاله البهنسي تبعاً لابن الكمال.
(وواجب) وهو نوعان: معين (كالنذر المعين، و) غير معين كالنذر (المطلق)
وأما قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ فدخله الخصوص كالنذر بمعصية فلم يبق قطعياً
(وقيل) قائله الأكمل وغيره، واعتمده الشرنبلالي، لكن تعقبه سعدي بالفرق بأن
المنذورة لا تؤدى بعد صلاة العصر، بخلاف الفائتة (هو فرض على الأظهر)
المارة. والحاصل أنهما قولان مصححان، وأن المعتمد الثاني لكونه ظاهر الرواية
والمتون. قوله: (وهو أقسام ثمانية) فرض معين وغير معين وواجب كذلك، ونفل مسنون
أو مستحب ومكروه تنزيهاً أو تحريماً. قوله: (معين) أي له وقت خاص. قوله: (لكنه) أي
صوم الكفارات. قوله: (تبعاً لابن الكمال) حيث قال في إيضاح الإصلاح: وصوم النذر
والكفارة واجب لم ينعقد الإجماع على فرضية واحد منهما، بل على وجوبه: أي ثبوته عملاً
لا علماً ولهذا لا یکفر جاحده اهـ.
وحاصله أنه وإن ثبت لزوم كل منهما عملاً بالكتاب والإجماع لكن لم يثبت لزومهما
علماً بحيث يكفر جاحد فرضيتهما كما هو شأن الفروض القطعية كرمضان ونحوه، وعلى
هذا فكان المناسب ذكر الكفارات في قسم الواجب كما فعل ابن الكمال، لأن الفرض
العملي الذي هو أعلى قسمي الواجب ما يفوت الجواز بفوته كالوتر وهذا ليس منه. قوله:
(کالنذر المعین) أي بوقت خاص کنذر صوم یوم الخمیس مثلاً، وغیر المعين کنذر صوم يوم
مثلاً، ومن الواجب صوم التطوّع بعد الشروع فيه وصوم قضائه عند الإفساد وصوم
الاعتكاف. قوله: (وأما قوله تعالى الخ) أي أن مقتضى ثبوت الأمر به في الآية القطعية كونه
فرضاً والجواب أنه خص منها النذر بالمعصية بالإجماع فصارت ظنية الدلالة فتفيد الوجوب،
وفيه بحث لصاحب العناية مذكور مع جوابه في النهر. قوله: (قائله الأكمل) فيه أن الأكمل
قرّر في العناية الوجوب، إلا أن يكون وقع له في غير هذا الموضع، والذي في البحر وغيره
أن قائله الكمال، فلعله سبق قلم الشارح لتشابه اللفظين. أفاده ج.
وكلام الكمال في الفتح حاصله أن الفرضية مستفادة من الإجماع على اللزوم لا من
الآية لتخصصها كما علمت. قوله: (لكن تعقبه سعدي الخ) أي في حاشية العناية، فإنه نقل
عبارة الفتح ثم اعترضه بأنه ليس على ما ينبغي لما في أوائل كتاب السير من المحيط
البرهاني والذخيرة: الفرق بين الفريضة والواجب ظاهر نظراً إلى الأحكام، حتى إن الصلاة
المنذورة لا تؤدي بعد صلاة العصر وتقضي الفوائت بعد صلاة للعصر اهـ.

٣٣٥
كتاب الصوم
كالكفارات: يعني عملاً، لأن مطلق الإجماع لا يفيد الفرض القطعي كما بسطه خسرو
(ونفل كغيرهما) يعم السنة كصوم عاشوراء مع التاسع .
وحاصله: أن ما ذكر صريح في أن المنذور واجب لا فرض. قوله: (يعني عملاً) هذا
صلح بما لا يرتضيه الخصمان، فإن المستدل على فرضيته بالآية أراد به أنه فرض قطعي كما
صرح به في الدرر لا ظني، ولذا اعترض في الفتح الاستدلال بالآية بأنها لا تفيد الفرضية لما
مر من تخصيصها، وعدل عنه كصدر الشريعة إلى الاستدلال بالإجماع. قوله: (كما بسطه
خسرو) أي في الدرر حيث أجاب عن قول صدر الشريعة: إن المنذور فرض لأن لزومه
ثابت بالإجماع، فيكون قطعي الثبوت بأن المراد بالفرض هاهنا الفرض الاعتقادي الذي يكفر
جاحده كما تدل عليه عبارة الهداية، والفرضية بهذا المعنى لا تثبت بمطلق الإجماع، بل
بالإجماع على الفرضية المنقول بالتواتر كما في صوم رمضان؛ ولما لم يثبت في المنذور نقل
الإجماع على فرضيته بالتواتر بقني في الوجوب، فإنه الإجماع المنقول بطريق الشهرة أو الآحاد
يفيد الوجوب دون الفرضية بهذا المعنى اهـ.
قلت؛ وظاهر كلامه وجود الإجماع على فرضية المنذور، لكن لما لم ينقل متواتراً بل
بطريق الشهرة أو الآحاد أفاد الوجوب، والأظهر ما مر عن ابن للكمال من أن الإجماع على
ثبوته عملاً لا علماً.
والحاصل أن العلماء أجمعوا على لزوم الكفارات والمنذورات الشرعية، ولا يلزم من
ذلك الفرضية القطعية اللازمة منها إکفار الجاحد لها.
تنبيه: في شرح الشيخ إسماعيل عن ذخيرة العقبي: اعلم أنه قد اضطرب كلام
المؤلفين في كل من النذور والكفارات، فصاحب الهداية والوقاية فرض، وصدر الشريعة
واجب، والزيلعي الأول واجب والثاني فرض، وابن ملك بالعكس، وتوجيه كلّ ظاهر إلا
الأخير. قوله: (ونفل) أراد به المعنى الغوى وهو الزيادة لا الشرعي وهو زيادة عبادة شرعية
لنا لا علينا، لأنه أدخل فيه المكروه بقسميه. وقد يقال: إن المراد المعنى الشرعي لما
قدمناه من أن الصوم في الأيام المكروهة من حيث نفسه عبادة مستحسنة، ومن حيث تضمنه
الإعراض عن الضيافة يكون منهياً فبقي مشروعاً بأصله دون وصفه. تأمل. قوله: (يعم
السنة) قدمنا في بحث سنن الوضوء تحقيق الفرق بين السنة والمندوب.
وأن السنة ما واظب عليها النبي ◌َلهم أو خلفاؤه من بعده، وهي قسمان: سنة الهدى
وتركها يوجب الإساءة والكراهة كالجماعة والأذان، وسنة الزوائد كسير النبي وَّر في لباسه
وقيامه وقعوده، ولا يوجب تركها كراهة. والظاهر أن صوم عاشوراء من القسم الثاني، بل
سماه في الخانية مستحباً فقال: ويستحب أن يصوم يوم عاشوراء بصوم يوم قبله أو يوم بعده
ليكون مخالفاً لأهل الكتاب، ونحوه في البدائع، بل مقتضى ما ورد من أن صومه كفارة للسنة
الماضية وصوم عرفة كفارة الماضية والمستقبلة كون صوم عرفة آكد منه، وإلا لزم كون

٣٣٦
كتاب الصوم
والمندوب كأيام البيض من كل شهر، ويوم الجمعة ولو منفرداً، وعرفة ولو
لحاج لم یضعفه. والمكروه تحريماً کالعیدین.
و تنزيهاً کعاشوراء وحده،
المستحب أفضل من السنة، وهو خلاف الأصل. تأمل. قوله: (والمندوب) بالنصب عطف
على السنة، ولم يذكر المستحب لعدم الفرق بينه وبين المندوب عند الأصوليين، وهو ما
لم يواظب عليه وَ ﴿ وإن لم يفعله بعد ما رغب إليه كما في التحرير. وعند الفقهاء:
المستحب ما فعله ولو مرة وتركه أخرى، والمندوب: ما فعله مرة أو مرتين تعليماً للجواز،
وعكس في المحيط. وقول الأصوليين أولى لشموله ما رغب فيه ولم يفعله كما ذكره في
البحر من كتاب الطهارة لكنه فرق بينهما هنا فقال: ينبغي أن يكون كل صوم رغب فيه
الشارع * بخصوصه مستحباً وما سواه مما لم تثبت كراهته يكون مندوباً لا نفلاً لأن الشارع
قد رغب في مطلق الصوم فترتب على فعله الثواب، بخلاف النفلية المقابلة للندبية فإن
ظاهره يقتضي عدم الثواب فیه، وإلا فهو مندوب کما لا يخفى اهـ.
قلت: وهذا وارد على ما في الفتح حيث جعل النفل مقابلًا للمندوب والمكروه.
قوله: (كأيام البيض) أي أيام الليالي البيض وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس
عشر، سميت بذلك لتكامل ضوء الهلال وشدة البياض فيها. إمداد. وفيه تبعاً للفتح
وغيره: المندوب صوم ثلاثة من كل شهر ويندب كونها البيض. قوله: (ويوم الجمعة ولو
منفرداً) صرح به في النهر وكذا في البحر، فقال: إن صومه بانفراده مستحب عند العامة
كالاثنين والخميس، وكره الكل بعضهم اهـ. ومثله في المحيط معللًا بأن لهذه الأيام فضيلة
ولم يكن في صومها تشبه بغير أهل القبلة كما في الأشباه، وتبعه في نور الإيضاح من كراهة
إفراده بالصوم قول البعض. وفي الخانية: ولا بأس بصوم يوم الجمعة عند أبي حنيفة ومحمد
لما روي، عن ابن عباس أنه كان يصومه ولا يفطر اهـ. وظاهر الاستشهاد بالأثر أن المراد بلا
بأس الاستحباب. وفي التجنيس قال أبو يوسف: جاء حديث في كراهته إلا أن يصوم قبله
أو بعده، فكان الاحتياط أن يضم إليه يوماً آخر اهـ. قال ط: قلت: ثبت بالسنة طلبه والنهي
عنه، والآخر منهما النهي كما أوضحه شراح الجامع الصغير لأن فيه وظائف، فلعله إذا صام
ضعف عن فعلها. قوله: (لم يضعفه) صفة لحاج: أي إن كان لا يضعفه عن الوقوف
بعرفات ولا يخل بالدعوات. محيط. فلو أضعفه كره. قوله: (والمكروه) بالنصب عطفاً على
السنة أو بالرفع على الابتداء، وخبره قوله ((كالعيدين)) وحينئذ لا يحتاج إلى التكلف المارّ في
وجه إدخاله في النفل، على أن صوم العيدين مكروه تحريماً ولو كان الصوم واجباً. قوله:
(كالعيدين) أي وأيام التشريق. نهر. قوله: (وعاشوراء وحده)(١)أي مفرداً عن التاسع أو عن
(١) في ط (قوله وعاشوراء) هكذا بخطه، والذي في الشارح ((كعاشوراء) بكاف التمثيل، وهو الأوفق بما قبله.

٣٣٧
كتاب الصوم
وسبت وحده، ونیروز ومهرجان إن تعمده، وصوم دهره، وصوم صمت، ووصال وإن
أفطر إلا أيام الخمسة وهذا عند أبي يوسف كما في المحيط
الحادي عشر. إمداد. لأنه تشبه باليهود. محيط. قوله: (وسبت وحده) للتشبه باليهود.
بحر. وهذه العلة تفيد كراهة التحريم، إلا أن يقال: إنما تثبت بقصد التشبه كما مر
نظيره ط .
قلت: وفي بعض النسخ ((وأحد)) بدل قوله ((وحده)) وبه صرح في التاتر خانية فقال:
ویکرم صوم النیروز والمهرجان إذا تعمده ولم يوافق يوماً کان یصومه قبل ذلك، وهكذا قیل
في يوم السبت والأحد اهـ: أي يكره تعمد صومه إلا إذا وافق يوماً كان يصومه قبل؛ كما لو
كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، أو كان يصوم أول الشهر مثلاً فوافق يوماً من هذه الأيام. وأفاد
قوله ((وحده)) أنه لو صام معه يوماً آخر فلا كراهة، لأن الكراهة في تخصيصه بالصوم للتشبه.
وهل إذا صام السبت مع الأحد تزول الكراهة؟ محل تردد، لأنه قد يقال: إن كل يوم منهما
معظم عند طائفة من أهل الكتاب، ففي صوم كل واحد منهما تشبه بطائفة منهم. وقد يقال:
إن صومهما معاً ليس فيه تشبه، لأنه لم تتفق طائفة منهم على تعظيمهما معاً، ويظهر لي
الثاني بدليل أنه لو صام الأحد مع الاثنين تزول الكراهة لأنه لم يعظم أحد منهم هذين
اليومين معاً، وإن عظمت النصارى الأحد، وكذا لو صام مع عاشوراء يوماً قبله أو بعده مع
أن اليهود تعظمه. ويظهر من هذا أنه لو جاء عاشوراء يوم الأحد أو الجمعة لا يكره صوم
السبت معه، وكذا لو كان قبله أو بعده يوم المهرجان أو النيروز لعدم تعمد صومه
بخصوصه، والله تعالى أعلم. قوله: (ونیروز) بفتح النون وسكون الياء وضم الراء معرب
نوروز، ومعناه الیوم الجدید، فنو بمعنی الجدید، وروز بمعنى اليوم، والمراد منه يوم تحل
فيه الشمس برج الحمل. ومهرجان: معرب مهركان، والمراد منه أول حلول الشمس في
الميزان، وهذان اليومان عيدان للفرس اهـ ح. قوله: (إن تعمده) كذا في المحيط، ثم قال:
والمختار أنه إن كان يصوم قبله فالأفضل له أن يصوم، وإلا فالأفضل أن لا يصوم لأنه يشبه
تعظيم هذا اليوم وأنه حرام. قوله: (وصوم صمت) وهو أن لا يتكلم فيه لأنه تشبه
بالمجوس فإنهم يفعلون هكذا. محيط. قال في الإمداد: فعليه أن يتكلم بخير وبحاجة دعت
إليه. قوله: (ووصال) فسره أبو يوسف ومحمد بصوم يومين لا فطر بينهما. بحر. وفسره في
الخانية بأن يصوم السنة ولا يفطر في الأيام المنهية. وفي الخلاصة: إذا أفطر في الأيام
المنهية المختار أنه لا بأس به. قوله: (وإن أفطر الأيام الخمسة) أي العيدين وأيام التشريق.
قوله: (وهذا عند أبي يوسف) ظاهره أن صاحبيه يقولان بخلافه، وظاهر البدائع أن
المخالف من غير أهل المذهب فإنه قال: وقال بعض الفقهاء: ((من صام سائر الدهر وأفطر
يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق لا يدخل تحت نهي الوصال))، وردّ عليه أبو يوسف

٣٣٨
كتاب الصوم
فهي خسمة عشر .
وأنواعه ثلاثة عشر: سبعة متتابعة: رمضان وكفارة ظهار وقتل ويمين وإفطار
رمضان ونذر معين واعتكاف واجب. وستة يخير فيها: نفل وقضاء رمضان وصوم متعة
وفدية حلق وجزاء صيد ونذر مطلق. إذا تقرّر هذا (فيصح) أداء (صوم رمضان والنذر
المعين والنفل
فقال: وليس هذا عندي كما قال هذا قد صام الدهر، كأنه أشار إلى أن النهي عن صوم الدهر
ليس لصوم هذه الأيام بل لما يضعفه عن الفرائض والواجبات والكسب الذي لا بد له
منه اهـ. قوله: (فهي خمسة عشر) تفريع على قوله ((يعم السنة)) والمندوب والمكروه: أي
فصار جملة ما دخل في قوله ((ونفل خمسة عشر)) بجعل العيدين اثنين، وجعل يوم الأحد منها
على ما في كثير من النسخ، فافهم.
لكن بقي عليه من المكروه تحريماً أيام التشريق وصوم يوم الشك على ما يأتي
تفصيله، ومن المكروه أيضاً صوم المرأة والعبد والأجير بلا إذن الزوج والمولى
والمستأجر، وسيأتي بيانه قبيل قول المتن ((ولو نوى مسافر الفطر)) ومن المندوب صوم
الاثنين والخميس وصوم داود عليه السلام والست من شوال على ما يأتي قبيل الاعتكاف.
قوله: (وأنواعه) أي أنواع الصيام اللازم. قوله: (سبعة متتابعة) عدها في البحر سبعة أيضاً،
لكن أسقط صوم الاعتكاف وذكر بدله صوم اليمين المعين، كأن يقول: والله لأصومنّ رجباً
مثلًا، وكأن الشارح أدخله تحت النذر المعين بجامع الإيجاب قولاً. ثم قال في البحر:
ويلحق به النذر المطلق إذا ذكر فيه التتابع أو نواه، وذكر أنه إذا أفطر يوماً فيما يجب فيه التتابع
لا يلزمه الاستقبال ان كان التتابع مأموراً به لأجل الوقت وهو رمضان والنذر المعين واليمين
بصوم معين وإن كان مأموراً به لأجل الفعل وهو الصوم يلزمه الاستقبال كالستة الباقية.
قلت: ومن الأول ما زاده الشارح وهو صوم الاعتكاف. تأمل. قوله: (وستة يخير
فيها) كذا عدها في البحر ستة أيضاً، لكن أسقط النفل لأن الكلام في أنواع الصيام اللازم
وذكر بدله صوم اليمين المطلق مثل: والله لأصومن شهراً، وكان الشارح أدخله تحت النذر
المطلق نظير مامر. قوله: (وصوم متعة) أي وقران إذا لم يجد ما يذبح لهما فإنه يصوم ثلاثاً
قبل الحج وسبعاً إذا رجع ط. قوله: (وفدية حلق وجزاء صيد) أي إذا اختار الصيام
فيهما ط. قوله: (ونذر مطلق) أي عن التقييد بشهر كذا، وعن ذكر التتابع أو نيته. قوله:
(فيصح أداء صوم رمضان الخ) قيد بالأداء لأن قضاء رمضان وقضاء النذر المعين أو النفل
الذي أفسده يشترط فيه التبييت والتعيين كما يأتي في قول المصنف ((والشرط للباقي الخ)).
قوله: (والنذر المعين) فهو في حكم رمضان لتعين الوقت فيهما. قوله: (والنفل) المراد به
ما عدا الفرض والواجب أعم من أن يكون سنة أو مندوباً أو مكروهاً. بحر ونهر. قوله:

٣٣٩
كتاب الصوم
بنية من الليل)
(بنية)(١) قال في الاختيار: النية شرط في الصوم، وهي أن يعلم بقلبه أنه يصوم، ولا يخلو
(١) قال الشافعي والأصحاب: لا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب أو المنذور إلا بالنية وقال بعض
العلماء: لا يشترط النية في رمضان، واستدل هؤلاء على عدم وجوب النية في رمضان بقوله تعالى: ﴿فمن شهد
منكم الشهر فليصمه﴾، فإن الله سبحانه وتعالى أمر بالصوم، ولم يأمر بالنية)).
وقالوا أيضاً إن شهر رمضان مستحق بالصوم يمنع من إيقاع غيره فيه، فلم يفتقر إلى نية كالعيدين وأيام التشريق، فإنه
لما كان الفطر فيهما مستحقاً لم يحتج إلى نية، والمذهب الأول وهو وجوب النية في صوم شهر رمضان، لقوله
تعالى: ﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ فإن الله سبحانه وتعالى أخبر أن المجازاة لا تقع
بمجرد الفعل حتى يبغي به الفاعل وجه الله بل لا بد من إخلاص النية، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال
بالنيات)) فإنه ﴿ نفى العمل بدون النية، وقال أيضاً: ((لا يقبل الله عملاً بدون النية)).
وأيضاً الصوم عبادة محضة، فلا يصح من غير نية كالصلاة ثم إن محل النية القلب، ولا يشترط النطق باللسان بلا
خلاف، ولا يكفي عنه نية القلب بلا خلاف أيضاً لكن يستحب أن ينطق بها ليساعد اللسان القلب. ويمكن الرد على
من قال: إن النية ليست واجبة بما يأتي: أما عن الآية فإنها لا تدل على سقوط النية، لأنها مجملة، وقد ورد بيانها،
وهي الأخبار الواردة في وجوب النية، وأما عن قوله بأن صوم رمضان مستحق بالصوم فيمنع من إيقاع غيره فيه
فيجاب عنه بأنه فاسد بمن بقي عليه من وقت الصلاة قدر ما يؤديها فيه، فقد استحق زمانها عليه، ومنع من إيقاع
غيرها فيه على أن النية فيها واجبة، ويجب لكل يوم سواء رمضان وغيره نية، وهذا لا خلاف فيه عندنا، لأن صوم
كل يوم عبادة مستثقلة يدخل وقتها بطلوع الفجر، ويخرج وقتها بغروب الشمس، لا يفسد بفساد ما قبله، ولا بفساد ما
بعده، فلم يكفه نية واحدة كالصلوات الخمس.
فلو نوى أول ليلة من رمضان صوم الشهر كله لم تصح هذه النية لغير اليوم الأول.
وقال بعضهم: لا تصح لليوم الأول، ومن قال به الشيخ أبو محمد الجويني، وعلل ذلك بأن النية قد فسد بعضها،
والمذهب الأول.
ولا بد في صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب من تبييت النية أي إيقاعها ليلاً لما روت حفصة رضي الله عنها أن
النبي ◌َ ير قال: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له، فلا يصح صوم رمضان أداءً أو قضاء، ولا صوم
الكفارة، ولا فدية الحج، ولا غير ذلك من الصوم الواجب بنية من النهار بلا خلاف.
وفي صوم النذر طريقان، المذهب، وبه تقطع الجمهور، وهو المنصوص عليه في المختصر لا يصح بنية من النهار
ولا يشترط في تبييت النية الجزء الأخير من الليل للإطلاق في الحديث المتقدم.
وقيل: يشترط أن تكون النية في النصف الأخير من الليل قياساً على أذان الصبح، والدفع من المزدلفة، ولأنه لما
تعذر اقترانها بالعبادة وجب أن تقترن منها بقدر الطاقة .
ورد بأن في اشتراط النية في النصف الأخير من الليل فوق كونه منافياً لظاهر الحديث المتقدم فيه مشقة وحرج في
الدين، وقد قال تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.
وأيضاً لو أوجبنا عليهم إيقاع النية في النصف الأخير لضاق عليهم ذلك، لأنهم ربما ينامون فيفوت عليهم الصيام،
ولا تبطل النية بالإتيان بمناف بعدها، فمن نوى الصوم بالليل ثم أكل أو شرب أو جامع أو أتى بغير ذلك من منافيات
الصوم لم تبطل نيته على الأصح.
وكذا لو نوى ونام بعد النية ثم استيقظ قبل الفجر فلا تبطل نیته، ولا يجب عليه تجديدها خلافاً لأبي إسحاق فإنه قال:
من أتى بمناف بعد النية بطلت نيته، لأن الأكل ونحوه مناف للصوم، فتبطل النية به، ويلزم تجديدها تحرزاً عن تخلل
المنافي بينها وبين العبادة.
وكذا من نام بعد النية، واستيقظ قبل الفجر، فقد بطلت نيته، ووجب عليه تجديدها.
ولقد أنكر الأصحاب هذا القول من أبي إسحاق حتى أن بعضهم أفتى بأنه خرق للإجماع قال: ويستتاب أبو =

٣٤٠
كتاب الصوم
= إسحاق، وقيل: إن أبا إسحاق رجع عن هذا القول عام أن حج، وأشهد على نفسه بذلك.
أما صوم النفل فلا يجب فيه تبييت النية بل يصح بنية نهاراً قبل الزوال، وهذا هو قول الشافعي والأصحاب، وشذ عن
الأصحاب المزني، وأبو يحيى البلخي، فإنهما قالا لا يصح إلا بنية من الليل كالفرض، وهذا شاذ ضعيف،
والمعتمد الأول؛ لما روي أن النبي ﴿ دخل على السيدة عائشة ذات يوم فقال: ((هل عندكم من غداء؟ قالت لا
قال عليه السلام: فإني إذاً أصوم، » والغداء اسم لما يؤكل قبل الزوال، ومنه ما يسمى الآن بالإفطار.
والمعنى أبتدئ نية الصيام.
وصوم النفل مخالف لصوم الفرض، لأن النفل أخف منه، لأنه يجوز ترك الصوم، والقبلة في النفل مع القدرة، ولا
يجوز في الفرض.
واختلف في أنه هل يصح صوم النفل بنية بعد الزوال أم لا؟ فقال بعضهم يجوز لأنه جزء من النهار، فجازت نية النفل
فیه کالنصف الأول وهو قول حرملة.
وقيل: لا يجوز، لأن النية لم تصحب معظم العبادة، فأشبه ما إذا انوى مع غروب الشمس، ويخالف النصف الأول،
فإن النية فيه صحت معظم العبادة، ومعظم الشيء يجوز أن يقوم مقام كل الشيء، ولهذا لو أدرك معظم الركعة مع
الإمام جعل مدركاً لها، ولو أدرك دون المعظم لم يكن مدركاً لها، وهذا هو المعتمد المتفق عليه من الأصحاب
والمنصوص عليه من الشافعي رضي الله عنه في معظم كتبه ثم إذا نوى النفل قبل الزوال أو بعده عند القائل بصحته
فهل هو صائم من وقت النية فقط، ولا يحسب له ثواب ما قبله، أم صائم من طلوع الفجر، فيثاب على جميع النهار؟
فيه وجهان مشهوران أصحهما عند الأصحاب أنه صائم من طلوع الفجر، فيثاب على جميع النهار، لأنه لو كان
صائماً وقت النية لم يضره الأكل والشرب قبلها.
وقال أبو إسحاق المروزي: لا يثاب إلا من وقت النية؛ لأن ما قبل النية لم يوجد فيه قصد القربة فلم يجعل صائماً
فيه، واتفق الجميع على تضعيفه.
وقال الماوردي والقاضي أبو الطيب: هو غلط لأن الصوم لا يتبعض، وعدم قصد العبادة قبل النية لا أثر له، فقد
يدرك الشخص بعض العبادة، ويثاب عليها كالمسبوق يدرك الإمام راكعاً، فيحصل له ثواب جميع الركعة باتفاق
الأصحاب.
وعلى القول الصحيح، وهو أنه يثاب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يشترط لصحة صومه جميع شروط الصوم
من أول النهار فإن أكل أو شرب أو جامع أو فعل غير ذلك من منافيات الصوم بعد الفجر، فلا يصح صومه. أما على
القول بأنه يثاب من وقت النية ففي اشتراط خلو أول النهار عن الأكل والشرب، وكل ما ينافي الصوم وجهان:
أصحهما، الاشتراط، وهو المنصوص. والثاني: لا يشترط، فلو أكل أو شرب أو جامع أو فعل ما ينافي الصوم ثم
نوى الصوم بعد ذلك صح صومه، ويثاب من حين النية، وهذا القول محكي عن أبي العباس بن سريج وغيره.
ويجب أن تكون نية الصيام الواجب رمضان وغيره من الكفارات والنذر معينة.
قال الشافعي والأصحاب: لا يصح صوم رمضان أداء أو قضاء ولا صوم الكفارة أو النذر إلا بتعيين النية لقوله
تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ ومن المعلوم أن هذه الهاء كناية عن الشهر وعائدة إليه.
فيصير تقدير الكلام فلينو الصيام له، ولو أراد جنس الصوم لقال: فليصم، فلما قيل: بالهاء دل على وجوب تعيين
النية.
ويدل على تعيين النية قول النبي وَ﴾ ((وإنما لكل امرئ ما نوى))، لأنه ظاهر في اشتراط تعيين النية، لأن أصل النية
قد فهم اشتراطه من أول الحديث إنما الأعمال بالنيات، ولأنه قربة مضافة إلى وقتها، فوجب تعيين الوقت في نيتها
كالصلوات، ولأنه عبادة يفتقر قضاؤها إلى تعيين النية، فوجب أنه يفتقر أداؤها إلى تعيين النية، فلا يصح صوم
رمضان ولا غيره من الصوم الواجب بنية مطلقة، بل لا بد من أن ينوي الصوم عن رمضان أو عن النذر أو عن
الكفارة.
نعم لا يشترط في الكفارة تعيين سببها، بل يكفي أن يقصد الصوم عن الكفارة لكن لو عين وأخطأ لم يجزئه، ووقت
النية من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني للأحاديث السابقة.
=