Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
بترتيب عصوبة الإنكاح، إلا الأب فيقدّم على الابن اتفاقاً، إلا أن يكون عالماً والأب
جاهلاً فالابن أولى، فإن لم يكن له ولي فالزوج ثم الجيران، ومولى العبد أولى من ابنه
(بترتيب عصوبة الإنكاح) فلا ولاية للنساء ولا للزوج إلا أنه أحق من الأجنبي. وفي الكلام
رمز إلى أن الأبعد أحق من الأقرب الغائب. وحدّ الغيبة هنا أن يكون بمكان تفوته الصلاة إذا
حضر. ط عن القهستاني. زاد في البحر: وأن لا ينتظر الناس قدومه.
قلت: والظاهر أن ذوي الأرحام داخلون في الولاية، والتقييد بالعصوبة لإخراج
النساء فقط، فهم أولى من الأجنبي، وهو ظاهر، ويؤيده تعبير الهداية بولاية النكاح. تأمل.
قوله: (فيقدم على الابن اتفاقاً) هو الأصح لأن للأب فضيلة عليه وزيادة سن، والفضيلة
والزيادة تعتبر ترجيحاً في استحقاق الإمامة كما في سائر الصلوات. بحر عن البدائع؛ وقيل
هذا قول محمد. وعندهما الابن أولى. قال في الفتح: وإنما قدمنا الأسن بالسنة. قال عليه
الصلاة والسلام في حديث القسامة ((ليتكلم أكبرهما)) وهذا يفيد أن الحق للابن عندهما، إلا
أن السنة أن يقدم هو أباه، ويدل عليه قولهم: سائر القرابات أولى من الزوج إن لم يكن له
منها ابن، فإن كان فالزوج أولى منهم، لأن الحق للابن وهو يقدّم أباه، ولا يبعد أن يقال:
إن تقديمه على نفسه واجب بالسنة اهـ. وفي البدائع: وللابن في حكم الولاية أن يقدّم
غيره، لأن الولاية له، وإنما منع عن التقدم لئلا يستخف بأبيه فلم تسقط ولايته بالتقديم.
قوله: (أن لا يكون الخ) قال في البحر: ولو كان الأب جاهلً والابن عالماً ينبغي أن يقدم
الابن، إلا أن يقال: إن صفة العلم لا توجب التقديم في صلاة الجنازة لعدم احتياجها له.
واعترضه في النهر بما مر من أن إمام الحي إنما يقدم على الولي إذا كان أفضل، قال: نعم،
علل القدوري كراهة تقدم الابن على أبيه بأن فيه استخفافاً به، وهذا يقتضي وجوب تقديمه
مطلقاً اهـ. قلت: وهذا مؤيد لما مر آنفاً عن الفتح. قوله: (فالابن أولى) في نسخة:
والأسنّ أولى، وعليها كتب المحشي فقال: أي إذا حصلت المساواة في الدرجة والقرب
والقوة کابنین أو أخوين أو عمین فالأسن أولى.
أقول: إلا أن يكون غير الأسن أفضل اهـ: أي قياساً على تقديم الابن الأفضل على
أبيه، بل هذا أولى، فلو كان الأصغر شقيقاً والأكبر لأب فالأصغر أولى كما في الميراث؛
حتى لو قدّم أحداً فليس للأكبر منعه كما في البحر. قوله: (فإن لم يكن له وليّ فالزوج ثم
الجيران) كذا في فتح القدير، وهو صريح في تقديم الزوج على الأجنبي ولو جاراً، وهو
مقتضى إطلاق ما قدمناه عن القهستاني من أن الزوج أحق من الأجنبي، فما هنا أولى من
قول النهر: والزوج والجيران أولى من الأجنبي اهـ. وشمل الولي مولى العتاقة وابنه ومولى
الموالاة فإنهم أولى من الزوج لانقطاع الزوجية بالموت. بحر. قوله: (ومولى العبد أولى
من ابنه الحرّ).
١٢٢
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
الحرّ لبقاء ملكه، والفتوى على بطلان الوصية بغسله والصلاة عليه، (وله) أي للولي،
ومثله كل من يقدم عليه من باب أولى (الإذن لغيره فيها) لأنه حقه
وكذا من أبيه وغيره. قال الزيلعي: والسيد أولى من قريب عبده على الصحيح،
والقريب أولى من السيد المعتق اهـ. فما في القهستاني من أن ابن العبد وأباه أحق من
المولى على خلاف الصحيح. قوله: (لبقاء ملكه) اعترض بما في شرح الهاملية من أن
السید لا یغسل أمته ولا أم ولده ولا مدبرته لانقطاع ملکه عنھن بالموت اهـ.
أقول: لأن الجثة الميتة لا تقبل الملك، لكن المراد بقاء الملك حكماً كما قيده في
البحر، ولذا يلزمه تكفين عبده كالزوجة، مع أن الزوجية انقطعت بالموت كما مر آنفاً،
والتغسيل لما فيه من المس والنظر المحذورين لا يراعى فيه الملك الحكمي لضعفه، ففارق
التكفين وولاية الصلاة، هذا ما ظهر لي. قوله: (والفتوى على بطلان الوصية) عزاه في
الهندية إلى المضمرات: أي لو أوصى بأن يصلي عليه غير من له حق التقدم أو بأن يغسله
فلان لا يلزم تنفيذ وصيته ولا يبطل حق الولي بذلك، وكذا تبطل لو أوصى بأن يكفن في
ثوب كذا أو يدفن في موضع كذا كما عزاه إلى المحيط. وذكر في شرح درر البحار أن تعلیل
تقديم إمام الحي بما مر من أن الميت رضيه في حياته يعلم أن الموصى له يقدم على إمام
الحي لاختياره له صريحاً، إلا أن المذكور في المنتقى أن هذه الوصية باطلة اهـ. فتأمل.
قوله: (ومثله كل من يقدم عليه من باب أولى) ظاهره أن للسلطان أن يأذن بالصلاة لأجنبي
بلا إذن الولي، وقد ذكره في الحلية بحثاً بناء على أن الحق ثابت للسلطان ونحوه ابتداء،
واستثنى إمام الحي فليس له الإذن، لأن تقديمه على الولي مستحب، فهو كأكبر الأخوين إذا
قدم أجنبياً فللأصغر منعه فكذا للولي اهـ.
أقول: وفي كون الحق ثابتاً للسلطان ابتداء بحث لما قدمناه عن شرح المنية من أن
الحق في الأصل للولي، وإنما قدم السلطان في ظاهر الرواية لئلا يزدرى به وتعظيمه
واجب، وقدم إمام الحي لأن المیت رضیه في حياته، ومثله ما في الكافي حیث علل لما
يأتي من أن للولي الإعادة إذا صلى غيره بقوله: لأن الحق للأولياء لأنهم أقرب الناس إليه
وأولاهم به، غير أن السلطان أو الإمام إنما يقدم بعارض السلطنة والإمامة (١) اهـ. وبهذا
تندفع الأولوية، فتأمل. قوله: (فيها) أي في الصلاة على الميت، وفسر الإذن بتفسير آخر،
وهو أن يأذن للناس في الانصراف بعد الصلاة قبل الدفن، لأنه لا ينبغي لهم أن ينصرفوا إلا
(١) في ط (قوله إنما يقدم بعارض السلطنة والإمامة) قد يقال: إن تقديم مأذون السلطان واجب أيضاً، وليس للولي
المعارضة، لأن في التقديم على المأذون ازدراء بالسلطان كالتقديم عليه نفسه، ويؤيده ما تقدم متناً ((ويقدم السلطان
أو نائبه الخ)» أفاده شيخنا. وعليه فتكون الأولوية باقية بالنسبة لمن فوق الولي من الولاة فقط، دون إمام الحي لعدم
وجود العلة المذكورة.
١٢٣
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
فيملك إيطاله (إلا) أنه (إن كان هناك من يساويه فله) أي لذلك المساوي ولو أصغر سناً
(المنع) لمشاركته في الحق أما البعيد فليس له المنع (فإن صلى غيره) أي الولي (من
ليس له حق التقدم) على الولي (ولم يتابعه) الولي (أعاد الوليّ) ولو على قبره
بإذنه. وذكر الزيلعي معنى آخر وهو الإعلام بموته ليصلوا عليه. بحر. لكن يتعين المعنى
الأول في عبارة المصنف للاستثناء المذكور، بخلاف عبارة الكنز والهداية. قوله: (فيملك
إيطاله) أي بتقديم غيره هداية. فالمراد بالإبطال نقله عنه إلى غيره. قوله: (ولو أصغر سناً)
فلو كانا شقیقین، فالأسن أولى، لكنه لو قدم أحد فللأصغر منعه، ولو قدم كل منهما واحداً
فمن قدمه الأسن أولى. بحر. قوله: (أما البعيد فليس له المنع) فلو كان الأصغر شقيقاً
والأكبر لأب فقدم الأصغر أحداً فليس للأكبر المنع. بحر. وفيه: فإن كان الشقيق غائباً
وكتب إلى إنسان ليتقدم فالأخ لأب منعه، والمريض في المصر كالصحيح يقدم من شاء،
وليس للأبعد منعه. قوله: (فإن صلى غيره) الأخصر أن يقول: فإن صلى من ليس له حق
التقدم اهـ ح. قوله: (ممن ليس له حق التقدم الخ) بيان لغير المضاف إلى ضمير الولي أخرج
به السلطان ونحوه وإمام الحي فإن صلى أحدهم لم يعد الولي كما يأتي لتقدمهم عليه.
قوله: (أعاد الولي) مفهومه أن غير الولي كالسلطان لا يعيد إذا صلى غيره ممن ليس له حق
التقدم معه إلا أن يراد بالولي من له حق الصلاة، وعليه فكان الأولى أن يقول: أعاد من له
حق التقدم، لكن اختلف فيما إذا صلى الولي فهل لمن قبله كالسلطان حق الإعادة؟ ففي
النهاية والعناية: نعم لأن الولي إذا كان له الإعادة إذا صلى غيره مع أنه أدنى فالسلطان
والقاضي بالأولى. وفي السراج والمستصفى: لا. ووفق في البحر بحمل الأول على ما إذا
تقدم الولي مع وجود السلطان ونحوه، والثاني على ما إذا لم يوجد. واعترضه في النهر بأن
السلطان لا حق له عند عدم حضوره، فالخلاف عند حضوره(١) اهـ. والذي يظهر لي ما في
السراج والمستصفى لما قدمناه عن الكافي من أن الحق للأولياء وتقديم السلطان ونحوه
العارض وأن دعوى الأولوية غير مسلمة، ونظيره الابن فإن الحق له ابتداء ولكنه يقدم أباه
لحرمة الأبوّة. وأما تأييد صاحب البحر ما في النهاية والعناية بما في الفتاوى كالخلاصة
والولوالجية وغيرهما، من أنه لو صلى السلطان أو القاضي أو إمام الحي ولم يتابعه الولي
(١) في ط (قوله عند حضوره) يوجد هنا عبارة بخطه نبه على إثباتها في الهامش، ونصها: ((قلت: لكن ذكر في النهاية
عن المبسوط بعدما ذكره أن تأويل صلاة الصحابة على النبي #: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان مشغولاً
بتسوية الأمور وتسكين الفتنة، فكانوا يصلون عليه قبل حضوره وكان الحق له، فلما فرغ صلى عليه، ثم لم يصل
أحد بعده فهذا يفيد أن للسلطان الإعادة ولو لم يكن حاضراً فينا في ما قاله في البحر وما قاله في النهر، إلا أن يقال:
إن الولاية كانت للعباس عم النبي # ولم يكن صلى قبل أبي بكر، والكلام فيما إذا صلى الولي فلا منافاة ولكن
يحتاج إلى ثبوت ذلك ..
١٢٤
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
إن شاء لأجل حقه لا لإسقاط الفرض، ولذا قلنا: ليس لمن صلى عليها أن يعيد مع
الولي لأن تكرارها غير مشروع (وإلا) أي وإن صلى من له حق التقدم كقاض أو نائبه أو
إمام الحي أو من ليس له حق التقدم وتابعه الولي (لا) يعيد لأنهم أولى بالصلاة منه.
(وإن صلى هو) أي الولي (بحق) بأن لم يحضر من يقدم عليه (لا يصلي غيره بعده)
ليس له الإعادة لأنهم أولى منه اهـ. ففيه نظر، إذ لا يلزم من كونهم أولى منه أن تثبت لهم
الإعادة إذا صلى بحضرتهم لأنه صاحب الحق وإن ترك واجب احترام السلطان ونحوه،
ويدل على ذلك قول الهداية: فإن صلى غير الولي أو السلطان أعاد الولي لأن الحق
للأولياء، وإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي بعده اهـ. ونحوه في الكنز وغيره،
فقوله: لم يجز لأحد، يشمل السلطان. ثم رأيت في غاية البيان قال ما نصه: هذا على سبيل
العموم حتى لا تجوز الإعادة لا للسلطان ولا لغيره اهـ. وما قيل إن المراد بالولي من له حق
الولاية يبعده عطف السلطان قبله على الولي. ونقل في المعراج عن المجتبى أن للسلطان
الإعادة إذا صلى الولي بحضرته، ثم قال: لكن في المنافع ليس للسلطان الإعادة، ثم أيد
رواية المنافع فراجعه، وهذا عين ما قلناه، فاغتنم تحرير هذا المقام والسلام. قوله: (إن شاء
الخ) وأما ما في التقويم من أنه لو صلى غير الولي كانت الصلاة باقية على الولي فضعيف
كما في النهر. قوله: (ولذا الخ) علة لقوله ((لا لإسقاط الفرض)) أي فإن الفرض لو لم يسقط
بالأولى كان لمن صلى أو لا أن يعيد مع الولي، وبهذا رد في البحر ما في غاية البيان من أن
الأولى موقوفة، فإن أعاد الولي تبين أن الفرض ما صلي وإلا سقط بالأولى، لكن قال
العلامة المقدسي: إن ما في غاية البيان موافق للقواعد، لأن التنفل بها غير مشروع عندنا،
ولذلك نظير وهو الجمعة مع الظهر لمن أداه قبلها اهـ: نعم يحتاج إلى الجواب عما قاله في
البحر وهو صعب، فالأحسن الجواب عما قاله المقدسي بأن إعادة الولي ليست نفلاً، لأن
صلاة غيره وإن تأدى بها الفرض وهو حق الميت لكنها ناقصة لبقاء حق الولي فيها، فإذا
أعادها وقعت فرضاً مكملاً للفرض الأول نظير إعادة الصلاة المؤداة بكراهة، فإن كلَّ منهما
فرض كما حققناه في محله؛ وحيث كانت الأولى فرضاً فليس لمن صلى أولا أن يعيد مع
الولي، لأن إعادته تكون نفلاً من كل وجه، بخلاف الولي لأنه صاحب الحق، هذا ما ظهر
لي، فتأمله. قوله: (غير مشروع) أي عندنا. وعند مالك خلافاً للشافعي رحمه الله، والأدلة
في المطولات. قوله: (أو إمام الحي) نص عليه في الخلاصة وغيرها كما قدمناه، وكذا
صرح في المجمع وشرحه بأنه كالسلطان في عدم إعادة الولي، وبه ظهر ضعف ما في غاية
البيان من أن للولي الإعادة لو صلى إمام الحي لا لو صلى السلطان لئلا يزدرى به. أفاده في
البحر. قوله: (لأنهم أولى الخ) الأولى أن يقول أيضاً: ولأن متابعته إذن بالصلاة ليكون علة
لقوله ((أو من ليس له حق التقدم)) وتابعه الولي ط. قوله: (بأن لم يحضر الخ) لأنه لا حق
١٢٥
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
وإن حضر من له التقدم لكونها بحق. أما لو صلى الولي بحضرة السلطان مثلاً أعاد
السلطان، لما في المجتبى وغيره، وفيه حكم صلاة من لا ولاية له كعدم الصلاة أصلاً
فيصلى على قبره ما لم يتمزق.
(وإن دفن) وأهیل علیه التراب (بغير صلاة) أو بها بلا غسل أو ممن لا ولاية له (صلي
على قبره) استحساناً (ما لم يغلب على الظن تفسخه) من غير تقدير هو الأصح. وظاهره
أنه لو شك في تفسخه صلي عليه. لكن في النهر عن محمد: لا كأنه تقديماً للمانع (ولم
للوليّ عند حضرة السلطان ونحوه، وقد علمت ما فيه. قوله: (وإن حضر) يعني بعد صلاة
الولي، ((وإن) وصلية. قوله: (أما لو صلى الخ) تصريح بمفهوم قوله ((بأن لم يحضر من
يقدم عليه)) وهذا ما وفق به صاحب البحر بين عباراتهم، وقد علمت تحريم المقام آنفاً. قوله:
(وفيه) أي في المجتبى، وهذه العبارة عزاها إليه في البحر، لكني لم أجدها فيه والذي
رأيته في المجتبى هكذا: ثم إذا دفن قبل الصلاة وصلى عليه من لا ولاية له يصلى عليه ما
لم يتمزق اهـ. والمراد يصلي عليه الولي إن شاء لأجل حقه لا لإسقاط الفرض فلا ينافي ما
مر، وكذا يمكن تأويل قوله ((كعدم الصلاة)) كما أفاده ح بأنها بالنسبة إلى من له الولاية كالعدم
حتى كان له الإعادة. قوله: (وأهيل عليه التراب) فإن لم يهل أخرج وصلي عليه كما
قدمناه. بحر. قوله: (أو بها بلا غسل) هذا رواية ابن سماعة. والصحيح أنه لا يصلى على
قبره في هذه الحالة لأنها بلا غسل غير مشروعة، كذا في غاية البيان؛ لكن في السراج
وغيره: قيل لا يصلى على قبره، وقال الكرخي: يصلى، وهو الاستحسان، لأن الأولى لم
يعتدّ بها لترك الشرط مع الإمكان والآن زال الإمكان فسقطت فرضية الغسل، وهذا يقتضي
ترجیح الإطلاق، وهو الأولى. نهر.
تنبيه: ينبغي أن يكون في حكم من دفن بلا صلاة من تردّى في نحو بئر أو وقع عليه
بنيان ولم يمكن إخراجه، بخلاف ما لو غرق في بحر لعدم تحقق وجوده أمام المصلي.
تأمل. قوله: (أو ممن لا ولاية له) متعلق بمحذوف حالاً من ضمير ((بها)) العائد إلى الصلاة،
وهذا مكرر بما نقله عن المجتبى. قوله: (صلي على قبره) أي افتراضاً في الأوليين وجوازاً
في الثالثة لأنها لحق الولي. أفاده ح.
أقول: وليس هذا من استعمال المشترك في معنييه كما وهم، لأن حقيقة الصلاة في
المسائل الثلاث واحدة، وإنما الاختلاف في الوصف وهو الحكم، فهو كإطلاق الإنسان
على ما يشمل الأبيض والأسود، فافهم. قوله: (هو الأصح) لأنه يختلف باختلاف الأوقات
حرّاً وبرداً والميت سمناً وهزالاً والأمكنة. بحر. وقيل يقدر بثلاثة أيام، وقيل عشرة، وقيل
شهر. ط عن الحموي. قوله: (وظاهره الخ) أي ظاهر قوله ((ما لم يغلب الخ)) فإنه في
الشك لم يغلب على الظن تفسخه ط. قوله: (كأنه تقديماً للمانع) الخبر محذوف: أي كأنه
١٢٦
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
تجز) الصلاة (عليها راكباً) ولا قاعداً (بغير عذر) استحساناً.
(و کرهت تحریماً) وقيل (تنزيهاً في مسجد جماعة هو) أي المیت (فيه) وحده أو مع
القوم.
(واختلف في الخارجة) عن المسجد وحده أو مع بعض القوم (والمختار
الكراهة) مطلقاً. خلاصة. بناء على أن المسجد إنما بني للمكتوبة وتوابعها كنافلة وذكر
قال ذلك تقديماً: أي أنه دار الأمر بين التفسخ المقتضي عدم الصلاة وبين عدمه الموجب
لها، فاعتبرنا المانع وهو التفسخ ط .
أقول: وفي الحلية، نص الأصحاب على أنه لا يصلى عليه مع الشك في ذلك،
ذكره في المفيد والمزيد وجوامع الفقه وعامة الكتب؛ وعلله في المحيط بوقوع الشك في
الجواز اهـ. وتمامه فيها. قوله: (بغير عذر) راجع إلى المسألتين، فلو صلى راكباً لتعذر
النزول لطين أو مطر جاز، وكذا لو صلى الولي قاعداً لمرض والناس خلفه قياماً عندهما.
وقال محمد: تجزيه دون القوم بناء على الخلاف في اقتداء القائم بالقاعد. بحر. والتقييد
بالولي لأن الحق له، فلو صلى غيره ممن لا حق له إماماً قاعداً لعذر، فالظاهر أن الحكم
كذلك، ويسقط الفرض بصلاته خلافاً لما بحثه السيد أبو السعود. أفاده ط.
مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةٍ صَلَاةِ الجَنَازَةِ فِي المَسْجِدِ
قوله: (وقيل تنزيهاً) رجحه المحقق ابن الهمام وأطال؛ ووافقه تلميذه العلامة ابن أمير
حاج، وخالفه تلميذه الثاني الحافظ الزيني قاسم في فتواه برسالة خاصة، فرجع القول الأول
لإطلاق المنع في قول محمد في موطئه: لا يصلى على جنازة في مسجد. وقال الإمام
الطحاوي: النهي عنها وكراهيتها قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف أيضاً
وأطال، وحقق أن الجواز كان ثم نسخ وتبعه في البحر، وانتصر له أيضاً سيدي عبد الغني
في رسالة سماها [نزهة الواجد في حكم الصلاة على الجنائز في المساجد]. قوله: (في
مسجد جماعة) أي المسجد الجامع، ومسجد المحلة. قهستاني. وتكره أيضاً في الشارع
وأرض الناس كما في الفتاوى الهندية عن المضمرات، وكما تكره الصلاة عليها في المسجد
يكره إدخالها فيه كما نقله الشيخ قاسم. قوله: (أو مع القوم) أي كلًّا أو بعضاً بناء على أن
((أل) في القوم جنسية اهـ ح. قوله: (مطلقاً) أي في جميع الصور المتقدمة كما في الفتح عن
الخلاصة. وفي مختارات النوازل سواء كان الميت فيه أو خارجه هو ظاهر الرواية. وفي
رواية: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد. قوله: (بناء على أن المسجد الخ) أما إذا
عللنا بخوف تلويث المسجد فلا يكره إذا كان الميت خارج المسجد وحده أو مع بعض
القوم اهـ ح. قال في شرح المنية: وإليه مال في المبسوط والمحيط، وعليه العمل وهو
المختار اهـ.
١٢٧
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
وتدريس علم، وهو الموافق لإطلاق حديث أبي داود ((من صلى على ميت في
قلت: بل ذكر في غاية البيان والعناية أنه لا كراهة فيها بالاتفاق، لكن رده في البحر.
وأجاب في النهر بحمل الاتفاق على عدم الكراهة في حق من كان خارج المسجد(١)، وما
مر في حق من کان داخله.
ثم اعلم أن التعليل الأول فيه خفاء، إذ لا شك أن الصلاة على الميت دعاء وذکر وهما
مما بني له المسجد وإلا لزم المنع (٢) عن الدعاء فيه لنحو الاستسقاء والكسوف، مع أن الوارد
في ذلك ما رواه مسلم ((أَنَّ رَجُلًا نَشَدَ فِي المَسْجِدِ ضَالَّةٌ فَقَالَ،وَهِ: لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ
المَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ)) فليتأمل. قوله: (وهو الموافق الخ) كذا في الفتح، لكن فيه نظر،
لأن قوله ((في المسجد)) يحتمل أن يكون ظرفاً لصلى أو لميت أو لهما، فعلى الأول لا يكره
كون الميت فيه والصلاة خارجه، وعلى الثاني لا يكره العكس، وعلى الثالث لا يكره إذا
فقد أحدهما، وعلى كل فهو مخالف للمختار من إطلاق الكراهة. وأجاب في البحر بأنه لما
لم يقم دليل على واحد من الاحتمالات بعينه قالوا بالكراهة بوجود أحدها أياً كان اهـ.
أقوله: يلزم عليه إثبات الكراهة بلا دليل، لأنه إذا طرقه الاحتمال سقط به
الاستدلال، ولكن لا يخفى أن المتبادر لغة وعرفاً من نحو قولك ضربت زيداً في الدار تعلق
الظرف بالفعل، وأما أنه هل يقتضي كون كل من الفاعل والمفعول به أو أحدها بعينه في
المكان؟ فغير لازم.
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ
إذا قَالَ: إِنْ شَتَمْتُ فُلَاناً فِي المَسْجِدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الشَّاتِمِ فِيْهِ،
وَفِي إِنْ قَلْتُهُ بِالمَكْسِ
نعم ذكر ضابطاً لذلك في تلخيص الجامع الكبير وشرحه في باب الحنث في الشتم،
وهو أن الفعل قد لا يكون له أثر في المفعول كالعلم والذكر، وقد يكون كالضرب والقتل،
فإذا قال: إن شتمت زيداً في المسجد مثلاً فإنما يتحقق بكون الشاتم في ذلك المكان سواء
كان المشتوم فيه أيضاً أو لا، لأن الشتم هو ذكر المشتوم بسوء، والذاكر يقوم بالذاكر ولا أثر
له في المذكور، لأنه يتحقق شتماً في حق الميت والغائب فيعتبر مكان الفاعل. وأما القتل
والضرب ونحوهما في مكان فيتحقق بكون المفعول به فيه سواء كان الفاعل فيه أيضاً أم لا،
(١) فيط (قوله من کان خارج الخ) أي مع الميت، وقوله «وما مر في حق من کان داخله) أي وحدهم دون الميت.
(٢) في ط (قوله وإلا لزم المنع الخ) قد فرق شيخنا بين الدعاء للاستسقاء وبين صلاة الجنازة بأنه وإن کان کل دعاء، لكن
لما كان لصلاة الجنازة محلات متعينة في ذاك الزمان وكانت العادة الجارية صلاتها في تلك الأماكن دون المساجد
كان هذا الفرد من الدعاء وهو صلاة الجنازة غير مقصود للواقفين، والمدار على القصد، يدل عليه قوله ((إنما بنيت
المساجد لما بنيت له. أي لما قصده الباني.
١٢٨
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
المسجد فلا صلاة له».
لأن هذه الأفعال لها آثار تقوم بالمحل، فيشترط وجود المفعول به وهو المحل في ذلك
المكان دون الفاعل، لأن من ذبح شاة هي في المسجد وهو خارجه يسمى ذابحاً في
المسجد، بخلاف عكسه؛ ألا ترى أن الرامي إلى صيد في الحرم يكون قاتلاً للصيد في
الحرم وإن كان حال الرمي في الحل اهـ ملخصاً، وتمام تحقيقه هناك فراجعه. إذا علمت
ذلك فلا يخفى أن الصلاة على الميت فعل لا أثر له في المفعول، وإنما يقوم بالمصلي،
فقوله ((من صلى على ميت في مسجد)) يقتضي كون المصلي في المسجد سواء كان الميت
فيه أو لا، فيكره ذلك أخذاً من منطوق الحديث، ويؤيده ما ذكره العلامة قاسم في رسالته
من أنه روي (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِلَمَّا نَعَى النَّجَاشِيَّ(١) إِلَى أَصْحَابِهِ خَرَجَ فَصَلَّى عَلَيْهِ فِي
المُصَلَّى))(٢) قال: ولو جازت في المسجد لم يكن للخروج معنى اهـ. مع أن الميت كان
خارج المسجد.
وبقي ما إذا كان المصلي خارجه والميت فيه، وليس في الحديث دلالة على عدم
كراهته، لأن المفهوم عندنا غير معتبر في مثل ذلك، بل قد يستدل على الكراهة بدلالة
النص، لأنه إذا كرهت الصلاة عليه في المسجد وإن لم يكن هو فيه، مع أن الصلاة ذكر
ودعاء يكره إدخاله فيه بالأولى، لأنه عبث مخص، ولا سيما على كون علة كراهة الصلاة
خشیت تلويث المسجد.
وبهذا التقرير ظهر أن الحديث مؤيد للقول المختار من إطلاق الكراهة الذي هو ظاهر
الرواية كما قدمناه، فاغتنم هذا التحرير الفريد فإنه مما فتح به المولى على أضعف خلقه،
والحمد لله على ذلك. قوله: (فلا صلاة له)(٣) هذه رواية ابن أبي شيبة ورواية أحمد وأبي
داود ((فلا شيء له)) وابن ماجه ((فليس له شيء)) وروي ((فلا أجر له)) وقال ابن عبد البر: هي
خطأ فاحش، والصحيح ((فلا شيء له)) وتمامه في حاشية نوح أفندي والمدني، وليس
الحديث نهياً غير مصروف ولا مقروناً بوعيد، لأن سلب الأجر لا يستلزم ثبوت استحقاق
العقاب لجواز الإباحة.
وقد يقال: إن الصلاة نفسها سبب موضوع للثواب فسلبه مع فعلها لا يكون إلا باعتبار
ما يقترن بها من إثم يقاوم ذلك، وفيه نظر، كذا في الفتح؛ وكذا يقال في رواية ((فلا صلاة له))
(١) في ط (قوله لما نعي النجاشي) أي ذكر موته إلى أصحابه: أي لأصحابه فالنعي ذكر الموت، وإلى بمعنى اللام.
(٢) أخرجه البخاري ١٨٦/٣ (١٣١٨) ومسلم ٦٥٦/٢ (٦٢-٩٥١).
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٩١) وابن ماجه ص (١١٠) وابن أبي شيبة ٣/ ١٥٢ وأحمد في المسند ٤٤٤/٣ والبيهقي في
السنن ٥١/٤ قال ابن القيم في الهدي: هذا الحديث حسن فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وسماعه منه قدیم قبل
اختلاطه، فلا يكون اختلاطه موجباً لرد ما حدث به قبل الاختلاط. انظر: زاد المعاد ١/ ٥٠٠. ٥٠١ نصب الراية
٢٧٥/٢.
١٢٩
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
(ومن ولد فمات يغسل ويصلى عليه) ويرث ويورث ويسمى (إن استهل) بالبناء
للفاعل : أي وجد منه ما يدل على حياته
لأنه علم قطعاً أنها صحيحة فهي مثل ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) بل تأويل هذه
الرواية أقرب: أي لا صلاة كاملة، فلا تنافي ثبوت أصل الثواب. وبه اندفع ما في البحر من
أن هذه الرواية تؤيد القول بكراهة التحريم.
تتمة: إنما تكره في المسجد بلا عذر، فإن كان فلا. ومن الأعذار المطر كما في
الخانية، والاعتكاف كما في المبسوط، كذا في الحلية وغيرها. والظاهر أن المراد اعتكافٍ
الولي ونحوه ممن له حق التقدم، ولغيره الصلاة معه تبعاً له وإلا لزم أن لا يصليها غيره وهو
بعيد، لأن إثم الإدخال والصلاة ارتفع بالعذر. تأمل، وانظر هل يقال: إن من العذر ما جرت
به العادة في بلادنا من الصلاة عليها في المسجد لتعذر غيره أو تعسره بسبب اندراس
المواضع التي كانت يصلى عليها فيها، فمن حضرها في المسجد إن لم يصل عليها مع
الناس لا يمكنه الصلاة عليها في غيره، ولزم أن لا يصلي في عمره على جنازة؛ نعم قد
توضع في بعض المواضع خارج المسجد في الشارح فيصلى عليها، ويلزم منه فسادها من
كثير من المصلين لعموم النجاسة وعدم خلعهم نعالهم المتنجسة، مع أنا قدمنا كراهتها في
الشارع. وإذا ضاق الأمر اتسع، فينبغي الإفتاء بالقول بكراهة التنزيه الذي هو خلاف
الأولى(١) كما اختاره المحقق ابن الهمام، وإذا كان ما ذكرناه عذراً فلا كراهة أصلاً، والله
تعالى أعلم. قوله: (یغسل ويصلى عليه) أي ويكفن، ولم يصرح به لعلمه مما ذكره، لأن
ستر العورة شرط لصحة الصلاة. تأمل. قوله: (إن استهل) لا يخفى ما فيه (٢) من التسامح به،
لأن ترتيبه الموت على الولادة: أي في قوله قبله ((فمات)) مفيد للحياة قبله فلا يحسن
التفصيل بعده، فكان ينبغي أن يقول كالكنز: ((ومن استهل صلى عليه وإلا لا)). شرنبلالية.
قوله: (بالبناء للفاعل) لأن أصل الإهلال والاستهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم
أطلق على رؤية الهلال، وعلى رفع الصوت مطلقاً؛ ومنه أهلّ المحرم بالحج: أي رفع
صوته بالتلبية، واستهل الصبيّ: إذا رفع صوته بالبكاء عند ولادته. وأما المبني للمجهول
فيقال: استهل الهلال: أي أبصر، كذا يفاد من المغرب. قوله: (أي وجد منه ما يدل على
حياته) أي من بكاء أو تحريك أو طرف ونحو ذلك. بدائع. وهذا معناه في الشرع كما في
البحر. وقال في الشرنبلالية: يعني الحياة المستقرة، ولا عبرة لانقباض وبسط اليد
(١) في ط (قوله الذي هو خلاف الأولى) هكذا بخطه، ولعل صوابه ((التي هي الخ)) لأنه نعت لكراهة التنزيه لا للقول
بها، اللهم إلا أن یکون التذکیر باعتبار أنها حكم.
(٢) في ط (قوله لا يخفى ما فيه الخ) دفع شيخنا هذه المسامحة بأن المستفاد من قوله ((ولد فمات)) إنما هي مطلق حياة،
وقوله ((إن استهل)) معناه وجد منه ما يدل على الحياة المستقرة، وهي المعتبرة كما يأتي للمحشي عن الشرنبلالي،
فالتفصيل صحيح لازم لما عرفت من أن المدار على الحياة المستقرة، وليست المستعارة كذلك بل هي عامة .
١٣٠
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
بعد خروج أكثره، حتى لو خرج رأسه فقط وهو يصيح فذبحه رجل فعليه الغرّة، وإن
قطع أذنه فخرج حياً فمات فعليه الدية
وقبضها، لأن هذه الأشياء حركة المذبوح ولا عبرة بها؛ حتى لو ذبح رجل فمات أبوه وهو
يتحرك لم يرثه المذبوح، لأن له في هذه الحالة حكم الميت كما في الجوهرة اهـ.
أقول: وما نقلناه عن البدائع مشى عليه في الفتح والبحر والزيلعي، ويمكن حمله على
ما في الشرنبلالية. تأمل.
تنبيه: قال في البدائع ما نصه: ولو شهدت القابلة أو الأم على الاستهلال تقبل في
حق الغسل والصلاة عليه، لأن خبر الواحد في الديانات مقبول إذا كان عدلًاً، وأما في حق
الميراث فلا يقبل قول الأم لكونها متهمة بجرها المغنم إلى نفسها، وكذا شهادة القابلة عند
أبي حنيفة. وقالا: تقبل إذا كانت عدلة اهـ. وظاهره اشتراط نصاب الشهادة عنده في
الميراث، وبه صرح في البحر عن المجتبى بلفظ: وعن أبي حنيفة. قوله: (بعد خروج
أكثره) متعلق بوجد، فلو خرج رأسه وهو يصيح ثم مات لم يرث ولم يصلّ عليه ما لم يخرج
أكثر بدنه حياً، بحر عن المبتغى. حدّ الأكثر من قبل الرجل سرته، ومن قبل الرأس صدره.
نهر عن منية المفتي. قوله: (حتى لو خرج الخ) أي فلو اعتبر حياته عند خروج الأقل من
النصف لكان الواجب الدية؛ فإيجاب الغرة في هذه الحالة مبني على أن هذا الخروج
كعدمه، فإن الغرة إنما تجب فيمن ضرب بطن الحامل حتى أسقطته ميتاً فذبحه قبل خروج
أكثره في حكم ضربه وهو في بطن أمه، بخلاف ذبحه بعد خروج أكثره فإنه موجب للقود،
وبما قررناه ظهر صحة التفريع وبطل التشنيع، فافهم. قوله: (فعليه الغرة) هي نصف عشر
دية الرجل لو الجنين ذكراً، وعشر دية المرأة لو أنثى، وكل منهما خمسمائة درهم، وهي
خمسون ديناراً كما سيأتي في محله.
هذا، وما ذكره الشارح نقله في البحر عن المبتغي بالمعجمة، لكن ذكرنا في كتاب
الجنايات في أوائل فصل ما يوجب القود عن المجتبى والتاتر خانية أن عليه الدیة، لكن ما
قررناه آنفاً يؤيد ما هنا، أو يراد بالدية الغرة، فتأمل. قوله: (فعليه الدية) ظاهر قوله ((فمات))
أن الموت بسبب القطع، وعليه فالمراد دية النفس إن كان القطع خطأ وإلا وجب القود،
لكن عبارة البحر عن المبتغي: ثم مات، وعليه فإن كان موته لا بسبب القطع فالواجب دية
الأذن، وإن كان به فالواجب دية النفس أو القود كما قلنا، لكن قال الرحمتي: وإنما وجبت
الدية لا القصاص للشبهة حيث جرحه قبل تحقق كونه ولداً اهـ فليتأمل.
وفي الأحكام للشيخ إسماعيل عن [التهذيب لذهن اللبيب] مسألة: رجل قطع أذن
إنسان وجب عليه خمسمائة دينار، ولو قطع رأسه وجب عليه خمسون ديناراً. جوابها قطع أذن
صبي خرج رأسه عند الولادة فإن تمت ولادته وعاش وجب نصف الدية وهي خمسمائة
١٣١
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
(وإلا) يستهل (غسل وسمى) عند الثاني وهو الأصح، فيفتى به على خلاف ظاهر
الرواية إكراماً لبني آدم كما في ملتقى البحار. وفي النهر عن الظهيرية: وإذا استبان بعض
خلقه غسل وحشر هو المختار (وأدرج في خرقة ودفن ولم یصلّ علیه) و کذا لا يرث
دينار، ولو قطع رأسه ومات قبل خروج الباقي وجبت فيه الغرة وهي خمسون ديناراً اهـ.
قوله: (وإلا يستهل غسل وسمى) شمل ما تم خلقه، ولا خلاف في غسله وما لم يتم وفيه
خلاف. والمختار أنه يغسل ويلف في خرقة، ولا يصلى عليه كما في المعراج والفتح
والخانية والبزازية والظهيرية. شرنبلالية. وذكر في شرح المجمع لمصنفه أن الخلاف في
الأول وأن الثاني لا يغسل إجماعاً اهـ.
واغتّ في البحر بنقل الإجماع على أنه لا يغسل، فحكم على ما في الفتح والخلاصة
من أن المختار تغسيله بأنه سبق نظرهما إلى الذي تم خلقه أو سهو من الكاتب. واعترضه في
النهر بأن ما في الفتح والخلاصة عزاه في المعراج إلى المبسوط والمحيط اهـ. وعلمت نقله
أيضاً عن الكتب المذكورة. وذكر في الأحكام أنه جزم به في عمدة المفتي والفيض
والمجموع والمبتغى اهـ. فحيث كان هو المذكور في عامة الكتب فالمناسب الحكم بالسهو
على ما في شرح المجمع، لكن قال في الشرنبلالية (١): يمكن التوفيق بأن من نفى غسله
أراد الغسل المراعى فيه وجه السنة، ومن أثبته أراد الغسل في الجملة كصب الماء عليه من
غير وضوء وترتيب لفعله كغسله ابتداء بسدر وحرض اهـ قلت: ويؤيده قولهم ويلفّ في
خرقة حيث لم يراعوا في تكفينه السنة، فكذا غسله. قوله: (عند الثاني) المناسب ذكره بعد
قوله الآتي ((وإذا استبان بعض خلقه غسل)) لأنك علمت أن الخلاف فيه خلافاً لما في شرح
المجمع والبحر. قوله: (إكراماً لبني آدم) علة للمتن كما يعلم من البحر، ويصح جعله علة
لقوله ((فيفتى به)). قوله: (وحشر) المناسب تأخيره عن قوله ((هو المختار)) لأن الذي في
الظهيرية: والمختار أنه يغسل. وهل يحشر؟ عن أبي جعفر الكبير أنه إن نفخ فيه الروح
حشر، وإلا لا. والذي يقتضيه مذهب أصحابنا أنه إن استبان بعض خلقه فإنه يحشر، وهو
قول الشعبي وابن سيرين اهـ. ووجهه أن تسميته تقتضي حشره، إذ لا فائدة لها إلا في ندائه
في المحشر باسمه. وذكر العلقمي في حديث ((سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ فَإِنهمْ فرْطُكُمْ)) الحديث.
فقال: فائدة: سأل بعضهم هل يكون السقط شافعاً، ومتى يكون شافعاً؟ هل هو من مصيره
علقة أم من ظهور الحمل، أم بعد مضي أربعة أشهر، أم من نفخ الروح؟ والجواب أن العبرة
إنما هو بظهور خلقه وعدم ظهوره كما حرره شيخنا زكريا. قوله: (ولم يصلّ عليه) أي سواء
(١) في ط (قوله لكن قال في الشرنبلالية الخ) هذا توفيق للخلاف الجاري في غسل من لم يستتم خلقه، ولا يصلح أن
یکون توفیقاً بین صاحب المجمع وغيره کما قد یتوهم، كما لا يخفى على من عنده أدنى تأمل.
١٣٢
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
إن انفصل بنفسه (كصبيّ سبي مع أحد أبويه) لا يصلى عليه لأنه تبع له: أي في أحكام
الدنيا لا العقبى، لما مرّ أنهم خدم أهل الجنة.
(ولو سبي بدونه) فهو مسلم تبعاً للدار أو للسبي
كان تام الخلق أم لا ط. قوله: (إن انفصل بنفسه) أما إذا أفصل كما إذا ضرب بطنها فألقت
جنيناً ميتاً فإنه يرث ويورث، لأن الشارع لما أوجب الغرة على الضارب فقد حكم بحياته.
نهر: أي يرث إذا مات أبوه مثلاً قبل انفصاله. قوله: (كصبيّ سبي مع أحد أبويه) وبالأولى
إذا سبي معهما، والمجنون البالغ كالصبي كما في الشرنبلالية. ولا فرق بين كون الصبي
مميزاً أو لا، ولا بين موته في دار الإسلام أو الحرب، ولا بين كون السابي مسلماً أو ذمياً؛
لأنه مع وجود الأبوين لا عبرة للدار ولا للسابي، بل هو تابع لأحد أبويه إلى البلوغ ما لم
يحدث إسلاماً وهو مميز كما صرح به في البحر اهـ ح وقال المحقق ابن أمير حاج في شرحه
على التحرير في فصل الحاكم بعد ذكره التبعية ما نصه: الذي في شرح الجامع الصغير لفخر
الإسلام: ويستوي فيما قلنا أن يعقل أو لا يعقل، إلى هذا أشار في هذا الكتاب، ونص عليه
في الجامع الكبير، فلا جرم أن قال في شرحه: أو أسلم أحد أبويه يجعل مسلماً تبعاً سواء
كان الصغير عاقلاً أو لم يكن، لأن الولد يتبع خير الأبوين ديناً اهـ. وذكر الخير الرملي أنه
لو سبي مع الجد أبي الأب لا يكون كذلك بل يصلى عليه. قوله: (لا يصلى عليه) تصريح
بالمقصود من التشبيه. قوله: (لا العقبى) وإلا كانوا في النار مثلهم، وهو أحد ما قيل فيهم.
ونقله في شرح المقاصد عن الأكثرين ط، وقدمنا تمامه فيما مر أول هذا الباب. قوله: (ولو
سبي بدونه) أي بدون أحد أبويه، بأن لم يكن معه واحد منهما ح.
قلت: المراد بالمعية ما يشمل الحكمية، لما في سير أحكام الصغار: ولو دخل
حربّي دار الإسلام ذمياً ثم سبي ابنه لا يصير الابن مسلماً بالدار اهـ. وفيه: وإذا سبى
المسلمون صبيان أهل الحرب وهم بعد في دار الحرب فدخل آباؤهم دار الإسلام وأسلموا
فأبناؤهم صاروا مسلمين بإسلام آبائهم وإن لم يخرجوا إلى دار الإسلام اهـ. وهذا يفيد تقييد
المسألة بما إذا لم يسلم أبوه. قوله: (تبعاً للدار) أي إن كان السابي ذمياً أو للسابي إن كان
مسلماً، كذا في شرح المنية. واقتصر في البحر على تبعية الدار، قال: لأن فائدة تبعية
السابي إنما تظهر في دار الحرب، بأن وقع صبي في سهم رجل ومات الصبي يصلى عليه
تبعاً للسابي، والكلام في السبي، وهو لغة الأسرى المحمولون من بلد إلى بلد، فلا بد من
الحمل حتى يسمى سبياً ولم يوجد اهـ.
أقول: لكن الذي في الصحاح والقاموس أنه يقال: سبيت العدو سبياً: إذا أسرته،
فهو سبي وهي سبي؛ ويقال سبيت الخمر سبياً: إذا حملتها من بلد إلى بلد فهي سبية اهـ.
١
١٣٣
کتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
(أو به فأسلم هو أو) أسلم (الصبيّ وهو عاقل) أي ابن سبع سنين (صلي عليه) لصيرورته
فجعل الحمل قيداً في الخمرة دون الأسير. تأمل؛ نعم ذكر الإمام السرخسي في أواخر
شرح السير الكبير ما يدل على كون ذلك شرطاً خارجاً عن مفهومه، فإنه قال: لو سبى
وحده لا يحكم بإسلامه ما لم يخرج إلى دار الإسلام فيصير مسلماً تبعاً للدار أو يقسم الإمام
الغنائم أو يبيعها في دار الحرب فيصير مسلماً تبعاً للمالك، لأن تأثير التبعية للمالك فوق
تأثیر التبعية للدار، فإن کان المالك ذمیاً بأن ملکه بشراء أو رضخ فكذلك یحکم بإسلامه،
وحتى لو مات يصلى عليه ويجبر الذمي على بيعه، لأنه صار محرزاً بقوة المسلمين فقد ملكه
بإحرازهم إياه فصار تمام الإحراز بالقسمة والبيع كتمامه بالإخراج إلى دارنا؛ ولو دخل
الذمّي دار الحرب متلصصاً وأخرج صغيراً إلى دارنا فهو مسلم يجبر الذمي على بيعه، لأنه
إنما ملكه بالإحراز بدارنا فصار كالمنفل بأن قال الأمير: من أصاب رأساً فهو له، فأصاب
الذمي صغيراً ليس معه أحد أبويه فهو مسلم، لأنه إنما ملكه بمنعة المسلمين؛ بخلاف ما إذا
دخل الذمي دارهم بأمان فاشترى صغيراً من مماليكهم لأنه يملكه بالعقد لا بمنعتنا، فإذا
أخرجه إلينا لم يكن مسلماً؛ أما لو كان الشاري منهم مسلماً فإنه إذا أخرجه إلى دارنا وحده
حكم بإسلامه، وتبعية الملك إنما تظهر في هذا، فإذا كان المالك مسلماً فالملوك مثله تبعاً
له، أو ذمياً فهو مثله اهـ ملخصاً.
وحاصله أنه إنما يحكم بإسلامه بالإخراج إلى دار الإسلام تبعاً للدار أو بالملك بقسمة
أو بيع من الإمام تبعاً للمالك لو مسلماً أو للغانمين لو ذمياً، والله أعلم.
قلت: ويؤخذ من قوله إن تمام الإحراز بالقسمة والبيع كتمامه بالإخراج. إن الذمي
إذا ملكه يحكم بإسلامه قبل الإخراج، فإذا مات في دار الحرب يصلى عليه، فافهم. قوله:
(أو به) أي سبي بأحد أبويه: أي معه ح. قوله: (فأسلم هو) أي أحد أبويه ح: أي فإن
الصبي يصير مسلماً، لأن الولد يتبع خير الأبوين ديناً. ولا فرق بين كون الولد مميزاً أو لا كما
مر. ونقل الخير الرملي في باب نكاح الكافر قولين، وأن الشلبي أفتى باشتراط عدم
التمييز، لكن صرح السرخسي في شرح السير بأن هذا القول خطأ، وسيأتي تمام الكلام
عليه هناك إن شاء الله تعالى.
أقول: وبقي ما لو سبي معه أبواه أو أحدهما فماتا ثم أخرج إلى دارنا وحده فهو
مسلم، لأنه بموتهما في دار الحرب خرج عن كونه تبعاً لهما، بخلاف ما لو ماتا بعد
الإخراج أو القسمة أو البيع، كذا في شرح السير الكبير. قوله: (وهو عاقل) قيد لقوله ((أو
أسلم الصبي)) لأن كلام غير العاقل غير معتبر لعدم صدوره عن قصد. قوله: (أي ابن سبع
سنين) تفسير للعاقل الذي یصح إسلامه بنفسه، وعزاه في النهر إلى فتاوى قارئ الهداية،
وفسره في العناية بأن يعقل المنافع والمضار. وأن الإسلام هدى واتباعه خير له، وفسره في
١٣٤
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
مسلماً. قالوا: ولا ينبغي أن يسأل العامي عن الإسلام بل يذكر عنده حقيقته وما يجب
الإيمان به، ثم يقال له: هل أنت مصدّق بهذا؟ فإذا قال نعم اكتفى به. ولا يضرّ توقفه في
جواب ما الإيمان؟ ما الإسلام؟ فتح.
(ويغسل المسلم ويكفن ويدفن قريبه) كخاله (الكافر الأصلي) أما المرتدّ فيلقى في
حفرة كالكلب (عند الاحتياج) فلو له قريب فالأولى تركه لهم (من غير مراعاة السنة) فيغسله
غسل الثوب النجس ويلفه في خرقة ويلقيه في حفرة، وليس للكافر غسل قريبه المسلم .
الفتح بأن يعقل صفة الإسلام، وهو ما في الحديث ((أَنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ)) (١) قال: وهذا دليل على أن مجرد قول ((لا إله إلا الله)) لا
يوجب الحكم بالإسلام ما لم يؤمن بما ذكرنا، وتمامه في البحر والنهر.
أقول: والظاهر أن مراده أن يؤمن بذلك إذا فصل له وطلب منه الإيمان به بقرينة ما
يأتي، فلو أنكره أو امتنع من الإقرار به بعد الطلب لا يكفيه قول لا إله إلا الله للعلم بأنه وله
كان يكتفي من المشركين بقول ((لا إله إلا الله)) وبالإقرار برسالته من غير إلزام بتفصيل المؤمن
به؛ نعم قد يشترط الإقرار بالشهادتين معاً أو بواحدة منهما وقد يشترط التبري عن بقية
الأديان المخالفة أيضاً على ما سيجيء إن شاء الله تعالى تفصيله في باب الردة عند ذكر
الشارح هناك أن الكفار خمسة أصناف. قوله: (ولا يضر توقفه الخ) فإن العوامّ قد يقولون: لا
نعرفه، وهم من التوحيد والإقرار والخوف من النار وطلب الجنة بمكان، وكأنهم يظنون أن
جواب هذه الأشياء إنما يكون بكلام خاص منظوم فيحجمون عن الجواب. بحر عن الفتح.
قوله: (ويغسل المسلم) أي جوازاً لأن من شروط وجوب الغسل كون الميت مسلماً. قال
في البدائع: حتى لا يجب غسل الكافر، لأن الغسل وجب كرامة وتعظيماً للميت، والكافر
ليس من أهل ذلك. قوله: (قريبه) مفعول تنازع فيه الأفعال الثلاثة قبله. قوله: (كخاله)
أشار إلى أن المراد بالقريب ما يشمل ذوي الأرحام كما في البحر. قوله: (الكافر الأصلي)
قيده القهستاني عن الجلابي في باب الشهيد بغير الحربي ط. قوله: (فيلقى في حفرة) أي
ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يدفع إلى من انتقل إلى ديتهم. بحر عن الفتح. قوله: (فلو له
قريب) أي من أهل ملته. قوله: (من غير مراعاة السنة) قيد للأفعال الثلاثة كما أفاده بالتفريع
بعده. قوله: (وليس للكافر الخ) أي إذا لم يكن للمسلم قريب مسلم فيتولى تجهيزه
المسلمون. ويكره أن يدخل الكافر في قبر قريبه المسلم ليدفنه. بحر، وقدمنا أنه لو مات
بين نساء معهن كافر يعلمنه الغسل ثم يصلين عليه، فتغسيل الكافر المسلم فيه للضرورة فلا
يدل على أنه يمكن من تجهيز قريبه المسلم عند عدمها، خلافاً للزيلعي. أفاده في البحر.
(١) جزء من حديث أخرجه البخاري ١١٤/١ (٥٠) ومسلم ٤٠/١ (٧-١٠).
١٣٥
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
(وإذا حمل الجنازة وضع) ندباً (مقدمها) بكسر الدال وتفتح، وكذا المؤخر (على
يمينه) عشر خطوات لحديث ((مَنْ حَلَ جَنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كُفْرَتْ عَنْهُ أَرْبَعُونَ كَبِيرةً»
(ثم) وضع (مؤخرها) على يمينه كذلك، ثم مقدمها على يساره ثم مؤخرها كذلك،
فيقع الفراغ خلف الجنازة فيمشي خلفها؛ وصحّ ((أنه عليه الصلاة والسلام حمل جنازة
سعد بن معاذ)) ويكره عندنا حمله بين عمودي السرير، بل يرفع كل رجل قائمة باليد لا
على العنق كالأمتعة، ولذا كره حمله على ظهر ودابة (والصبي الرضيع أو الفطيم أو فوق
مَطْلَبٌ فِي حَملِ المَيِّتِ
قوله: (وإذا حمل الجنازة) شروع في بيان كيفية حملها، وكان ينبغي تقديمه على الصلاة
كما فعل في البدائع لتقدمه عليها غالباً. قوله: (ندباً) لأن فيه إيثاراً لليمين والمقدم على
اليسار والمؤخر. قوله: (بكسر الدال وتفتح) أشار إلى أن الكسر أفصح كما في البحر عن
الغاية، لكن الكسر مع التخفيف والفتح مع التشديد كما في القاموس، حيث قال: مقدم
الرحل كمحسن ومعظم. قوله: (لحديث من حمل الخ) الأولى تأخيره عن قوله «ثم مقدمها
ثم مؤخرها)) ط. والحديث المذكور ذكره الزيلعي ونقله في البحر عن البدائع.
وفي شرح المنية: ويستحب أن يحملها من كل جانب أربعين خطوة للحديث
المذكور رواه أبو بكر النجار. قوله: (كفرت عنه أربعين كبيرة) ببناء كفرت للفاعل وضميره
للجنازة على تقدير مضاف: أي حملها، والكبيرة قد تطلق على الصغيرة، لأن كل ذنب
صغير بالنظر لما فوقه كبير بالنسبة لما تحته، أو المراد بالكبيرة حقيقتها، وقولهم إن الكبائر
لا تكفر إلا بالتوبة أو بمحض الفضل أو بالحج المبرور محمول على ما لم يرد النص فيه ط،
وسيأتي تمام ذلك في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. قوله: (كذلك) أي عشر خطوات،
وهو معنى كذلك الثانية، ويمين الحامل يمين الميت، ويساره الجنازة، ويساره يساره
ويمين الجنازة. قهستاني ط. قوله: (ويكره عندنا الخ) لأن السنة التربيع. بحر. وما نقل
عن بعض السلف من الحمل بين العمودين إن ثبت فلعارض كضيق المكان أو كثرة الناس
أو قلة الحاملين كما بسطه في فتح القدير. قوله: (قائمة) أي من قوائم السرير الأربع.
قوله: (باليد) أي ثم يضع على العنق، وقوله ((لا على العنق)) أي ابتداء كما أفاده
شيخنا اهـ ح. وفي الحلية: أو يرفعونه أخذاً باليد لا وضعاً على العنق، كما تحمل الأثقال،
ذكره الفقيه أبو الليث في شرح الجامع الصغير اهـ. والمراد بالعنق: الكتف كما قال ط.
قوله: (ولذا الخ) علة لما استفيد(١) من أن حمله كالأمتعة مكروه ط. قوله: (يحمله واحد
(١) في ط (قوله علة لما استفيد) هكذا بخطه، ولعل الصواب إبدال علة بالإشارة وإلا فهو علة لما تعلق به حرف العلة
بعده، أعني قوله ((کره حمله الخ)) لا ((استفید الخ)) كما قال.
١٣٦
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
ذلك قليلًا يحمله واحد على يديه) ولو راكباً (وإن كان كبيراً حمل على الجنازة ويسرع بها
بلا خبب) أي عدو سريع، ولو به كره (وكره تأخير صلاته ودفنه ليصلي عليه جمع عظيم
بعد صلاة الجمعة) إلا إذا خیف فوتها بسبب دفنه. قنية (کما کره) لمتبعها (جلوس قبل
وضعها) وقيام بعده (ولا يقوم من في المصلى لها إذا رآها) قبل وضعها ولا من مرت
عليه هو المختار، وما ورد فيه منسوخ. زيلعي (وندب المشي خلفها)
على يديه) أي ويتداوله الناس بالحمل على أيديهم. بحر. قوله: (ويسرع بها) معطوف
على قوله ((وضع مقدّمها)). قوله: (بلا خبب) بمعجمة مفتوحة وموحدتين.
وحدّ التعجيل المسنون أن يسرع به بحيث لا يضطرب الميت على الجنازة للحديث
(أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَدَّمْتُمُوهَا إِلَى الخَيرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيرِ ذَلِكَ فَشَرِّ
تَضَعُونُ عَنْ رِقائِكُمْ»(١) والأفضل أن يعجل بتجهيزه کله من حين يموت. بحر. قوله: (ولو
به كره) لأنه ازدراء بالميت وإضرار بالمتبعين. بحر. قوله: (إلا إذا خيف الخ) فيؤخر
الدفن، وتقدم صلاة العيد على صلاة الجنازة، والجنازة على الخطبة، والقياس تقديمها
على العيد، لكنه قدم مخافة التشويش، وكي لا يظنها من في أخريات الصفوف أنها صلاة
العيد. بحر عن القنية. ومفاده تقديم الجمعة على الجنازة للعلة المذكورة ولأنها فرض
عين، بل الفتوى على تقديم سنتها عليها، ومرّ تمامه في أول باب صلاة العيد. قوله:
(جلوس قبل وضعها) للنهي عن ذلك كما في السراج. نهر. ومقتضاه أن الكراهة تحريمية.
رملي. قوله: (وقيام بعده) أي يكره القيام بعد وضعها عن الأعناق كما في الخانية والعناية.
وفي المحيط خلافه حيث قال: والأفضل أن لا يجلسوا حتى يسوّوا عليه التراب. قال
في البحر: والأول أولى، لما في البدائع: لا بأس بالجلوس بعد الوضع، لما روي عن
عبادة بن الصامت(٢) (أنه # كان لا يجلس حتى يوضع الميت في اللحد، فكان قائماً مع
أصحابه على رأس قبر فقال يهوديّ: هكذا نصنع بموتانا، فجلس ﴿ وقال لأصحابه:
خالفوهم)) أي في القيام، فلذا كره، ومقتضاه أنها كراهة تحريم، وهو مقيد بعدم الحاجة
والضرورة. رملي. قوله: (وما ورد فيه) أي من قوله وَ﴿ ((إذا رَأَيْتُمُ الجَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى
◌ُلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ))(٣) اهـ ح. قال النووي في شرح مسلم: هو بضم التاء وكسر اللام
المشددة: أي تصيرون وراءها غائبين عنها اهـ مدني. قوله: (منسوخ) أي بما رواه أبو داود
(١) أخرجه البخاري ١٨٢/٣ (١٣١٥) ومسلم ٢/ ٦٥١ (٩٤٤.٥٠).
(٢) عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري
أبو الوليد، شهد العقبتين وبدراً وهو أحد النقباء. له ١٨١ حديثاً. روى عنه: ابن الوليد، ومحمود بن الربيع
وجبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني وخلق. كان ممن جمع القرآن على عهد النبي - {$ - وبعثه عمر إلى الشام ليعلم
الناس القرآن والعلم. انظر: خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٣٢.
(٣) أخرجه بنحوه البخاري ١٧٨/٣ (١٣١٠) ومسلم ٦٦٠/٢ (٧٧- ٩٥٩).
١٣٧
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
لأنها متبوعة، إلا أن يكون خلفها نساء فالمشي أمامها أحسن. اختيار.
ويكره خروجهن تحريماً، وتزجر النائحة، ولا يترك اتباعها لأجلها، ولا يمشي
عن يمينها ويسارها (ولو مشى أمامها جاز) وفيه فضيلة أيضاً (و) لكن (إن تباعد عنها أو
تقدم الکل) أو ر کب أمامها (کره) كما
وابن ماجه وأحمد والطحاوي من طرق عن علي ((قام رسول الله ﴿ ﴿ ثم قعد)) ولمسلم
بمعناه، وقال ((قد كان ثم نسخ)) شرح المنية. قوله: (لأنها متبوعة) يشير إلى ما في صحيح
البخاري عن البراء بن عازب ((أَمَرَنَا رسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليهِ وَسَلَّمَ بَتِّبَاعِ الجَنَازَةِ) قال عليّ:
الاتباع لا يقع إلا على التالي. ولا يسمى المقدم تابعاً بل هو متبوعَ، والأمر للندب لا
للوجوب للإجماع. وعن عليّ: قدمها بين يديك واجعلها نصب عينيك، فإنما هي موعظة
وتذكرة وعبرة. وتمامه في شرح المنية. قوله: (إلا أن يكون خلفها نساء) الظاهر تقييده بما
إذا خشي الاختلاط معهن أو كان فيهن نائحة بقرينة ما بعده. تأمل .. قوله: (ويكره
خروجهن تحريماً) لقوله عليه الصلاة والسلام ((ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْ مَأْجُورَاتٍ))(١) رواه ابن
ماجه بسند ضعيف، لکن یعضده المعنی الحادث باختلاف الزمان الذي أشارت إليه عائشة
بقولها: لو أن رسول الله وال﴿ رأى ما أحدث النساء بعده لمنعهن كما منعت نساء بني
إسرائيل، وهذا في نساء زمانها، فما ظنك بنساء زماننا.
وأما ما في الصحيحين عن أم عطية ((نُهِينَا عَنِ اتَّبَاعِ الجَنَائِزِ ولمْ يعزم عَلَينا)) أي أنه نهي
تنزيه فينبغي أن يختص بذلك الزمن حيث كان يباح لهن الخروج للمساجد والأعياد، وتمامه
في شرح المنية. قوله: (وتزجر النائحة) وكذا الصائحة. شرنبلالية. قوله: (ولا يترك اتباعها
لأجلها) أي لأجل النائحة، لأن السنة لا تترك بما اقترن بها من البدعة. ولا يردّ الوليمة حيث
يترك حضورها لبدعة فيها للفارق، بأنهم لو تركوا المشي مع الجنازة لزم عدم انتظامها، ولا
كذلك الوليمة لوجود من يأكل الطعام. ط عن أبي السعود. والظاهر أن المراد باتباعها
المشي معها مطلقاً لا خصوص المشي خلفها، بل يترك المشي خلفها إذا كانت نائحة، لما
مر عن الاختيار، ويحصل التوفيق. قوله: (ولا يمشي عن يمينها ويسارها) كذا في الفتح
والبحر. وفي القهستاني: لا بأس به، فأفاد أنه خلاف الأولى، لأن فيه ترك المندوب وهو
اتباعها. قوله: (جاز) أي بلا كراهة. حلية. قوله: (وفيه فضيلة أيضاً) أخذاً من قولهم: إن
المشي خلفها أفضل عندنا. قوله: (إن تباعد عنها) أي بحيث يعدّ ماشياً وحده. قوله: (أو
تقدم الكل) أي وتركوها خلفهم ليس معها أحد. قوله: (أو ركب أمامها) لأنه يضرّ بمن
خلفه بإثارة الغبار، أما الركوب خلفها فلا بأس به، والمشي أفضل كما في البحر. قوله:
(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٧٨) والبيهقي في السنن ٧٧/٤ والخطيب في التاريخ ٦/ ٢٠١.
١٣٨
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
كره فيها رفع صوت بذكر أو قراءة. فتح (وحفر قبره)
(كره) الظاهر أنها تنزيهية. رملي. أقول: لكن إن تحقق الضرر بالركوب أمامها فهي تحريمية.
تأمل. قوله: (كما كره الخ) قيل تحريماً، وقيل تنزيهاً كما في البحر عن الغاية.
وفيه عنها: وينبغي لمن تبع الجنازة أن يطيل الصمت. وفيه عن الظهيرية: فإن أراد أن
يذكر الله تعالى يذكره في نفسه، لقوله تعالى ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ أي الجاهرين بالدعاء.
وعن إبراهيم أنه كان يكره أن يقول الرجل وهو يمشي معها: استغفروا له غفر الله لكم اهـ.
قلت: وإذا كان هذا في الدعاء والذكر فما ظنك بالغناء الحادث في هذا الزمان؟
مَطْلَبٌ فِي دَفْنِ المَيِّتِ
قوله: (وحفر قبره الخ) شروع في مسائل الدفن. وهو فرض كفاية إن أمكن إجماعاً.
حلية. واحترز بالإمكان عما إذا لم يمكن، كما لو مات في سفينة كما يأتي. ومفاده أنه لا
يجزي دفنه على وجه الأرض ببناء عليه كما ذكره الشافعية، ولم أره لأئمتنا صريحاً، وأشار
بإفراد الضمير إلى ما تقدم من أنه لا يدفن اثنان في قبر إلا لضرورة، وهذا في الابتداء، وكذا
بعده. قال في الفتح، ولا يحفر قبر لدفن آخر إلا إن بلي الأول فلم يبق له عظم إلا أن
لا يوجد، فتضم عظام الأول ويجعل بينهما حاجز من تراب. ويكره الدفن في الفساقي اهـ.
وهي كبيت معقود بالبناء يسع جماعة قياماً لمخالفتها السنة. إمداد. والكراهة فيها من وجوه:
عدم اللحد، ودفن الجماعة في قبر واحد بلا ضرورة، واختلاط الرجال بالنساء بلا حاجز،
وتخصيصها، والبناء عليها. بحر. قال في الحلية: وخصوصاً إن كان فيها ميت لم يبل؛ وما
يفعله جهلة الحفارين من نبش القبور التي لم تبل أربابها، وإدخال أجانب عليهم فهو من
المنكر الظاهر، وليس من الضرورة المبیحة لجمع میتین فأكثر ابتداء في قبر واحد قصد دفن
الرجل مع قريبه أو ضيق المحل في تلك المقبرة مع وجود غيرها، وإن كانت مما يتبرك
بالدفن فيها فضلاً عن كون ذلك ونحوه مبيحاً للنبش، وإدخال البعض على البعض قبل البلاء
مع ما فيه من هتك حرمة الميت الأول وتفريق أجزائه، فالحذر من ذلك اهـ. وقال الزيلعي:
ولو بلي الميت وصار تراباً جاز دفن غيره في قبره وزرعه والبناء عليه اهـ. قال في الإمداد:
ويخالفه ما في التاترخانية: إذا صار الميت تراباً في القبر يكره دفن غيره في قبره، لأن الحرمة
باقية، وإن جمعوا عظامه في ناحية ثم دفن غيره فيه تبركاً بالجيران الصالحين ويوجد موضع
فارغ یکره ذلك اهـ.
قلت: لكن في هذا مشقة عظيمة، فالأولى إناطة (١) الجواز بالبلاء، إذا لا يمكن أن
يعد لكل ميت قبر لا يدفن فيه غيره، وإن صار الأول تراباً لا سيما في الأمصار الكبيرة
(١) في ط (قوله فالأولى إناطة) لعل الصواب ((نوط)) فإنه مصدر ناط وهو ثلاثي، اللهم إلا أن يكون من قبيل قولهم خطأ
مشهور الخ.
١٣٩
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
في غير دار (مقدار نصف قامة) فإن زاد فحسن (ويلحد ولا يشق) إلا في أرض رخوة
(ولا) يجوز أن (يوضع فيه مضربة) وما روي عن عليّ
الجامعة، وإلا لزم أن تعم القبور السهل والوعر، على أن المنع من الحفر إلى أن لا يبقى
عظم عسر جداً وإن أمكن ذلك لبعض الناس، لكن الكلام في جعله حكماً عاماً لكل أحد،
فتأمل.
تتمة: قال في الأحكام: لا بأس بأن يقبر المسلم في مقابر المشركين إذا لم يبق من
علاماتهم شيء كما في خزانة الفتاوى، وإن بقي من عظامهم شيء تنبش وترفع الآثار وتتخذ
مسجداً، لما روي ((أَنَّ مَسْجِدَ النبيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَبْلُ مَقْبَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ»
كذا في الواقعات اهـ. قوله: (في غير دار) يغني عنه ما يأتي متناً. قوله: (مقدار نصف قامة
الخ) أو إلى حد الصدر، وإن زاد إلى مقدار قامة فهو أحسن كما في الذخيرة، فعلم أن
الأدنى نصف القامة والأعلى القامة، وما بينهما شرح المنية، وهذا حدّ العمق، والمقصود
منه المبالغة في منع الرائحة ونبش السباع. وفي القهستاني: وطوله على قدر طول الميت،
وعرضه على قدر نصف طوله. قوله: (ويلحد) لأنه السنة وصفته أن يحفر القبر ثم يحفر في
جانب القبلة منه حفيرة فيوضع فيها الميت ويجعل ذلك كالبيت المسقف. حلية. قوله:
(ولا يشق) وصفته أن يحفر في وسط القبر حفيرة فيوضع فيها الميت. حلية. قوله: (إلا في
أرض رخوة) فيخير بين الشق واتخاذ التابوت. ط عن الدر المنتقى، ومثله في النهر.
ومقتضى المقابلة أنه يلحد ويوضع التابوت في اللحد، لأن العدول إلى الشق لخوف انهيار
اللحد كما صرح به في الفتح، فإذا وضع التابوت في اللحد أمن انهياره على الميت، فلو لم
يمكن حفر اللحد تعين الشقّ ولم يحتج إلى التابوت، إلا إن كانت الأرض ندية يسرع فيها
بلاء الميت. قال في الحلية عن الغاية: ويكون التابوت من رأس المال إذا كانت الأرض
رخوة أو ندية مع كون التابوت في غيرها مكروهاً في قول العلماء قاطبة اهـ.
وقد يقال: يوضع التابوت في الشق إذا لم يكن فوقه بناء لئلا يرمس الميت في
التراب، أما إذا كان له سقف أو بناء معقود فوقه كقبور بلادنا ولم تكن الأرض ندية ولم
يلحد فيكره التابوت. قوله: (ولا يجوز الخ) أي يكره ذلك. قال في الحلية: ويكره أن
يوضع تحت الميت في القبر مضربة أو محدة أو حصير أو نحو ذلك اهـ. ولعل وجهه أنه
إتلاف مال بلا ضرورة، فالكراهة تحريمية، ولذا عبر بلا يجوز. قوله: (وما روي عن علي)
يعني من فعل ذلك. نهر. ثم إن الشارح تبع في ذلك المصنف في منحه. والذي وجدته في
الظهيرية عن عائشة، وكذا عزاه إلى الظهيرية في البحر والنهر. قال في شرح المنية: وما
روي أنه جعل في قبره عليه الصلاة والسلام قطيفة، قيل لأن المدينة سبخة، وقيل إن
العباس وعلياً تنازعاها فبسطها شقران تحته لقطع التنازع؛ وقيل كان عليه الصلاة والسلام
١٤٠
كتاب الصلاة/ باب صلاة الجنازة
فغير مشهور لا يؤخذ به. ظهيرية (ولا بأس باتخاذ تابوت) ولو من حجر أو حديد (له عند
الحاجة) کرخاوة الأرض.
(و) يسن أن (يفرش فيه التراب. مات في سفينة غسل وكفن وصلي عليه وألقي
في البحر إن لم يكن قريباً من البر ولا ينبغي أن يدفن) الميت (في الدار ولو) كان
(صغيراً) لاختصاص هذه السنة بالأنبياء. واقعات.
(و) يستحب أن (يدخل من قبل القبلة) بأن يوضع من جهتها ثم يحمل
يلبسها ويفترشها، فقال شقران: والله لا يلبسك أحد بعده أبداً، فألقاها في القبر. قوله:
(فغير مشهور) أي غير ثابت عنه، أو المراد أنه لم يشتهر عنه فعله بين الصحابة ليكون إجماعاً
منهم، بل ثبت عن غيره خلافه. ففي شرح المنية: وكره ابن عباس أن يلقى تحت الميت
شيء رواه الترمذي. وعن أبي موسى ((لَتجعَلوَا بَينِي وَبَيْنَ الأَرْضِ شَيْئاً) اهـ. قوله: (ولا
بأس باتخاذ تابوت الخ) أي يرخص ذلك عند الحاجة، وإلا کره كما قدمناه آنفاً. قال في
الحلية: نقل غير واحد عن الإمام ابن الفضل أنه جوّزه في أراضيهم لرخاوتها. وقال: لكن
ينبغي أن يفرش فيه التراب، وتطين الطبقة العليا مما يلي الميت، ويجعل اللبن الخفيف على
يمين الميت ويساره ليصير بمنزلة اللحد، والمراد بقوله ((ينبغي)) يسن، كما أفصح به فخر
الإسلام وغيره، بل في الينابيع: والسنة أن يفرش في القبر التراب، ثم لم يتعقبوا الرخصة
في اتخاذه من حديد بشيء، ولا شك في كراهته كما هو ظاهر الوجه اهـ: أي لأنه لا يعمل إلا
بالنار فيكون كالآجرّ المطبوخ بها كما يأتي. قوله: (له) أي للميت كما في البحر أو للرجل،
ومفهومه أنه لا بأس به للمرأة مطلقاً، وبه صرح في شرح المنية فقال: وفي المحيط:
واستحسن مشايخنا اتخاذ التابوت للنساء: يعني ولو لم تكن الأرض رخوة فإنه أقرب إلى
الستر والتحرّز عن مسها عند الوضع في القبر اهـ. قوله: (كرخاوة الأرض) أي كونها ندية،
فيوضع في اللحد أو في الشق إن كانت ندية أو لم يكن للشق سقف كما قدمناه. قوله: (أن
يفرش فيه) أي في القبر أو في اللحد كما بيناه. قوله: (وألقي في البحر) قال في الفتح:
وعن أحمد يثقل ليرسب. وعن الشافعية كذلك إن كان قريباً من دار الحرب، وإلا شدّ بين
لوحين ليقذفه البحر فيدفن اهـ. قوله: (إن لم يكن قريباً من البر) الظاهر تقديره، بأن يكون
بينهم وبين البّ مدة يتغير الميت فيها. ثم رأيت في نور الإيضاح التعبير بخوف الضرر به.
قوله: (في الدار) كذا في الحلية عن ((منية المفتي)) وغيرها، وهو أعم من قول الفتح، ولا
يدفن صغير ولا كبير في البيت الذي مات فيه فإن ذلك خاص بالأنبياء، بل ينقل إلى مقابر
المسلمين اهـ. ومقتضاه أنه لا يدفن في مدفن خاص كما يفعله من يبني مدرسة ونحوها،
ويبني له بقربها مدفناً، تأمل. قوله: (بأن يوضع من جهتها ثم يحمل) أي فيكون الآخذ له