Indexed OCR Text

Pages 1-20

دن المخَتََّم
الدَرِّ المُختَارِ شَرِح تَوير الأَبْصَار
لِخَاتِمَةِ المحقْقِيْنُ
محمّد أمين الشهير بابن عابدين
مَعْ تكْمِلَة ابن عَابْدين لنجل المؤَّلف
دَرَاسَة وتحقيق وتعليق
الشيخ علي محمّد معوض
الشيخ عادل أحمد عبدالموجود
قدَّم له وَقَرَظه
الأستاذ الدكتور محمد بكر إسماعيل
كلية الدراسات من جامعة الأزهر
الجزء الثَالث
يحتوي على الكتب التالية
تتمة كتاب الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
دَارُ عَالمِ البَحْبُ
للطباعة والنشر وَالتوزيع
الَّاضُ.

۔
ز
حِقُوق الطَّيْعُ مَحِفُوظَةْ
طبْعَة خاصَّة
١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣م
جارعالم الكتب.
دَارُ عَالمِ الكِبِ
للطباعة والنشر وَالتوزيع
العُليا - غربُ مؤسَسَة التحلية
ت : ٤٦٥١٦٨٩ - ٤٦٣١٧٢٢
ص.ب: ٦٤٦٠ - الهاضْ: ١١٤٤٢
تليفاكس : ٤٦٣١٣٣٦
المملكة العَربيّة السّعوديّة
◌ُطَبَعَت ◌َهَذه الطبعَة بموافقة خَاصّةِ مِيْن
دار الكتب العلمية.
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت - هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤-١١ بيروت - لبنان

٣
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
بِسْمِ اللَّهِ الرّخمنِ الرَّحِيمِ
((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)»
((حديث شريف))
بَابُ: الجُمُعَةِ
بتثليث الميم وسكونها (هي فرض) عين (يكفر جاحدها) لثبوتها بالدليل القطعي
بَابُ: الْجُمْعَةِ(١)
مناسبته للسفر أن في كل منهما تنصيف الصلاة ابتداء لعارض، لكنه هنا في خاص
وهو الظهر، وفي السفر في عام وهو كل رباعية، فلذا قدم. قوله: (بالدليل القطعي(٢)) وهو
(١) اعلم أنه تعالى قد شرع هذه الصلاة لفوائد عظيمة، ومنافع جليلة تعود علينا بالخير العظيم في أمر ديننا ودنيانا.
أما الفوائد الدينية فهي اجتماع العالم بالجاهل في هذا اليوم المبارك، فيعلمه ما يحتاج إليه من الأحكام ليؤدي
العبادة صحيحة مستوفية للشروط فضلاً عما تشتمل عليه الخطبة من الإرشاد والوعظ إلى أمور شرعية يفقهها،
ومسائل دينية يفهمها، فيكون على رغبة في الثواب تحمل على فعل الخير، ورهبة من العقاب تكفه على ارتكاب
الشر، ولا ريب أن هذه أمور خطيرة لا يستقيم شأن الخليقة إلا عليها، ولا يبلغون الغاية إلا بها، فما جبلت الطبائع
البشرية على الاتفاق أو على المصلحة من غير داع ولا مرشد، وأما الدنيوية فلأنه يحصل بينهم التعاون والتحابب،
والمصافاة الحقيقية بملاقاة بعضهم بعضاً، وانتظام الكل في سلك العبادة التي تطهر نفوسهم من أدران الحقد
والحسد، ومن شائبة التفرقة والمعاداة، وترقيها بالصدق والإخلاص والوثام والوفاء المتين، فيلتف بعضهم حول
بعض، ويتطلعون إلى شؤونهم وأحوالهم، فلا يجدون بينهم محتاجاً إلا عطفوا عليه، ومدوا يد المعونة إليه، وإن
علم أن بعضهم غاب لمرض عادوه، وقدموا إليه وسائل الراحة، وحسبك حاثاً على ذلك الخطبة التي أوجبها
الشرع الشريف لهذه الصلاة، فإنها تجلي ما على القلوب من صدأ، وتروي ما بها من ظمأ بآيات التذكير، وعبارات
الإرشاد، وهم منصتون هادئون لعلمهم أن ما يلقيه عليهم خطيبهم، وما يحثهم به على الاستمساك بأحكام الله
والقيام بالأعمال الشرعية النافعة هو موافق للشريعة المحمدية، فإذا أقيمت الصلاة وقفت الجموع صفوفاً مستقيمة
على الفور بكل سكينة ووقار، الأمير بجانب المأمور، والخادم بإزاء المخدوم، والفقير بحذاء الغني، والضعيف
بجانب القوي دون أفضلية لبعضهم، وفي ذلك تعويد لهم على المواساة والحرية، والائتلاف، لأن المرء إذا وقف
في صف يكون فيه السيد والمسود، والرفيع والوضيع، وكلهم منكسر لله ذليل بين يدي رب عظيم، مزق رداء الأنفة
والعظمة، ونبذ المغالاة والكبرياء بجعله في مستوى إخوانه في الإسلام شرعت صلاة الجمعة بمكة، ولم يصلها
النبي ◌َّ بها لعدم تمكنه من ذلك، وأول جمعة أقيمت في الإسلام الجمعة التي أقامها سعد بن زرارة - رضي الله
عنه . أحد النقباء الاثني عشر فصلاها بالمدينة بأمره ** قبل قدومه المدينة. وعليه يلغز فيقال لنا عبادة فرضها الله
تعالى على رسوله ، وتأخر فعله لها، وفعلها قبله جماعة، وصحت، والجواب أنها صلاة الجمعة، وأما أول
جمعة جمعها رسول الله وفر فهو أنه لما قدم المدينة مهاجراً نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وأقام بها يوم الاثنين،
والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة عامداً المدينة فأدركته صلاة الجمعة =

٤
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
كما حققه الكمال وهي فرض مستقل آكد من الظهر وليست بدلاً عنه كما حرّره
قوله تعالى ﴿يَا أَيُّا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩]
الآية (١) وبالسنة والإجماع. قوله: (كما حققه الكمال) وقال بعد ذلك: وإنما أكثرنا فيه نوعاً
من الإكثار لما نسمع عن بعض الجهلة أنهم ينسبون إلى مذهب الحنفية عدم افتراضها،
ومنشأ غلطهم قول القدوري: ومن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله ولا عذر له كره
وجازت صلاته؛ وإنما أراد حرم عليه وصحت الظهر لما سيأتي. قوله: (آكد من الظهر) أي
لأنه ورد فيها من التهديد ما لم يرد في الظهر، من ذلك قوله وَ﴿ ((مَنْ تَرَكَ الجُمُعَةَ ثَلَاثَ
مَرَّاتٍ مِنْ غَيْ ضَرُورَةٍ طَبَعَ الله عَلَى قَلْبهِ) رواه أحمد والحاكم وصححه، فيعاقب على تركها
أشدّ من الظهر ويثاب عليها أكثر، ولأن لها شروطاً ليست للظهر، تأمل. قوله: (وليست
بدلاً عنه الخ) تصريح بمفهوم قوله: ((وهي فرض مستقل)) لكن هذا مخالف لما قدمه
المصنف في بحث النية من باب شروط الصلاة. وعبارته مع الشرح: ولو نوى فرض الوقت
مع بقائه جاز، إلا في الجمعة لأنها بدل إلا أن يكون عنده في اعتقاده أنها فرض الوقت كما
هو رأي البعض فتصح اهـ.
وكتبنا هناك عن شرح المنية أن فرض الوقت عندنا الظهر لا الجمعة، ولكن قد أمر
= في بني سالم بن عوف في بطن وادٍ لهم، فخطب، وصلى الجمعة بهم.
(٢) اعلم أن صلاة الجمعة واجبة عيناً على كل من توفرت فيه الشروط والدليل على وجوبها: الكتاب، والسنة،
والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا
البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ والمراد من الذكر في الآية الخطبة باتفاق المفسرين، ووجه الاستدلال بهذه
الآية أن الله تعالى قد أمرنا بالسعي إلى الخطبة ومعلوم أن الأمر للوجوب، فكان السعي إلى الخطبة واجباً، وإذا
وجب السعي إلى الخطبة التي هي شرط في صحة الصلاة فإلى الصلاة كان أولى، فثبت أن السعي للصلاة واجب،
ومتى كان السعي إليها واجباً كانت الصلاة نفسها واجبة، لأنه إيجاب شيء لشيء هو إيجاب لذلك الشيء، ثم أكد
الوجوب بقوله تعالى ((وذروا البيع)) فحرم البيع وقت النداء، وتحريم المباح لا يكون إلا من أجل واجب.
وأما السنة: فقوله : ((لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس الجمعة ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة
بيوتهم)) وتحريقه عليهم بيوتهم كناية عن تحريقهم بالنار عقوبة لهم، والعقوبة إنما تكون من أجل واجب ترك، وعن
حفصة رضي الله عنها أنه ﴿وقال: ((رواح الجمعة واجب على كل محتلم)). رواه النسائي بإسناد صحيح على شرط
مسلم.
وأما الإجماع: فقد اجتمعت الأمة من لدن رسولنا # إلى وقتنا هذا على فرضيتها من غير نكير من أحد، فثبت
وجوبها، لأن الإجماع حجة قطعية، هذا وقد قال قوم إنها فرض كفاية لكن بعد نصب هذه الأدلة لا يعبأ بقولهم حتى
قال أبو الطيب عن بعض أصحاب الشافعي: ((غلط من قال: إنها من فروض الكفاية)).
(١) في ط (قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا﴾ الآية الخ) قال شيخنا: اختلف في
المراد من الذكر هل هو الصلاة أو الخطبة؟ وعلى كل فالأمر يفيد فرضية الصلاة، أما على تفسيره بالصلاة فظاهر
وأما على التفسير الثاني فبالأولى، وذلك لأن الخطبة لم تقصد لذاتها، بل هي من توابع الصلاة، ألا ترى أنها شرط
للصلاة وحيث فرض السعي للتابع فلأن يفرض للمتبوع المقصود أولى، وفرضية السعي للشيء تستلزم كون ذلك
الشيء فرضاً ضرورة.

كتاب الصلاة/ باب الجمعة
الباقاني(١) معزياً لسري الدين ابن الشحنة. وفي البحر: وقد أفتيت مراراً بعدم صلاة
الأربع بعدها بنية آخر ظهر خوف اعتقاد عدم فرضية الجمعة وهو الاحتياط في زماننا،
وأما من لا يخاف عليه مفسدة منها فالأولى أن تكون في بيته خفية.
(ويشترط لصحتها) سبعة أشياء:
الأول: (المصر وهو ما لا يسع أكبر مساجده أهله المكلفين بها) وعليه فتوى أكثر
الفقهاء. مجتبى لظهور التواني في الأحكام، وظاهر المذهب أنه كل موضع
بالجمعة لإسقاط الظهر، ولذا لو صلى الظهر قبل أن تفوته الجمعة صحت عندنا، خلافاً
لزفر والثلاثة وإن حرم الاقتصار عليها اهـ.
والحاصل أن فرض الوقت عندنا الظهر وعند زفر الجمعة كما صرح به في الفتح
وغيره فيما سيأتي حتى الباقاني في شرح الملتقى؛ وأما ما نقله عنه فلعله ذكره في شرحه
عن النقاية، وبما ذكرناه ظهر ضعفه. قوله: (وفي البحر الخ) سيأتي الكلام على ذلك عند
قول المصنف ((وتؤدّى في مصر واحد بمواضع كثيرة)). قوله: (ويشترط الخ) قال في النهر:
ولها شرائط وجوب وأداء منها: ما هو في المصلي. ومنها ما هو في غيره، والفرق أن الأداء
لا يصح بانتفاء شروطه ويصح بانتفاء شروط الوجوب، ونظمها بعضهم فقال: [الطويل]
وَحُرٍّ صَحِيحٌ بِالبُلُوغِ مُذَكَّرٌ مُقِيمٌ وَذُو عَقلٍ لِشَرْطِ وُجُوبِهِا
وَمِصْرٌ وَسُلْطَانٌ وَوَقْتٍ وَخُطْبَةٌ وَإِذْنٌ كَذَا جمعٌ لِشَرْطِ أَدَائِهَا
ط عن أبي السعود. قوله: (ما لا يسع الخ) هذا يصدق على كثير من القرى ط.
قوله: (المكلفين بها) احترز به عن أصحاب الأعذار مثل النساء والصبيان والمسافرين ط عن
القهستاني. قوله: (وعليه فتوى أكثر الفقهاء الخ) وقال أبو شجاع: هذا أحسن ما قيل فيه.
وفي الولوالجية: وهو صحيح. بحر. وعليه مشى في الوقاية ومتن المختار وشرحه، وقدمه
في متن الدرر على القول الآخر، وظاهره ترجيحه، وأيده صدر الشريعة بقوله: لظهور
التواني في أحكام الشرع سيما في إقامة الحدود في الأمصار. قوله: (وظاهر المذهب الخ)
قال في شرح المنية: والحدّ الصحيح ما اختاره صاحب الهداية أنه الذي له أمير وقاض ينفذ
الأحکام ویقیم الحدود، وتزییف صدر الشريعة له عند اعتذاره عن صاحب الوقایة حیث
اختار الحد المتقدم بظهور التواني في الأحكام مزيف بأن المراد القدرة على إقامتها على ما
صرح به في التحفة عن أبي حنيفة أنه بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق وفيها وال
يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بحشمته وعلمه أو علم غيره يرجع الناس إليه فيما يقع
(١) محمود بن بركات الباقاني، نور الدين: فقيه حنفي، دمشقي. له كتب من فقه الحنفية، منها (مجرى الأنهر)) من شرح
(ملتقى الأبحر)) و(تكملة البحر الرائق) في شرح الكنز. توفي بدمشق سنة ١٠٠٣. انظر: خلاصة الأثر ٣١٧/٤،
كشف الظنون ١٨١٤ ، الأعلام ١٦٦/٧.

٦
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
له أمير وقاض يقدر على إقامة الحدود كما حرّرناه فيما علقناه على الملتقى. وفي
القهستاني: إذن الحاكم ببناء الجامع في الرستاق إذن بالجمعة اتفاقاً على ما قاله
من الحوادث، وهذا هو الأصح اهـ. إلا أن صاحب الهداية ترك ذكر السكك والرساتيق،
لأن الغالب أن الأمير والقاضي الذي شأنه القدرة على تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود لا يكون
إلا في بلد كذلك اهـ. قوله: (له أمير وقاض) أي مقيمان فلا اعتبار بقاض يأتي أحياناً يسمى
قاضي الناحية، ولم يذكر المفتي اكتفاء بذكر القاضي لأن القضاء في الصدر الأول كان
وظيفة المجتهدين، حتى لو لم يكن الوالي والقاضي مفتياً اشترط المفتي كما في الخلاصة.
وفي تصحيح القدوري: أنه يكتفى بالقاضي عن الأمير. شرح الملتقى. قال الشيخ
إسماعيل: ثم المراد من الأمير: من يحرس الناس ويمنع المفسدين ويقوّي أحكام الشرع،
كذا في الرقائق. وحاصله أن يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم كما فسره به في
العناية اهـ. قوله: (يقدر الخ) أفرد الضمير تبعاً للهداية لعوده على القاضي، لأن ذلك
وظيفته، بخلاف الأمير لما مر، وفي التعبير بيقدر ردّ على صدر الشريعة كما علمته. وفي
شرح الشيخ إسماعيلي عن الدهلوي: ليس المراد تنفيذ جميع الأحكام بالفعل، إذ الجمعة
أقيمت في عهد أظلم الناس وهو الحجاج، وأنه ما كان ينفذ جميع الأحكام، بل المراد والله
أعلم اقتداره على ذلك اهـ. ونقل مثله في حاشية أبي السعود عن رسالة العلامة نوح
أفندي.
أقول: ويؤيده أنه لو كان الإخلال بتنفيذ بعض الأحكام مخلّاً بكون البلد مصراً على
هذا القول الذي هو ظاهر الرواية لزم أن لا تصح جمعة في بلدة من بلاد الإسلام في هذا
الزمان، بل فيما قبله من أزمان، فتعين كون المراد الاقتدار على تنفيذ الأحكام، ولكن ينبغي
إرادة أكثرها، وإلا فقد يتعذر على الحاكم الاقتدار على تنفيذ بعضها لمنع ممن ولاه، وكما
يقع في أيام الفتنة من تعصب سفهاء البلد بعضهم على بعض، أو على الحاكم بحيث لا يقدر
على تنفيذ الأحكام فيهم لأنه قادر على تنفيذها في غيرهم وفي عسكره، على أن هذا
عارض فلا يعتبر، ولذا لو مات الوالي أو لم يحضر لفتنة ولم يوجد أحد ممن له حق إقامة
الجمعة نصب العامة لهم خطيباً للضرورة كما سيأتي مع أنه لا أمير ولا قاضي ثمة أصلًا،
وبهذا ظهر جهل من يقول: لا تصح الجمعة في أيام الفتنة، مع أنها تصح في البلاد التي
استولى عليها الكفار كما سنذكره، فتأمل. قوله: (كما حررناه الخ) هو حاصل ما قدمناه عن
شرح المنية. قوله: (وفي القهستاني الخ) تأييد للمتن، وعبارة القهستاني: تقع فرضاً في
القصبات والقرى (١) الكبيرة التي فيها أسواق. قال أبو القاسم: هذا بلا خلاف إذا أذن الوالي
(١) في ط (قوله تقع فرضاً في القصبات والقرى) في المختار، وقصبة السواد: مدينتها، فيكون عطف القرى عليه
عطف تفسير.

٧
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
السرخسي، وإذا اتصل به الحكم صار مجمعاً عليه، فليحفظ (أو فناؤه) بكسر الفاء (وهو
ما) حوله (اتصل به) أولا، كما حرّره ابن الكمال وغيره (لأجل مصالحه) کدفن الموتى
وركض الخيل، والمختار للفتوى تقديره بفرسخ، ذكره الولوالجي.
أو القاضي ببناء المسجد الجامع وأداء الجمعة، لأن هذا مجتهد فيه، فإذا اتصل به الحكم
صار مجمعاً عليه؛ وفيما ذكرنا إشارة إلى أنه لا تجوز في الصغيرة التي ليس فيها قاض ومنبر
وخطيب كما في المضمرات، والظاهر أنه أريد به الكراهة لكراهة النفل بالجماعة؛ ألا ترى
أن في الجواهر لو صلوا في القرى لزمهم أداء الظهر، وهذا إذا لم يتصل به حكم، فإن في
فتاوى الديناري: إذا بنى مسجد في الرستاق بأمر الإمام فهو أمر بالجمعة اتفاقاً على ما قال
السرخسي اهـ فافهم. والرستاق: القرى كما في القاموس.
تنبيه: في شرح الوهبانية: قضاة زماننا يحكمون بصحة الجمعة عند تجديدها في
موضع بأن يعلق الواقف عتق عبده بصحة الجمعة في هذا الموضع، وبعد إقامتها فيه
بالشروط يدعي المعلق عتقه على الواقف المعلق بأنه علق عتقه على صحة الجمعة في هذا
الموضع وقد صحت ووقع العتق فيحكم بعتقه فيتضمن الحكم بصحة الجمعة ويدخل ما لم
يأت من الجمع تبعاً اهـ. قال في النهر: وفي دخول ما لم يأت نظر، فتدبر اهـ.
أقول: الجواب عن نظره أن الحكم بصحة الجمعة مبني على كون ذلك الموضع محلاً
لإقامتها فيه، وبعد ثبوت صحتها فيه لا فرق فيه بين جمعة وجمعة، فتدبر. وظاهر ما مر عن
القهستاني أن مجرد أمر السلطان أو القاضي ببناء المسجد وأدائها فيه حكم رافع للخلاف بلا
دعوى وحادثة. وفي قضاء الأشباه: أمر القاضي حكم كقوله سلم المحدود إلى المدعي
والأمر بدفع الدين والأمر بحبسه الخ. وأفتى ابن نجيم بأن تزويج القاضي الصغيرة حكم
رافع للخلاف ليس لغيره نقضه. قوله: (وإذا اتصل به الحكم الخ) قد علمت أن عبارة
القهستاني صريحة في أن مجرد الأمر رافع للخلاف بناء على أن مجرد أمره حكم. قوله: (أو
لا) زاده للإشارة إلى أن قول المصنف ((ما اتصل به)) ليس قيداً احترازياً لما في الشرنبلالية.
قوله: (کما حرّرہ ابن الکمال) حیث قال: واعتبر بعضهم قید الاتصال، وقد خطأه صاحب
الذخيرة قائلاً، فعلى قول هذا القائل لا تجوز إقامة الجمعة ببخارى في مصلى العيد، لأن بين
المصلى وبين المصر مزارع. ووقعت هذه المسألة مرة وأفتى بعض مشايخ زماننا بعدم
الجواز، ولكن هذا ليس بصواب، فإن أحداً لم ينكر جواز صلاة العيد في مصلى العيد
ببخارى، لا من المتقدمين ولا من المتأخرين، وكما أن المصر أو فناءه شرط جواز الجمعة
فهو شرط جواز صلاة العيد اهـ. قوله: (والمختار للفتوى الخ) اعلم أن بعض المحققين
أهل الترجيح أطلق الفناء عن تقديره بمسافة، وكذا محرر المذهب الإمام محمد، وبعضهم
قدّره بها، وجملة أقوالهم في تقديره ثمانية أقوال أو تسعة: غلوة، ميل، ميلان، ثلاثة،

٨
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
(و) الثاني: (السلطان) ولو متغلباً أو امرأة فيجوز أمرها بإقامتها لا إقامتها (أو
مأمورة بإقامتها) ولو عبداً ولي عمل ناحية
فرسخ، فرسخان، ثلاثة، سماع الصوت، سماع الأذان. والتعريف أحسن من التحديد،
لأنه لا يوجد ذلك في كل مصر، وإنما هو بحسب كبر المصر وصغره. بيانه أن التقدير
بغلوة أو ميل لا يصح في مثل مصر، لأن القرافة والترب التي تلي باب النصر يزيد كل منهما
على فرسخ من كل جانب؛ نعم هو ممكن لمثل بولاق، فالقول بالتحديد بمسافة يخالف
التعريف المتفق على ما صدق عليه بأنه المعد لمصالح المصر، فقد نص الأئمة على أن
الفناء ما أعد لدفن الموتى وحوائج المصر كركض الخيل والدواب وجمع العساكر والخروج
للرمي وغير ذلك، وأيّ موضع يحدّ بمسافة يسع عساكر مصر ويصلح ميداناً للخيل والفرسان
ورمي النبل والبندق البارود واختيار المدافع، وهذا يزيد على فراسخ، فظهر أن التحديد
بحسب الأمصار اهـ ملخصاً من [تحفة أعيان الغنى بصحة الجمعة والعيدين في الفنا] للعلامة
الشرنبلالي. وقد جزم فيها بصحة الجمعة في مسجد سبيل علان، الذي بناه بعض أمراء
زمانه، وهو في فناء مصر بينه وبينها نحو ثلاثة أرباع فرسخ وشيء.
مَطْلَبٌ فِي صِحَّةِ الجُمُعَةِ بِمَسْجِدِ الْمِرْجَةِ وَالصَّالِحِيَّةِ فِي دِمَشْقَ
أقول: وبه ظهر صحتها في تكية السلطان سليم بمرجة دمشق، وكذا في مسجده
بصالحية دمشق فإنها من فناء دمشق بما فيها من التربة بسفح الجبل وإن انفصلت عن دمشق
بمزارع لكنها قريبة لأنها على ثلث فرسخ من البلدة، وإن اعتبرت قرية مستقلة فهي مصر
على تعريف المصنف، على أن مسجدها مبني بأمر السلطان، وكذا مسجدها القديم
المشهور بمسجد الحنابلة الذي بناه الملك الأشرف وأمره كاف في صحتها على ما مر.
تأمل. قوله: (أو امرأة) اعلم أن المرأة لا تكون سلطاناً إلا تغلباً لما تقدم في باب الإمامة من
اشتراط الذكورة في الإمام، فكان على الشارح أن يقول: ولو امرأة: أي ولو كان ذلك
المتغلب امرأة ح. والمراد بالمتغلب من فقد فيه شروط الإمامة وإن رضيه القوم. وفي
الخلاصة: والمتغلب الذي لا عهد له: أي لا منشور له إن كان سيرته فيما بين الرعية سيرة
الأمراء ويحكم بينهم بحكم الولاة تجوز الجمعة بحضرته. بحر اهـ ط. قوله: (بإقامتها) أي
إقامة الجمعة، وقوله: ((لا إقامتها)) أي لا إقامة المرأة الجمعة ح. قوله: (أو مأمورة بإقامتها)
أي الجمعة، وشمل الأمر دلالة. قال في البحر: ولا خفاء في أن من فوّض إليه أمر العامة
في مصر له إقامتها وإن لم يفوضها السلطان إليه صريحاً كما في الخلاصة، والعبرة لأهلية
النائب وقت الصلاة لا وقت الاستنابة، حتى لو أمر الصبيّ والذمي وفوّض إليهما الجمعة
فبلغ وأسلم، لهما إقامتها لأنه فوّضها إليهما صريحاً، بخلاف ما إذا لم يصرح، لكن ظاهر

٩
كتاب الصلاة باب الجمعة
وإن لم تجز أنكحته وأقضیته.
(واختلف في الخطيب المقرّر من جهة الإمام الأعظم أو) من جهة (نائبه هل
يملك الاستنابة في الخطبة؟ فقيل لا مطلقاً) أي لضرورة أو لا، إلا أن يفوّض إليه ذلك
(وقيل إن لضرورة جاز) وإلا لا (وقيل نعم) يجوز (مطلقاً) بلا ضرورة لأنه على شرف
الخانية أن هذا قول البعض، وأن الراجح عدم الفرق لوقوع التفويض باطلاً، وعليه فالمعتبر
الأهلية وقت الاستنابة اهـ ملخصاً.
قلت: لكن في رسالة الشرنبلالي عن الخلاصة ما نصه: العبرة للأهلية وقت إقامتها لا
وقت الإذن بها، وإن وقع في بعض العبارات ما يقتضي خلافه اهـ. قوله: (وإن لم تجز
أنكحته وأقضيته) لأنهما يعتمدان الولاية: ولا ولاية له عن نفسه فضلاً عن غيره، ولأن شرط
القضاء الحرية ط. قوله: (واختلف الخ) ليس ذلك اختلافاً بين مشايخ المذهب من أهل
التخريج أو الترجيح، بل هو اختلاف بين المتأخرين في فهم عبارات مشايخ المذهب.
مَطْلَبٌ فِي جَوَازِ اسْتِنَابَةِ الخَطِیبِ
قوله: (هل يملك الاستنابة) أي بلا إذن من السلطان، أما بالإذن فلا خلاف فيه.
قوله: (فقيل لا مطلقاً) قائله صاحب الدرر حيث قال: إن الاستخلاف لا يجوز للخطبة أصلاً
ولا للصلاة ابتداء، بل بعد ما أحدث الإمام، إلا إذا كان مأذوناً من السلطان
بالاستخلاف اهـ. قوله: (وقيل إن لضرورة جاز الخ) قائله ابن كمال باشا حيث قال: إن كان
ذلك لضرورة كشغله عن إقامة الجمعة في وقتها جاز التفويض إلى غيره، وإلا لا: أي وإن
لم يكن ذلك لضرورة أصلاً أو كان لعذر لكن يمكن إزالة عذره، وإقامة الجمعة بعده قبل
خروج الوقت لا يجوز التفويض إلى خطيب آخر - ثم قال: وإقامة الجمعة عبارة عن أمرين:
الخطبة، والصلاة؛ والموقوف على الإذن هو الأول دون الثاني، فالمراد من الاستخلاف
لإقامة الجمعة الاستخلاف للخطبة لا للصلاة كما توهمه البعض اهـ منح ملخصاً. قوله:
(وقيل نعم الخ) قائله قاضي القضاة محبّ الدين بن جرباش. منح. وبه قال شارح المنية
البرهان إبراهيم الحلبي، وكذا صاحب البحر والنهر والشرنبلالي والمصنف والشارح.
قوله: (بلا ضرورة) الأولى أن يقول: ولو بلا ضرورة ليتضح معنى الإطلاق ط. قال في
الإمداد بعد كلام: وإذا علمت جواز الاستخلاف للخطبة والصلاة مطلقاً بعذر وبغير عذر
حال الحضرة والغيبة وجواز الاستخلاف للصلاة دون الخطبة وعكسه فاعلم أنه إذا استناب
لمرض ونحوه فالنائب يخطب ويصلي بهم والأمر فيه ظاهر. وأما إذا استخلف للصلاة فقط
لسبق حدث، فإما أن يكون بعد شروعه فيها أو قبله، فإن كان بعده فكلّ من صلح للاقتداء به
يصح استخلافه، وأما إذا كان قبله بعد الخطبة فيشترط كون الخليفة قد شهد الخطبة أو
بعضها مع أهليته للاقتداء به اهـ. قوله: (لأنه الخ) هذه عبارة الهداية في كتاب أدب

١٠
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
الفوات لتوقته، فكان الأمر به إذناً بالاستخلاف دلالة ولا كذلك القضاء (وهو الظاهر)
من عباراتهم. ففي البدائع: كل من ملك الجمعة ملك إقامة غيره. وفي النجعة في تعداد
الجمعة لابن جرباش: إنما يشترط الإذن لإقامتها عند بناء المسجد، ثم لا يشترط بعد
ذلك، بل الإذن مستصحب لكل خطيب، وتمامه في البحر، وما قيده الزيلعي لا دليل
القاضي: أي لأن أداء الجمعة على شرف الفوات لتوقته بوقت يفوت الأداء بانقضائه. درر
عن شرح الهداية: أي فيكون ذلك إذناً بالاستخلاف دلالة لعلمه بما يعتري المأمور من
العوارض المانعة من إقامتها كمرض وحدث كما في البدائع. قوله: (ولا كذلك القضاء) فإنه
يحصل في أيّ وقت كان، فلم يكن الأمر به إذناً بالاستخلاف دلالة. قوله: (كل من ملك
الخ) هو صريح في جواز استنابة الخطيب مطلقاً أو كالصريح. بحر. قوله: (النجعة) بضم
النون وسكون الجيم: طلب الكلا في موضعه. قاموس. وهي هنا علم لكتاب ح. قوله:
(لابن جرباش) بضم الجيم والراء ح وهو أحد شيوخ مشايخ صاحب البحر. قوله: (إنما
يشترط الإذن الخ) حاصله أن الإذن من السلطان إنما يشترط في أول مرة، فإذا أذن بإقامتها
لشخص كان له أن يأذن لغيره وذلك الغير له أن يأذن لآخر وهلم جرا؛ وليس المراد أن
السلطان إذا أذن بإقامتها في مسجد صار كل شخص أو كل خطيب مأذوناً بأن يقيمها في
ذلك المسجد بدون إذن من السلطان أو من مأذونه کما یوهمه ظاهر كلامه، ويدل على ذلك
نص عبارة ابن جرباش التي نقلها عنه في البحر وهي قوله بعد كلام: وإذ قد عرفت هذا
فيتمشى عليه ما يقع في زماننا هذا من استئذان السلطان في إقامة الجمعة فيما يستجد من
الجوامع، فإن إذنه بإقامتها في ذلك الموضع لربه مصحح لإذن ربّ الجامع لمن يقيمه
خطيباً ولإذن ذلك الخطيب لمن عساه أن يستنيبه الخ.
وحاصله أنه لا تصح إقامتها إلا لمن أذن له السلطان بواسطة أو بدونها، أما بدون ذلك
فلا، كما هو صريح ما يذكره الشارح عن السراجية؛ نعم وقع في فتاوى ابن الشلبي ما يوهم
ما أوهمه كلام الشارح حيث سئل عن ثغر فيه جوامع لها خطباء ليس لأحد منهم إذن صريح
من السلطان مع علم السلطان بذلك الثغر وبإقامة الجمع والأعياد في جوامعه فهل يكون
ذلك إذناً دلالة؟ فأجاب بأن أمور المسلمين محمولة على السداد، وقد جرت العادة بأن من
بنى جامعاً وأراد إقامة الجمعة استأذن الإمام، فإذا وجد الإذن أول مرة فقد حصل به الغرض
والإذن بعد ذلك اهـ ملخصاً. لكن يمكن حمله على ما مر، أي: فلا يشترط إذن السلطان
ثانياً، بل كل خطيب له أن يستنيب للاكتفاء بالإذن أول مرة، والله أعلم. قوله: (وما قيده
الزيلعي) أي من أنه لا يجوز له الاستخلاف إلا إذا أحدث. قال في البحر: لا دليل عليه،
والظاهر من عباراتهم الإطلاق اهـ.

١١
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
له، وما ذكره منلاخسرو وغيره رده ابن الكمال في رسالته خاصة، برهن فيها على
الجواز بلا شرط، وأطنب فيها وأبدع ولكثير من الفوائد أودع.
قلت: وما ذكره الزيلعي تبعه علیه منلا خسرو صاحب الدرر كما قدمناه عنه، لكنه
ناقض نفسه حيث قال بعده: ولا ينبغي أن يصلي غير الخطيب، لأن الجمعة مع الخطبة
كشيء واحد فلا ينبغي أن يقيمها اثنان، وإن فعل جاز اهـ. وهذا يكون باستخلاف الخطيب؛
ثم قال أيضاً: خطب صبيّ بإذن السلطان وصلى بالع جاز، كذا في الخلاصة اهـ. قال
الشرنبلالي في رسالته: فهذا نص منه على جواز الاستخلاف للصلاة قبل الشروع فيها من
غير سبق الحدث كما قدمناه من النصوص بمثله اهـ. وفيه نظر سنذكره آخر الباب.
تنبيه: أجاب بعضهم عن الزيلعي بأن كلامه مبني على القول بالاستنابة عند الضرورة،
وهذا عجيب فإن هذا القول لابن كمال باشا كما علمت، والأقوال الثلاثة المذكورة في
المتن ليست منقولة في المذهب بل هي اختلاف من المتأخرين بعد الزيعلي، فكيف يبني
كلامه على أحدها؟ على أن اشتراط الاستنابة بالضرورة إنما هو للخطبة لا للصلاة كما قدمناه
في عبارة ابن كمال، والكلام هنا في الصلاة، لأن سبق الحدث لا يستوجب الاستنابة في
الخطبة لصحتها معه، فافهم. قوله: (وما ذكره منلا خسرو) أي من أنه ليس له الاستنابة إلا
إذا فوّض إليه ذلك ح. قلت: وهو القول الأول في المتن. قوله: (رده ابن الكمال) وكذا
رده في شرح المنية والبحر والنهر والمنح والإمداد وغيرها. قوله: (بلا شرط) أي بلا شرط
الإذن من السلطان، واستند في ذلك إلى أشياء منها ما في الخلاصة أن له أن يستخلف وإن
لم يكن في منشور الإمامة الاستخلاف اهـ. قال في شرح المنية: وعلى هذا عمل الأمة من
غير نكير اهـ. نعم اشترط ابن كمال في هذه الرسالة لجواز الاستخلاف أن يكون لضرورة،
وهو القول الثاني في المتن كما قدمناه، وبني على ذلك فساد ما يفعل في زماننا حيث
يحضرون: أي السلاطين في الجامع بلا عذر ويستخلفون الغير في إقامة الجمعة اهـ.
وقد ردّ عليه الشرنبلالي في رسالة بما في التاتر خانية عن المحيط: إمام خطب فتولى
غيره وشهد الخطبة ولم يعزل الأول ولكن أمر رجلًا أن يصلي الجمعة بالناس فصلى:
جاز، لأنه لما شهد الخطبة فكأنما خطب بنفسه، ولو أن القادم الذي تولى شهد خطبة الأول
وسكت عنه حتى صلى بالناس وهو يعلم بقدومه فصلاته جائزة، لأنه على ولايته ما لم
يظهر العزل اهـ. قال: فهذا نص في صحة صلاة الأصيل بحضرة نائبه لعلمه بعزله اهـ.
أقول: وفيه نظر لأن الأول ليس نائباً عنه بل هو باق على ولايته، لأن قوله ما لم
يظهر العزل معناه: ما لم يعزله بالفعل، وليس المراد به علمه بالعزل وإلا ناقض قوله قبله
(وهو يعلم بقدومه)) والأوضح في الردّ ما في البدائع عن النوادر أنه يصير معزولاً إذا علم
بحضور الثاني، وأن الثاني إذا أمر الأول بإتمام الخطبة يجوز، وإلا بل سكت حتى أتمها، أو

١٢
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
وفي مجمع الأنهر: أنه جائز مطلقاً في زماننا لأنه وقع في تاريخ خمس وأربعين
وتسعمائة إذن عام، وعليه الفتوى.
وفي السراجية: لو صلى أحد بغير إذن الخطيب لا يجوز، إلا إذا اقتدى به من له
ولاية الجمعة، ويؤيد ذلك أنه يلزم أداء النفل بجماعة، وأقرّه شيخ الإسلام.
(مات والي مصر فجمع خليفته
حضر بعد فراغ الأول من الخطبة لا تجوز الجمعة لأنها خطبة سلطان معزول؛ بخلاف ما إذا
لم يعلم بحضور الثاني حتى خطب وصلى والأول ساكت، لأنه لا يعزل إلا بالعلم
كالوكيل اهـ. فهذا صريح في صحة الخطبة والصلاة من النائب بحضرة الأصيل. وذكر في
منية المفتي: صلى أحد بغير إذن الخطيب: لم يجز، إلا إذا اقتدى به من له ولاية
الجمعة اهـ. ومثله ما يذكره الشارح عن السراجية، فتأمل. قوله: (أنه) أي الاستخلاف جائز
مطلقاً: أي سواء كان لضرورة أو لا كما يعلم من عبارة مجمع الأنهر ح. قوله: (إذن عام) أي
لكل خطيب أن يستنيب لا لكل شخص أن يخطب في أيّ مسجد أراد ح.
أقول: لكن لا يبقى إلى اليوم الإذن بعد موت السلطان الآذن بذلك إلا إذا أذن به أيضاً
سلطان زماننا نصره الله تعالى كما بينته في [تنقيح الحامدية] وسنذكر في باب العيد عن شرح
المنية ما يدل عليه أيضاً، فتنبه. قوله: (وعليه الفتوى) لعل المراد فتوى أهل زمانه، فليس
ذلك تصحيحاً معتبراً إذ ليسوا من أهل التصحيح. قوله: (لو صلى أحد بغير إذن الخطيب لا
يجوز) ظاهره أن الخطيب خطب بنفسه والآخر صلى بلا إذنه، ومثله ما لو خطب بلا إذنه لما
في الخانية وغيرها: خطب بلا إذن الإمام والإمام حاضر لم يجز اهـ. ولا ينافيه ما قدمناه عن
التاترخانية من أنه لما شهد الخطبة فكأنما خطب بنفسه، لأن الخطبة هناك كانت ممن له
ولايتها كما قدمناه. قوله: (إلا إذا اقتدى به من له ولاية الجمعة) شمل الخطيب المأذون،
وذلك لأن الاقتداء به إذن دلالة، بخلاف ما لو حضر ولم يقتد، وعليه تحمل عبارة الخانية
السابقة. ثم إذا كان حضوره بدون اقتداء لم يعتبر إذناً، يفهم منه أنه لا تجوز خطبة غيره بلا
إذن بالأولى، خلافاً لمن فهم منه الجواز أفاده ط. قوله: (ويؤيد ذلك الخ) أي يؤيد الجواز
إذا اقتدى به بناء على أن اقتداءه به دليل الإذن، لأنهم وإن نووها جمعة لكن بدون شرطها
تنعقد نفلاً، فلو لم يكن اقتداؤه إذناً يلزم أن يكون مؤدياً معهم النفل بجماعة وهو غير جائز،
وفعل المسلم إنما يحمل على الكمال فيكون اقتداؤه إجازة لفعله، لأن الإجازة اللاحقة
كالإذن السابق، ونظيره إذا أجاز نكاح الفضولي بالفعل يجوز، ومجرد حضوره وسكوته وقت
العقد لا يدل على الرضا، فافهم. قوله: (مات والي مصر) وكذا لو لم يحضر بسبب الفتنة.
بدائع. قوله: (فجمع) بتشديد المیم: أي صلی الجمعة خليفته: أي من عهد إليه قبل موته،
أو المراد من كان يخلفه ويقوم مقامه إذا غاب، أو من أقامه أهل البلد خليفة بعده إلى أن

١٣
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
أو صاحب الشرط) بفتحتين حاكم السياسة (أو القاضي المأذون له في ذلك جاز) لأن
تفويض أمر العامة إليهم إذن بذلك دلالة، فلقاضي القضاة بالشام أن يقيمها، وأن يولي
يأتيهم وال آخر. قوله: (أو صاحب الشرط) جمع شرطي كتركي وجهني. قاموس. وفي
المغرب: الشرطية بالسكون والحركة: خيار الجند وأول كتيبة تحضر الحرب، والجمع
شرط وصاحب الشرطة. في باب الجمعة يراد به أمير البلدة كأمير بخارى، وقيل هذا على
عادتهم لأن أمور الدين والدنيا،كانت حينئذ إلى صاحب الشرطة، فأما الآن فلا اهـ. قوله:
(أو القاضي المأذون له في ذلك) قيد به لما في الخلاصة: ليس للقاضي إقامتها إذا لم يؤمر
ولصاحب الشرط وإن لم يؤمر، وهذا في عرفهم. قال في الظهيرية: أما اليوم فالقاضي
يقيمها، لأن الخلفاء يأمرون بذلك؛ قيل أراد به قاضي القضاة الذي يقال له قاضي الشرق
والغرب، فأما في زماننا فالقاضي وصاحب الشرط لا يوليان ذلك اهـ.
قال في البحر: وعلى هذا فلقاضي القضاة بمصر أن يولي الخطباء ولا يتوقف على
إذن، كما أن له أن يستخلف للقضاء وإن لم يؤذن له، مع أن القاضي ليس له الاستخلاف إلا
بإذن السلطان، لأن تولية قاضي القضاة إذن بذلك دلالة كما صرح به في الفتح، ولا يتوقف
ذلك على تقرير الحاكم المسمى بالباشا، لكن في التجنيس أن في إقامة القاضي روایتین،
وبرواية المنع يفتي في ديارنا إذا لم يؤمر به ولم يكتب في منشوره. ويمكن حمل ما في
التجنيس على ما إذا لم يولّ قاضي القضاة، أما إن ولى أغنى هذا اللفظ عن التنصيص عليه.
نهر. قوله: (فلقاضي القضاة بالشام الخ) أخذه من كلام البحر كما علمت، لكن فيه أن
قاضي القضاة (١) الذي له ذلك هو قاضي المشرق والمغرب كما مر عن الظهيرية، وأما
قاضي الشام ومصر فإن ولايته مستمدة من ذلك القاضي العام، وكونه مأذوناً بالاستخلاف:
أي استخلاف نواب عنه في بلدة وتوابعها لا يلزم منه إذنه بإقامة الجمعة، بخلاف ذاك
القاضي للعام الذي أذن له السلطان بإقامة مصالح الدين ونصب القضاة في سائر البلدان،
ولذا يسمى قاضي القضاة، ويدل على ذلك أنه جرت العادة في هذه الدولة العثمانية أن كل
من تولى خطابة لا بد أن يرسل إلى جهة السلطان حفظه الله تعالى ليقرّره فيها، فلو كان
القاضي أو الباشا مأذوناً بإقامتها لصح أن يولى الخطيب.
والحاصل: أن المدار على الإذن وإنما يعلم ذلك من جهته، فإن قال: إني مأذون
بذلك صدّق لأن مجرد تولية القضاة أو الإمارة مثلاً لا يكون إذناً بإقامتها على المفتى به كما
مر عن التجنيس، إلا إذا فوّض السلطان إليه أمور الدنيا والدين كما كان في زمانهم كما مر
عن المغرب والظهيرية. ثم رأيت في نهج النجاة معزياً إلى رسالة للمصنف: لا يخفى أن هذا
(١) في ط (قوله فيه أن قاضي القضاة الخ) فيه. أن المدار على عموم التفويض في أمور الدين والدنيا، ولو في بلدة
واحدة، ألا ترى إلى أمير البلدة المفوض إليه أمور الدين فإنه يقيمها ولا يشترط فيه عموم إمارته المشرق والمغرب.

١٤
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
الخطباء بلا إذن صريح ولا تقرير الباشا، وقالوا: يقيمها أمير البلد، ثم الشرطي ثم
القاضي ثم من ولاه قاضي القضاة (ونصب العامة) الخطيب (غير معتبر مع وجود من
ذكر، أما مع عدمهم فيجوز) للضرورة (وجازت) الجمعة (بمنى في الموسم) فقط (د)
موجود (الخليفة) أو أمير الحجاز أو العراق أو مكة، ووجود الأسواق والسكك، وكذا
كل أبنية نزل بها الخليفة،
إنما يستقيم في قاض فوّض له الأمور العامة، أما من فوض له السلطان قضاة بلدة ليحكم
فيها بما صح من مذهب إمامه فلا، لعدم الإذن له صريحاً أو دلالة اهـ. وهذا صريح فيما
قلناه، والله أعلم. قوله: (وقالوا يقيمها الخ) تقييد لعبارة المتن، فإنه لم يبين فيها ترتيبهم،
والمعنى أنهم مرتبون كترتيب العصبات في ولاية التزويج، فيقيمها الأبعد عند غيبة الأقرب
أو موته لا بحضرته إلا بإذنه، هذا ما ظهر لي، وهو مفاد ما في البحر عن النجعة، فراجعه.
لكن تقديم الشرطي على القاضي مخالف لما صرّحوا به في صلاة الجنازة من تقديم القاضي
على الشرطي، فتأمل. قوله: (مع وجود من ذكر) أي إذا كانوا مأذونين كما مر من أن من
ذكر له إقامتها بالإذن العام، أما في زماننا فغير مأذونين. قوله: (فيجوز للضرورة) ومثله ما
لو منع السلطان(١) أهل مصر أن يجمعوا إضراراً وتعنتاً فلهم أن يجمعوا على رجل يصلي بهم
الجمعة، أما إذا أراد أن يخرج ذلك المصر من أن يكون مصراً لسبب من الأسباب فلا، كما
في البحر ملخصاً عن الخلاصة.
تتمة: في معراج الدراية عن المبسوط: البلاد التي في أيدي الكفار بلاد الإسلام لا بلاد
الحرب لأنهم لم يظهروا فيها حكم الكفر، بل القضاة والولاة مسلمون يطيعونهم عن ضرورة
أو بدونها، وكل مصر فيه وال من جهتهم يجوز له إقامة الجمع والأعياد والحدّ وتقليد القضاة
لاستيلاء المسلم عليهم، فلو الولاة كفاراً يجوز للمسلمين إقامة الجمعة ويصير القاضي قاضياً
بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا والياً مسلماً اهـ. قوله: (في الموسم) أي
موسم الحاج وهو سوقهم ومجتمعهم، من الوسم: وهو العلامة. مغرب. قوله: (فقط) أي
فلا تصح في من في غير أيام اجتماع الحاج فيها لفقد بعض الشروط. قوله: (لوجود
الخليفة) أي السلطان الأعظم. قاموس. قوله: (وأمير الحجاز) وهو السلطان بمكة، كذا في
الدرر: أي شريف مكة الحاكم في مكة والمدينة والطائف وما يلي ذلك من أرض الحجاز.
قوله: (أو العراق) كأمير بغداد بناء على أنه مأذون بذلك. قوله: (أو مكة) مكرّر مع أمير
الحجاز إلا أن يراد به أخص منه. قوله: (وكذا كل أبنية الخ) قال في العناية: وفي كلام
(١) (قوله لو منع السلطان الخ) ونقل عن شيخنا عن عقد اللآلي أنه لو تعذر الاستئذان من السلطان كما في هذا الزمان من
عدم التفات السلاطين لمثل تلك الأمور فاجتمعت الناس على شخص ليصلي بهم جاز.

١٥
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
وعدم التعييد بمنى للتخفيف (لا) تجوز (لأمير الموسم) لقصور ولايته على أمور الحج
حتى لو أذن له جاز (ولا بعرفات) لأنها مفازة (وتؤدى في مصر واحد بمواضع كثيرة)
مطلقاً
الهداية إشارة إلى أن الخليفة والسلطان إذا طاف في ولايته كان عليه الجمعة في كل مصر
يكون فيه يوم الجمعة، لأن إمامة غيره إنما تجوز بأمره فإمامته أولى وإن كان مسافراً اهـ.
أقول: مقتضاه أن الجواز في قول المصنف ((وجازت بمنى)) في معنى الوجوب، مع
أن من شروط وجوبها الإقامة، ولا يلزم من جواز إمامة الخليفة فيها وجوبها عليه إذا كان
مسافراً، ولا أن يأمر مقيماً بإقامتها، ولا يلزم أيضاً من كون المصر من جملة ولايته أن يصير
مقيماً بوصوله إليه إلا على قول ضعيف كما قدمناه في الباب السابق. تأمل. ثم رأيت
صاحب الحواشي السعدية اعترضه بقوله: دلالة ما ذكره على ما ادعاه من وجوب الجمعة
على الخليفة إذا طاف ولايته غير ظاهرة اهـ. وبه ظهر أن الجواز في كلام المصنف على
معناه، ويدل عليه ما في فتح القدير من قوله: والخليفة وإن كان قصد السفر للحج فالسفر
إنما يرخص في الترك لا أنه يمنع صحتها اهـ. فافهم. قوله: (وعدم التعبيد بمنى) أي عدم
إقامة العيد بها لا لكونها ليست بمصر بل للتخفيف على الحاج لاشتغالهم بأمور الحج من
الرمي والحلق والذبح في ذلك اليوم، بخلاف الجمعة لأنه لا يتفق في كل سنة هجوم
الجمعة في أيام الرمي، أما العيد فإنه في كل سنة. سراج. وأيضاً فإن الجمعة تبقى إلى آخر
وقت الظهر، والغالب فراغ الحاج من أعمال الحج قبل ذلك، بخلاف وقت العيد؛
ومقتضى هذا أن الجمعة إذا أقيمت بمنى أن يجب على المقيمين من أهل مكة إذا خرجوا
للحج خلافاً لما بحثه في شرح المنية بل الظاهر وجوب إقامتها عليهم. تأمل.
تنبيه: ظاهر التعليل وجوب العيد في مكة، وقد ذكر البيري في كتاب الأضحية أنه
هو ومن أدركه من المشايخ لم يصلوها فيها، قال: والله أعلم ما السبب في ذلك؟ اهـ.
قلت: لعل السبب أن من له ولاية إقامتها يكون حاجاً في منى. قوله: (لا تجوز لأمير
الموسم) هو المسمى أمير الحاج كما في مجمع الأنهر. أقول: كانت عادة سلاطين بني
عثمان أيدهم الله تعالى أنهم يرسلون أمير يولونه أمور الحاج فقط غير أمير الشام، والآن
جعلوا أمير الشام والحاج واحداً، فعلى هذا لا فرق بين أمير الموسم وأمير العراق لأن كلًّا
منهما له ولاية عامة، فإذا كان من عموم ولايته إقامة الجمعة في بلده يقيمها في منى أيضاً،
بخلاف من كان أميراً على الحاج فقط، ويوضح ما ذكرناه قول الشارح تبعاً لغيره («القصور
ولايته الخ)) فافهم. قوله: (لأنها مفازة) أي برّية لا أبنية فيها، بخلاف منى. قوله: (مطلقاً)
أي سواء كان المصر کبیراً أو لا، وسواء فصل بین جانبیه نهر کبیر کبغداد أو لا، وسواء قطع
الجسر أو بقي متصلًا، وسواء كان التعدد في مسجدين أو أكثر، هكذا يفادمـ، الفتح،

١٦
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
على المذهب، وعليه الفتوى. شرح المجمع للعيني وإمامة فتح القدير دفعاً للحرج،
وعلى المرجوح فالجمعة لمن سبق تحريمة، وتفسد بالمعية والاشتباه، فيصلي بعدها
آخر ظهر، وكل ذلك خلاف المذهب، فلا يعوّل عليه كما حرره في البحر. وفي مجمع
ومقتضاه أنه لا يلزم أن يكون التعدد بقدر الحاجة كما يدل عليه كلام السرخسي الآتي.
قوله: (على المذهب) فقد ذكر الإمام السرخسي أن الصحيح من مذهب أبي حنيفة جواز
إقامتها في مصر واحد في مسجدين وأكثر، وبه نأخذ لإطلاق ((لا جمعة إلا في مصر)) شرط
المصر فقط، وبما ذكرنا اندفع ما في البدائع من أن ظاهر الرواية جوازها في موضعين لا في
أكثر وعليه الاعتماد اهـ. فإن المذهب الجواز مطلقاً. بحر. قوله: (دفعاً للحرج) لأن في
إلزام اتحاد الموضع حرجاً بيناً لاستدعائه تطويل المسافة على أكثر الحاضرين ولم يوجد
دليل عدم جواز التعدد، بل قضية الضرورة عدم اشتراط لا سيما إذا كان مصراً كبيراً كمصرنا
كما قاله الكمال ط. قوله: (وعلى المرجوح) هو ما مر عن البدائع من عدم الجواز في أكثر
من موضعين. قوله: (لمن سبق تحريمة) وقيل يعتبر بالسبق الفراغ، وقيل بهما، والأول
أصح. بحر عن القنية: أي أصح عند صاحب القول المرجوح. قال في الحلية: وكنت قد
راجعت شيخنا: يعني الكمال في هذا كتابة، فكتب إليّ: ((وأما السبق فلا شك عندي في
اعتباره بالخروج، وهل يعتبر معه الدخول محل تردد في خاطري، لأن سبق كذا هو بتقدم
دخول(١) تمامه في الوجود أو بتقدم انقضائه، كلّ محتمل)) اهـ.
مَطْلَبٌ فِي نِيَّةِ آخِرِ ظُهْرٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ
قوله: (فيصلي بعدها آخر ظهر) تفريعه على المرجوح يفيد أنه على الراجح من جواز
التعدد لا يصليها بناء على ما قدمه عن البحر من أنه أفتى بذلك مراراً خوف اعتقاد عدم
فرضية الجمعة. وقال في البحر: إنه لا احتياط في فعلها لأنه العمل بأقوى الدليلين اهـ.
أقول: وفيه نظر، بل هو الاحتياط بمعنى الخروج عن العهدة بيقين، لأن جواز
التعدد وإن كان أرجح وأقوى دليلاً، لكن فيه شبهة قوية لأن خلافه مرويّ عن أبي حنيفة
أيضاً، واختاره الطحاوي والتمرتاشي وصاحب المختار، وجعله العتابي الأظهر، وهو
مذهب الشافعي، والمشهور عن مالك وإحدى الروايتين عن أحمد كما ذكره المقدسي في
رسالته [نور الشمعة في ظهر الجمعة] بل قال السبكي من الشافعية: إنه قول أكثر العلماء،
ولا يحفظ عن صحابي ولا تابعي تجويز تعددها اهـ. وقد علمت قول البدائع: إنه ظاهر
الرواية. وفي شرح المنية عن جوامع الفقه أنه أظهر الروايتين عن الإمام. قال في النهر وفي
الحاوي القدسي: وعليه الفتوى. وفي التكملة للرازي: وبه نأخذ اهـ. فهو حينئذ قول
(١) في ط (قوله بتقدم دخول الخ) أي دخول جملته، بمعنى أنه ابتدأ أولاً وختم كذلك، بخلاف تقدم الانقضاء، فإن
المدار فيه على أولية الختم فقط.

١٧
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
معتمد في المذهب لا قول ضعيف، ولذا قال في شرح المنية: الأولى هو الاحتياط، لأن
الخلاف في جواز التعدد وعدمه قوي، وکون الصحیح الجواز للضرورة للفتوى لا يمنع
شرعية الاحتياط للتقوى اهـ.
قلت: على أنه لو سلم ضعفه فالخروج عن خلافه أولى، فكيف مع خلاف هؤلاء
الأئمة؟ وفي الحديث المتفق عليه ((فَمَنِ اتَّقَى الشُّبهاتِ اسْتَبْأْ لِدِنِيهِ وَعَرْضِهِ)) ولذا قال
بعضهم فيمن يقضي صلاة عمره مع أنه لم يفته منها شيء: لا يكره لأنه أخذ بالاحتياط.
وذكر في القنية أنه أحسن إن كان في صلاته خلاف المجتهدين، ويكفينا خلاف من مرّ.
ونقل المقدسي عن المحيط: كل موضع وقع الشك في كونه مصراً ينبغي لهم أن يصلوا بعد
الجمعة أربعاً بنية الظهر احتياطاً، حتى أنه لو لم تقع الجمعة موقعها يخرجون عن عهدة
فرض الوقت بأداء الظهر، ومثله في الكافي. وفي القنية: لما ابتلي أهل مرو بإقامة
الجمعتين فيها مع اختلاف العلماء في جوازهما أمر أئمتهم بالأربع بعدها حتماً احتياطاً اهـ.
ونقله كثير من شراح الهداية وغيرها وتداولوه. وفي الظهيرية: وأكثر مشايخ بخارى عليه
ليخرج عن العهدة بيقين.
ثم نقل المقدسي عن الفتح أنه ينبغي أن يصلي أربعاً ينوي بها آخر فرض أدركت وقته
ولم أؤده إن تردد في کونه مصراً أو تعددت الجمعة، وذكر مثله عن المحقق ابن جرباش.
قال: ((ثم قال: وفائدته الخروج عن الخلاف المتوهم أو المحقق وإن كان الصحيح صحة
التعداد فهي نفع بلا ضرر، ثم ذكر ما يوهم عدم فعلها ودفعه بأحسن وجه. وذكر في النهر
أنه لا ينبغي التردد في ندبها على القول بجواز التعدد خروجاً عن الخلاف)) اهـ. وفي شرح
الباقاني: هو الصحيح.
وبالجملة فقد ثبت أنه ينبغي الإتيان بهذه الأربع بعد الجمعة، لكن بقي الكلام في
تحقيق أنه واجب أو مندوب، قال المقدسي: ذكر ابن الشحنة عن جده التصريح بالندب،
وبحث فيه بأنه ينبغي أن يكون عند مجرد التوهم، أما عند قيام الشك والاشتباه في صحة
الجمعة فالظاهر الوجوب؛ ونقل عن شيخه ابن الهمام ما یفیده، وبه يعلم أنها هل تجزي عن
السنة أم لا؟ فعند قیام الشك لا، وعند عدمه نعم، ويؤيد التفصیل تعبیر التمرتاشي بـ ((لا بد)
وكلام القنية المذكور اهـ. وتمام تحقيق المقام في رسالة المقدسي، وقد ذكر شذرة منها في
إمداد الفتاح، وإنما أطلنا في ذلك لدفع ما يوهمه كلام الشارح تبعاً للبحر من عدم فعلها
مطلقاً.
نعم إن أدّى إلى مفسدة لا تفعل جهاراً والكلام عند عدمها، ولذا قال المقدسي : نحن
لا نأمر بذلك أمثال هذه العوام، بل ندل عليه الخواص ولو بالنسبة إليهم اهـ. والله تعالى

١٨
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
الأنهر معزياً للمطلب، والأحوط نية آخر ظهر أدركت وقته لأن وجوبه عليه بآخر الوقت
فتنبه (و) الثالث: (وقت الظهر فتبطل) الجمعة (بخروجه)
أعلم. قوله: (لأن وجوبه عليه بآخر الوقت) قال في الحلية: في هذا التعليل نظر، فإن
المذهب أن الظهر يجب بزوال الشمس وجوباً موسعاً إلى وقت العصر، غير أن السبب هو
الجزء الذي يتصل به الأداء، فإن لم يؤدّ إلى آخر الوقت تعين الجزء الأخير للسببية اهـ.
أقول: يمكن أن يجاب بأن قوله: ((والأحوط نية آخر ظهر)) أدركت وقته، هو أحوط
بالنسبة إلى ما إذا نوى آخر ظهر وجب عليّ أداؤه أو ثبت في ذمتي فإنه ذلك لا يفيده لو ظهر
عدم صحة الجمعة، لأن وجوب أدائه أو ثبوته في ذمته لا يكون إلا في آخر الوقت أو بعده.
نعم لو قال وجب عليّ يفيده، لأن الوجوب بدخول الوقت، بخلاف وجوب الأداء
على ما حققه في التوضيح من الفرق بين الوجوب ووجوب الأداء، لكن الأولى أن يزيد:
((ولم أصله)) أو ((ولم أؤده)) كما مر عن الفتح، لأنه إذا كان عليه ظهر فائت وكانت هذه
الجمعة صحيحة في نفس الأمر ينصرف ما نوى إلى ما عليه، وبدون هذه الزيادة لا ينصرف
إليه بل يقع نفلاً، لأن آخر ظهر أدركه هو ظهر يوم الجمعة لما مر من أن الوقت عندنا الظهر
أصالة في يوم الجمعة خلافاً لزفر، وكذا إذا قلنا: إن ظهر الجمعة سقط عنه بصلاة الجمعة
لأنه يصير آخر ظهر أدركه ظهر يوم الخميس فلا ينصرف إلى ظهر فائت عليه قبله إلا إذا زاد
((قوله: ولم أصله)) ولعل الشارح أشار إلى هذا بقوله ((فتنبه))، فافهم.
تتمة: قال في شرح المنية الصغير: والأولى أن يصلي بعد الجمعة سنتها ثم الأربع
بهذه النية: أي نية آخر ظهر أدركته ولم أصله، ثم ركعتين سنة الوقت، فإن صحت الجمعة
يكون قد أدى سنتها على وجهها، وإلا فقد صلى الظهر مع سنته، وينبغي أن يقرأ السورة مع
الفاتحة في هذه الأربع إن لم يكن عليه قضاء، فإن وقعت فرضاً فالسورة لا تضر، وإن وقعت
نفلاً فقراءة السورة واجبة اهـ: أي وأما إذا كان عليه قضاء فلا يضم السورة، لأن هذه الأربع
فرض على كل حال.
قلت: وحاصله أنه يصلي بعد الجمعة عشر ركعات، أربعاً سنتها وأربعاً آخر ظهر
وركعتين سنة الوقت: أي لاحتمال أن الفرض هو الظهر فتقع الركعتان سنته البعدية.
والظاهر أنه يكفي نية آخر ظهر عن الأربع سنة الجمعة إذا صحت الجمعة، لأن المعتمد
عدم اشتراط التعيين في السنن؛ وإن لم تصح فالفرض هو الظهر وتقع الأربع التي صلاها
قبل الجمعة عن سنة الظهر القبلية، لكن لطول الفصل بصلاة الجمعة وسماع الخطبة يصلي
أربعاً أخرى، فالأولى صلاة العشرة. قوله: (فتنبه) في بعض النسخ. قنية. وهي صحيحة
لأن ما ذكره هو نص عبارة القنية. قوله: (وقت الظهر) فيه أن الوقت سبب لا شرط، وأنه لا
بد منه في سائر الصلوات. والجواب أنه سبب للوجوب وشرط لصحة المؤدى، وشرطيته

١٩
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
مطلقاً ولو لاحقاً بعذر نوم أو زحمة على المذهب، لأن الوقت شرط الأداء لا شرط
الافتتاح.
(و) الرابع: (الخطبة فيه) فلو خطب قبله وصلى فيه لم تصح.
(و) الخامس: (كونها قبلها) لأن شرط الشيء سابق عليه (بحضرة جماعة تنعقد)
الجمعة (بهم ولو) كانوا (صماً أو نياماً، فلو خطب وحده لم يجز على الأصح) كما في
للجمعة ليست كشرطيته لغيرها، فإنه بخروج الوقت لا تبقى صحة للجمعة لا أداء ولا
قضاء، بخلاف غيرها. سعدية. قوله: (مطلقاً) أي ولو بعد القعود قدر التشهد كما في طلوع
الشمس في صلاة الفجر كما مر بيانه في المسائل الاثني عشرية. قوله: (على المذهب) ردّ
لما في النوادر من أن المقتدي إذا زحمه الناس فلم يستطع الركوع والسجود حتى فرغ الإمام
ودخل وقت العصر فإنه يتم الجمعة بغير قراءة. ح عن البحر. قوله: (الخطبة فيه) أي في
الوقت، وهذا أحسن من قول الكنز: والخطبة قبلها: إذ لا تنصيص فيه على اشتراط كونها
في الوقت.
تنبيه: في البحر عن المجتبى يشترط في الخطيب أن يتأهل للإمامة في الجمعة اهـ.
لكن ذكر قبله ما يخالفه حيث قال: وقد علم من تفاريعهم أنه لا يشترط في الإمام أن يكون
هو الخطيب، وقد صرح في الخلاصة بأنه لو خطب صبيّ بإذن السلطان وصلى الجمعة
رجل بالغ يجوز اهـ. وسيذكر الشارح أن هذا هو المختار.
تتمة: لم يقيد الخطبة بكونها بالعربية اكتفاء بما قدمه في باب ((صفة الصلاة)) من أنها
غير شرط ولو مع القدرة على العربية عنده، خلافاً لهما حيث شرطاها إلا عند العجز
كالخلاف في الشروع في الصلاة. قوله: (والخامس كونها قبلها) أي بلا فاصل كثير، على
ما سيأتي، وهي شرط الانعقاد في حق من ينشئ التحريمة للجمعة لا كل من صلاها، فلذا
قالوا: لو أحدث الإمام فقدم من لم يشهدها جاز، لأنه بان تحريمته على تلك التحريمة
المنشأة، فلو أفسدها الخليفة فالقياس أن لا يستقبل بهم الجمعة، لكن استحسنوا الجواز
لأنه لما قام مقام الأول التحق به حكماً، ولو كان الأول أحدث قبل الشروع فقدم من لم
يشهدها لم يجز. فتح ملخصاً. قوله: (تنعقد الجمعة بهم) بأن يكونوا ذكوراً بالغين عاقلين
ولو كانوا معذورين بسفر أو مرض. قوله: (ولو كانوا صماً أو نياماً) أشار إلى أنه لا يشترط
لصحتها كونها مسموعة لهم بل يكفي حضورهم، حتى لو بعدوا عنه أو ناموا أجزأت
والظاهر أنه يشترط كونها جهراً بحيث يسمعها من كان عنده إذا لم يكن به مانع. شرح
المنية. قوله: (على الأصح الخ) عزا تصحيحه في الحلية أيضاً إلى المعراج والمبتغى
بالغين، وجزم به في البدائع والتبيين وشرح المنية. قال في الحلية: لكن هذا إحدى
الروايتين عن أئمتنا الثلاثة والأخرى أنها غير شرط حتى لو خطب وحده جاز. وأفاد شيخنا:

٢٠
كتاب الصلاة/ باب الجمعة
البحر عن الظهيرية، لأن الأمر بالسعي للذكر ليس إلا لاستماعه، والمأمور به جمع.
وجزم في الخلاصة بأنه يكفي حضور واحد (وكفت تحميدة أو تهليلة أو تسبيحة)
للخطبة المفروضة مع الكراهة، وقالا: لا بد من ذكر طويل، وأقله قدر التشهد الواجب
(بنيتها، فلو حمد لعطاسه) أو تعجباً (لم ينب عنها على المذهب) كما في التسمية على
الذبيحة، لكنه ذكر في الذبائح أنه ينوب، فتأمل (ويسن خطبتان) خفيفتان وتكره
زيادتهما على قدر سورة من طوال المفصل (بجلسة بينهما) بقدر ثلاث آيات على
المذهب، وتاركها مسيء على الأصح، كتركه قراءة قدر ثلاث آيات، ويجهر بالثانية لا
يعني الكمال اعتمادها. قوله: (لأن الأمر بالسعي(١) ليس إلا لاستماعه) كذا قال في النهر،
وفيه أن الشرط الحضور كما مر لا السماع، فكان المناسب أن يقول: لأن المأمور بالسعي
جمع. تأمل. قوله: (وجزم في الخلاصة الخ) مشى عليه في نور الإيضاح، وقال في شرحه:
وإنما اتبعناه لأنه منطوق فيقدم على المفهوم اهـ: أي يفهم من قولهم يشترط حضور جماعة
أنه لا یصح بحضور واحد، وقول صاحب الخلاصة: لو حضر واحد أو اثنان وخطب
وصلى بالثلاثة جاز منطوق، وفيه نظر، فإن جعل حضور الجماعة شرطاً منطوق أيضاً لأن
الجماعة من الاجتماع فتنافي الوحدة وقد جعلت شرطاً والشرط ما يلزم من عدمه العدم.
تأمل. قوله: (وكفت تحميدة الخ) شروع في ركن الخطبة بعد بيان شروطها، وذلك لأن
المأمور به في آية ﴿فاسعوا﴾ مطلق الذكر الشامل القليل والكثير، والمأثور عنه (وَل# لا يكون
بياناً لعدم الإجمال في لفظ الذكر. قوله: (مع الكراهة) ظاهر القهستاني أنها تنزيهية. تأمل.
قوله: (وأقله الخ) في العناية وهو مقدار ثلاث آيات عند الكرخي، وقيل مقدار التشهد من
قوله: ((التحيات لله)) إلى قوله: ((عبده ورسوله)). قوله: (بنيتها) أي نية الخطب. قوله: (أو
تعجباً) الأولى أن يقول: أو سبح تعجباً ط. قوله: (على المذهب) وروي عن الإمام أنه
تجزيه ح. قوله: (لكنه ذكر) أي المصنف حيث قال: ولو عطس عند الذبح فقال الحمد لله
لا يحل في الأصح، بخلاف الخطبة اهـ. فإن مفاده أن حمد العطاس يكفي لها. قال ح:
ويمكن أن يجاب بأنه مبني على الرواية التي قدمناها. قوله: (ويسن خطبتان) لا ينافي ما مر
من أن الخطبة شرط، لأن المسنون هو تكرارها مرتين والشرط إحداهما. قوله: (على
المذهب) وقال الطحاوي: بقدر ما يمس موضع جلوسه من المنبر. بحر. قوله: (وتكره
زيادتهما الخ) عبارة القهستاني: وزيادة التطويل مكروهة. قوله: (كتركه قراءة فدر ثلاث
آيات) أي يكره الاقتصار في الخطبة على نحو تسبيحة وتهليلة مما لا يكون ذكراً طويلاً قدر
ثلاث آيات أو قدر التشهد الواجب، وليس المراد أن ترك قراءة ثلاث آيات مكروه، لأن
(١) في ط (قوله لأن الأمر بالسعي) أي للذكر كما هو مصرح به في الشرح.