Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١٠
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
كلمات التسبيح الأربع أربعاً.
(ولو تكلم بين السنة والفرض لا يسقطها ولكن ينقص ثوابها) وقيل تسقط (وكذا
كل عمل ينافي التحريمة على الأصح) قنية.
وفي الخلاصة: لو اشتغل ببيع أو شراء أو أكل أعادها ويلقمة أو شربة لا تبطل؛
ولو جيء بطعام؛ إن خاف ذهاب حلاوته أو بعضها تناوله ثم سنن، إلا إذا خاف فوت
الوقت؛ ولو أخرها لآخر الوقت لا تكون سنة، وقيل تكون.
فروع: الإسفار بسنة الفجر أفضل، وقيل لا.
يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد، إلا أن يكون الوقت مكروهاً اهـ. وظاهره أنه لا
يصلي مرید الطواف للتحية أصلاً لا قبله ولا بعده، ولعل وجهه اندراجها في رکعته. قوله:
(ولو تكلم الخ) وكذا لو فصل بقراءة الأوراد، لأن السنة الفصل بقدر («اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ
الخ)) حتى لو زاد تقع سنة لا في محلها المسنون كما مر قبيل فصل الجهر بالقراءة. قوله:
(وقيل تسقط) أي فيعيدها لو قبلية، ولو كانت بعدية فالظاهر أنها تكون تطوعاً، وأنه لا يؤمر
بها على هذا القول. تأمل. قوله: (وفي الخلاصة الخ) الظاهر أنه استدراك على ما صححه
في المتن تبعاً للقنية، لأن جزم الخلاصة بقوله: ((أعادما)» يفيد أنها تسقط بقرينة قوله بعده
((لا تبطل)) أي لا تبطل كونها سنة، فإنه يفيد أن الإعادة لبطلان كونه سنة وإلا لم تصح
المقابلة. تأمل. قوله: (ولو جيء بطعام الخ) أفاد أن العمل المنافي إنما ينقص ثوابها أو
يسقطها لو كان بلا عذر، أما لو حضر الطعام وخاف ذهاب لذته لو اشتغل بالسنة البعدية فإنه
يتناوله ثم يصليها، لأن ذلك عذر في ترك الجماعة، ففي تأخير السنة أولى إلا إذا خاف
فوتها بخروج الوقت فإنه يصليها ثم يأكل، هذا ما ظهر لي. قوله: (ولو أخرها الخ) أي بلا
عذر بقرينة ما قبله. قوله: (وقيل تكون) حكى القولين في القنية، ولم يعبر عن هذا الثاني
بقيل بل أخّره، ولا يلزم من ذلك تضعيفه. ويظهر لي أنه الأصح، وأن القول الأول مبني
على القول بأنها تسقط بالعمل المنافي، وهو ما حكاه الشارح بقيل، إلا أن يدعى تخصيص
الخلاف السابق بالسنة القبلية وهذا بالبعدية، لكن يبعده أنه إذا كان الأصح في القبلية أنها لا
تسقط مع إمكان تداركها بأن تعاد مقارنة للفرض تكون البعدية كذلك بالأولى لعدم إمكان
التدارك، فليتأمل. قوله: (وقيل لا) يؤيده ما في البحر عن الخلاصة: السنة في ركعتي
الفجر قراءة الكافرون والإخلاص، والإتيان بها أول الوقت وفي بيته، وإلا فعلى باب
المسجد الخ.
مَبْحَثْ مُهِم فِي الْكَّلَامِ عَلَى الضّجْعَةِ بَعْدَ سُنَّنِ الْفَجْرِ
وقال في شرح المنية: وهو الذي تدل عليه الأحاديث عن عائشة قالت ((كَانَ رَسُول

٤٦٢
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
اللهِوَ﴿ إِذَا سَكَتَ المُؤْذِّنُ مِنْ صَلَةِ الفَجْرِ وَتَبَيْنَّ لَهُ الفَجْرُ قَامَ فَرَكَعَ رَكعَتَين خَفِيفَتین ثُمَّ
اضْطجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حتى يَأْتِيَهُ المُؤْذِّنُ لِلإِقَامَةِ فَيْخَرُجَ)) متفق عليه اهـ. وتمامه فيه.
تنبيه: صرح الشافعية بسنية الفصل بين سنة الفجر وفرضه بهذه الضجعة أخذاً من هذا
الحديث ونحوه. وظاهر كلام علمائنا خلافه حيث لم يذكروها، بل رأيت في موطإ الإمام
محمد رحمه الله تعالى ما نصه: أخبرنا مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه رأى رجلاً ركع
ركعتي الفجر ثم اضطجع، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ فقال نافع قلت: يفصل بين صلاته،
فقال ابن عمر: وأي فصل أفضل من السلام؟ قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ، وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله تعالى اهـ.
وقال شارحه المحقق منلا علي القاري: وذلك لأن السلام إنما ورد للفصل، وهو
لكونه واجباً أفضل من سائر ما يخرج من الصلاة من الفعل والكلام، وهذا لا ينافي ما سبق
من («أنه عَلَيهِ الصلاة والسَّلامُ كَانَ يَضْطَجِعُ فِي آخِرِ التَّهَجُّدِ، وَتَارَةً أُخْرَى بَعْدَ رَكْعَتَي الفَجْرِ
فِي بَيْتِهِ لِلاسْتِرِاحَةِ) اهـ. ثم قال: وقال ابن حجر المكي في شرح الشمائل: روى الشيخان
(أَنَّه ◌َ كَانَ إِذَا صَلَّى رَكْعَتِي الفَجر أَضْطَجَعَ عَلَى شِقِّه الأَيْمَن)) (١) فتسن هذه الضجعة بين
سنة الفجر وفرضه لذلك، ولأمره ®ے کما رواه أبو داود وغيره بسند لا بأس به، خلافاً لمن
نازع وهو صریح في ندبها لمن بالمسجد وغيره، خلافاً لمن خص ندبها بالبيت، وقول ابن
عمر: إنها بدعة، وقول النخعي: إنها ضجعة الشيطان، وإنكار ابن مسعود لها فهو لأنه لم
يبلغهم ذلك. وقد أفرط ابن حزم في قوله بوجوبها وأنها شرط لصلاة الصبح اهـ. ولا يخفى
بعد عدم البلوغ إلى هؤلاء الأكابر الذين بلغوا المبلغ الأعلى، لا سيما ابن مسعود الملازم
له # حضراً وسفراً، وابن عمر المتفحص عن أحواله * في كمال التتبع والاتباع.
فالصواب حمل إنكارهم على العلمة السابقة من الفصل أو على فعله في المسجد بين أهل
الفضل، وليس أمره و # على تقدير صحته صريحاً ولا تلويحاً على فعله بالمسجد، إذ
الحديث كما رواه أبو داود والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتي
الفَجْرِ فَلْيَضْطِجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ))(٢) فالمطلق محمول على المقيد. على أنه لو كان هذا
في المسجد شائعاً في زمانه * لما كان يخفى على هؤلاء الأكابر الأعيان اهـ. وأراد
بالمقيد ما مر من قوله: بعد ركعتي الفجر في بيته.
وحاصله أن اضطجاعه عليه الصلاة والسلام إنما كان في بيته للاستراحة لا للتشريع،
(١) أخرجه البخاري ٤٧٨/٢ (٩٩٤) ومسلم ٥٠٨/١ (١٢٢-٧٣٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٤٢٠) وابن خزيمة (١١٢٠) وابن حبان (٦١٢) وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها ١٠٩/٢
(٦٢٦) ومسلم ٥٠٨/١ (٧٣٦.١٢٢).

٤٦٣
کتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
نذر السنن وأتى بالمنذور فهو السنة، وقيل لا. أراد النوافل ينذرها ثم يصليها، وقيل
لا. ترك السنن إن رآها حقاً أتم، وإلا كفر.
• وإن صحح حديث الأمر بها الدال على أن ذلك للتشريع يحمل على طلب ذلك في البيت
فقط توفيقاً بين الأدلة، والله تعالى أعلم. قوله: (فهو السنة) لأن النذر لا يخرجها عن كونها
سنة؛ كما لو شرع فيها ثم قطعها ثم أداها كانت سنة وزادت وصف الوجوب بالقطع. نهر عن
عقد الفرائض. قوله: (أراد النوافل) في القنية: أداء النفل بعد النذر أفضل من أدائه بدون
النذر اهـ. قال في البحر: ويشكل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من النهي عن النذر، هو
مرجح لقول من قال لا ينذرها، لكن بعضهم حمل النهي على النذر المعلق على شرط لأنه
يصير حصول الشرط كالعوض للعبادة، فلم يكن مخلصاً. ووجه من قال بنذرها وإن كانت
تصير واجبة بالشروع أن الشروع في النذر يكون واجباً فيحصل له ثواب الواجب به، بخلاف
النفل، والأحسن عند العبد الضعيف أن لا ينذرها خروجاً عن عهدة النهي بيقين اهـ.
مَطْلَبْ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ أَنَّذْرِ
أقول: لفظ حديث النهي كما رواه البخاري أيضاً في صحيحه عن ابن عمر (نهى
النَّبِيُّ ◌َ﴿ عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: إِنَّه لَا يَرُدِ شَيْئاً وَإِنَّمَا يستَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ(١)) والمتبادر منه إرادة
النذر المعلق، كإن شفى الله مريضي فلله عليّ كذا. ووجه النهي أنه لم يخلص من شائبة
العوض حيث جعل القربة في مقابلة الشفاء ولم تسمح نفسه بها بدون المعلق عليه مع ما فيه
من إيهام اعتقاد التأثير للنذر في حصول الشفاء، فلذا قال في الحديث ((إنه لا يردّ شيئاً الخ))
فإن هذا الكلام قد وقع موقع التعليل للنهي، بخلاف النذر المنجز فإنه تبرّع محض بالقربة لله
تعالى، وإلزام للنفس بما عساها لا تفعله بدونه فيكون قربة. والدليل على أن هذا النذر قربة
عندنا ما صرح به في فتح القدير قبيل كتاب الحج: لو ارتدّ عقيب نذر الاعتكاف ثم أسلم لم
يلزمه وجوب النذر، لأن نفس النذر بالقربة قربة فيبطل بالردة كسائر القرب اهـ. والمراد به
النذر المنجز لما قلنا. على أن بعض شراح البخاري حمل النهي في الحديث على من يعتقد
أن النذر مؤثر في تحصيل غرضه المعلق عليه. والظاهر أنه أعم، لقوله: ((وإنما يستخرج به
من البخيل)) والله أعلم.
تنبيه: قيد بالنوافل فأفاد أن الأفضل في السنن عدم نذرها، ولعل وجهه أن السنن هي
ما كان يفعلها قبل الفرائض أو بعدها، والمطلوب من اتباعه ولي على الوجه الذي كان
يفعلها عليه ولم ينقل أنه كان ينذرها، ولذا قيل بأنها لا تكون هي السنة، فالأفضل عدم
نذرها، والله أعلم. قوله: (وإلا كفّر) أي بأن استخفّ فيقول: هي فعل النبي وَل﴿ وأنا لا
(١) أخرجه البيهقي في السنن ٧٧/١٠ وأحمد في المسند ٢/ ٦١.

٤٦٤
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
والأفضل في النفل غير التراويح المنزل إلا لخوف شغل عنها، والأصح أفضلية
ما كان أخشع وأخلص.
(وندب ركعتان بعد الوضوء) يعني قبل الجفاف كما في الشرنبلالية عن المواهب
أفعله. شرح المنية وغيره. وهذا في الترك؛ وأما الإنكار فقدمنا الكلام عليه أول الباب.
قوله: (والأفضل في النفل الخ) شمل ما بعد الفريضة وما قبلها، لحديث الصحيحين
(عَلَيْكُمْ بِالصَّلَةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيرِ صَلَةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّ المَكْتُوبَةَ)) (١) وأخرج أبو داود
((صَلَةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَامِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّ المَكْتُوبَةَ))(٢) وتمامه في شرح
المنية، وحيث كان هذا أفضل يراعى ما لم يلزم منه خوف شغل عنها لو ذهب لبيته، أو كان
في بيته ما يشغل باله ويقلل خشوعه، فيصليها حينئذ في المسجد، لأن اعتبار الخشوع
أرجح. قوله: (غير التراويح) أي لأنها تقام بالجماعة ومحلها المسجد، واستثنى في شرح
المنية أيضاً تحية المسجد، وهو ظاهر.
أقول: ويستثنى أيضاً ركعتا الإحرام والطواف، فإن الأولى تصلى في مسجد عند
الميقات إن كان كما في اللباب، والثانية عند المقام؛ وكذا ركعتا القدوم من السفر، بخلاف
إنشائه فإنها تصلى في البيت كما يأتي، وكذا نفل المعتكف، وكذا ما يخاف فوتها بالتأخير،
وكذا صلاة الكسوف لأنها تصلى بجماعة(٣).
مَطْلَبُ: سُنَّةُ الْوُضُوءِ
قوله: (وندب ركعتان بعد الوضوء) لحديث مسلم ((مَا مِنْ أَحدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحسِنُ
الوُضَوءَ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنْ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ عَلَيهِمَا إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ» خزائن، ومثل
الوضوء الغسل كما نقله ط عن الشرنبلالي، ويقرأ فيهما الكافرون والإخلاص كما في
الضياء، وانظر هل تنوب عنهما صلاة غيرهما كالتحية أم لا؟ ثم رأيت في شرح لباب
المناسك أن صلاة ركعتي الإحرام سنة مستقلة كصلاة استخارة وغيرها مما لا تنوب الفريضة
منابها، بخلاف تحية المسجد وشكر الوضوء فإنه ليس لهما صلاة على حدة كما حققه في
الحجة اهـ.
(١) أخرجه البخاري ٨/ ٣٤ (دار الفكر) ومسلم في صلاة المسافرين (٢١٣).
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٤٤) والطبراني في الكبير ١٥٩/٥ وابن عبد البر في التمهيد ٣١٩/٦.
(٣) في ط (قوله وكذا صلاة الكسوف لأنها تصلى بجماعة) وجد هنا في نسخة المؤلف لكن بغير خطه ما نصه: وكذا
سنة الجماعة القبلية، لأن الأفضل في الجمعة التبكير قبل الوقت، فيلزم وقوع سنتها في المسجد، فصارت جملة
المستثنيات تسعة، ولم أر من تعرض لجمعها هكذا من علمائنا وقد نظمتها بقولي:
نقوم لها في المسجد غير تسعه
نوافلنا في البيت فاقت على التي
وسنة إحرام طواف بكعبه
صلاة تراويح كسوف تحية
وخائف فوت ثم سنة جمعه
ونفل اعتكاف أو قدوم مسافر
يقول الفقير محمد علاء الدين بن عابدين ابن المؤلف، هكذا وجدت هذه السقطة في المبيضة فينبغي إلحاقها هنا.

٤٦٥
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(و) ندب (أربع فصاعداً في الضحى) على الصحيح من بعد الطلوع إلى الزوال، ووقتها
المختار بعد ربع النهار. وفي المنية: أقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة، وأوسطها
ثمان، وهو أفضلها كما في الذخائر الأشرفية، لثبوته بفعله وقوله عليه الصلاة والسلام.
وأما أكثرها فبقوله فقط، وهذا لو صلى الأكثر بسلام واحد؛ أما لو فصل فكل ما زاد
أفضل کما أفاده ابن حجر في شرح البخاري.
مَطْلَبُ: سُنَّةُ الضُّحَى
قوله: (وندب أربع الخ) ندبها هو الراجح كما جزم به في الغزنوية والحاوي والشرعة
والمفتاح والتبيين وغيرها، وقيل لا تستحب، لما في صحيح البخاري من إنكار ابن عمر
لها اهـ إسماعيل. وبسط الأدلة على استحبابها في شرح المنية، ويقرأ فيها سورتي الضحى
كما في الشرعة: أي سورة ﴿والشَّمْسِ﴾ [الشمس ١] وسورة ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى ١]
وظاهره الاقتصار عليهما، ولو صلاها أكثر من ركعتين. قوله: (من بعد الطلوع) عبارة شرح
المنية: من ارتفاع الشمس. قوله: (ووقتها المختار) أي الذي يختار ويرجح لفعلها، وهذا
عزاه في شرح المنية إلى الحاوي وقال: لحديث زيد بن أرقم أن رسول الله مح ﴿﴿ قال:
((صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حين تَرْمَضُ الفصَالُ))(١) رواه مسلم. وترمض بفتح التاء والميم: أي تبرك
من شدّة الحرّ في أخفافها اهـ. قوله: (وفي المنية أقلها ركعتان) نقل الشيخ إسماعيل مثله
عن الغزنوي والحاوي والشرعة والسمرقندية، وما ذكره المصنف مشى عليه في التبيين
والمفتاح والدرر. ودليل الأول ((أَنَّه ﴿ أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَكْعَتَينِ)) كما في صحيح
البخاري. ودليل الثاني ((أَنَّه ◌َ﴿ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعاً وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله)) رواه مسلم
وغيره. والتوفيق ما أشار إليه بعض المحققين أن الركعتين أقل المراتب والأربع أدنى
الكمال. قوله: (وأكثرها اثنتا عشرة) لما رواه الترمذي والنسائي بسند فيه ضعف أنه المول
قال: ((مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثنتي عَشَرَةَ رَكْعَةٌ بَنَّى الله لَهُ قَصْراً مِنْ ذَهَبٍ فِي الجَنَّةِ»(٢) وقد تقرر
أن الحديث الضعيف يجوز العمل به في الفضائل. شرح المنية. وقيل أكثرها ثمان، وعزاه
في الحلية إلى الإمام أحمد، وعزاه بعض الشافعية إلى الأكثرين. قوله: (كما في الذخائر
الأشرفية) اسم كتاب لابن الشحنة مؤلف في الألغاز الفقهية. قوله: (لثبوته الخ) جواب عما
أورد: كيف يكون أوسطها أفضل مع أن الأكثر مشتمل على الأوسط وزيادة وفيه زيادة
مشقة؟. قوله: (كما أفاده ابن حجر الخ) حيث قال: ولا يتصور الفرق بين الأفضل والأكثر
إلا فيمن صلى الاثنتي عشرة بتسليمة واحدة فإنها تقع نفلاً مطلقاً عند من يقول: إن أكثر سنة
(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (١٤٣) وأحمد في المسند ٣٦٦/٤ والبيهقي في المسند ٤٩/٣ والطبراني في
الکبیر ٢٣٤/٥.
(٢) أخرجه الترمذي (٤٧٣) وابن ماجه (١٣٨٠) وانظر التلخيص ٢/ ٢٠ كشف الخفا ٢/ ٥٧٥.

٤٦٦
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
ومن المندوبات ركعتا السفر والقدوم منه.
الضحی ثمان ركعات، فأما إذا فصلها فإنه يكون صلى الضحى، وما زاد على الثمان يكون له
نفلاً مطلقاً فتكون صلاة اثنتي عشرة في حقه أفضل من ثمان لكونه أتى بالأفضل وزاد اهـ.
أقول: وحاصله أن من قال بأن أکثرها ثماني ركعات لعدم ثبوت الزیادة عنده لو
صلاها اثنتي عشرة بتسليمة لم تقع عن سنة الضحى لنيته خلاف المشروع فالأفضل عنده
صلاتها ثماني ركعات، وأما على قول من يقول أكثرها اثنتا عشرة ركعة لجواز العمل
بالضعيف في فضائل الأعمال كما مر تكون هي الأفضل، كما لو فصلها كل ركعتين أو أربع
بتسليمة عند الكل.
وملخصه أن كون الثمانية أفضل مبني على القول بأنها أكثرها لعدم ثبوت الزيادة،
وحينئذ فلا يخفى عليك ما في كلام الشارح حيث مشى على أن أكثرها اثنتا عشرة ركعة
وجعل أوسطها أفضل. على أنا لو قلنا إن الثمان هي الأكثر، فتقييد أفضليتها على الاثنتي
عشرة بما إذا صلى الاثنتي عشرة بتسليمة واحدة لتقع نفلاً مطلقاً لا يوافق قواعد مذهبنا، بل
تقع عما نوی علی قواعدنا؛ کما لو صلى الظهر ست ركعات مثلاً وقعد على رأس الرابعة،
فإن الركعتين الزائدتين لا تغير ما قبلها عن صفة الفرضية، لصحة البناء على تحريمة الفرض
والنفل عندنا، ونية العدد لا تضر ولا تنفع، فإذا صلی الضحی أکثر من ثمانٍ یقع الزائد نفلاً
مطلقاً، لا الكل بلا فرق بين وصلها وفصلها؛ نعم في وصلها كراهة الزيادة على أربع
بتسليمة واحدة الضحى، فلا يظهر حينئذ كون الثمان أفضل. وقد أجاب بعض الشافعية بأن
أفضلية الثمان للاتباع: أي لأنها ثابتة بالأحاديث الصحيحة، فيترجح فيها الاتباع للشارع،
بخلاف الزيادة لضعف حديثها، لكن يردّ عليه أن صلاة الأكثر متضمنة للأوسط الذي فيه
الاتباع إلا أن يبنى أيضاً على القول بأن الثمان هي الأكثر. وعلى أنه لو صلاها أكثر بتسليمة
تقع نفلاً مطلقاً، لا عمانوى، أو يقال: معناه أن كل شفع من الثمان أفضل من كل شفع من
الزائد لا بالنظر إلى المجموع، فهذا غاية ما تحرّر لي هنا، والله أعلم.
مَطْلَبٌ فِي وَكْعَتَي السَّفَرِ
قوله: (ركعتا السفر والقدوم منه) عن مقطم بن المقدام قال: قال رسول الله والغز: ((مَا
خَلَّفَ أَحَدٌ عِنْدَ أَهْلِهِ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيْنْ يَرْكَعُهُمُا عِنْدَهمْ حِينَ يُرِيدُ سَفَراً (١)) رواه الطبراني.
وعن كعب بن مالك «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ لَا يَقْدِمُ مِنَ السفر إِلَّا تَهاراً فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ
بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ. (٢)) رواه مسلم. شرح المنية. ومفاده
(١) ذكره النووي في الأذكار (١٩٤) وعزاه للطبراني.
(٢) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (٧٤) وأبو داود (٢٧٨١) وأحمد في المسند ٣/ ٤٥٥ والبيهقي في السنن ١٥
٢٦١ وعبد الرزاق (٤٨٦٤) وابن أبي شيبة في المصنف ٢٨/٢.

٠٠ ٤٦٧
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل .
وصلاة الليل،
اختصاص صلاة ركعتي السفر بالبيت، وركعتي القدوم منه بالمسجد، وبه صرح الشافعية.
مَطْلَبٌ فِي صَلَةِ اللَّيْلِ
قوله: (وصلاة الليل) أقول: هي أفضل من صلاة النهار كما في الجوهرة ونور
الإيضاح، وقد صرحت الآيات والأحاديث بفضلها والحثّ عليها. قال في البحر: فمنها ما
في صحيح مسلم مرفوعاً «أَفْضَلُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَةُ اللَّيْلِ(١)) وروى الطبراني
مرَفُوعاً(لَا بُدَّ مِنْ صَلَةٍ بِلَيْلِ وَلَوْ حَلْبَ شَاةٍ، وَمَا كَانَ بَعْدَ صَلَةِ العِشَّاءِ فَهُوَ مِنَ اللَّيْلِ (٢))
وهذا يفيد أن هذه السنة تحصل بالتنفل بعد صلاة العشاء قبل النوم اهـ.
قلت: قد صرح بذلك في الحلية، ثم قال فيها بعد كلام ثم: غير خاف أن صلاة الليل
المحثوث عليها هي التهجد. وقد ذكر القاضي حسين من الشافعية أنه في الاصطلاح التطوّع
بعد النوم، وأيد بما في معجم الطبراني من حديث الحجاج بن عمرو رضي الله عنه قال:
« بِحَسْبٍ أَحَدِكُمْ إِذَا قام مِنَ اللَّيِلِ يُصَلِّي حَتَّى يُصْبَحَ أَنَّه قَدْ تَهَجَّدَ، إِنَّمَا التَّهَجُدُ المَرْءُ يُصَلِّي
الصَّلَاةَ بَعْدَ رَقْدَةٍ، غير أن في سنده ابن لهيعة(٣) وفيه مقال، لكن الظاهر رجحان حدیث
الطبراني الأول لأنه تشريع قولي من الشارع و# بخلاف هذا، وبه ينتفي ما عن أحمد من
قوله: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر اهـ ملخصاً.
أقول: الظاهر أن حدیث الطبراني الأول بیان لکون وقته بعد صلاة العشاء، حتى لو
نام ثم تطوع قبلها لا يحصل السنة، فيكون حديث الطبراني الثاني مفسراً للأول، وهو أولى
من إثبات التعارض والترجيح لأن فيه ترك العمل بأحدهما، ولأنه يكون جارياً على
الاصطلاح، ولأنه المفهوم من إطلاق الآيات والأحاديث، ولأن التهجد إزالة النوم بتكلف
مثل؛ تأثم: أي تحفظ عن الإثم؛ نعم صلاة الليل وقيام الليل أعم من التهجد، وبه يجاب عما
أورد على قول الإمام أحمد، هذا ما ظهر لي والله أعلم.
تنبيه: ظاهر ما مر أن التهجد لا يحصل إلا بالتطوّع؛ فلو نام بعد صلاة العشاء ثم قام
فصلی فوائت لا يسمى تهجداً، وتردد فيه بعض الشافعية.
قلت: والظاهر أن تقييده بالتطوّع بناء على الغالب وأنه يحصل بأيّ صلاة كانت، لقوله
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصيام (٢٣٢) وأبو داود في الصوم (٥٥) والنسائي ٣/ ٢٠٧ وأحمد في المسند ٣٤٤/٢.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٤٥/١ وذكره الهيثمي في المجمع ٢٥٢/٢.
(٣) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الغافقي، أبو عبد الرحمن المصري قاضيها وعالمها ومسندها. عن عطاء
والأعرج وعكرمة وخلق. وعنه شعبة وعمرو بن الحارث والليث وابن وهب وخلق، قال أحمد: احترقت كتبه
وهو صحيح الکتاب. قال مسلم: ترکه و کی ویحیی القطان وابن مهدي. قال یحیی بن بکیر: مات سنة ١٧٤.
انظر: خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٩٢.

٤٦٨
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وأقلها على ما في الجوهرة ثمان، ولو جعله أثلاثاً فالأوسط أفضل، ولو أنصافاً فالأخير
في الحديث المار ((وَمَا كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ العِشَاءِ فَهُوَ مِنَ اللَّيْلِ» ثم اعلم أن ذكره صلاة الليل من
المندوبات مشى عليه في الحاوي القدسي. وقد تردد المحقق في فتح القدير في كونه سنة
أو مندوباً، لأن الأدلة القولية تفيد الندب؛ والمواظبة الفعلية تفيد السنية، لأنه (وَلا ي إذا
واظب على تطوّع يصير سنة؛ لكن هذا بناء على أنه كان تطوعاً في حقه، وهو قول طائفة.
وقالت طائفة: كان فرضاً عليه فلا تفيد مواظبته عليه السنية في حقنا، لكن صريح ما في
مسلم وغيره عن عائشة أنه كان فريضة ثم نسخ، هذا خلاصة ما ذكره، ومفاده اعتماد السنية
في حقنا، لأنه وَ﴿ واظب عليه بعد نسخ الفرضية، ولذا قال في الحلية: والأشبه أنه سنة.
قوله: (وأقلها على ما في الجوهرة ثمان) قيد بقوله: ((على ما في الجوهرة)) لأنه في الحاوي
القدسي قال: يصلي ما سهل عليه ولو ركعتين، والسنة فيها ثمان ركعات بأربع تسليمات
اهـ. والتقييد بأربع تسليمات مبني على قول الصاحبين، وأما على قول الإمام فلا، كما ذكره
في الحلية؛ وقال فيها أيضاً: وهذا بناء على أن أقل تهجده ولو كان ركعتين، وأن منتهاه كان
ثماني ركعات أخذاً مما في مبسوط السرخسي، ثم ساق تبعاً لشيخه المحقق ابن الهمام
الأحاديث الدالة على ما عينه في المبسوط من منتهاه، وحديث أبي داود الدال على أن أقل
تهجده * أربع سوى ثلاث الوتر، وتمام ذلك فيها فراجعها، لكن ذكر آخر عنه وَ آ (مَنِ
اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيلِ وَأَيْفْظَ أَهْلَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَّينِ كُتِبًا مِنَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ))(١) رواه
النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال المنذري: صحيح على شرط
الشيخين اهـ.
أقول: فينبغي القول بأن أقل التهجد ركعتان، وأوسطه أربع، وأكثره ثمان، والله
أعلم. قوله: (ولو جعله أثلاثاً الخ) أي لو أراد أن يقوم ثلثه وينام ثلثيه فالثلث الأوسط أفضل
من طرفيه، لأن الغفلة فيه أتم والعبادة فيه أثقل، ولو أراد أن يقوم نصفه وينام نصفه فقيام
نصفه الأخير أفضل لقلة المعاصي فيه غالباً، وللحديث الصحيح ((يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا
فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الأَخِيرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي
فَأَعْطِیَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»(٢) ومعنى ينزل ربنا: ينزل أمره كما أوله به الخلف وبعض
أكابر السلف، وتمامه في تحفة ابن حجر، وذكر أن الأفضل من الثلث الأَوْسَطَ السُّدُسُ
الرَّابِعُ وَالخَامِسُ، للخبر المتفق عليه («أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلى الله تَعَالَى صَلَةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ
نِصْفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُهُ وَيَنَامُ سُدُسَهِ)(٣) اهـ. وبه جزم في الحلية.
(١) أخرجه ابن حبان (٦٤٥) والحاكم ٣١٦/١.
(٢) أخرجه البخاري ٢٩/٣ (١١٤٥) ومسلم ٥٢١/١ (١٦٨-٧٥٨).
(٣) أخرجه البخاري ١٦/٣ (١١٣١) ومسلم ٨١٦/٢ (١٨٩-١١٥٩).

٤٦٩
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
أفضل. وإحياء ليلة العيدين، والنصف من شعبان، والعشر الأخير من رمضان، والأول
من ذي الحجة، ويكون بكل عبادة تعمّ الليل أو أكثره.
تتمة: ذكر في الحلية أيضاً ما حاصله: أنه يكره ترك تهجد اعتاده بلا عذر، لقوله {وَّفر
لابن عمر: ((يَا عَبْدَ الله لَا تَكُنْ مِثْلَ قُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ثُمَّ تَرَکَه)»(١) متفق علیه، فینبغي
للمكلف الأخذ من العمل بما يطيقه، كما ثبت في الصحيحين، ولذا قال وَ ﴾ («أُحبُّ
الأَعْمَالِ إِلى الله أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))(٢) رواه الشيخان وغيرهما.
مَطْلَبٌ فِي إحياء لَيَالِي الْعِيدَيْنِ وَالنَّصْف وَعَشْرِ الحَجَّةِ وَرَمَضَانَ
قوله: (وإحياء ليلة العيدين) الأولى ((ليلتي)) بالتثنية: أي ليلة عيد الفطر، وليلة عيد
الأضحى. قوله: (والنصف) أي وإحياء ليلة النصف من شعبان. قوله: (والأول) أي وليالي
العشر الأول الخ. وقد بسط الشرنبلالي في الإمداد ما جاء في فضل هذه الليالي كلها،
فراجعه. قوله: (ويكون بكل عبادة تعم الليل أو أكثره) نقل عن بعض المتقدمين، قيل هو
الإمام أبو جعفر محمد بن علي أنه فسر ذلك بنصف الليل وقال: ((مَنْ أَحْيَا نصْفَ اللَّيْلِ أحيا
فَقَدْ اللَّيْلَ» وذكر في الحلية أن الظاهر من إطلاق الأحاديث الاستيعاب، لكن في صحيح
مسلم عن عائشة قالت ((مَا أَعْلَمُهُ ﴿ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ)) فيترجح إرادة الأكثر أو
النصف، لكن الأكثر أقرب إلى الحقيقة ما لم يثبت ما يقتضي تقديم النصف اهـ.
وفي الإمداد: ويحصل القيام بالصلاة نفلًا فرادى من غير عدد مخصوص، وبقراءة
القرآن، والأحاديث وسماعها، وبالتسبيح والثناء، والصلاة والسلام على النبي ◌َّ الحاصل
ذلك في معظم الليل، وقيل بساعة منه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما بصلاة العشاء
جماعة، والعزم على صلاة الصبح جماعة، كما قالوه في إحياء ليلتي العيدين. وفي صحيح
مسلم قال رسول الله ﴿(مَنْ صَلَّىِ العِشَاءَ فِي جَاعَةٍ فكأنما قَامَ نِصْفَ اللَّيْلَ، وَمَنْ صَلَّى
الصُّبْحَ فِي جَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ الليْلَ كُلَّهُ(٣)) اهـ.
تتمة: أشار بقوله فرادى إلى ما ذكره بعد في متنه من قوله: ((ويكره الاجتماع على
إحياء ليلة من هذه الليالي في المساجد)) وتمامه في شرحه، وصرح بكراهة ذلك في الحاوي
القدسي. قال: وما روي من الصلوات في هذه الأوقات يصلى فرادى غير التراويح.
مَطْلَبٌ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبٍ
قال في البحر: ومن هنا يعلم كراهة الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في
(١) أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة (١١٥٢) ومسلم في كتاب الصيام (١٨٥).
(٢) أخرجه البخاري ١٠١/١ (٤٣) ومسلم ٥٤٠/١ (٢١٥-٧٨٢).
(٣) أخرجه مسلم ٤٥٤/١ (٢٦٠ - ٦٥٦).

٤٧٠
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
ومنها ركعتا الاستخارة
رجب أو في أولى جمعة منه وأنها بدعة، وما يحتاله أهل الروم من نذرها لتخرج عن النفل
والكراهة فباطل اهـ.
قلت: وصرح بذلك في البزازية كما سيذكره الشارح آخر الباب، وقد بسط الكلام
عليها شارحا المنية، وصرحا بأن ما روي فيها باطل موضوع، وبسطا الكلام فيها، خصوصاً
في الحلية، وللعلامة، نور الدين المقدسي فيها تصنيف حسن سماه [ردع الراغب عن صلاة
الرغائب] أحاط فيه بغالب كلام المتقدمين والمتأخرين من علماء المذاهب الأربعة.
مَطْلَبْ فِي رَكْعَتَي الاسْتِخَارَةِ
قوله: (ومنها ر کعتا الاستخارة) عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله پ یعلمنا
الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: ((إِذَا همَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْبِرَغْ
رَكْعَتَيْنْ مِنْ غَيَرَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيُكَ بِعِلْمِكَ، وَأستقدركْ بِقُدْرَتِكَ،
وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّمُ الغُيُوبِ.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَاَ الأَمْرَ خَيرٍ لِيَ فِي دِينِي وَمَعَاشِيٍ وَعَاقِبَةٍ، أمري [أَوْ قَالَ: عَاجِلٍ
أُمْرِيٍ وَآجِلِهِآ فاقدره لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ؛ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرِي فِي
دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي، [أَوْ قَالَ: عَاجِلٍ أَمْرِي وَآخِلِهِ] فاصرفه عَنِّي وَأَصْرِفْنِي عَنْهُ،
وَأَقْدِرْ لِي الخَيرِ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضُنِي بهِ، قَالُ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ)) رواه الجماعة إلا
مسلماً (١). شرح المنية.
تتمیم: معنی فاقدره: اقضه لیس وهيئه، وهو بكسر الدال ويضمها، وقوله: ((أو قال
عاجل أمري)) شك من الراوي. قالوا: وينبغي أن يجمع بينهما فيقول ((وعاقبة أمري وعاجله
وآجله» وقوله: «ويسمي حاجته)) قال ط: أي بدل قوله: ((هذا الأمر)) اهـ.
قلت: أو يقول بعده: وهو كذا وكذا، وقالوا: الاستخارة في الحج ونحوه تحمل على
تعیین الوقت.
وفي الحلية: ويستحب افتتاح هذا الدعاء وختمه بالحمدلة والصلاة. وفي الأذكار أنه
يقرأ في الركعة الأولى الكافرون، وفي الثانية الإخلاص اهـ. وعن بعض السلف أنه يزيد في
الأولى ﴿وَرَبُّكَ يَخَلُقُ مَا يَشَاءُ وَيُخْتَارُ - إلى قوله - يعلنون﴾ وفي الثانية ﴿وَمَا كَانَلِمُؤْمِن وَلَا
مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. وينبغي أن يكررها سبعاً، لما روى ابن السني ((يَا أَنَسُ إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْر فَاسْتَخِرْ
(١) أخرجه البخاري ٤٨/٣ (١١٦٦) (٦٣٨٢) والترمذي (٤٠٨) وأبو داود (١٥٣٨) والنسائي ٨٠/٦ وابن ماجه
(١٣٨٣) والبيهقي في السنن ٣/ ٥٢.

٤٧١
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وأربع صلاة التسبيح بثلاثمائة تسبيحة، وفضلها عظيم.
رَبَّكَ فِيهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَنْظُرْ إِلَى الَّذِي سَبَقَ إِلَى قَلْبِكَ فَإِنَّ الخَيرِ فِيهِ (١)) ولو تعذرت عليه
الصلاة استخار بالدعاء اهـ ملخصاً. وفي شرح الشرعة: المسموع من المشايخ أنه ينبغي أن
ينام على طهارة مستقبل القبلة بعد قراءة الدعاء المذكور، فإن رأى في منامه بياضاً أو خضرة
فذلك الأمر خير، وإن رأی فیه سواداً أو حمرة فهو شرّ ينبغي أن يجتنب اهـ.
مَطْلَبٌ فِي صَلَاةِ التَّسِْيحِ
قوله: (وأربع صلاة التسبيح الخ) يفعلها في كل وقت لا كراهة فيه، أو في كل يوم أو
ليلة مرة، وإلا ففي كل أسبوع أو جمعة أو شهر أو العمر، وحديثها حسن لكثرة طرقه. ووهم
من زعم وضعه، وفيها ثواب لا يتناهى، ومن ثم قال بعض المحققين: لا يسمع بعظيم
فضلها ويتركها إلا متهاون بالدين، والطعن في ندبها بأن فيها تغييراً لنظم الصلاة إنما يتأتى
علی ضعف حديثها، فإذا ارتقى إلى درجة الحسن أثبتها وإن کان فيها ذلك، وهي أربع
بتسليمة أو تسليمتين، يقول فيها ثلاثمائة مرة ((سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، وَلَا إِلَهَ إِلَّ الله، وَالله
أَكْبُرُ)) وفي رواية زيادة ((وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّ بِالله)) يقول ذلك في كل ركعة خمسة وسبعين
مرة؛ فبعد الثناء خمسة عشر، ثم بعد القراءة، وفي ركوعه، والرفع منه، وكل من السجدتين،
وفي الجلسة بينهما عشراً عشراً بعد تسبيح الركوع والسجود. وهذه الكيفية هي التي رواها
الترمذي في جامعه عن عبد الله بن المبارك أحد أصحاب أبي حنيفة الذي شاركه في العلم
والزهد والورع، وعليها اقتصر في القنية وقال: إنها المختار من الروايتين. والرواية الثانية:
أن يقتصر في القيام على خمسة عشر مرة بعد القراءة والعشرة الباقية يأتي بها بعد الرفع من
السجدة الثانية، واقتصر عليها في الحاوي القدسي والحلية والبحر، وحديثها أشهر، لكن
قال في شرح المنية: إن الصفة التي ذكرها ابن المبارك (٢) هي التي ذكرها في مختصر البحر،
وهي الموافقة لمذهبنا لعدم الاحتياج فيها إلى جلسة الاستراحة إذ هي مكروهة عندنا اهـ.
قلت: لعله اختارها في القنية لهذا، لکن علمت أن ثبوت حديثها يثبتها وإن كان فيها
ذلك، فالذي ينبغي فعل هذه مرة وهذه مرة.
تتمة: قيل لابن عباس: هل تعلم لهذه الصلاة سورة؟ قال: التكاثر والعصر
(١) ذكره المتقي الهندي في الكنز (٢١٥٣٩) والنووي في الأذكار (١١٠) وعزاه لابن السني عن أنس وقال: إسناده
غریب فیه من لا أعرفهم.
(٢) عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام وشيوخ الإسلام. عن
حميد وإسماعيل بن أبي خالد وحسين المعلم وسليمان التيمي وعاصم الأحول وهشام بن عروة وخلق. وعنه
السفيانان من شيوخه ومعتمر وبقية وابن مهدي وسعيد بن منصور وخلائق. قال ابن معين: ثقة صحيح الحديث.
مات سنة ١٨١ .انظر: خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٩٣.

٤٧٢
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وأربع صلاة الحاجة، قيل وركعتان. وفي الحاوي أنها اثنتا عشرة بسلام واحد،
وبسطناه في الخزائن .
والكافرون والإخلاص. وقال بعضهم: الأفضل نحو الحديد والحشر والصف والتغابن
للمناسبة في الاسم. وفي رواية عن ابن المبارك: يبدأ بتسبيح الركوع والسجود ثم
بالتسبيحات المتقدمة. وقال المعلى: يصليها قبل الظهر. هندية عن المضمرات. وقيل
لابن المبارك: لو سها فسجد هل يسبح عشراً عشراً؟ قال: لا، إنما هي ثلاثمائة تسبيحة.
قال المنلا علي في شرح المشكاة: مفهومه أنه إن سها ونقص عدداً من محل معين يأتي به في
محل آخر تكملة للعدد المطلوب اهـ.
قلت: واستفيد أنه ليس له الرجوع إلى المحل الذي سها فيه، وهو ظاهر، وينبغي
كما قال بعض الشافعية أن يأتي بما ترك فيما يليه إن كان غير قصير فتسبيح الاعتدال يأتي به
في السجود، أما تسبيح الركوع فيأتي به في السجود أيضاً لا في الاعتدال لأنه قصير.
قلت: وكذا تسبيح السجدة الأولى يأتي به في الثانية لا في الجلسة، لأن تطويلها غير
مشروع عندنا على ما مر في الواجبات. وفي القنية: لا يعد التسبيحات بالأصابع إن قدر أن
يحفظ بالقلب، وإلا يغمز الأصابع.
ورأيت للعلامة ابن طولون الدمشقي(١) الحنفي رسالة سماها [ثمر الترشيح في صلاة
التراويح] بخطه أسند فيها عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه يقال فيها بعد التشهد
قبل السلام: اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل
التوبة، وعزم أهل الصبر، وجدّ أهل الخشية، وطلب أهل الرغبة، وتعبد أهل الورع،
وعرفان أهل العلم حتى أخافك. اللهم إني أسألك مخافة تحجزني عن معاصيك حتى أعمل
بطاعتك، وعملًا أستحق به رضاك، حتى أناصحك بالتوبة خوفاً منك، وحتى أخلص لك
النصيحة حباً لك، وحتى أتوكل عليك في الأمور حسن ظن بك، سبحان خالق النور))(٢)
اهـ.
مَطْلَبُ فِي صَلَاةِ الْحَاجَةِ
قوله: (وأربع صلاة الحاجة الخ) قال الشيخ إسماعيل: ومن المندوبات صلاة
الحاجة، ذكرها في التجنيس والملتقط وخزانة الفتاوى وكثير من الفتاوى والحاوي وشرح
(١) محمد بن علي بن أحمد ((المدعو محمد)) ابن علي بن خمارويه بن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي شمس الدين:
مؤرخ، عالم بالتراجم والفقه من كتبه («الغرف العلية في تراجم متأخري الحنفية)) و((قضاة دمشق)) و((العقود الدرية))
و((الفخ والعصفور) توفي سنة ٩٥٣. انظر: الكواكب السائرة ٥٢/٢، آداب اللغة ٢٩٢/٣، الأعلام ٢٩١/٦.
(٢) انظر الترغيب والترهيب ١/ ٤٧١.

٤٧٣
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(وتفرض القراءة) عملًا (في ركعتي الفرض) مطلقاً أما تعيين الأوليين فواجب
المنية. أما في الحاوي فذكر أنها ثنتا عشرة ركعة، وبين كيفيتها بما فيه كلام. وأما في
التجنيس وغيره، فذكر أنها أربع ركعات بعد العشاء، وأن في الحديث المرفوع ((يقرأ في
الأولى الفاتحة مرة وآية الكرسي ثلاثاً، وفي كل من الثلاثة الباقية يقرأ الفاتحة والإخلاص
والمعوذتين مرة مرة: كن له مثلهن من ليلة القدر)) قال مشايخنا: صلينا هذه الصلاة فقضيت
حوائجنا. مذكور في الملتقط والتجنيس وكثير من الفتاوى، كذا في خزانة الفتاوى. وأما
في شرح المنية فذكر أنها ركعتان، والأحاديث فيها مذكورة في الترغيب والترهيب كما في
البحر. وأخرج الترمذي عن عبدالله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله وَ ﴿ ((مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى
الله حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأُ وَلْيُحْسِنِ الوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنْ، ثمَّ لِيُثْنِ
علَى الله تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ، ثُمَّ لِيَقُل: لَا إِلَهَ إِلَّ الله الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحَانَ الله
رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتٍ رَحْتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ،
وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرَّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْباً إِلَّ غَفَرْتَهُ، وَلَا همّاً إِلَّ فَرَّجْتَهُ، وَلَا
حَاجَةٌ هِي لَكَ رِضاً إِلَّ قَضَيْتَهَا يَا أَرْحمَ الراحمين(١)) اهـ.
أقول: وقد عقد في آخر الحلية فصلاً مستقلاً لصلاة الحاجة، وذكر ما فيها من
الكيفيات والروايات والأدعية، وأطال وأطاب كما هو عادته رحمه الله تعالى، فليراجعه من
أراده.
خاتمة: ينبغي للمسافر أن يصلي ركعتين في كل منزل قبل أن يقعد كما كان يفعل الإ﴾
نص عليه الإمام السرخسي في شرح السير الكبير. وذكر أيضاً أنه إذا ابتلى المسلم بالقتل
يستحب أن يصلي ركعتين يستغفر الله تعالى بعدهما، ليكون آخر عمله الصلاة والاستغفار.
وذكر الشيخ إسماعيل عن شرح الشرعة: من المندوبات صلاة التوبة، وصلاة الوالدين،
وصلاة ركعتين عند نزول الغيث، وركعتين في السرّ لدفع النفاق، والصلاة حين يدخل بيته
ويخرج توقياً عن فتنة المدخل والمخرج، والله أعلم. قوله: (عملاً) أي تفرض من جهة
العمل لا الاعتقاد أيضاً، فلا يكفر جاحدها لوقوع الخلاف فيها؛ فعند أبي بكر الأصم
وسفيان بن عيينة وغيرهما سنة. وعند الحسن البصري وزفر والمغيرة من المالكية: فرض
في ركعة. وفي رواية عن مالك: فرض في ثلاث. وعند الشافعي وأحمد والصحيح من
مذهب مالك: فرض في الأربع، وتمامه في الحلية. قوله: (مطلقاً) أي في الأوليين أو
الأخريين أو واحدة وواحدة ط.
قلت: وقد تفرض القراءة في جميع ركعات الفرض الرباعي كما مرّ في باب
(١) أخرجه الترمذي ٢/ ٣٤٤ (٤٧٩) وابن ماجه ٤٤١/١ (١٣٨٤) والحاكم ٣٢٠/١.

٤٧٤
کتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
على المشهور (وكل النفل) للمنفرد لأن كل شفع صلاة، لكنه لا يعمّ المؤكدة، فتأمل
(و) كل (الوتر) احتياطاً (ولزم نفل شرع فيه) بتكبيرة الإحرام
الاستخلاف فيما لو استخلف مسبوقاً بركعتين، وأشار له أنه لم يقرأ في الأوليين. قوله:
(علی المشهور) رد لما قيل إنها في الأولیین فرض، وما قيل: إنها فيهما أفضل، لكن قدمنا
في واجبات الصلاة أنه لا قائل بالفرضية في الأوليين، وإنما ذلك فهمه صاحب البحر من
بعض العبارات، وقدمنا تحقيقه هناك، فافهم. قوله: (للمنفرد) أي ولو حکما کالإمام،
لانفراده برأيه، وكونه غير تابع لغيره، فخرج المقتدي فلا تفرض عليه القراءة في النفل ولو
كان مقتدياً بمفترض كما بيناه في باب الإمامة. قوله: (لكنه الخ) أي هذا التعليل للزوم
القراءة في كل النفل قاصر: لا يعم الرباعية المؤكدة، لما قدمه المصنف من أنه لا يصلي
على النبي ﴿ في القعدة الأولى منها ولا يستفتح إذا قام إلى الثالثة، ولو كان كل شفع منها
صلاة لصلى واستفتح؛ وهذا الاعتراض لصاحب البحر.
وقد يجاب عنه بما أشار إليه الشارح هناك من قوله: («لأنها لتأكدها أشبهت الفريضة»
يعني أن القياس فيها ذلك، لكن لما أشبهت الفريضة روعي فيها الجانبان فأوجبوا القراءة في
كل ركعاتها؛ والعود إلى القعدة إذا تذكرها بعد تمام القيام قبل السجود، وقضاء ركعتين فقط لو
أفسدها على ما هو ظاهر الرواية كما سيأتي نظراً للأصل، ومنعوا من الصلاة والاستفتاح نظراً
للشبه، كما فعلوا في الوتر. على أن كون النفل كل شفع منه صلاة ليس على إطلاقه، بل من
بعض الأوجه كما مر بيانه، وإلا لزم أن لا تصح رباعية بترك القعدة الأولى منها، مع أن
الاستحسان أنها تصح اعتباراً لها بالفرض، خلافاً لمحمد؛ نعم لو تطوّع بستّ ركعات أو ثمان
بقعدة واحدة فالأصح أنه لا يجوز كما في الخلاصة، لأنه ليس في الفرائض ست يجوز أداؤها
بقعدة، فيعود الأمر فيه إلى القياس كما في البدائع، وسيأتي فيه تصحيح خلافه أيضاً. قوله:
(ولزم نفل الخ) أي لزم المضي فيه، حتى إذا أفسده لزم قضاؤه: أي قضاء ركعتين، وإن نوى
أكثر على ما يأتي، ثم هذا غير خاص بالصلاة وإن كان المقام لها.
قال في شرح المنية: اعلم أن الشروع في نفل العبادة التي تلزم بالنذر ويتوقف
ابتداؤها على ما بعده في الصحة سبب لوجوب إتمامه وقضائه إن فسد عندنا وعند مالك،
وهو قول أبي بكر الصديق وابن عباس وكثير من الصحابة والتابعين، كالحسن البصري
ومكحول والنخعي وغيرهم، فخرج الوضوء وسجدة التلاوة وعيادة المريض وسفر الغزو
ونحوها مما لا يجب بالنذر لكونه غير مقصود لذاته، وخرج ما لا يتوقف ابتداؤه على ما بعده
في الصحة نحو الصدقة والقراءة، وكذا الاعتكاف على قول محمد، ودخل فيه الصلاة
والصوم والحج والعمرة والطواف والاعتكاف على قولهما اهـ.
تنبيه: ظاهر كلامهم أنه يلزم القضاء بمجرد الشروع الصحيح وإن أفسده للحال. وفي

٤٧٥
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
أو بقيام الثالثة شروعاً صحيحاً (قصداً) إلا إذا شرع متنفلا خلف مفترض ثم قطعه واقتدى
ناوياً ذلك الفرض بعد تذكره، أو تطوّعاً آخر، أو في صلاة ظان، أو أميّ، أو امرأة، أو
محدث: يعني وأفسده في الحال؛
المعراج عن الصغرى: لو أفسد الصوم النفل في الحال لا يلزمه القضاء. أما لو اختار
المضيّ ثم أفسده عليه القضاء. قلت: وهكذا في الصلاة ولو شرعت في النفل الحال لا
يلزمه القضاء. أما لو اختار المضيّ ثم أفسده عليه القضاء. قلت: وهكذا في الصلاة ولو
شرعت في النفل ثم حاضت وجب القضاء اهـ. ومثله في شرح الشيخ إسماعيل، وحمله
السيد أبو السعود على النفل المظنون، وكلام القهستاني يدل عليه، وکذا کلام المنح كما
يأتي. قوله: (أو بقيام الثالثة) أي وقد أدّى الشفع الأول صحيحاً، فإذا أفسد الثاني لزمه
قضاؤه فقط، ولا يسري إلى الأول، لأن كل شفع صلاة على حدة. بحر .. قوله: (شروعاً
صحيحاً) احترز به عن اقتدائه متنفلاً بنحو أميّ أو امرأة كما يأتي، وقوله: ((قصداً)) احترز به
عما لو ظن أن عليه فرضاً ثم تذكر خلافه كما يأتي. قوله: (إلا إذا شُرع الخ) أي فلا يلزمه
قضاء ما قطعهِ. ووجهه كما في البدائع أنه ما التزم إلا أداء هذه الصلاة مع الإمام وقد أداها.
قوله: (بعد تذكره) أي تذكر ذلك الفرض بأنه عليه لم يصله. قوله: (أو تطوعاً آخر) وكذا لو
أطلق بأن لم ينو قضاء ما قطعه ولا غيره. قوله: (أو في صلاة ظان) معطوف على قوله:
((متنفلاً)) فهو مستثنى أيضاً.
وصورته كما في التاترخانية عن العيون برواية ابن سماعة عن محمد بن الحسن قال:
رجل أفتتح الظهر وهو يظن أنه لم يصلها، فدخل رجل في صلاته يريد به التطوّع، ثم تذكر
الإِمام أنه ليس عليه الظهر فرفض صلاته فلا شيء عليه ولا علی من اقتدى به اهـ. لكن ذکر
في البحر في باب الإمامة عند قوله: وفسد اقتداء رجل بامرأة وصبيّ، أن نفل المقتدي في
هذه الصورة مضمون عليه بالإفساد، حتى يلزمه قضاؤه بخلاف الإمام اهـ.
ویمکن الجواب بأن مراده بالإفساد: إفساد المقتدي صلاته، فيلزمه القضاء بإفساده
دون إفساد إمامه فلا يخالف ما تقدم، لكن المتبادر من كلام السراج أن المراد إفساد الإمام فإنه
قال: فلو خرج الظانّ منها لم يجب عليه قضاؤها بالخروج عند أصحابنا الثلاثة، ويجب على
المقتدي القضاء اهـ. فإما أن يؤول أيضاً بما قلنا وإلا فهو رواية ثانية غير ما مشى عليه
الشارح، فافهم. قوله: (أو أمي الخ) محترز قوله: ((شروعاً صحيحاً)) لأن الشروع في صلاة
من ذکر غیر صحیح، وحينئذ فلا محل لاستثنائه إلا بالنظر إلى مجرد المتن، إذ ليس فيه ذلك
القيد، فافهم. قال السيد أبو السعود: وينبغي في الأمّي وجوب القضاء بناء على ما سبق من
أن الشروع يصح ثم تفسد إذا جاء أوان القراءة اهـ. قوله: (يعني وأفسده في الحال) أي حال
التذكر، وهذا راجع إلى مسألة الظان فقط.

٤٧٦
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
أما لو اختار المضي ثم أفسده لزمه القضاء (ولو عند غروب وطلوع واستواء) على الظاهر
(فإن أفسده حرم) لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (إلا بعذر، ووجب قضاؤه) ولو
فساده بغیر فعله؛ کمتیمم رأی ماء، ومصلية أو صائمة حاضت.
واعلم أن ما يجب على العبد بالتزامه نوعان: ما يجب بالقول وهو النذر وسيجيء.
قال في المنح: واحترز بقوله: ((قصداً)) عن الشروع ظناً، كما إذا ظن أنه لم يصلّ
فرضاً فشرع فيه فتذكر أنه قد صلاه صار ما شرع فيه نفلاً لا يجب إتمامه، حتى لو نقضه لا
يجب القضاء. وفي الصغرى: هذا إذا أفسد الصوم النفل في الحال، أما إذا اختار المضيّ ثم
أفسده فعليه القضاء. قال: وهكذا في الصلاة كذا في المجتبى اهـ.
أقول: وعزاه بعض المحشين أيضاً إلى شرح الجامع للتمرتاشي، لكن علل في
التجنيس مسألة الصوم بأنه لما مضى عليه صار كأنه نوى المضي عليه في هذه الساعة، فإذا
کان قبل الزوال صار شارعاً في صوم التطوع فيجب عليه اهـ.
وحاصله أنه إذا اختار المضي على الصوم بعد التذكر وكان في وقت النية صار بمنزلة
إنشاء نية جديدة فيلزمه، وهذا لا يتأتى في الصلاة، فإلحاقها بالصوم مشكل، فليتأمل.
قوله: (أما لو اختار المضي) الظاهر أن ذلك يكون بمجرد القصد، وفيه ما علمته. ونقل ط
عن أبي السعود عن الحموي أنه لا يكون مختاراً للمضيّ إلا إذا قيد الركعة بسجدة.
أقول: فهم الحموي ذلك من الفرق بين الصوم والصلاة الآتي قريباً، وفيه نظر فتدبر.
قوله: (على الظاهر) أي ظاهر الرواية عن الإمام. وعنه أنه لا يلزمه بالشروع في هذه
الأوقات اعتباراً بالشروع في الصوم في الأوقات المكروهة. والفرق على الظاهر صحة .
تسميته صائماً فيه، وفي الصلاة لا إلا بالسجود، ولذا حنث بمجرد الشروع في ((لا يصوم))
بخلاف ((لا يصلي)) كما سيأتي إن شاء الله تعالى: نهر. قوله: (إلا بعذر) استثناء من قوله:
«حرم) أي أنه عند العذر لا يحرم إفساده، بل قد يباح، وقد يستحب، وقد يجب کما قدمه في
آخر مكروهات الصلاة.
ومن العذر ما إذا كان شروعه في وقت مكروه. ففي البدائع: الأفضل عندنا أن
يقطعها، وإن أتمّ فقد أساء ولا قضاء عليه، لأنه أداها كما وجبت، فإذا قطعها لزمه القضاء
اهـ. قال في البحر: وينبغي أن يكون القطع واجباً خروجاً عن المكروه تحريماً، وليس بإيطال
للعمل، لأنه إیطال لیؤدیه علی وجه أکمل فلا يعد إبطالًا. قوله: (ووجب قضاؤه) أي ولو
قطعه بعذر ولو كان لكراهة الوقت كما علمت. قال في البحر: ولو قضاه في وقت مكروه
آخر أجزأه، لأنها وجبت ناقصة، وأداها كما وجبت فيجوز، كما لو أتمها في ذلك الوقت.
قوله: (وسيجيء) أي في كتاب الأيمان، وذكر في البحر شيئاً من أحكامه هنا فراجعه.

٤٧٧
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
وما يجب بالفعل، وهو الشروع في النوافل، ويجمعها قوله: [البسيط]
مِنَ النَّوَافِلِ سَبْعٌ تَلْزَمُ الشَّارِعْ أَخْذَاً لِذَلِكَ ممَّا قَالَهُ الشَّارِعْ
صَوْمٌ صَلَةٌ طَوَافٌ حَجُّهُ رَابِعْ عُكُوفُهُ عُمْرَةٌ إِخْرَامُهُ السَّابِعْ
(وقضى ركعتين لو نوى أربعاً) غير مؤكدة على اختيار الحلبي وغيره (ونقض
قوله: (ويجمعها) أي النوافل التي تجب بالشروع وضابطها ((كل عبادة تلزم بالنذر ويتوقف
ابتداؤها على ما بعده في الصحة ((كما قدمناه قريباً عن شرح المنية. قوله: (من النوافل الخ)
هذا النظم عزاه السيد أبو السعود إلى صدر الدين بن العزّ، وهو من النوع المسمى عند
المولدين بالمواليا، وبحره بحر البسيط. قوله: (قال الشارع) هو سيدنا محمد ولو لأنه الذي
شرع الأحكام، وفيه مع ما قبله الجناس التام. قوله: (طواف) أي يلزمه إتمام سبعة أشواط
بالشروع فيه بمجرد النية، إلا إذا شرع فيه يظن أنه عليه كما في شرح اللباب. قوله:
(عكونه) سيذكر الشارح في باب الاعتكاف نقلًا عن المصنف وغيره أن ما في بعض
المعتبرات من أنه يلزم بالشروع مفرع على الضعيف: أي على رواية تقدير الاعتكاف النفل
بيوم، أما على ظاهر الرواية من أن أقله ساعة فلا يلزم، بل ينتهي بالخروج من المسجد.
قلت: لكن ذكر في البدائع: أن الشروع فيه ملزم بقدر ما اتصل به الأداء ولما خرج،
فما وجب إلا ذلك القدر فلا يلزمه أكثر منه اهـ فتأمل؛ نعم سنذكر في الاعتكاف عن الفتح أن
اعتكاف العشر في رمضان ينبغي لزومه بالشروع. قوله: (إحرامه) قال في لباب المناسك:
لو نوى الإحرام من غير تعيين حجة أو عمرة صح ولزمه، وله أن يجعله لأيهما شاء قبل أن
يشرع في أعمال أحدهما اهـ. وبهذا غاير الحج والعمرة وإن استلزماه، فاندفع التكرار كما
قاله ح. قوله: (وقضى ركعتين) هو ظاهر الرواية. وصحح في الخلاصة رجوع أبي يوسف
عن قوله أولاً: بقضاء الأربع، إلى قولهما: فهو باتفاقهم، لأن الوجوب بسبب الشروع لم
يثبت وضعاً بل لصيانة المؤدى وهو حاصل بتمام الركعتين، فلا تلزم الزيادة بلا ضرورة.
بحر. قوله: (لو نوى أربعاً) قيد به لأنه لو شرع في النفل ولم ينو لا يلزمه إلا ركعتان اتفاقاً.
وقيد بالشروع لأنه لو نذر صلاة ونوى أربعاً لزمه أربع بلا خلاف كما في الخلاصة، لأن
سبب الوجوب فيه هو النذر بصيغته وضعاً. بحر. قوله: (على اختيار الحلبي وغيره) حيث
قال في شرح المنية: أما إذا شرع في الأربع التي قبل الظهر وقبل الجمعة أو بعدها ثم قطع
في الشفع الأول أو الثاني يلزمه قضاء الأربع باتفاق، لأنها لم تشرع إلا بتسليمة واحدة، فإنها
لم تنقل عنه عليه الصلاة والسلام إلا كذلك، فهي بمنزلة صلاة واحدة، ولذا لا يصلي في
القعدة الأولى ولا يستفتح في الثالثة. ولو أخبر الشفيع بالبيع وهو في الشفع الأول منها
فأكمل لا تبطل شفعته، وكذا المخيرة لا يبطل خيارها، وكذا لو دخلت عليه امرأته وهو فيه

٤٧٨
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
في) خلال (الشفع الأول أو الثاني) أي وتشهد للأول، وإلا يفسد الكل اتفاقاً، والأصل
أن کل شفع صلاة إلا بعارض اقتداء أو نذر أو ترك قعود أول
فأكمل لا تصحّ الخلوة ولا يلزمه كمال المهر لو طلقها، بخلاف ما لو كان نفلاً آخر فإن هذه
الأحكام تنعكس اهـ. وذكر في البحر أنه اختاره الفضلي، وقال في النصاب إنه الأصح،
لأنه بالشروع صار بمنزلة الفرض، لكن ذكر في البحر قبل ذلك أنه لا يجب بالشروع فيها إلا
ركعتان في ظاهر الرواية عن أصحابنا لأنها نفل. قلت: وظاهر الهداية وغيرها ترجيحه.
قوله: (في خلال) قيد به لأنه لو نقض بين آخر القعدة الأولى وبين القيام إلى الثالثة لا يلزمه
شيء، لأن الشفع الأول قد تمّ بالقعدة، والثاني لم يشرع فيه حينئذ. وقد ذكره المصنف بعد
بقوله: ((ولا قضاء لو قعد قدر التشهد ثمن نقض)). قوله: (أو الثاني) أي وكذا يقضي ركعتين
لو أتم الشفع الأول بقعدته ثم شرع في الثاني فنقضه في خلاله قبل القعدة فيقضي الثاني فقط
لتمام الأول، لكن ينبغي وجوب إعادة الأول لترك واجب السلام مع عدم انجباره بسجود
سهو كما هو الحكم في كل صلاة أديت مع ترك واجب، ولا يخالف ذلك كلامهم هنا، لأن
كلامهم في لزوم القضاء وعدمه بناء على الفساد وعدمه، والإعادة هي فعل ما أدى صحيحاً
مع الكراهة مرة ثانية بلا كراهة. قوله: (أي وتشهد للأول) قيد لقوله أو الثاني ح. والمراد
بالتشهد القعود قدر التشهد سواء قرأ التشهد أو لا، فهو من إطلاق الحال على المحل.
قوله: (وإلا) أي وإن لم يتشهد للشفع الأول، ونقضه في خلال الشفع الثاني يفسد الكل،
لأن الشفع الأول إنما يكون صلاة إن وجدت القعدة الأولى؛ أما إذا لم توجد فالأربع صلاة
واحدة. بحر. وذكره الشارح بقوله: ((أو ترك قعود أول)) ح. قوله: (والأصل أن كلّ شفع
صلاة) أي فلا يلزمه بتحریمة النفل أکثر من رکعتين وإن نوی أکثر منهما، وهو ظاهر الرواية
عن أصحابنا. بحر. قوله: (إلا بعارض اقتداء) أي اقتداء المتطوّع بمن تلزمه الأربع؛ كما لو
اقتدى بمصلي الظهر ثم قطعها فإنه يقضي أربعاً، سواء اقتدى به في أولها أو في القعدة
الأخيرة، لأنه التزم صلاة الإمام وهي أربع. بحر ونهر عن البدائع. قوله: (أو نذر) أي لو
نذر صلاة ونوى أربعاً لزمته بلا خلاف كما قدمناه عن البحر. وعلله في النهاية عن المبسوط
بأنه نوى ما يحتمله لفظه لتناول اسم الصلاة للركعتين والأربع، فكأنه قال: لله عليّ أن أصلي
أربع ركعات اهـ. وقد مرّ قبيل قوله ((وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبح)) أنه لو نذر أربعاً بتسليمة فصلاها
بتسليمتين لا يخرج عن النذر، بخلاف عكسه. ومفاد ما هنا أن نذر الأربع يكفي في لزومها
وإن لم يقيدها بتسليمة، فلا يخرج عن عهدة النذر بصلاتها بتسليمتين. قوله: (أو ترك قعود
أول) لأن کون کل شفع صلاة على حدة يقتضي افتراض القعدة عقيبه فیفسد بتر کها كما هو
قول محمد، وهو القياس، لكن عندهما: لما قام إلى الثالثة قبل القعدة فقد جعل الكل صلاة
واحدة شبيهة بالفرض وصارت القعدة الأخيرة هي الفرض وهو الاستحسان، وعليه فلو

٤٧٩
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(كما) يقضي ركعتين (لو ترك القراءة في شفعيه أو تركها في الأول) فقط
تطوع بثلاث بقعدة واحدة كان ينبغي الجواز اعتباراً بصلاة المغرب، لكن الأصح عدمه لأنه
قد فسد ما اتصلت به القعدة وهو الركعة الأخيرة، لأن التنفل بالركعة الواحدة غير مشروع
فيفسد ما قبلها. ولو تطوع بستّ ركعات بقعدة واحدة، قيل يجوز، والأصح لا، فإن
الاستحسان جواز الأربع بقعدة اعتباراً بالفرض، ولیس في الفرض ست ركعات تؤدى
بقعدة، فيعود الأمر إلى أصل القياس كما في البدائع.
مَبْحَثْ: المَسَائِلُ السُّنَّة عشْرِيَّة
تنبيه: ينبغي أن يستثنى أيضاً من الأصل المذكور المؤكدة بناء على اختيار الحلبي
وغيره.
قوله: (كما يقضي ركعتين الخ) شروع في مسائل فساد النفل الرباعي بترك القراءة بعد
ذكر فساده بغيره، وهي المسائل الملقبة بالثمانية؛ وبالستة عشرية، والأصل فيها أن صحة
الشروع في الشفع الأول بالتحريمة وفي الثاني بالقيام إليه مع بقاء التحريمة، والتحريمة لا
تبقى عند أبي حنيفة مع ترك القراءة في ركعتي الشفع الأول فلا يصح الشروع في الشفع
الثاني حتى لا يلزمه قضاؤه بإفساده، بل يقضي الأول فقط لفساد أدائه بترك القراءة، بخلاف
الترك في ركعة فإنه يفسد الأداء دون التحريمة، حتى وجب قضاء الشفع الأول كالترك في
الركعتين، وصح الشروع في الثاني. وعند محمد وزفر: الترك في ركعة من الشفع مفسد
للتحريمة والأداء کالترك في ركعتين، فلا يصح شروعه في الثاني فلا يلزمه قضاؤه بإفساده،
بل قضاء الأول فقط. وعند أبي يوسف: الترك في ركعة أو ركعتين يفسد الأداء فقط،
والتحريمة باقية فيصح شروعه في الثاني مطلقاً.
والحاصل أن التحريمة لا تفسد عند أبي يوسف بترك القراءة مطلقاً، وتفسد عند محمد
وزفر بتركها مطلقاً. وعند الإمام تفسد بتركها أصلًا: أي في الركعتين لا في ركعة، ويجمع
الأقوال قول الإمام النسفي:
فِيهَا القِرَاءَةُ أَصْلًا عِنْدَ نُعْمَانٍ
تحرِيمَةُ النَّفْلِ لَا تَبْقَى إِذَا تُرِكَثْ
کَالتّكِ أَصْلاً وَأَيْضاً شَيْخُ شَيْبَانِ
وَالتَّكُ فِي رَكْعَة قَدْ عَدَّهُ زُفَرٌ
وَقَالَ يَعْقُوبُ تَبْقَى كَيْفَمَا تُرِكَتْ فِيهَا القِرَاءَةُ فَأَحْفَظُهُ بِإِثْقَانِ
قوله: (في شفعيه) فيقضي الشفع الأول عندهما لبطلان التحريمة وعدم صحة الشروع
في الثاني، ويقضي أربعاً عند أبي يوسف لبقائها عنده وإفساده الأداء في الشفعين بترك
القراءة. قوله: (في الأول فقط) أي فيقضي ركعتين إجماعاً، أما عندهما فلفساد التحريمة
وعدم صحة الشروع في الثاني؛ وأما عند أبي يوسف فإنه وإن صح الشروع فيه فإنه لم يفسد
لوجود القراءة فيه، فيقضي الأول فقط. قوله: (أو الثاني) أي فيقضيه فقط إجماعاً لصحة

٤٨٠
كتاب الصلاة/ باب الوتر والنوافل
(أو الثاني أو إحدى) ركعتي (الثاني أو إحدى) ركعتي (الأول أو الأول وإحدى الثاني لا
غير) لأن الأول لما بطل لم يصح بناء الثاني عليه، فهذه تسع صور للزوم ركعتين (و)
قضى (أربعاً) في ستّ صور (لو ترك القراءة في إحدى كل شفع أو في الثاني وإحدى
الأول وصحة الشروع في الثاني، وفساد أدائه بترك القراءة فيه. قوله: (أو إحدى ركعتي
الثاني) أي فيقضيه فقط إجماعاً أيضاً لما قلنا: وتحته من رتان، لأن الواحدة إما أولى الثاني أو
ثانيته. قوله: (أو إحدى ركعتي الأول) فيه صورتان أيضاً: أي فيلزمه قضاؤه فقط إجماعاً
أيضاً لإفساده بترك القراءة في ركعة منه ولفساد التحريمة، وعدم صحة الشروع في الثاني عند
محمد، ولبقائها مع صحة أداء الثاني عندهما. قوله: (أو الأول وإحدى الثاني) تحته صورتان
أيضاً: أي لو ترك القراءة في الشفع الأول وفي ركعة من الثاني: أي أولاه أو ثانيته يقضي
الشفع الأول عند الإمام ومحمد، لفساد التحريمة، وعدم صحة الشروع في الثاني. وعند أبي
يوسف: يقضي أربعاً لصحة الشروع في الثاني، وإفساد الأداء فيهما بترك القراءة. قوله: (لا
غير) يحتمل أنه قيد لقوله: ((وإحدى الثاني)) ويحتمل كونه قيداً لهذه الصور: أي يقضي
ركعتين في هذه الصور المذكورة لا في غيرها مما سيأتي. ويحتمل كونه قيد الركعتين: أي
يقضي ركعتين لا غير في جميع ما مر. قوله: (لأن الأول الخ) تعليل للزوم قضاء ركعتين لا
غير على قول الإمام في جميع هذه الصورة بالإشارة إلى أصله فيها، وهو أنه إذا بطل الشفع
الأول بترك القراءة فيه أصلاً لا يصح بناء الشفع الثاني عليه لفساد التحريمة، ومفهومه أنه إذا
لم يبطل الأول يصح بناء الثاني عليه، ومعلوم أن ترك القراءة في ركعة أو في ركعتين بعد
صحة الشروع مفسد للأداء وموجب للقضاء، فأفاد بمنطوق التعلیل المذكور وجه قضاء
ركعتين لا غير في قول المصنف ((لو ترك القراءة في شفعيه)) وقوله: ((أو تركها في الأول))
وقوله ((أو الأول وإحدى الثاني)) لأنه في هذه الصور كلها قد أفسد الشفع الأول بترك القراءة
فيه أصلاً فبطلت التحريمة ولم يصح بناء الشفع الثاني عليه، وحيث لم يصح بناؤه لم يلزمه
قضاؤه، بل لزمه قضاء الأول لا غیر. وأفاد بمفهوم التعلیل المذکور وجه قضاء رکعتین لا
غير في باقي الصور، وهي قول المصنف ((أو الثاني أو إحدى الثاني أو إحدى الأول)) فإنه
في هذه الصور لم يبطل الشفع الأول عند الإمام فبقيت التحريمة وصح شروعه في الثاني،
لكنه لما ترك القراءة فيه أو في ركعة منه لزمه قضاؤه فقط، ولما ترك القراءة في ركعة من
الأول فقط لزمه قضاؤه فقط لصحة بناء الثاني وصحة أدائه، فافهم. قوله: (فهذه تسع صور)
لأن المذكور صريحاً في كلام المصنف ستّ، ولكن لفظ ((إحدى) في المواضع الثلاثة
يصدق على الركعة الأولى من الشفع أو الثانية فتزيد ثلاث صور أخرى. قوله: (لو ترك
القراءة في إحدى كل شفع) أي في ركعتين من شفعين كل ركعة من شفع بأن تركها في
الأولى مع الثالثة أو الرابعة، أو في الثانية مع الثالثة أو الرابعة، فهذه أربع، وقوله: ((وإحدى