Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
من نوى أداء ظهر اليوم بعد خروج الوقت على ظن أن الوقت باق، وكنية الأسير الذي اشتبه
علیه رمضان فتحری شهراً وصامه بنية الأداء فوقع صومه بعد رمضان؛ وعكسه کنیة من نوی
قضاء الظهر على ظن أن الوقت قد خرج ولم يخرج بعد، وكنية الأسير الذي صام رمضان
بنية القضاء على ظن أنه قد مضى والصحة فيه باعتبار أنه أتى بأصل النية، ولكن أخطأ في
الظن، والخطأ في مثله معفو عنه اهـ.
أقول: ومعنی کونه أتی بأصل النية أنه قد عين في قلبه ظهر اليوم الذي يريد صلاته فلا
يضر وصفه له بكونه أداء أو قضاء، بخلاف ما إذا نوى صلاة الظهر قضاء وهو في وقت الظهر
ولم ينو صلاة هذا اليوم لا يصح عن الوقتية، لأنه بنية القضاء صرفه عن هذا اليوم ولم توجد
منه نية الوقتية حتى يلغو وصفه بالقضاء فلم يوجد التعيين، وكذا لو نواه أداء وكانت عليه
ظهر فائتة لا يصح عنها وإن كان قد صلى الوقتية لما قلنا.
مَطْلَبُ: مَضَى عَلَيهِ سَنَوَاتٌ وَهُوَ يُصَلِّي الظُّهْرَ قَبْلَ وَقْتِهَا
وبهذا ظهر الجواب عن مسألة ذكرها بعض الشافعية، وهي: لو مضى عليه سنوات
وهو يصلي الظهر قبل وقتها فهل عليه قضاء ظهر واحدة أو الكل؟ فأجاب بعضهم بالأول
بناء على أنه لا تشترط نية القضاء فتكون صلاة كل يوم قضاء لما قبله، وخالفه غيره. ووافق
بعض المحققین منهم بأنه إن نوی كل يوم صلاة ظهر مفروضة عليه بلا تقييد بالتي ظن
دخول وقتها الآن تعین ما قاله الأول، وإن نواها عن التي ظن دخول وقتها الآن وعبر عنها
بالأداء أولا تعين الثاني لصرفه لها عن الفائتة بقصده الوقتية ا هـ.
ولا يخفى أن هذا التفصيل موافق لقواعد مذهبنا، أما الأول فلما قدمناه عن الزيلعي
فيمن نوى ظهر اليوم بعد خروجه من أنه يصح لأنه نوى ما عليه ولم يوجد المزاحم هنا حتى
يلزمه تعيين يوم الفائتة فيكفيه نية ما في ذمته كما مر عن الحلية، وأما الثاني فلما قررناه آنفاً.
ثم رأيت التصريح بذلك عندنا في الصوم، وهو ما لو صام الأسير بالتحري سنين ثم تبين أنه
صام في كل سنة قبل شهر رمضان، فقیل يجوز صومه في کل سنة عما قبلها، وقيل لا. قال
في البحر: وصحح في المحيط أنه إن نوی صوم رمضان مبهماً يجوز عن القضاء وإن نوی
عن السنة مفسراً فلا اهـ. قال في البدائع: ومثل له أبو جعفر بمن اقتدى بالإمام على ظن أنه
زید فإذا هو عمرو صح؛ ولو اقتدی بزید، فإذا هو عمرو لم يصح، لأنه في الأول اقتدى
بالإمام إلا أنه أخطأ في ظنه فلا يقدح: وفي الثاني اقتدى بزيد، فإذا لم يكن زيداً تبين أنه لم
يقتد بأحد، فكذا هنا إذا نوى صوم كل سنة عن الواجب عليه تعلقت نية الواجب بما عليه لا
بالأولى والثانية، إلا أنه ظن أنه للثانية فأخطأ في ظنه فيقع عن الواجب عليه لا عما ظن
انتھی.
١٠٢
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
(ومصلي الجنازة ينوي الصلاة الله تعالى، و) ينوي أيضاً (الدعاء للميت) لأنه الواجب
عليه فيقول: أصلي له داعياً للميت (وإن اشتبه عليه الميت) ذكر أم أنثى (يقول: نويت
وحاصله أنه إذا نوى الصوم الواجب عليه لا بقيد كونه عن سنة مخصوصة صح عن
السنة الماضية وإن كان يظن أنه لما بعدها، فاغتنم هذا التحرير. قوله: (ومصلي الجنازة)
شروع في بيان التعيين في صلاة الجنازة ط. قوله: (ينوي الصلاة الله الخ) كذا في المنية.
قال في الحلية وفي المحيط الرضوي والتحفة والبدائع: ينبغي أن ينوي صلاة الجمعة
وصلاة العيدين وصلاة الجنازة وصلاة الوتر، لأن التعيين يحصل بهذا اهـ. وأما ما ذكره
المصنف فليس بضربة لازب. ويمكن أن يكون إشارة إلى أنه لا ينوي الدعاء للميت فقط
نظراً إلى أنه لا ركوع فيها ولا سجود ولا قراءة ولا تشهد ا هـ.
أقول: وهذا أظهر مما في جامع الفتاوى، من أنه لا بد مما ذكره المصنف، وأنه لو كان
الميت ذكراً فلا بد من نيته في الصلاة، وكذلك الأنثى والصبيّ والصبية؛ ومن لم يعرف أنه
ذكر أو أنثى يقول: نويت أن أصلي الصلاة على الميت الذي يصلي عليه الإمام اهـ،
فليتأمل. ويأتي قريباً ما يؤيد الأول. هذا، وذكرح. بحثاً أنه لا بدّ من تعيين السبب وهو
الميت أو الأكثر، فإن أراد الصلاة على جنازتین نواهما معاً أو على إحداهما فلا بد من
تعيينها، ويؤيده ما يذكره الشارح عن الأشباه. قوله: (لأنه الواجب عليه) كذا قاله الزيلعي
وتبعه في البحر والنهر، ووجهه ما ذهب إليه المحقق ابن الهمام حيث قالوا: المفهوم من
كلامهم أن أركانها الدعاء والقيام والتكبير، لقولهم: إن حقيقتها هي الدعاء وهو المقصود
منها اهـ. وفي النتف: هي في قول أبي حنيفة وأصحابه دعاء على الحقيقة، وليست
بصلاة، لأنه لا قراءة فیھا ولا رکوع ولا سجود ا هـ. فحیث کان حقيقتها الدعاء کان وجوبها
باعتبار الدعاء فيها. وإن قلنا: إنه ليس بركن فيها على ما اختاره في البحر وغيره كما سيأتي
في الجنائز، وحينئذ فالضمير في قوله: ((لأنه الواجب)) يعود على الدعاء. أما على القول
بالركنية فظاهر، وإنما خص من بين سائر أركانها لأنه المقصود منها، وأما على القول
بالسنية فلأن المراد بالدعاء ماهية الصلاة لا نفس الدعاء الموجود فيها، لما علمت من أن
حقيقتها الدعاء لأن المصلي شافع للميت، فهو داع له بنفس هذه الصلاة وإن لم يتلفظ
بالدعاء، فكأنه قيل: لأن الصلاة هي الواجبة عليه، هكذا ينبغي حل هذا المحل، فافهم.
قوله: (فيقول الخ) بيان للنية الكاملة ا هـح.
قلت: وفي جنائز الفتاوى الهندية عن المضمرات أن الإمام والقوم ينوون ويقولون:
نويت أداء هذه الفريضة عبادة لله تعالى متوجهاً إلى الكعبة مقتدياً بالإمام؛ ولو تفكر الإمام
بالقلب أنه يؤدي صلاة الجنازة يصح؛ ولو قال المقتدي: اقتديت بالإمام، يجوز ا هـ. وبه
١٠٣
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
أصلي مع الإمام على من يصلي عليه) الإمام، وأفاد في الأشباه بحثاً أنه لو نوى الميت
الذكر فبان أنه أنثى أو عكسه لم يجز، وأنه لا يضرّ تعيين عدد الموتى إلا إذا بان أنهم أكثر
لعدم نية الزائد (والإمام ينوي صلانه فقط) و(لا) يشترط لصحة الاقتداء نية (إمامة
ظهر أن الصيغة التي ذكرها المصنف غير لازمة في نيتها بل يكفي مجرد نيته في قلبه أداء
صلاة الجنازة كما قدمناه عن الحلية، وأنه لا يلزمه تعيين الميت أنه ذكر أو أنثى خلافاً لما مر
عن جامع الفتاوى. قوله: (لم يجز) لأن الميت كالإمام، فالخطأ في تعيينه كالخطأ في تعيين
الإمام ١ هـح: أي لأنه لما عين لزم ما عينه وإن كان أصل التعين غير لازم على ما عرفته آنفاً.
في ط عن البحر: ولو نوى الصلاة عليه يظنه فلاناً فإذا هو غيره يصح؛ ولو نوى الصلاة على
فلان فإذا هو غيره لا يصح؛ ولو على هذا الميت الذي هو فلان فإذا هو غيره جاز لأنه عرفه
بالإشارة فلغت التسمية ١ هـ. وعليه فينبغي تقييد عدم الجواز في مسألتنا بما إذا لم يشر
إليه. تأمل. قوله: (وأنه لا يضر الخ) أي إذا عين عددهم لا يضره التعيين المذكور في حالة .
من الأحوال سواء وافق ما عين أو خالفه إلا إذا كانوا أكثر مما عين، وهذا معنى صحيح لهذا
التركيب لا شيء فيه سوى التغيير في وجوه الحسان، فافهم. قوله: (إلا إذا بان الخ) هذا
ظاهر إذا كان إماماً، فلو مقتدياً(١) وقال: أصلي على ما صلى عليه الإمام، وهم عشرة فظهر
أنهم أكثر لا يضر، وينبغي أن يقيد عدم الإجزاء بما إذا قال: أي الإمام: أصلي على العشرة
الموتى مثلاً، أما إذا قال: أصلي على هؤلاء العشرة، فبان أنهم أكثر فلا كلام في الجواز
لوجود الإشارة اهـ. بيري. قوله: (لعدم نية الزائد) لا يقال: مقتضاه أن تصح الصلاة على
القدر الذي عينه عدداً. لأنا نقول: لما كان كل يوصف بكونه زائداً على المعين بطلت ط.
قوله: (والإمام ينوي صلاته فقط الخ) لأنه منفرد في حق نفسه. بحر: أي فيشترط في حقه
ما يشترط في حق المنفرد من نية صلاته على الوجه المارّ بلا شيء زائد بخلاف المقتدي،
فالمقصود دفع ما قد يتوهم من أنه كالمقتدي يشترط له نية الإمامة كما يشترط للمقتدي نية
الاقتداء لاشتراكهما في الصلاة الواحدة. والفرق أن المقتدي يلزمه الفساد من جهة إمامه
فلا بد من التزامه، كما يشترط للإمام نية إمامة النساء لذلك كما يأتي.
والحاصل ما قاله في الأشباه من أنه لا يصح الاقتداء إلا بنيته، وتصح الإمامة بدون
نيتها، خلافاً للكرخي وأبي حفص الكبير اهـ. لكن يستثنى من كانت إمامته بطريق
الاستخلاف فإنه لا يصير إماماً ما لم ينو الإمامة بالاتفاق كما نص عليه في المعراج في باب
(١) في ط (قوله فلو مقتدياً إلخ) أي لو كان الذي عين وأخطأ في التعيين هو المقتدي دون الإمام فحكمه ما ذكره،
فاعترض بعض المحشين بأن نيته تابعة لنية إمامه وقد عين إمامه العشرة فصلاته غير صحيحة لعدم صحة صلاة إمامه
کما هو ظاهر ناشئ من عدم التأمل اهـ.
١٠٤
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
المقتدي) بل لنيل الثواب عند اقتداء أحد به قبله، كما بحثه في الأشباه (لو أم رجالاً) فلا
يحنث في لا يؤم أحداً ما لم ينو الإمامة (وإن أمّ نساء، فإن اقتدت به) المرأة (محاذية لرجل
في غير صلاة جنازة، فلا بد) لصحة صلاتها (من نية إماميتها) لئلا يلزم الفساد بالمحاذاة
بلا التزام (وإن لم تقتد محاذية اختلف فيه) فقيل يشترط، وقيل لا كجنازة إجماعاً،
وكجمعة وعيد على الأصح. خلاصة وأشباه. وعليه إن لم تحاذ أحداً تمت صلاتها وإلا
الاستخلاف، وسيأتي هناك. قوله: (بل لنيل الثواب) معطوف على قوله: (لصحة الاقتداء)
أي بل يشترط نية إمامة المقتدي لنيل الإمام ثواب الجماعة، وقوله: (عند اقتداء أحد به)
متعلق بنيته التي هي نائب فاعل يشترط المقدر بعد، بل وقوله: ((لا قبله)) معطوف عليه: أي
لا يشترط لنيله الثواب نية الإمامة قبل الاقتداء، بل يحصل بالنية عنده أو قبله؛ فقوله: ((لا
قبله)) نفي لاشتراط نيل الثواب بوجود النية قبله لا نفي للجواز، ولا يخفى أن نفي الاشتراط
لا ينافي الجواز، فافهم. قوله: (لو أم رجالاً) قيد لقوله: ((ولا يشترط الخ)). قوله: (فلا
يحنث الخ) تفريع على قوله: ((ولا يشترط)) قال في البحر: لأن شرط الحنث أن يقصد
الإمامة ولم يوجد ما لم ينوها اهـ. لكن قال في الأشباه: ولو حلف أن لا يؤم أحداً فاقتدى
به إنسان صح الاقتداء، وهل يحنث؟ قال في الخانية: يحنث قضاء لا دیانة إلا إذا أشهد قبل
الشروع فلا حنث قضاء، وكذا لو أمّ الناس هذا الحالف في صلاة الجمعة صحت وحنث
قضاء، ولا يحنث أصلاً إذا أمهم في صلاة الجنازة وسجد سجدة التلاوة، ولو حلف أن لا
یؤم فلاناً فأم الناس ناویاً أن لا يؤمه ویؤم غيره فاقتدی به فلان وحنث وإن لم يعلم به ا هـ:
أي لأنه إذا كان إماماً لغيره كان إماماً له أيضاً، إلا إن نوى إذاً أن يؤم الرجال دون النساء فلا
يجزيهن كما في النتف.
بقي وجه حثه قضاء في الصورة الأولى أن الإمامة تصح بدون نية كما قدمناه ولذا
صحت منه الجمعة مع أن شرطها الجماعة، لكن لما كان لا يلزمه الحنث بدون التزامه لم
يحنث ديانة إلا بنية الإمامة، كذا ظهر لي فتأمل. قوله: (في غير صلاة جنازة) أما فيها فلا
يشترط نية إمامتها إجماعاً كما يذكره. قوله: (لصحة صلاتها) الأنسب بالمقام لصحة اقتدائها.
قوله: (من نية إماميتها) أي وقت الشروع، لا بعده كما سيذكره في باب الإمامة. ويشترط
حضورها عند النية في رواية، وفي أخرى لا، واستظهرها في البحر. قوله: (لئلا يلزم الخ)
حاصله أنه لو صح اقتداؤه بلانية لزم عليه إفساد صلاته إذا حاذته بدون التزامه وذلك لا
يجوز، والتزامه إنما هو بنية إمامتها. قوله: (بالمحاذاة) أي عند وجود شرائطها الآتية في باب
الإمامة. قوله: (كجنازة) فإنه لا يشترط لصحة اقتداء المرأة فيها نية إمامتها إجماعاً، لأن
المحاذاة فيها لا تفسدها. قوله: (على الأصح) حكوا مقابله عن الجمهور. قوله: (وعليه)
أي على القول بأنه لا يشترط لصحة اقتدائها نية إمامتها فيصح اقتداؤها، لكن إن لم تتقدم
١٠٥
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
لا (ونية استقبال القبلة ليست بشرط مطلقاً) على الراجح، فما قيل: لو نوى بناء الكعبة
أو المقام أو محراب مسجده لم يجز مفرع على المرجوح (كنية تعيين الإمام في صحة
الاقتداء) فإنها ليست بشرط؛ فلو ائتم به يظنه زيداً فإذا هو بكر صح، إلا إذا عينه باسمه
فبان غيره، إلا إذا عرفه بمكان كالقائم في المحراب
بعد ولم تحاذ أحداً من إمام أو مأموم بقي اقتداؤها وتمت صلاتها، وإلا: أي وإن تقدمت
وحاذت أحداً لا يبقى اقتداؤها ولا تتم صلاتها كما في الحلية فليس ذلك شرطاً في الجمعة
والعيد فقط، فافهم. قوله: (مطلقاً) أي للقريب المشاهد وغيره، لأن إصابة الجهة تحصل
بلانية العين وهي شرط، فلا يشترط لها النية كباقي الشرائط. قوله: (على الراجح) مقابله ما
قيل: إن الفرض إصابة العين القريب والبعيد، ولا يمكن ذلك للبعيد إلا من حيث النية
فانتقل ذلك إليها. قوله: (لم يجز) لأن المراد بالكعبة العرصة لا البناء، والمحراب علامة
عليها؛ والمقام: هو الحجر الذي كان يقوم عليه الخليل عليه الصلاة والسلام عند بناء
البيت. قوله: (مفرع على المرجوح) كذا في البحر عن الحلية وهو ظاهر، لأن من اشترط
نية الكعبة لا يجوز الصلاة بدونها، فإذا نوى غيرها لا تجوز الصلاة عنده بالأولى، وقد علمت
أن الكعبة اسم للعرصة، فإذا نوى البناء أو المحراب أو المقام فقد نوى غير الكعبة؛ أما على
القول الراجح من أنه لا تشترط نيتها فلا يضره نية غيرها بعد وجود الاستقبال الذي هو
الشرط، لكن اعترضه الشيخ إسماعيل بأنه غير مسلم لما في البدائع من أن الأفضل أن لا
ينوي الكعبة، لاحتمال أن لا تحاذي هذه الجهة الكعبة فلا تجوز صلاته اهـ. فإن مفهومه أنه
إذا استقبل غير ما نوى لا تجوز صلاته، لكن لا يخفى أنه ليس فيه دلالة، على أنه إذا نوى
البناء ونحوه لا تجوز صلاته بل يدل على أن الأفضل عدم ذلك، فما ذكره الشارح تبعاً للبحر
والحلية صحيح، فافهم؛ نعم ذكر في شرح المنية أن نية القبلة وإن لم تشترط، لكن عدم
نية الإعراض عنها شرط ا هـ. وعليه فهو مفرع على الراجح. قوله: (صح) لأنه نوى
الاقتداء بالإمام الموجود فلا يضره ظنه، بخلاف اسمه، قال في الحلية: لأن العبرة لما
نودي لا لما يرى اهـ. ويظهر منه أن مثله ما لو اعتقد أنه زيد لأنه جازم بالاقتداء بهذا الإمام،
فافهم.
مَطْلَبٌ: إِذَا أَجْتَمَعَت الإِشَارَةُ وَأَلْتَّسْمِيَةُ
قوله: (إلا إذا عينه باسمه) أي لم ينو الاقتداء بالإمام الموجود. وإنما نوى الاقتداء
بزيد سواء تلفظ باسمه أو لا، لما في المنية: إلا إذا قال اقتديت بزيد أو نوى الاقتداء
بزيد اهـ. فإذا ظهر أنه عمرو لا يصح الاقتداء، لأن العبرة لما نوى. حلية: أي وهو قد نوى
الاقتداء بغير هذا الإمام الحاضر. قوله: (إلا إذا عرفه) استثناء من عدم الصحة التي تضمنها
الاستثناء الأول. قوله: (كالقائم في المحراب) أي نوى الاقتداء بالإمام القائم في المحراب
١٠٦
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
أو إشارة كهذا الإمام الذي هو زيد، إلا إذا أشار بصفة مختصة كهذا الشاب فإذا هو شيخ
فلا یصح، وبعكسه یصح لأن الشاب يدعى شيخاً لعلمه.
الذي هو زيد فإذا هو غيره جاز. أشباه، لأن أل يشار بها إلى الموجود في الخارج أو
الذهن، وعلى كل فقد نوى الاقتداء بالإمام الموجود فلغت التسمية. قوله: (أو إشارة) أي
باسمها الموضوع لها حقيقة، وإنما جاز لأنه عرفه بالإشارة فلغت التسمية كما في الخانية
وغيرها. قوله: (إلا إذا أشار الخ) إستثناء من قوله: ((أو إشارة)). قوله: (فلا يصح) أو رد
عليه أن في هذه الصورة اجتمعت الإشارة مع التسمية، فكان ينبغي أن تلغو التسمية كما لغت
في هذا الإمام الذي هو زيد وفي هذا الشيخ. والجواب أن إلغاء التسمية ليس مطلقاً، قال
في الهداية من باب المهر: الأصل أن المسمى إذا كان من جنس المشار إليه يتعلق العقد
بالمشار إلیه، لأن المسمی موجود في المشار ذاتاً؛ والوصف يتبعه وإن کان من خلاف
جنسه يتعلق بالمسمى، لأن المسمى مثل المشار إليه، وليس بتابع له، والتسمية أبلغ في
التعريف من حيث إنها تعرف الماهية والإشارة تعرف الذات اهـ (١). قال الشارحون: هذا
الأصل متفق عليه في النكاح والبيع والإجارة وسائر العقود اهـ.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن زيداً وعمراً جنس واحد من حيث الذات وإن اختلفا من
حيث الأوصاف والمشخصات لأن الملحوظ إليه في العلم هو الذات، ففي قوله: ((هذا
الإمام الذي هو زيد)) فظهر أن المشار إليه عمرو يكون قد اختلف المسمى والمشار إليه،
فلغت التسمية وبقيت الإشارة معتبرة لكونهما من جنس واحد؛ فصح الاقتداء. وأما الشيخ
والشاب فهما من الأوصاف الملحوظ فيها الصفات دون الذات، ومعلوم أن صفة
الشيخوخة تباني صفة الشباب فكانا جنسين؛ فإذا قال هذا الشاب فظهر أنه شيخ لا يصح
الاقتداء لأنه وصفه بصفة خاصة لا يوصف بها من بلغ سن الشيخوخة، فقد خالفت الإشارة
التسمية مع اختلاف الجنس، فلغت الإشارة واعتبرت التسمية بالشاب، فیکون قد اقتدى،
بغير موجود، كمن اقتدى بزيد فبان غيره. وأما إذا قال هذا الشيخ فظهر أنه شاب فإنه يصح،
لأن الشيخ صفة مشتركة في الاستعمال بين الكبير وفي السن الكبير في القدر كالعالم
وبالنظر إلى المعنى الثاني يصح أن يسمى الشاب شيخاً، فقد اجتمعت الصفتان في المشار
إليه لعدم تخالفهما فلم يبلغ أحدهما فيصح الاقتداء. ونظيره لو قال: هذه الكلبة طالق أو هذا
الحمار حرّ، تطلق المرأة ويعتق العبد كما صرحوا به مع أن المشار إليه وهو المرأة والعبد
من غير جنس المسمى وهو الكلبة والحمار، لكن لما كان في مقام الشتم يطلق الكلب
(١) في ط (قوله انتهى) تمام عبارة الهداية بعد قوله ((والإشارة تعرف الذات)): ألا ترى أن من اشترى فصاً على أنه
ياقوت فإذا هو زجاج لا ينعقد العقد لاختلاف الجنس، ولو اشترى على أنه ياقوت أحمر فإذا هو أخضر ينعقد لاتحاد
الجنس.
١٠٧
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
وفي المجتبى: نوى أن لا يصلي إلا خلف من هو على مذهبه فإذا هو غيره لم يجز.
فائدة لما كان الاعتبار للتسمية عندنا لم يختص ثواب الصلاة في مسجده عليه
الصلاة والسلام بما کان في زمنه فليحفظ (و) السادس
والحمار على الإنسان مجازاً لم يحصل اختلاف الجنس فلم تلغ الإشارة، هذا ما ظهر لفهمي
السقيم من فيض الفتاح العليم. قوله: (وفي المجتبى الخ) وجهه أنه لما نوى الاقتداء بإمام
مذهبه فإذا هو غيره فقد نوى الاقتداء بمعدوم كما قدمناه عن المنية فيما إذا نوى الاقتداء بزید
فإذا هو غيره.
مَطْلَبْ: مَا زِيدَ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ هَلْ يَأْخُذُ حُكْمَهُ؟
قوله: (فائدة لما كان الخ) استنبط هذه الفائدة من مسألة الاقتداء شيخ الإسلام العيني
في شرح البخاري كما في أحكام الإشارة من الأشباه. وأصل ذلك قوله { $ في الحديث
الصحيح (صَلَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيرٍ مِنْ أَلْفِ صَلَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ))(١)
ومعلوم(٢) أنه قد زید في المسجد النبوي؛ فقد زاد فیه عمر ثم عثمان ثم الوليد ثم المهدي،
والإشارة بهذا إلى المسجد المضاف المنسوب إليه ◌َ﴾، ولا شك أن جميع المسجد
الموجود الآن يسمى مسجده *، فقد اتفقت الإشارة والتسمية على شيء واحد، فلم تلغ
التسمية، فتحصل المضاعفة المذكورة في الحديث فيما زيد فيه. وخصها الإمام النووي بما
كان في زمنه# عملاً بالإشارة. وأما حديث ((لَوْ مُدَّ مَسْجِدِي هَذَا إِلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي»
فقد اشتد ضعف طرقه، فلا يعمل به في فضائل الأعمال كما ذكره السخاوي في المقاصد
الحسنة، وكان وجهه أنه جعل الإشارة لخصوص البقعة الموجودة يومئذ فلم تدخل فيها
الزيادة، ولا بد في دخولها من دلیل.
قلت: ويؤيده ما سيأتي في الأيمان من باب اليمين بالدخول عن البدائع: لو قال لا
أدخل هذا المسجد فزيد فيه حصة فدخلها لم يحنث ما لم يقل مسجد بني فلان فيحنث،
وكذا الدار، لأنه عقد يمينه على الإضافة وذلك موجود في الزيادة.
وقد يجاب بأن ما نحن فيه من قبيل الثاني، ويؤيده أن في بعض طرق الحديث بدون
اسم الإشارة، وعلى ذكرها فهي لا لتخصيص البقعة بل لدفع أن يتوهم دخول غير المسجد
المدني من بقية المساجد التي تنسب إليه وهو التي ذكرها أصحاب السير، والله تعالى أعلم.
(١) أخرجه البخاري ٦٣/٣ (١١٩٠) ومسلم ١١٠٢/٢ (١٣٩٤/٥٠٥).
(٢) في ط (قوله ومعلوم إلخ) لبعضهم في ذلك:
تحقيق ذا المسجد زاده عمر وبعده عثمان حيثما استمر
وبعده الوليد ثم المهدي ودام هكذا إلى ذا العهد
١٠٨
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
(استقبال القبلة) حقيقة أو حكماً كعاجز، والشرط حصوله لا طلبه، وهو شرط زائد
للابتلاء يسقط للعجز، حتى لو سجد للكعبة نفسها كفر (فللمكي) وكذا المدني لثبوت
قبلتها بالوحي (إصابة عينها) يعم المعاين وغيره لكن في البحر أنه ضعيف.
والأصح أن من بينه وبينها حائل كالغائب، وأقره المصنف قائلاً: والمراد بقولي
مَبْحَثٌ فِي أَسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ
قوله: (واستقبال القبلة) أي الكعبة المشرفة، وليس منها الحجر بالكسرة والشاذروان،
لأن ثبوتهما منها ظني، وهو لا يكتفى به في القبلة احتياطاً وإن صح الطواف فيه مع الحرمة،
كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحج. قوله: (كعاجز) أي كاستقبال عاجز عنها لمرض أو
خوف عدوّ أو اشتباه، فجهة قدرته أو تحريه قبلة له حكماً. قوله: (والشرط حصوله لا
تحصيله)(١) أشار إلى أن السين والتاء فيه ليست للطلب، لأن الشرط هو المقابلة لا طلبها إلا
إذا توقف حصولها عليه كما في الحلية. قوله: (وهو شرط زائد) أي ليس مقصوداً لأن
المسجود له هو الله تعالى ط، أو المراد أنه قد يسقط بلا ضرورة كما في الصلاة على الدابة
خارج المصر، ونظيره ما مر في تفسير الركن الزائد كالقراءة فكان المناسب للشارح أن
يقول: قد يسقط بلا عجز، بدل قوله: ((يسقط للعجز)) وإلا فكل الشروط كذلك. قوله:
(للابتلاء) علة المحذوف: أي شرطه الله تعالى لاختبار المكلفين، لأن فطرة المكلف المعتقد
استحالة الجهة عليه تعالى تقتضي عدم التوجه في الصلاة إلى جهة مخصوصة، فأمرهم على
خلاف ما تقتضيه فطرتهم اختباراً لهم هل يطيعون أولا كما في البحر ح. قلت: وهذا كما
ابتلى الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم حيث جعله قبلة لسجودهم. قوله: (حتى لو سجد
الخ) تفريع على كون الاستقبال شرطاً زائداً: يعني لما كان المسجود له هو الله تعالى والتوجه
إلى الكعبة مأموراً به كما تقدم كان السجود لنفس الكعبة كفراً ح. قوله: (فللمكي) أي
فالشرط له: أي لصلاته؛ وكذا قوله: ((ولغيره) أو اللام فيهما بمعنى على، أي فالواجب
عليه. قوله: (لثبوت قبلتها) أي قبلة المدينة المنورة المفهومة من قوله: ((وكذا المدني)).
وأورد أنه لا يلزم من ثبوتها بالوحي أن تكون على عين الكعبة لاحتمال كونها على
الجهة. قوله: (يعمّ المعاين وغيره) أي المكي المشاهد للكعبة والذي بينه وبينها حائل
كجدار ونحوه، فيشترط إصابة العين؛ بحيث لو رفع الحائل وقع استقباله على عين
الكعبة. قوله: (وأقره المصنف) أي في المنح، لكن قال في شرحه على زاد الفقير:
إطلاق المتون والشروح والفتاوى يدل على أن المذهب الراجح عدم الفرق بين ما إذا كان
بينهما حائل أو لا اهـ. وفي الفتح: وعندي في جواز التحري مع إمكان صعوده إشكال،
(١) في ط (قوله لا تحصيله) لعلها نسخته، وإلا فالذي في نسخ الشارح التي بيدي (لأطلبه) والمآل واحد.
١٠٩
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
«فللمكي، مكي يعاين الكعبة (ولغيره) أي غير معاينها (إصابة جهتها) بأن يبقى شيء من
سطح الوجه مسامتاً للكعبة أو لهوائها، بأن يفرض من تلقاء وجه مستقبلها حقيقة في
لأن المصير إلى الدليل الظنى وترك القاطع مع إمكانه لا يجوز، وقد قال في الهداية:
والاستخبار فوق التحري. فإذا امتنع المصير إلى ظني لإمكان ظني أقوى منه فكيف يترك
اليقين مع الظن اهـ. قوله: (بأن يبقى الخ) في كلامه إيجاز لا يفهم منه المراد، فاعلم أولاً
أن السطح في اصطلاح علماء الهندسة ما له طول وعرض لا عمق، والزاوية القائمة هي
إحدى الزاويتين المتساويتين الحادثتين عن جنبي خط مستقيم قام على خط مستقيم
هكذا: قائمة قائمةٍ وكلتاهما قائمتان، ويسمى الخط القائم على الآخر عموداً، فإن لم
تتساويا فما كانت أصغر من القائمة تسمى زاوية حادة، وما كانت أكبر تسمى زاوية منفرجة
هكذا: حادة /منفرجة.
ثم اعلم أنه ذكر في المعراج عن شيخه أن جهة الكعبة هي الجانب الذي إذا توجه إليه
الإنسان يكون مسامتاً للكعبة أو هوائها تحقيقاً أو تقريباً؛ ومعنى التحقيق أنه لو فرض خط من
تلقاء وجهه على زاوية قائمة إلى الأفق يكون ماراً على الكعبة أو هوائها ط. ومعنى التقريب
أن يكون منحرفاً عنها أو عن هوائها بما لا تزول به المقابلة بالكلية، بأن يبقى شيء من سطح
الوجه مسامتاً لها أو لھوائها.
وبيانه أن المقابلة في مسافة قريبة تزول بانتقال قليل من اليمين أو الشمال مناسب لها،
وفي البعيدة لا تزول إلا بانتقال كثير مناسب لها، فإنه لو قابل إنسان آخر من مسافة ذراع مثلاً
تزول تلك المقابلة بانتقال أحدهما يميناً بذراع، وإذا وقعت بقدر ميل أو فرسخ لا تزول إلا
بمائة ذراع أو نحوها، ولما بعدت مكة عن ديارنا بعداً مفرطاً تتحقق المقابلة إليها في مواضع
كثيرة في مسافة بعيدة؛ فلو فرضنا خطاً من تلقاء وجه مستقبل الكعبة على التحقيق في هذه
البلاد ثم فرضنا خطاً آخر يقطعه على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبل وشماله لا
تزول تلك المقابلة والتوجه بالانتقال إلى اليمين والشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة،
فلذا وضع العلماء القبلة في بلاد قريبة على سمت واحد اهـ. ونقله في الفتح والبحر وغيرهما
وشروح المنية وغيرها وذكره ابن الهمام في زاد الفقير.
وعبارة الدرر هكذا: وجهتها أن يصل الخط الخارج من جبين المصلي إلى الخط
المارّ بالكعبة على استقامة بحيث يحصل قائمتان. أو نقول: هو أن تقع الكعبة فيما بين
خطين يلتقيان في الدماغ فيخرجان إلى العينين كسافي مثلث، كذا قال النحرير التفتازاني في
شرح الكشاف، فيعلم منه أنه لو انحرف عن العين انحرافاً لا تزول منه المقابلة بالكلية جاز،
ويؤيده ما قال في الظهيرية: إذا تيامن أو تياسر تجوز، لأن وجه الإنسان مقوس، لأن عند
التيامن أو التياسر يكون أحد جوانبه إلى القبلة اهـ كلام الدرر. وقوله في الدرر على استقامة
١١٠
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
بعض البلاد خط على زاوية قائمة إلى الأفق مارّاً على الكعبة، وخط آخر يقطعه على
زاويتين قائمتين يمنة ويسرة. منح. قلت: فهذا معنی التیامن والتیاسر في عبارة الدرر،
متعلق بقوله يصل، لأنه لو وصل إليه معوجاً لم تحصل قائمتان بل تكون إحداهما حادة
والأخرى منفرجة كما بينا. ثم إن الطريقة التي في المعراج هي الطريقة الأولى التي في
الدرر، إلا أنه في المعراج جعل الخط الثاني ماراً على المصلى على ما هو المتبادر من
عبارته، وفي الدرر جعله ماراً على الكعبة، وتصوير الكيفيات الثلاث على الترتيب هكذا:
كعبة
كعبة
كعبة
قائمة قائمة
مصلى
مصلى
ساق مثلث
نائمة. قائمة
am gm
قائمة قائمة مصلى
قائمة قائمة
مصلى
مصلى
یمین
مصلى
شمال
قوله: (منح) فيه أن عبارة المنح هي حاصل ما قدمناه عن المعراج، وليس فيها قوله:
((ماراً على الكعبة)) بل هو المذكور في صورة الدرر. ويمكن أن يراد أنه مارّ عليها طولًا لا
عرضاً، فيكون هو الخط الخارج من جبين المصلي والخط الآخر الذي يقطعه هو المار
عرضاً على المصلى أو على الكعبة فيصدق بما صورناه أولاً وثانياً. ثم إن اقتصاره على
بعض عبارة المنح أدى إلى قصر بيانه على المسامتة تحقيقاً، وهي استقبال العين دون
المسامتة تقديراً، وهي استقبال الجهة مع أن المقصود الثانية، فكان عليه أن يحذف قوله:
«من تلقاء وجه مستقبلها حقیقة في بعض البلاد)). قوله: (قلت الخ) قد علمت أنه لو فرض
شخص مستقبلاً من بلده لعين الكعبة حقيقة، بأن يفرض الخط الخارج من جبينه واقعاً على
عين الكعبة فهذا مسامت لها تحقيقاً، ولو أنه انتقل إلى جهة يمينه أو شماله بفراسخ كثيرة
وفرضنا خطاً ماراً على الكعبة من المشرق إلى المغرب وكان الخط الخارج من جبين
المصلي يصل على استقامة إلى هذا الخط المار على الكعبة فإنه بهذا الانتقال لا تزول
المقابلة بالكلية، لأن وجه الإنسان مقوس، فمهما تأخر يميناً أو يساراً عن عين الكعبة يبقى
شيء من جوانب وجهه مقابلاً لها، ولا شك أن هذا عند زيادة البعد؛ أما عند القرب فلا يعتبر
كما مر؛ فقول الشارح ((هذا معنى التيامن والتياسر)) أي إن ما ذكره من قوله: ((بأنه يبقى شيء
ساق مثلث
١١١
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
فتبصر وتعرف بالدليل؛ وهو في القرى والأمصار محاريب الصحابة والتابعين، وفي
من سطح الوجه الخ)) مع فرض الخط على الوجه
الذي قررناه هو المراد بما في الدرر عن الظهيرية من
التيامن والتياسر: أي ليس المراد منه أن يجعل الكعبة
الكعبة
عن يمينه أو يساره، إذ لا شك حينئذ في خروجه عن
مصلى
الجهة بالكلية، بل المفهوم مما قدمناه عن المعراج
والدرر من التقیید بحصول زاویتین قائمتین عند انتقال
المستقبل لعين الكعبة يميناً أو يساراً أنه لا یصح أو كانت إحداهما حادة والأخرى منفرجة
بهذه الصورة.
والحاصل أن المراد بالتيامن والتياسر الانتقال عن عين الكعبة إلى جهة اليمين أو
اليسار لا الانحراف لكن وقع في كلامهم ما يدل على أن الانحراف لا يضر؛ ففي
القهستاني: ولا بأس بالانحراف انحرافاً لا تزول به المقابلة بالكلية، بأن يبقى شيء من
سطح الوجه مسامتاً للكعبة اهـ.
وقال في شرح زاد الفقير: وفي بعض الكتب المعتمدة في استقبال القبلة إلى الجهة
أقاويل كثيرة، وأقربها إلى الصواب قولان: الأول أن ينظر من مغرب الصيف في أطول أيامه
ومغرب الشتاء في أقصر أيامه فليدع الثلثين في الجانب الأيمن والثلث في الأيسر والقبلة
عند ذلك، ولو لم يفعل هكذا وصلى فيما بين المغربين يجوز، وإذا وقع خارجاً منها لا يجوز
بالاتفاق اه ملخصا.
وفي منية المصلي عن أمالي الفتاوى: حدّ القبلة في بلادنا: يعني سمرقند: ما بين
المغربين مغرب الشتاء ومغرب الصيف، فإنه صلى إلى جهة خرجت من المغربين فسدت
صلاته اهـ. وسيأتي في المتن في مفسدات الصلاة أنها تفسد بتحويل صدره عن القبلة بغير
عذر، فعلم أن الانحراف اليسير لا يضر، وهو الذي يبقى معه الوجه أو شيء من جوانبه
مسامتاً لعين الكعبة أو لهوائها، بأن يخرج الخط من الوجه أو من بعض جوانبه ويمر على
الكعبة أو هوائها مستقيماً، ولا يلزم أن يكون الخط الخارج على استقامة خارجاً من جهة
المصلى، بل منها أو من جوانبها كما دل عليه قول الدرر من جبين المصلي، فإن الجبين
طرف الجبهة وهما جبينان؛ وعلى ما قررناه يحمل ما في الفتح والبحر عن الفتاوى من أن
الانحراف المفسد أن يجاوز المشارق. إلى المغارب اهـ. فهذا غاية ما ظهر لي في هذا
المحل، والله تعالى أعلم. قوله: (فتبصر) أشار إلى دقة ملحظه الذي قررناه وإلى عدم
الاستعجال بالاعتراض ومع هذا نسبوه إلى عدم الفهم، فافهم. قوله: (محاريب الصحابة
والتابعين) فلا يجوز التحري معها. زيلعي. بل علينا اتباعهم. خانية. ولا يعتمد على قول
١١٢
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
المفاوز والبحار النجوم كالقطب،
الفلكي العالم البصير الثقة: إن فيها انحرافاً، خلافاً للشافعية في جميع ذلك كما بسطه في
الفتاوى الخيرية، فإياك أن تنظر إلى ما يقال: إن قبلة أموي دمشق، وأكثر مساجدها المبنية
على سمت قبلته فيها بعض انحراف، وإن أصح قبلة فيها قبلة جامع الحنابلة الذي في سفح
الجبل، إذ لا شك أن قبلة الأموي من حين فتح الصحابة ومن صلى منهم إليها وكذا من
بعدهم أعلم وأوثق وأدرى من فلكي لا ندري هل أصاب أم أخطأ، بل ذلك يرجح خطأه
وكل خير في اتباع من سلف. قوله: (كالقطب) هو أقوى الأدلة، وهو نجم صغير في بنات
نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي، إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مستقبلاً القبلة
إن كان بناحية الكوفة وبغداد وهمدان، ويجعله من بمصر على عاتقه الأيسر، ومن بالعراق
على كتفه الأيمن؛ ومن باليمن قبالته مما يلي جانبه الأيسر، ومن بالشام وراءه. بحر. قال
ابن حجر: وقيل ينحرف بدمشق وما قاربها إلى الشرق قليلاً اهـ.
وذكر الشراح للقبلة علامات أخر غالبها مبنية على سمت بلادهم، منها ما قدمناه عن
شرح زاد الفقير والمنية فإنها علامة لقبلة سمرقند وما كان على سمتها. وفي حاشية الفتال
قال البرجندي: ولا يخفى أن القبلة تختلف باختلاف البقاع؛ وما ذكروه يصح بالنسبة إلى بقعة
معينة، وأمر القبلة إنما يتحقق بقواعد الهندسة والحساب، بأن يعرف بعد مكة عن خط
الاستواء وعن طرف المغرب ثم بعد البلد المفروض كذلك ثم يقاس بتلك القواعد ليتحقق
سمت القبلة اهـ. لكن قال القهستاني: ومنهم من بناه على بعض العلوم الحكمية، إلا أن
العلامة البخاري قال في الكشف: إن أصحابنا لم يعتبروه اهـ. وأفاد في النهر أن دلائل
النجوم معتبرة عند قوم وعند آخرين ليست بمعتبرة، قال: وعليه إطلاق عامة المتون اهـ.
أقول: لم أر في المتون ما يدل على عدم اعتبارها، ولنا تعلم ما نهتدي به على القبلة
من النجوم. وقال تعالى: ﴿وَالنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾(١) [الأنعام: ٩٧]. على أن محاريب الدنيا
كلها نصبت بالتحرّي حتى منى كما نقله في البحر، ولا يخفى أن أقوى الأدلة النجوم.
والظاهر أن الخلاف في عدم اعتبارها إنما هو عند وجود المحاريب القديمة إذ لا يجوز
التحري معها كما قدمناه، لئلا يلزم تخطئة السلف الصالح وجماهير المسلمين، بخلاف ما إذا
كان في المفازة فينبغي وجوب اعتبار النجوم ونحوها في المفازة لتصريح علمائنا وغيرهم
بكونها علامة معتبرة، فينبغي الاعتماد في أوقات الصلاة وفي القبلة على ما ذكره العلماء
الثقات في كتب المواقيت، وعلى ما وضعوه لها من الآلات كالربع والاصطرلاب، فإنها إن
لم تفد اليقين تفد غلبة الظن للعالم بها، وغلبة الظن كافية في ذلك.
ولا يرد على ذلك ما صرح به علماؤنا من عدم الاعتماد على قول أهل النجوم في
(١) في ط التلاوة ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها﴾.
١١٣
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
وإلا فمن الأهل العالم بها ممن لو صاح به سمعت
دخول رمضان، لأن ذاك مبني على أن وجوب الصوم معلق برؤية الهلال، لحديث ((صُومُوا
لِرُؤْيَتِهِ))(١) وتوليد الهلال ليس مبنياً على الرؤية، بل على قواعد فلكية، وهي وإن كانت
صحیحة في نفسها، لكن إذا كانت ولادته في ليلة کذا فقد یری فیھا الهلال وقد لا یری؛
والشارع علق الوجوب على الرؤية بالقبلة لا على الولادة، هذا ما ظهر لي والله أعلم. قوله:
(وإلا فمن الأهل) أي وإن لم يكن ثمة محاريب قديمة فيسأل من يعلم بالقبلة ممن تقبل شهادته
من أهل ذلك المكان ممن يكن بحضرته بأن يكون بحيث لو صاح به سمعه، أما غير العالم
بها فلا فائدة في سؤاله، وأما غير مقبول الشهادة كالكافر والفاسق والصبي فلعدم الاعتداد
بإخباره فيما هو من أمور الديانات ما لم يغلب على الظن صدقه كما في القهستاني، ويقبل
فيها قول الواحد العدل كما في النهاية؛ وأما إذا لم يكن من أهل ذلك المكان فلأنه يخبر عن
اجتهاد فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره؛ وأما إذا لم يكن بحضرته من أهل المسجد أحد فإنه
يتحرى، ولا يجب عليه قرع الأبواب كما سيأتي؛ وظاهر التقييد بالأهل أن وجوب السؤال
خاص بالحضر، فلو في مفازة لا يجب. وفي البدائع ما يخالفه حيث قال: فإن كان عاجزاً
بالاشتباه وهو أن يكون في المفازة في ليلة مظلمة ولا علم له بالأمارات الدالة على القبلة،
فإن كان بحضرته من يسأله عنها لا يجوز له أن يتحرى، بل يجب أن يسأل لما قلنا: أي من أن
السؤال أقوى من التحري اهـ. وشرط في الذخيرة كون المخبر في المفازة عالماً حيث نقل
عن الفقيه أبي بكر أنه سئل عمن في المفازة، فأخبره رجلان أن القبلة في جانب ووقع تحريه
إلى جانب آخر، فقال: إن كان في رأيه أنهما يعلمان ذلك يأخذ بقولهما لا محالة وإلا فلا اهـ.
وشرط في الخانية والتجنيس كونهما من أهل ذلك الموضع حيث قال: فإن لم يكونا من
أهل ذلك الموضع وهما مسافران مثله لا يلتفت إلى قولهما لأنهما يقولان بالاجتهاد، فلا
يترك اجتهاده باجتهاد غيره اهـ. والظاهر أن المراد من اشتراط كونهما من أهل ذلك الموضع
كونهما عالمين بالقبلة، لأن الكلام في المفازة ولا أهل لها، إلا أن يراد كونهما من أهل
الأخبية فهما من أهله والأهل له علم أكثر من غيره، فلا ينافي ما مر عن الذخيرة، حتى لو
كانا من أهله ولا علم لهما لا يلتفت إلى قولهما، فالمناط إنما هو العلم، فقد يكونان
مسافرين مثله ولكن لهما معرفة بالقبلة في ذلك المكان بكثرة التكرار أو بطريق آخر من طرق
العلم مما يفوق على تحري المتحري.
ثم اعلم أن ما نقلناه آنفاً عن البدائع من قوله: في ليلة مظلمة الخ، يقتضي أن
الاستدلال بالنجوم في المفازة مقدم على السؤال المقدم على التحري، فصار الحاصل أن
الاستدلال على القبلة في الحضر إنما يكون بالمحاريب القديمة، فإن لم توجد فبالسؤال من
(١) أخرجه البخاري ١١٩/٤ (١٩٠٩) ومسلم ٢/ ٧٦٢ (١٠٨١/١٨).
١١٤
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
(والمعتبر) في القبلة (العرصة لا البناء) فهي من الأرض السابعة إلى العرش (وقبلة
العاجز عنها) لمرض وإن وجد موجهاً عند الإمام
أهل ذلك المكان وفي المفازة بالنجوم، فإن لم يكن لوجود غيم أو لعدم معرفته بها فبالسؤال
من العالم بها، فإن لم يكن فيتحرى؛ وكذا يتحرى لو سأله عنها فلم يخبره، حتى لو أخبره
بعد ما صلى لا يعيد كما في المنية. وفيها: لو لم يسأله وتحرى، إن أصاب جاز وإلا لا،
وكذا الأعمى اهـ. ومسائل التحري ستأتي. ورجح في البحر ما في الظهيرية، من أنه لو
صلى في المفازة بالتحري والسماء مصحية لكنه لا يعرف النجوم فتبين أنه أخطأ لا يجوز،
لأنه لا عذر لأحد في الجهل بالأدلة الظاهرة كالشمس والقمر وغيرهما. أما دقائق علم الهيئة
وصور النجوم الثوابت فهو معذور في الجهل بها اهـ. وقوله: (والمعتبر في القبلة الخ) أي
إن الذي يجب استقباله أو استقبال جهته هو العرصة؛ وهي لغة: كل بقعة بين الدور واسعة لا
بناء فيها كما في الصحاح وغيره، والمراد بها هنا تلك البقعة الشريفة. قوله: (لا البناء) أي
ليس المراد بالقبلة الكعبة التي هي البناء المرتفع على الأرض، ولذا لو نقل البناء إلى موضع
آخر وصلى إليه لم يجز، بل تجب الصلاة إلى أرضها كما في الفتاوى الصوفية عن الجامع
الصغير.
مَطْلَبٌ: كَرَامَاتُ الأَوْلِيَاءِ ثَابِتَةٌ
وفي البحر عن عدة الفتاوى: الكعبة إذا رفعت عن مكانها لزيارة أصحاب الكرامة ففي
تلك الحالة جازت الصلاة إلى أرضها اهـ. وفي المجتبى: وقد رفع البناء في عهد ابن الزبير
على قواعد الخليل، وفي عهد الحجاج ليعيدها على الحالة الأولى والناس يصلون اهـ
فتال. وما ذكره في البحر نقله في التاترخانية عن الفتاوى العتابية، قال الخير الرملي: وهذا
صريح في كرامات الأولياء، فيردّ به على من نسب إمامنا إلى القول بعدمها، وسيأتي تمام
الكلام على ذلك في باب ثبوت النسب. قوله: (فهي من الأرض السابعة إلى العرش) صرح
بذلك في الفتاوى الصوفية معزياً للحجنة، ثم قال: فلو صلى في الجبال العالية والآبار
العميقة السافلة جاز كما جاز على سطحها وفي جوفها. فتال، فلو كان المعتبر البناء لا
العرصة لم يجز ذلك، فالتفريع صحيح، فافهم. قوله: (عند الإمام) لأن القادر بقدرة الغير
عاجز عنده، لأن العبد يكلف بقدرة نفسه لا بقدرة غيره خلافاً لهما، فيلزمه عندهما التوجه إن
وجد موجهاً، وبقولهما جزم في المنية والمنح والدرر والفتح بلا حكاية خلاف، وهذا
بخلاف ما لو عجز عن الوضوء ووجد من يوضئه حيث يلزمه، ولا يجوز له التيمم اتفاقاً في
ظاهر المذهب، وقيل على الخلاف أيضاً، وقدمنا الفرق في باب التيمم فراجعه. وإذا كان
له مال ووجد أجيراً بأجرة مثله هل يلزمه أن يستأجره عندهما كما قالوه في التيمم أم لا؟ لم أر
من ذكره وينبغي اللزوم، ثم رأيته في شرح الشيخ إسماعيل عن الروضة، لكن بتقييد كون
١١٥
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
أو خوف مال، وكذا كلّ من سقط عنه الأركان (جهة قدرته) ولو مضطجعاً بإيماء لخوف
رؤية عدو ولم يعد، لأن الطاعة بحسب الطاقة (ويتحرى) هو بذل المجهود لنيل
المقصود (عاجز عن معرفة القبلة) بما مر
الأجرة دون نصف درهم، فلو طلب نصف درهم أو أكثر لا يلزمه، والظاهر أن المراد به
أجر المثل كما فسروه بذلك في التيمم كما قدمناه هناك. قوله: (أو خوف مال) أي خوف
ذهابه بسرقة أو غيرها إن استقبل، وسواء كان المال ملكاً له أو أمانة قليلاً أو كثيراً ط ولم
يعزه إلى أحد فليراجع؛ نعم سيأتي في مفسدات الصلاة أنه يجوز قطع الصلاة لضياع ما قيمته
درهم له أو لغيره. قوله: (وكذا كل من سقط عنه الأركان) أي تكون قبلته جهة قدرته أيضاً.
فقال في البحر: ويشمل أي العذر ما إذا كان على لوح في السفينة يخالف الغرق إذا انحرف
إليها، وما إذا كان في طين وردغة لا يجد على الأرض مكاناً يابساً، أو كانت الدابة جموحاً لو
نزل لا یمکنه الر کوب إلا بمعین، أو کان شیخاً کبیراً لا یمکنه أن یر کب إلا بمعین ولا يجده،
فكما تجوز له الصلاة على الدابة ولو كانت فرضاً وتسقط عنه الأركان كذلك يسقط عنه
التوجه إلى القبلة إذا لم يمكنه، ولا إعادة عليه إذا قدر اهـ. فيشترط في جميع ذلك عدم
إمكان الاستقبال، ويشترط في الصلاة على الدابة إيقافها إن قدر، وإلا بأن خاف الضرر كأن
تذهب القافلة وينقطع فلا يلزمه إيقافها ولا استقبال القبلة كما في الخلاصة، وأوضحه في
شرح المنية الكبير والحلية، وقيد في الحلية مسألة الصلاة على الدابة للطين بما إذا عجز
عن النزول، فإن قدر نزل وصلى واقفاً بالإيماء، زاد الزيلعي: وإن قدر على القعود دون
السجود أومأ قاعداً، وأنه لو كانت الأرض ندية مبتلة بحيث لا يغيب وجهه في الطين صلى
على الأرض وسجد، وسيأتي تمام الكلام على الصلاة على الدابة في باب الوتر والنوافل إن
شاء الله تعالى. قوله: (ولو مضطجعاً الخ) تعميم لقدرة: أي يتوجه العاجز إلى أي جهة قدر
ولو كان مضطجعاً. قال الزيلعي: ويستوي فيه: أي في العجز الخوف من عدوّ أو سبع أو
لص، حتى إذا خاف أن يراه إن توجه إلى القبلة جاز له أن يتوجه إلى أي جهة قدر، ولو
خاف أن يراه العدوّ إن قعد صلى مضطجعاً بالإيماء، وكذا الهارب من العدوّ راكباً يصلي
على دابته اهـ. قوله: (ولم يعد) لأن هذه الأعذار سماوية حتى الخوف من عدو، لأن
الخوف لم يحصل بمباشرة أحد، بخلاف المقيد إذا صلى قاعداً فإنه يعيد عندهما لا عند أبي
يوسف كما في شرح المنية، ومر تحقيق ذلك في التيمم، فينبغي أن يعيد هنا أيضاً، إذ لا
فرق بين صلاته قاعداً أو إلى غير القبلة، لأن القيد عذر من جهة العبد، لأنه بمباشرة
المخلوق. تأمل.
مَطْلَبُ: مَسَائِلُ الْتَّحَرِّي فِي الْقِبْلَةِ
قوله: (هو) أي التحري المفهوم من فعله. قوله: (بما مر) متعلق بمعرفة، والذي مر
١١٦
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
(فإن ظهر خطؤه لم يعد) لما مر (وإن علم به في صلاته أو تحوّل رأيه) ولو في سجود
سهو (استدار وبنى) حتى لو صلى كل ركعة لجهة جاز، ولو بمكة أو مسجد مظلم، ولا
يلزمه قرع أبواب ومس جدران
هو الاستدلال بالمحاريب والنجوم والسؤال من العالم بها، فأفاد أنه لا يتحرى مع القدرة
على أحد هذه حتى لو كان بحضرته من يسأله فتحرى ولم يسأله إن أصاب القبلة جاز
الحصول المقصود وإلا فلا، لأن قبلة التحري مبنية على مجرد شهادة القلب من غير أمارة،
وأهل البلد لهم علم بجهة القبلة المبنية على الأمارات الدالة عليها من النجوم وغيرها فكان
فوق الثابت بالتحري؛ وكذا إذا وجد المحاريب المنصوبة في البلدة أو كان في المفازة
والسماء مطّحية وله علم بالاستدلال بالنجوم لا يجوز له التحري، لأن ذلك فوقه، وتمامه
في الحلية وغيرها. واستفيد مما ذكر أنه بعد العجز عن الأدلة المارة عليه أن يتحرى ولا يقلد
مثله، لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً؛ وإذا لم يقع تحريه على شيء فهل له أن يقلد؟ لم أره.
قوله: (فإن ظهر خطؤه) أي بعد ما صلى. قوله: (لما مر) وهو كون الطاعة بحسب الطاقة.
قوله: (وإن علم به) أي بخطئه، فافهم. قوله: (أو تحوّل رأيه) أي بأن غلب على ظنه أن
الصواب في جهة أخرى فلا بد أن يكون اجتهاده الثاني أرجح، إذ الأضعف كالعدم؛ وكذا
المساوي فيما يظهر ترجيحاً للأول بالعمل عليه. تأمل. قوله: (استدار وبنى) أي على ما
بقي (١) من صلاته، لما روي ((أَنَّ أَهْلَ قِبَاءَ كَانُوا مُتَوَجُّهيَنَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ
فَأَخْبُرُوا بِتَحْوِيلِ القِيْلَةِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى القِبْلَةِ؛ وأقرَّهُمُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ عَلَى ذَلِكَ)) وأما إذا تحول رأيه
فلأن الاجتهاد المتجدد لا ینسخ حكم ما قبله في حق ما مضى. شرح المنية. وينبغي لزوم
الاستدارة على الفور؛ حتى لو مكث قدر ركن فسدت. قوله: (ولو بمكة) بأن كان محبوساً .
ولم يكن بحضرته من يسأل فصلى بالتحري ثم تبين أنه أخطأ. بحر. وهذا هو الأوجه،
وعليه اختصر في الخانية. حلية. قوله: (ولا يلزمه قرع أبواب) في الخلاصة إذا لم يكن في
المسجد قوم والمسجد في مصر في ليلة مظلمة، قال الإمام النسفي في فتاواه: جاز اهـ.
وفي الكافي: ولا يستخرجهم من منازلهم. قال ابن الهمام: والأوجه أنه إذا علم أن
للمسجد قوماً من أهله مقيمين غير أنهم ليسوا حاضرين فيه وقت دخوله وهم حوله في القرية
وجب طلبهم ليسألهم قبل التحري، لا التحري معلق بالعجز عن تعرف القبلة بغيره اهـ. ولا
منافاة بين هذا وبين ما مر عن الخلاصة والكافي، لأن المراد إذا لم يكونوا داخل المنازل
ولم يلزم الحرج من طلبهم بتعسف الظلمة والمطر ونحوه. شرح المنية. وقوله: (ومس
جدران) لأن الحائط لو كانت منقوشة لا يمكنه تمييز المحراب من غيره، وعسى أن يكون ثم
هامة مؤذية فجاز له التحري. بحر عن الخانية، وهذا إنما يصح في بعض المساجد، فأما
(١) في ط (قوله أي على ما بقي) هكذا بخطه، ولعل صوابه ((أي على ما مضى)).
١١٧
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة.
ولو أعمى، فسواه رجل بنى ولم يقتد الرجل به ولا بمتحرّ تحرى؛ ولو ائتم بمتحرّ بلا تحرّ
لم يجز إن أخطأ الإمام، ولو سلم فتحول رأي مسبوق ولاحق استدار المسبوق واستأنف
اللاحق، ومن لم يقع تحريه على شيء صلى لكل جهة مرّة احتياطاً، ومن تحول رأيه
في الأكثر فيمكن تمييز المحراب من غيره في الظلمة بلا إيذاء، فلا يجوز التحري. إسماعيل
عن المفتاح. قوله: (ولو أعمى الخ) قال في شرح المنية: ولو صلى الأعمى ركعة إلى غير
القبلة فجاء رجل فسواه إلى القبلة واقتدى به، إن وجد الأعمى وقت الشروع من يسأله فلم
يسأله لم تجز صلاتهما، وإلَّ جازت صلاة الأعمى دون المقتدي، لأن عنده أن إمامه بان
صلاته على الفاسد وهو الركعة الأولى اهـ. ومثله في الفيض والسراج، ومفاده أن الأعمى
لا يلزمه إمساس المحراب إذا لم يجد من يسأله، وأنه لو ترك السؤال مع إمكانه وأصاب القبلة
جازت صلاته وإلا فلا كما قدمناه عن المنية. قوله: (ولا بمتحر تحول) أي إلى القبلة مع علم
المقتدي بحالته الأولى. وعبارته في الخزائن. كمن تحرى فأخطأ ثم على فتحوّل لم يقتد به
من علم بحاله اهـ: أي لعلمه بأن الإمام كان على الخطأ في أول الصلاة. بحر. ومفاده أنه لو
تحول بالتحري أيضاً إلى جهة ظنها القبلة جاز للآخر الاقتداء به إن تحری مثله وإلا فهي
المسألة الآتية. تأمل. قوله: (بمتحر) متعلق بائتم، وقوله بلا تحرّ متعلق بمحذوف حال من
فاعل ائتم. قوله: (لم يجز) أي اقتداؤه إن ظهر أن الإمام مخطئ لأن الصلاة عند الاشتباه من
غير تحرّ إنما تجوز عند ظهور الإصابة كما مر ويأتي؛ وأما صلاة الإمام فهي صحيحة لتحريه،
وإن أصاب الإمام جازت صلاتهما كما في شرح المنية. وقوله: (استدار المسبوق الخ) لأنه
منفرد فيما يقضيه، بخلاف اللاحق لأنه مقتد فيمليقضيه والمقتدي إذا ظهر له وهو وراء
الإمام أن القبلة غير الجهة التي يصلي إليها الإمام لا يمكنه إصلاح صلاته، لأنه إن استدار
خالف إمامه في الجهة قصداً وهو مفسد، وإلا كان متماً صلاته إلى ما هو غير القبلة عنده
وهو مفسد أيضاً، فكذلك اللاحق. شرح المنية.
بقي ما إذا كان لاحقاً ومسبوقاً. وحكمه أنه إن قضى ما لحق به أولاً ثم ما سبق به،
فإن تحول رأيه في قضاء ما لحق به استأنف، وإن تحول في قضاء ما سبق به استدار، وأما إن
قضی ما سبق به أولاً ثم ما لحق به، فإن تحول رأیه فیما لحق به استأنف، وإن تحول فيما سبق
به: فإن استمر على رأيه إلى شروعه فيما لحق به استأنف وهذا كله ظاهر، وأما إن لم يستمر
إلى شروعه فيما لحق به بأن تحول رأيه قبل قضاء ما لحق به إلى جهة إمامه ففيه تردد.
والظاهر أنه يستدير. تأمل ح. وأقره ط والرحمتي. قوله: (ومن لم يقع تحريه الخ) في البحر
والحلية وغيرهما من فتاوى العتاب تحري فلم يقع تحريه على شيء، قيل يؤخر، وقيل يصلي
إلى أربع جهات، وقيل بخير اهـ. ورجح في زاد الفقير الأول حيث جزم به، وعبر عن
الأخيرين بقيل، واختار في شرح المنية الوسط وقال: إنه الأحوط، ونقل ح عن الهندية عن
١١٨
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
لجهته الأولى استدار، ومن تذکر ترك سجدة من الأولى
المضمرات أنه الأصوب، فلهذا اختاره الشارح. وظاهر كلام القهستاني ترجيح الأخير وهو
الذي يظهر لي، فإنه قال لو تحرى ولم يتيقن بشيء فصلى إلى أي جهة شاء كانت جائزة ولو
أخطأ فيه، وقيل إن لم يقع تحريه على شيء أخر الصلاة، وقيل يصلي إلى الجهات الأربع
كما في الظهيرية اهـ ومفاده أن معنى التخيير أنه يصلي مرة واحدة إلى أي جهة أراد من
الجهات الأربع، وبه صرح الشافعية والحنابلة. وأما ما في شرح المنية الكبيرة من تفسيره
بقوله: وقيل يخير إن شاء أخر وإن شاء صلى الصلاة أربع مرات إلى أربع جهات، فالظاهر
أنه من عنده، لأن عبارة فتاوى العتابي السابقة ليس فيها هذه الزيادة. ويردّ عليه(١) أنه إذا
صلى الأربع يلزم عليه الصلاة ثلاث مرات إلى غير القبلة يقيناً، وهو منهي عنه، وترك
المنهي مقدم على فعل المأمور، ولذا يصلي بالنجاسة إذا لزم من غسلها كشف العورة عند
الأجانب، على أن المأمور به هنا ساقط لأن التوجه إلى القبلة إنما يؤمر به عند القدرة عليه
وقبلة المتحري هي جهة تحريه. ولما لم يقع تحريه على شيء استوت في حقه الجهات
الأربع فيختار واحدة منها ويصلي إليها، وتصح صلاته وإن ظهر خطؤه فيها، لأن أتى بما
في وسعه. وهذا الوجه يقوي القول الأخير وهو التخيير على المعنى الذي ذكرناه عن
القهستاني، ويضعف ما اختاره الشارح وادعى أنه الاحتياط، فتدبر ذلك بإنصاف. وللقول
الأول الذي اختاره الكمال في زاد الفقير وجه ظاهر أيضاً. وهو أنه لما كانت القبلة عند عدم
الدليل عليها هي جهة التحري ولم يقع تحريه على شيء صار فاقد الشرط صحة الصلاة
فيؤخرها كفاقد الطهورين.
لكن القول الأخير وهو وجوب الصلاة في الوقت مع التخيير إلى أيّ جهة شاء أحوط
كما لو وجد ثوباً أقل من ربعه طاهر، ولعموم قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَتَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾
[البقرة ١١٥] فإنه قيل نزل في مسألة اشتباه القبلة، وظاهر ما قدمناه عن القهستاني اختياره
وبه يشعر كلام البحر، وهو مذهب الشافعية والحنابلة كما مر.
مَطْلَبُ: إِذَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
فَالأَرْجَحُ الأَوَّلُ أَوِ الثَّالِثُ لا الوَسَطُ
وقدمنا أول الكتاب عن المستصفى أنه إذا ذكر في مسألة ثلاثة أقوال فالأرجح الأول
أو الثالث لا الوسط، والله أعلم. قوله: (استدار) قال في شرح المنية: واختلف المتأخرون
(١) في ط (قوله ويرد عليه أنه إلخ) أجاب عنه شيخنا بأن صلاته إلى أي جهة من الجهات الأربع لم تكن صلاة لغير القبلة
من كل وجه كما قدمه المحشي عن البحر فيمن فقد الماء المطلق ووجد سؤر الحمار فإنه يجمع بينهما في صلاة
واحدة لا في حالة واحدة، حيث قال: فإن قيل يلزم من هذا أداء الصلاة بلا طهارة في إحدى المرتين وهو مستلزم
الكفر فينبغي الجمع بينهما في أداء واحد. قلنا: كل منهما مطهر من وجه دون وجه، فلا يكون الأداء بلا طهارة من
کل وجه، فلا يلزمه الكفر.
١١٩
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
استأنف (وإن شرع بلا تحر لم يجز وإن أصاب) لتركه فرض التحري، إلا إذا علم إصابته
بعد فراغه فلا يعيد اتفاقاً، بخلاف مخالف جهة تحريه فإنه يستأنف مطلقاً كمصلّ على أنه
محدث أو ثوبه نجس أو الوقت لم يدخل فبان بخلافه لم يجز.
(صلى جماعة عند اشتباه القبلة) فلو لم تشتبه إن أصاب جاز (بالتحري)
فيما إذا تحول رأيه في الثالثة أو الرابعة إلى الجهة الأولى: قيل يتم الصلاة، وقيل يستقبل،
كذا في الخلاصة، والأول أوجه اهـ، ولذا قدمه في الخانية لأنه يقدم الأشهر، وجزم به
القهستاني وتبعه الشارح. قوله: (استأنف) لأنه إن سجدها إلى الجهة الثانية فقد سجدها إلى
غير قبلة لأنها جزء من الركعة الأولى والجهة الثانية ليست قبلة للركعة الأولى بجميع
أجزائها، وإن سجدها إلى الجهة الأولى فقد انحرف عما هو قبلته الآن اهـ ح. قوله: (وإن
شرع) الضمير راجع إلى العاجز: أي إذا اشتبهت عليه القبلة وعجز عن معرفتها بالأدلة المارة
فقبلته جهة تحرّيه، فلو شرع بلا تحرّ لم تجز صلاته ما لم يتيقن بعد فراغه أنه أصاب القبلة، لأن
الأصل عدم الاستقبال استصحاباً للحال، فإذا تبين يقيناً أنه أصاب ثبت الجواز من الابتداء
وبطل الاستصحاب، حتى لو كان أكبر رأيه أنه أصاب فالصحيح أنه لا يجوز كما في الحلية
عن الخانية؛ ولو تيقن في أثناء صلاته لا يجوز خلافاً لأبي يوسف، لأن حاله بعد العلم أقوى
وبناء القويّ على الضعيف لا يجوز. قوله: (بخلاف الخ) أي لو وقع تحريه على جهة وصلى
إلى غيرها فإنه يستأنف مطلقاً: أي سواء علم أنه أصاب أو أخطأ في الصلاة أو بعدها أو لم
يظهر شيء. وعن أبي حنيفة أنه يخشى عليه الكفر. وعن الثاني يجزيه إن أصاب، وبالأول
يفتى. فيض. والفرق لهما أن ما فرض لغيره يشترط حصوله لا تحصيله، لكن مع عدم اعتقاد
الفساد وعدم الدلیل علیه ومخالفة جهة تحریه اقتضت اعتقاد فساد صلاته فصار كما لو صلى.
وعنده أنه محدث أو أن ثوبه نجس أو أن الوقت لم يدخل فبان بخلاف ذلك لا يجزيه في ذلك
کله، لأن عنده أن ما فعله غير جائز، بخلاف صورة عدم التحري فإنه لم يعتقد الفساد، بل
هو شاك فيه وفي عدمه، فإذا ظهرت إصابته بعد التمام أزال أحد الاحتمالين وتقرر الآخر بلا
لزوم بناء القوي على الضعيف، بخلاف ما إذا علم الإصابة قبل التمام كما في شرح المنية.
قوله: (أو ثوبه) بالنصب عطفاً على اسم ((إن)) ومثله الوقت ح. قوله: (فلو لم تشتبه الخ)
ذكره هنا استطراداً، وكان ينبغي ذكره عند قول المصنف ((وإن شرع بلا تحرّ)) لأنه مفروض
فيما إذا اشتبهت عليه القبلة كما قدمناه، فيكون قوله: ((فلو لم تشتبه)) بياناً لمفهومه.
ثم إن مسائل التحري تنقسم باعتبار القسمة العقلية إلى عشرين قسماً، لأنه إما أن لا
يشك ولا يتحرى، أو شك وتحرى، أو لم يتحر، أو تحرى بلا شكّ. وكل وجه على خمسة؛
لأنه إما أن يظهر صوابه أو خطؤه في الصلاة أو خارجها أو لا يظهر. أما الأول فإن ظهر
خطؤه فسدت مطلقاً، أو صوابه قبل الفراغ قيل هو كذلك لأنه قوي حاله، والأصح لا، ولو
١٢٠
كتاب الصلاة / باب شروط الصلاة
مع إمام (وتبين أنهم صلوا إلى جهات مختلفة، فمن تيقن) منهم (مخالفة إمامه في الجهة)
أو تقدم عليه (حالة الأداء) أما بعده فلا يضرّ (لم تجز صلاته) لاعتقاده خطأ إمامه ولتركه
فرض المقام (ومن لم يعلم ذلك فصلاته صحيحة) كما لو لم يتعين الإمام، بأن رأی
رجلین یصلیان فائتمّ بواحد لا بعينه.
فروع النية عندنا شرط مطلقاً ولو عقبها بمشيئة،
بعده أو لم يظهر أو كان أكبر رأيه الإصابة فكذلك لا تفسد. وحكم الثاني الصحة في الوجوه
كلها. وحكم الثالث الفساد في الوجوه كلها، أو لو أكبر رأيه أنه أصاب على الأصح إلا إذا
علم يقيناً بالإصابة بعد الفراغ. والرابع لا وجود له خارجاً، كذا في النهر. وقد ذكر
المصنف الثاني بقوله: ((ويتحرّى عاجز)) والثالث بقوله: ((وإن شرع بلا تحرّ)) وذكر الشارح
الأول بقوله: ((فلو لم تشتبه الخ)) لكن كان عليه أن يقول: إن ظهر خطؤه فسدت وإلا فلا،
وقد حذف الرابع لعدم وجوده، هذا هو الصواب في تقرير هذا المحل، فافهم. قوله: (مع
إمام) أما لو صلوا منفردين صحت صلاة الكل، ولا يتأتى فيه التفصيل. قوله: (فمن تيقن
منهم) التيقن غير قيد، بل غلبة الظن كافية، يدل عليه ما في الفيض حيث قال: وإن صلوا
بجماعة تجزيهم إلا صلاة من تقدم على إمامه أو علم بمخالفة إمامه في صلاته، وكذا لو كان
عنده أنه تقدم على الإمام أو صلى إلى جانب آخر غير ما صلى إليه إمامه اهـ. قوله: (حالة
الأداء) ظرف لقوله: ((تيقن مخالفة إمامه في الجهة)) مع قطع النظر عن قوله: ((أو تقدمه عليه)»
لأنه إذا تقدم على إمامه لم يجز سواء علم بذلك حالة الأداء أو بعده، بخلاف مخالفته لإمامه
في الجهة فإنه لا يضرُّ إلا إذا علم بها حالة الأداء كما دلت عليه عبارة الفيض التي ذكرناها
آنفاً، ومثلها قوله في الملتقى: جازت صلاة من لم يتقدمه، بخلاف من تقدمه أو علم حاله
وخالفه اهـ. وفي متن الغرر: إن لم يعلم مخالفة إمامه ولم يتقدمه جاز، وإلا فلا. قوله:
الاعتقاد، الخ) نشر مرتب ح. قوله: (کما لو لم یتعین الإمام الخ) تبع في ذلك النهر عن
المعراج. ونص عبارة المعراج: وقال بعض أصحابه: أي الشافعي: عليهم الإعادة، لأن
فعل الإمام في اعتقادهم متردّد بين الخطأ والصواب، ولو لم يتعين الإمام بأن رأى رجلين
يصليان فنوى الاقتداء بواحد لا بعينه لا يجوز، فكذا إذا لم يتعين فعل الإمام اهـ. وبه ظهر أن
المناسب حذف هذه المسألة بالكلية، إذ لا مدخل لها هنا إلا على قول بعض الشافعية
القائلين بأنه لا تصح صلاة من جهل حال إمامه قياساً على ما لو جهل عينه، فافهم.
قُرُوعٌ فِي النِّيَّةِ
قوله: (فروع) كان المناسب ذكر هذه الفروع عند الكلام على النية قبيل استقبال القبلة
كما فعل في الخزائن. قوله: (النية عندنا شرط مطلقاً) أي في كل العبادات باتفاق