Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب الطهارة تطهير الذنوب وإتمام النعمة: أي بموته شهيداً، لحديث ((من داوم على الوضوء مات شهيداً) ذكره في الجوهرة: وإنما قال آمنوا بالغيبة دون آمنتم ليعم كل من آمن إلى يوم القيامة. قاله في الضياء، وكأنه مبني على أن في الآية التفاتاً، والتحقيق خلافه. الخ) أي نعمتين تفضل بهما تعالى على عباده بقوله: ﴿لِيُطَهِّرِكُم وَلِيتمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. قوله: (تطهير الذنوب) لما رواه مسلم ومالك مرفوعاً ((إِذَا تَوَضَّأَ اَلْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَو الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بَعَيْنِهِ مَعَ الِمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْها يَدَاهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، . فإذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الماءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ حَتَّى يُخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ))(١) وفي رواية لمسلم وغيره مرفوعاً (مَنْ تَوَضَّأ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تْخْرُجَ مِنْ تحتِ أَظْفَارِهِ». قوله: (أي بموته شهيداً) أقول أو بالغرّة والتحجیل یوم القيامة، لحديث البخاري المار. قوله: (لیعم الخ) أي فإنه لو قال آمنتم لاختص بالحاضرين في عصره وَّر. ورده في غاية البيان بأن الموصوف بصفة عامة يتعمم. قوله: (وكأنه مبني الخ) لأن ظاهره أن الأصل التعبير بآمنتم قوله: (التفاتاً) هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة: أعني التكلم، أو الخطاب، أو الغيبة بعد التعبير عنه بآخر منها، بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف ما يقتضيه الظاهر ويترقبه السامع. قوله: (والتحقيق خلافه) لأن المنادى مخاطب، فحق ضميره أن يأتي على طريق الخطاب، فيقال: يا فلان إذا فعلت ولا يقال إذا فعل، وإنما جيء في الصلة بضمير الغائب لعوده على الموصول، والموصول من الأسماء الظاهرة وكلها غيب، فإذا تم الموصول بصلته العائد ضميرها عليه تمحض الكلام للخطاب الذي اقتضاه النداء، فليس حينئذ في الكلام عدول عن طريق إلى طريق آخر، ولذا كان جميع ما ورد في القرآن وكلام العرب من أمثال هذا النداء لم يجئء إلا على هذه الطريقة، فدعوى العدول في جميع ذلك لا تسمع نعم العائد إلى الموصول قد سمع فيه الخطاب والتكلم قليلاً في غير النداء، كما في قول علي كرم الله وجهه : [الرجز] أَنَا الَّذِي سَمَّتْني أُمِّي حَبْدَرَة وقول كُثَيّ: [الطويل] وَأَنْتِ التي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ إِلَيَّ وَمَا تَذْرِي بِذَاكَ القَصَائِرُ فهو من الالتفات كما قدمناه في أول الخطبة، وقدمنا هناك أيضاً عن المغني أن القول (١) أخرجه مسلم ٢١٥/١ (٢٤٤/٣٢). ٢٠٢ كتاب الطهارة وأتى في الوضوء بإذا التحقيقية، وفي الجنابة بإن التشككية للإشارة إلى أن الصلاة من الأمور اللازمة والجنابة من الأمور العارضة؛ وصرح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء ليعلم أن الوضوء سنة وفرض والحدث شرط للثاني لا للأول؛ فيكون الغسل على الغسل والتيمم على التيمم عبثاً، والوضوء على الوضوء نور على نور. بالالتفات في الآية سهو ومثله في شرح تلخيص المعاني. قوله: (التحقيقية) أي الدالة على تحقق مدخولها غالباً، وقوله التشكيكية: أي الدالة على أنه مشكوك فيه غالباً، وقد تستعمل کل منهما مكان الأخری کما بین في محله. لطيفة إِن للشك مع أنها جازمة وإذا للجزم مع أنها لا تجزم، وقد ألغز في ذلك الإمام الزغشري فقال(١): أَنَا إِنْ شَكَكْتُ وَجَدْتُمُونِي جَازِماً وَإِذَا جَزَمْتُ فَإِنَّني لم أَجْزِمِ قوله: (من الأمور اللازمة) أي الغالبة الوجود بالنظر إلى ديانة المسلم كما في غاية البيان للعلامة الإتقاني. قوله: (والجنابة الخ) أي لأنها يمكن أن لا تقع أصلا ط. قوله: (في الغسل والتيمم) أي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً﴾ وقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾. قوله: (ليعلم أن الوضوء سنة الخ) وهو الذي لا يكون عن حدث، وهذا يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿فاغسلوا﴾ الخ مستعمل في الوجوب والندب: الوجوب في الحدث والندب في غيره، وهو مخالف لما ذكروه من أن الحدث في الآية مراد. ويؤخذ منه أن التيمم والغسل لا يكونان إلا فرضاً للتصريح بالحدث فيهما. وفيه أن الغسل يندب في موضع ويسن في آخر، وكذا يقوم التيمم مقام الوضوء لنحو نوم ودخول مسجد، فلا يشترط فيهما أن يكونا فرضاً ط، لكن في النهاية لا يقال: إن الغسل سنة للجمعة فيثبت التنوع فيه. لأنا نقول: المدعى أنه لا يسن لكل صلاة. أو نقول: إن اختيار البزدوي أنه سنة لليوم لا للصلاة. مَطْلَبٌ في حَديثٍ: الوُضُوءُ عَلى الوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ قوله: (والوضوء على الوضوء نور على نور) هذا لفظ حديث ذكره في الإحياء(٢). (١) في ط: سلم على شيخ النحاة وقل له أنا إن شككت وجدتموني جازماً قل في الجواب بإن إن في شرطها عندي سؤال من يجبه يعظم وإذا جزمت فإنني لم أجزم جزمت ومعناها التردد فاعلم وقعت ولكن لفظها لم يجزم؟ وإذا الحزم الحكم إن شرطية (٢) انظر تخريج العراقي ١٣٤/١ والأسرار المرفوعة ٣٧٧ والشوكاني في الفوائد (١١) وإتحاف السادة ٢/ ٣٧٥ وكشف الخفا ٤٦٥/٢. وفتح الباري (٢٣٤/١). ٢٠٣ كتاب الطهارة أَرْكَانُ أَلُوضُوءِ أَرْبَعَةٌ عبر بالأركان، لأنه أفيد مع سلامته عما يقال: إن أريد بالفرض القطعي يرد تقدير الممسوح بالربع وقال الحافظ العراقي في تخريجه: لم أقف عليه، وسبقه لذلك الحافظ المنذري. وقال الحافظ ابن حجر: حديث ضعيف ورواه رزين في مسنده اهـ. جراحي، نعم روى أحمد بإسناد حسن مرفوعاً (لَولَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتي لأَمرَتُهُمْ عِنْدَ كلِّ صَلاةٍ بِوُضُوءٍ))(١) يعني ولو كانوا غير محدثين. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه مرفوعاً ((مَنْ تَوَضَأْ عَلى طُهْرِ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ))(٢) ولم يقيد الشارح باختلاف المجلس تبعاً لظاهر الحديث، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في سنن الوضوء. قوله: (عبر بالأركان) أي ولم يعبر بالفرائض كما عبر غيره. قوله: (لأنه) أي التعبير المأخوذ من عبر ط. قوله: (أفيد) أي أكثر فائدة. قال في المنح: لأن الركن أخص، ولينبه على أن مراد من عبر بالفروض الأركان اهـ. قوله: (مع سلامته الخ) اعترض بأن الركن كما اعترف به فرض داخل الماهية، فهو أخص من مطلق الفرض ولازم الأعم لازم للأخص. وأجيب عنه بأن مفهوم الركن ما كان جزء الماهية وإن لزم هنا أن يكون فرضاً، لأن المعتبر في الماهيات الاعتبارية ما اعتبره الواضع عند وضع الاسم لها، ولم يعتبر في الركن ثبوته بقطعي أو ظني. قوله: (بالربع) أي ربع الرأس، ومثله غسل المرفقين والكعبين(٣)، فإنه لم يثبت شيء منها بقطعي ولذا لم يكفر المخالف فيها (١) أخرجه أحمد في المسند ٤٥٩/٢. (٢) أخرجه أبو داود ١/ ٥٠ (٦٢) والترمذي ١/ ٨٧ (٥٩) وقال: إسناده ضعيف وابن ماجة ١٧٠/١ (٥١٢) وضعفه البوصيري في الزوائد بعبد الرحمن بن زياد الإفريقي. (٣) وأجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين ولم يخالف في ذلك من يعتد به في الإجماع كما صرح بذلك الشيخ أبو حامد وغيره، وعليه الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء. وتنحصر أقوال المخالفين في ثلاثة أقوال: الأول: أن الواجب مسحهما، وبه قالت الإمامية من الشيعة. الثاني: أن المتوضئ خير بين غسلهما ومسحهما، وعليه الحسن البصري، وهو ممكن عن ابن جرير الطبري، وحكاه الخطابي عن الجبائي المعتزلي. الثالث: أن الواجب غسلهما ومسحهما جميعاً، وعليه بعض أهل الظاهر كداود. والصواب هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور لأمور: أولاً: الأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوئه چے، وفيها غسل رجليه، منها: أولاً: ما ثبت في الصحيحين أن رسول الله # رأى جماعة توضؤوا وبقيت أعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال: ((ويل للأعقاب من النار))، وفيه دلالة على أن استيعاب الرجلين بالغسل واجب. وثانياً: ما روى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدميه، فأبصره النبي # فقال: ((ارجع فأحسن وضوءك)). وثالثاً: ما روى أبو داود وغيره بأسانيد صحيحه ((أن رجلا أتى النبي ◌َ ﴿ فقال: يارسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثاً، وذكر الحديث إلى أن قال: ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن = ٢٠٤ كتاب الطهارة = زاد على هذا أو نقص أساء، وظلم)). وهو من أحسن الأدلة في المسألة. ورابعاً: ما قال البيهقي: روينا في الحديث الصحيح عن عمرو بن عبسة عن النبي ◌ّرعن الوضوء: ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى ((قال البيهقي) وفي هذا دلالة على أن الله تعالى أمر بغسلهما. وخامساً: حديث لقيط بن صبرة أن النبي وإقال: ((وخلل بين الأصابع)) وهو حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، وصححوه، وفيه دلالة للغسل. وسادساً: بما روي أن النبي # قال: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور، مواضعه، فيغسل وجهه ثم یدیه ثم يمسح برأسه ثم یغسل رجليه)). وثانياً: الإجماع، قال الحافظ في الفتح: ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك ((يعني غسل الرجلين)) إلا عن علي وابن عباس، وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك ا هـ). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله # على غسل القدمين. رواه سعيد بن منصورا هـ شوكاني وثالثاً: أنهما عضوان ممدودان في كتاب الله تعالى كاليدين، فإنه قال: (إلى الكعبين) كما قال: ((إلى المرافق))، فكان واجبهما الغسل کالیدین، واحتج من لم يوجب غسل الرجلين . أولاً - بقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ بالجر على إحدى القراءتين في السبع بعطف الأرجل على الرؤوس كما عطف الأيدي على الوجوه، فعطف الممسوح على الممسوح. وثانياً: بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((عضوان مغسولان، وعضوان ممسوحان)). وثالثاً: بما روي عن أنس أنه بلغه أن الحجاج خطب فقال: ((أمر الله تعالى بغسل الوجه واليدين وغسل الرجلين، فقال أنس صدق الله وكذب الحجاج)). ((فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم)) قرأها جراً. ورابعاً: بما روي عن ابن عباس أنه قال: ((إنما هما غسلتان ومسحتان)). وعنه أيضاً: ((أمر الله بالمسح ويأبى الناس إلا الغسل)). وخامساً: بما روي عن رفاعة في حديث المسيء صلاته: قال له النبي #1: ((إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالی، فیغسل وجهه ویدیه، ويمسح رأسه ورجليه)). وسادساً: بما روي عن علي رضي الله عنه أنه توضأ فأخذ حفنة من ماء فرش على رجله اليمنى، وفيها نعله ثم فتلها بها ثم صنع بالیسری کذلك. وسابعاً: بقياس حاصله أنه عضو لا مدخل له في التيمم، فجاز مسحه كالرأس. والجواب عن احتجاجهم بالآية، أنها قرئت بالنصب والجر والرفع، وقراءة النصب والجر سبعيتان، قرأ بالنصب نافع، وابن عامر، وعاصم، في رواية حفص عنه، وقرأ بالجر ابن كثير، وحمزة، وأبو عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر عنه، وأما الرفع فقراءة الحسن: أما قراءة النصب، فيكون أرجلكم فيها معطوفاً على الوجه والأيدي، وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ بالنصب، وقال: هو من المقدم والمؤخر ((يعني أن وامسحوا برؤوسكم مقدم على وأرجلكم، وهو مؤخر عنه. ونظم الآية على الترتيب هكذا. فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسکم. وقرأ ابن عباس بالنصب، وقال: يرجع إلى الغسل، وكذلك مجاهد وعروة. والنصب صريح في الغسل فعلى هذه القراءة لا دلالة فيها على المسح. وأما قراءة الرفع فأرجلكم مبتدأ، والخبر يحتمل أن يكون مغسولة أو ممسوحة على السواء. ولعل هذه شبهة القائلين بالتخيير بين الغسل والمسح، لكن أدلة الجمهور المتقدمة تعين أن الخبر مغسولة. وأما قراءة الجر فالجواب عنها من وجوه - أولًا - قال سيبويه والأخفش وغيرهما: إن جرها بالجوار للرؤوس لا بحكم العطف عليها مع أن الأرجل منصوبة. كما تقول العرب: جحر ضب خرب ((يجر خرب على جوار ضب))، وهو مرفوع صفة الحجر، ومنه في القرآن ((إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم))، فجر أليماً على جوار، يوم، وهو منصوب صفة لعذاب، ولا يعكر على الجر بالمجاورة وجود الواو، فإن الجر بالمجاورة مع الواو مشهور في أشعارهم. من ذلك قول الشاعر: = ٢٠٥ كتاب الطهارة وموثق في عقال الأسر مكبول لم يبق إلا أسير غير منفلت فجر موثقاً لمجاورته منفلت، وهو مرفوع معطوف على أسير. فإن قيل: الجر بالمجاورة إنما یکون فیما لا لبس فيه، وهذا فيه لبس. قلنا: لا ليس هنا؛ لأنه حدد بالكعبين، والمسح لا يكون إليهما اتفاقاً، ويدل على أن الجر بالمجاورة لا بالعطف أن المسح لو كان في كتاب الله تعالى لكان الاتفاق فيه، والاختلاف في الغسل، وقد اتفقنا على جواز الغسل، على أن السنة، والإجماع قد بينا أن المراد من فرض الرجلين الغسل، ومع هذا فلا لبس مطلقاً. وثانياً: قال أبو علي الفارسي: قراءة الجر وإن كانت عطفاً على الرؤوس فالمراد بها الغسل، لأن العرب تسمي خفيف الغسل مسحاً، ولهذا إنهم يقولون، مسحت للصلاة يريدون به الغسل وإنما عبر عن غسل الرجلين بالمسح طلباً للاقتصاد فيه، لأنهما مظنة الإسراف لغسلهما بالصب عليهما، ويجعل الباء المقدرة على هذا للإلصاق لا للتبعيض، يدل لهذا إنه حد فرض الرجلين بالكعبين مع أن المسح لا يجب فيه الاستيعاب، فدل على أنه أراد به الغسل. وثالثاً: نقول إنها وإن كانت معطوفة على الرؤوس، فإن أراد به مسح الرجلين في حالة مخصوصة، وهي حالة لبس الخف، فالمراد بمسح الرجل مسح الخف. والتحديد بالكعبين مع أن مسح الخف لا يجب فيه الاستيعاب إنما هو لبيان محل الإجزاء فيه. وأما قول علي رضي الله عنه فإنه أراد به إذا لبس الخف لما روي عنه أنه مسح على الخف، وقال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله # مسح على ظاهر خفيه خطوطاً بالأصابع. ومن رأى المسح على الخفين لا يرى مسح الرجلين وروى الحارث عن علي رضي الله عنه، أنه قال: ((اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم)) فدل على أنه أراد المسح في حالة لبس الخفين. وأما الجواب عن احتجاجهم بقول أنس، فمن وجوه: أحدها: أن أنساً أنكر على الحجاج كون الآية تدل على تعيين الغسل، وكان يعتقد أن الغسل إنما علم وجوبه من بيان السنة، فهو موافق للحجاج في الغسل، مخالف له في الدليل، وهذا الجواب هو المشهور. والثاني: أنه لم ينكر الغسل إنما أنكر القراءة، فكأنه لم يكن بلغة قراءة النصب، وهذا غير ممتنع، ويؤيد هذا التأويل أن أنساً نقل عن النبي # ما دل على الغسل، وكان أنس يغسل رجليه، وهذا الجواب ذكره البيهقي وغيره. والثالث: سلمنا أن كلام أنس يتعذر تأويله لكن ما قدمناه من فعل النبي # وقوله، وفعل الصحابة وقولهم مقدم عليه، فلم يكن حجة، وأما الجواب عن قول ابن عباس فمن وجهين: أحدهما: أنه ليس بصحيح، ولا معروف عنه، وإن كان قد رواه ابن جرير عنه إلا أن إسناده ضعيف، بل الصحيح الثابت عنه أنه يقرأ: (وأرجلكم) بالنصب، ويقول: عطف على المغسول. هكذا رواه عنه الأئمة الحفاظ، منهم: أبو عبيدة القاسم، وجماعة القراء، والبيهقي وغيره بأسانيدهم. وقد ثبت في صحيح البخاري عنه أنه توضأ فغسل رجليه، وقال: هكذا رأيت رسول الله ولويتوضاً. وثانيهما كالجواب الأخير في كلام أنس المتقدم، والأول أصحها. وأما الجواب عن حديث رفاعة فهو أنه على لفظ الآية فيقال فيه كما قيل في الآية كما تقدم. وأما حديث علي فالجواب عنه من أوجه: أحسنها أنه ضعيف، ضعفه البخاري وغيره من الحافظ، فلا يحتج به لو لم يخالفه غيره، فكيف وهو مخالف للسنن المتظاهرة والدلائل الظاهرة؟ . الثاني: أنه لو ثبت لكان الغسل مقدماً عليه، لأن ثابت عن رسول الله ﴾. الثالث: أنه محمول على أن غسل الرجلين في النعلين فقد ثبت عنه من أوجه كثيرة غسل الرجلين، فوجب حمل الرواية المحتملة على الروايات الصحيحة الصريحة. وأما قياسهم على الرأس فمنتقض برجل الجنب، فإنه لا مدخل لها في التيمم، ولا يجزئ مسحها بالاتفاق. وأما القائلون بوجوب المسح، وهم الإمامية فلم يأتوا بحجة نيرة، وجعلو قراءة النصب في الآية عطفاً على محل قوله: برؤوسكم (وهو النصب). ومنهم من يجعل الباء الداخلة على الرؤوس زائدة، والأصل (وامسحوا = ٢٠٦ كتاب الطهارة وإن أريد العملي يرد المغسول، وإن أجيب عنه بما لخصناه في شرح الملتقى. ثم الركن ما يكون فرضاً داخل الماهية، وأما الشرط فما يكون خارجها، فالفرض أعم إجماعاً كذا في الحلية. قوله: (يرد المغسول) أي من الأعضاء الثلاثة سوى المرفقين والكعبين، زاد في الدر المنتقى وإن أريدا يلزم عموم المشترك أو إرادة الحقيقة والمجاز اهـ. مَطْلَبٌ: الفَرْقُ بَيْنْ عُمُومِ المَجَازِ وَالْجَمْعِ بَيْنِ الحقيقَةِ وَالمَجازِ قوله: (بما لخصناه الخ) أي من أنه من عموم المجاز. والفرق بينه وبين الجمع بين الحقيقة والمجاز: أن الحقيقة في الأول تجعل فرداً من الأفراد، بأن يراد معنى يتحقق في كلا الأفراد، بخلاف الثاني فإن الحقيقة يراد بها الوضع الأصلي، والمجاز يراد به الوضع الثانوي، فهما استعمالان متباينان، أو من أن المراد القطعي. ويجاب عن إيراد الممسوح بأن المراد أصل المسح فيه، وذلك قطعي لثبوته بالكتاب أو العملي. ويجاب عن إيراد المغسول بأن المراد القدر في الكل، ولا شك أنه من هذه الحيثية عملي، لخلاف زفر في المرفقين والكعبين وأبي يوسف فيما بين العذار والأذن ط. قال بعض الفضلاء: والملخص من ذلك كله أن نقول: إطلاق الفرض عليهما حقيقة عرفية في اصطلاح الفقهاء فيسقط السؤال من أصله اهـ. أقول: وإلى هذا أشار في النهاية حيث أجاب بأن الفرض على نوعين: قطعي وظني، وهو الفرض على زعم المجتهد كإيجاب الطهارة بالفصد والحجامة، فإنهم يقولون يفترض عليه الطهارة عند إرادة الصلاة اهـ، ويأتي بيانه قريباً. قوله: (ثم الركن) ترتيب إخباري ط. قوله: (ما يكون فرضاً) ومعناه لغة الجانب الأقوى كما قدمناه. قوله: (داخل الماهية) يعني بأن يكون جزءاً منها يتوقف تقوّمها عليه، والماهية ما به الشيء هو هو؛ سميت بها لأنه يسأل عنها بما هو. قوله: (وأما الشرط) هو في اللغة العلامة. وفي الاصطلاح ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، و قوله «فما یکون خارجها» بيان للمراد به هنا، والمراد ما يجب تقديمه عليها واستمراره فيها حقيقة أو حكماً، فالشرط والركن متباينان، كذا في الحلية. = رؤوسكم) وأرجلكم، بل رجحوه لقرب الرؤوس، ولا يصح متمسكاً لهم لمخالفة الكتاب والسنة المتواترة قولاً وفعلاً. ولو سلم هذا لهم فبماذا يجيبون عن الأحاديث المتواترة؟ وقد علمت أن هذا الخلاف منهم لم يك شيئاً يذكر من جانب الإجماع إذ لا اعتداد بهم فيه. انظر أحكام المسح على الخفين لمحمد سيد أحمد أحكام القرآن لابن العرب ٥٥٧/٢ نيل الأوطار ١/ ١٩٧-١٩٨. ٢٠٧ كتاب الطهارة منهما، وهو ما قطع بلزومه حتى يكفر جاحده كأصل مسح الرأس. وقد يطلق على العملي وهو ما تفوت الصحة بفواته، كالمقدار الاجتهادي في الفروض مَطْلَبُ: قَدْ يُطْلَقُ الفَرْضُ عَلَىَّ مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ قوله: (فالفرض أعم منهما) وقد يطلق على ما ليس واحداً منهما، كترتيب ما شرع غير مكرر في ركعة؛ كترتيب القراءة على القيام، والركوع على القراءة، والسجود على الركوع، والقعدة على السجود، فإن هذه التراتیب کلھا فروض لیست بأركان ولا شروط، كذا في شرح المنية للحلبي. قوله: (وهو ما قطع بلزومه) مأخوذ من فرض: بمعنى قطع تحرير، ويسمى فرضاً علماً وعملاً للزوم اعتقاده والعمل به. قوله: (حتى يكفر) بالبناء للمجهول: أي ينسب إلى الكفر، من أكفره: إذا دعاه كافراً؛ وأما يكفر من التكفير فغير ثابت هنا وإن كان جائزاً لغة كما في المغرب، والأصل حتى يكفر الشارع جاحده، سواء أنكره قولاً أو اعتقاداً كذا في شرح المنار لابن نجيم. فقال. قوله: (كأصل مسح الرأس) أي مجرداً عن التقدير بربع أو غيره. مَطْلَبْ في فَرْضِ القَطْعِيّ وَالظَّنِّيِّ قوله: (وقد يطلق الخ) قال في البحر: والظاهر من كلامهم في الأصول والفروع أن الفرض على نوعين: قطعي وظني، هو في قوة القطعي في العمل بحيث يفوت الجواز بقواته، والمقدار في مسح الرأس من قبيل الثاني. وعند الإطلاق ينصرف إلى الأول لكماله. والفارق بين الظني القوي المثبت للفرض، وبين الظني المثبت للواجب اصطلاحاً خصوص المقام اهـ. أقول: بيان ذلك أن الأدلة السمعية أربعة: الأولى قطعي الثبوت والدلالة كنصوص القرآن المفسرة أو المحكمة والسنة المتواترة التي مفهومها قطعي. الثاني قطعي الثبوت ظني الدلالة كالآيات المؤولة. الثالث عكسه كأخبار الآحاد التي مفهومها قطعي. الرابع ظنيهما كأخبار الآحاد التي مفهومها ظني. فبالأول يثبت الفرض والحرام، وبالثاني والثالث الواجب وكراهة التحريم، وبالرابع السنة والمستحب. ثم إن المجتهد قد يقوى عنده الدليل الظني حتى يصير قريباً عنده من القطعي، فما ثبت به يسميه فرضاً عملياً لأنه يعامل معاملة الفرض في وجوب العمل، ويسمى واجباً نظراً إلى ظنية دليله، فهو أقوى نوعي الواجب وأضعف نوعي الفرض، بل قد يصل خبر الواحد عنده إلى حدّ القطعي، ولذا قالوا: إنه إذا كان متلقى بالقبول جاز إثبات الركن به حتى ثبتت ركنية الوقوف بعرفات بقوله : ﴿ («الحَجّ عَرَفَةُ)). وفي التلويح أن استعمال الفرض فيما ثبت بظني. والواجب فيما ثبت بقطعي شائع مستفيض؛ فلفظ الواجب يقع على ما هو فرض علماً وعملاً كصلاة الفجر، وعلى ظني هو في قوة الفرض في العمل كالوتر حتى يمنع ٢٠٨ كتاب الطهارة فلا یکفر جاحده: (غسل الوجه) أي إسالة الماء مع التقاطر تذكره صحة الفجر كتذكر العشاء، وعلى ظني هو دون الفرض في العمل وفوق السنة كتعيين الفاتحة حتى لا تفسد الصلاة بتركها لكن تجب سجدة السهو اهـ. وتمام تحقيق هذا المقام في فصل المشروعات من حواشينا على شرح المنار، فراجعه فإنك لا تجده في غيرها. قوله: (فلا يكفر جاحده) لما في التلويح من أن الواجب لا يلزم اعتقاد حقيقته لثبوته بدليل ظني، ومبنى الاعتقاد على اليقين، لكن يلزم العمل بموجبه للدلائل الدالة على وجوب اتباع الظن، فجاحده لا يكفر، وتارك العمل به إن كان مؤولاً لا يفسق ولا يضلل، لأن التأويل في مظانه من سيرة السلف، وإلا فإن كان مستخفاً يضلل لأنه ردّ خبر الواحد، والقياس بدعة، وإن لم يكن مؤولاً ولا مستخفاً يفسق لخروجه عن الطاعة بترك ما وجب عليه اهـ. أقول: وما ذكره العلامة الأكمل في العناية من أنا لا نسلم عدم التكفير لجاحد مقدار المسح بلا تأويل لعله مبني على ما ذهب هو إليه كصاحب الهداية من أن الآية مجملة في حق المقدار، وأن حديث المغيرة من مسحه عليه الصلاة والسلام بناصيته التحق بياناً لها فيكون ثابتاً بقطعي، لأن خبر الواحد إذا التحق بياناً للمجمل كان الحكم بعده مضافاً للمجمل لا للبيان. وما ردّ به في البحر على صاحب الهداية أجبت عنه فيما علقته عليه. قوله: (غسل الوجه) الغسل بفتح الغين لغة: إزالة الوسخ عن الشيء بإجراء الماء عليه: ويضمها: اسم لغسل تمام الجسد وللماء الذي يغسل به، وبكسرها: ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. بحر. والمراد الأول: وإضافته إلى الوجه من إضافة المصدر إلى مفعوله والفاعل محذوف: أي غسل المتوضئ وجهه؛ لكن يرد عليه أن يكون صفة للفاعل وهو غير مشروط، إذ لو أصابه الماء من غير فعل كفى، فالأولى جعله مصدراً لمبنى المجهول على إرادة الحاصل بالمصدر: أي مغسولية الوجه. قال في حواشي المطول: المصدر يستعمل في أصل النسبة وفي الهيئة الحاصلة منها للمتعلق معنوية أو حسية، كهيئة المتحركية الحاصلة من الحركة، وتسمى الحاصل بالمصدر، وتلك الهيئة للفاعل فقط في اللازم كالمتحركية والقائمية من الحركة والقيام، أو للفاعل والمفعول للمتعدي كالعالمية والمعلومية من العلم، واستعمال المصدر بالمعنى الحاصل بالمصدر استعمال الشيء في لازم معناه انتهى: أي فهو مجاز مرسل. قوله: (أي إسالة الماء الخ) قال في البحر: واختلف في معناه الشرعي: فقال أبو حنيفة ومحمد: هو الإسالة مع التقاطر ولو قطرة حتى لو لم يسل الماء بأن استعمله استعمال الدهن لم يجز في ظاهر الرواية، وكذا لو توضأ بالثلج ولم يقطر منه شيء لم يجز. وعن أبي یوسف: هو مجرد بلّ المحل بالماء سال أو لم يسل اهـ. واعلم أنه صرح كغيره بذكر التقاطر مع الإسالة وإن كان حدّ الإسالة أن يتقاطر الماء ٢٠٩ كتاب الطهارة ولو قطرة. وفي الفيض: أقله قطرتان في الأصح (مرة) لأن الأمر لا يقتضي التكرار (وهو) مشتق من المواجهة، واشتقاق الثلاثي من المزيد إذا كان أشهر في المعنى شائع، کاشتقاق الرعد من الارتعاد للتأكيد، وزيادة التنبيه على الاحتراز عن هذه الرواية، على أنه ذكر في الحلية عن الذخيرة وغيرها أنه قيل في تأويل هذه الرواية إنه سال من العضو قطرة أو قطرتان ولم يتدارك اهـ. والظاهر أن معنى لم يتدارك: لم يقطر على الفور بأن قطر بعد مهلة، فعلى هذا يكون ذكر السيلان المصاحب للتقاطر احتراز عما لا يتدارك فافهم؛ ثم على هذا التأويل يندفع ما أورد على هذه الرواية من أن البلّ بلا تقاطر مسح، فيلزم أن تكون الأعضاء كلها ممسوحة مع أنه تعالى أمر بالغسل والمسح. قوله: (ولو قطرة) على هذا يكون التقاطر بمعنى أصل الفعل اهـ. ح. قوله: (أقله قطرتان) يدل عليه صيغة التفاعل اهـ. ح. ثم لا يخفى أن هذا بيان للفرض الذي لا يجزى أقل منه لأنه في صدد بيان الغسل المفروض، وسيأتي أن التقتير مكروه، ولا يمكن حمل التقتير على ما دون القطرتين، لأن الوضوء حينئذ لا يصح لما علمت، فتعين أنه لا ينتفي التقتير إلا بالزيادة على ذلك، بأن يكون التقاطر ظاهراً ليكون غسلًا بيقين، وبدونها يقرب إلى حدّ الدهن، وربما لا يتيقن بسيلان الماء على جميع أجزاء العضو للذاكرة، فافهم. قوله: (لأن الأمر) وهو هنا قوله تعالى ﴿فاغسلوا﴾. قوله: (لا يقتضي التكرار) أي لا يستلزمه، بل ولا يحتمله في التصحيح عندنا، وإنما يستفاد من دليل خارجي كتكرّر الصلاة لتكرر أوقاتها. مَطْلَبٌ فِي مَعْنى الاشْتِقَاقِ وَتَقْسِيِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسامِ قوله: (مشتق الخ) المراد بالاشتقاق: الأخذ مجازاً علاقته الإطلاق والتقييد، إذ الاشتقاق في الصرف أخذ واحد من الأشياء العشرة من المصدر، وهي الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل واسم الزمان والمكان والآلة، والوجه ليس منها اهـ. ح. لكن في تعريفات السيد: الاشتقاق نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنىّ وتركيباً ومغايرتهما في الصيغة، فإن كان بينهما تناسب في الحروف والترتيب كضرب من الضرب فهو اشتقاق صغير، أو في اللفظ والمعنى دون الترتيب كجبذ من الجذب فكبير، أو في المخرج كنعق من النهق فأكبر اهـ. ونحوه في شرح التحرير. قال: وقد تسمى أصغر وصغيراً وأكبر، وقد تسمی أصغر وأوسط وأكبر، الأول أشهر، وما نحن فيه من القسم الأول، فافهم. قوله: (شائع) خبر اشتقاق، وذلك لأن معنى الاشتقاق أن ینتظم الصیغتین فأكثر معنی واحد، وفي هذا لا توقیت، بأن یکون المشتق منه ثلاثياً، فجاز أن يكون المزيد أشهر وأقرب للفهم من الثلاثي لكثرة الاستعمال، فصح ذكر الاشتقاق لإيضاح معناه وإن لم يكن المزيد أصلًا له. أفاده في النهاية. قوله: (من الارتعاد) أي ٢١٠ كتاب الطهارة واليم من التيمم (من مبدأ سطح جبهته) أي المتوضئ بقرينة المقام (إلى أسفل ذقنه) أي منبت أسنانه السفلى (طولًا) كان عليه شعر أو لا، عدل عن قولهم من قصاص شعره الجاري على الغالب، إلى المطرد ليعم الأغم والأصلع والأنزع (وما بين شحمتي الأذنين عرضاً) وحينئذ (فيجب غسل المياقي) الاضطراب أخذ منه الرعد، لاضطرابه في السماء أو اضطراب السحاب منه. قوله: (واليم) وهو البحر، من التيمم: وهو القصد قال في الكشاف: لأن الناس يقصدونه. وقال أيضاً: واشتقاق البرج من التبرّج لظهوره. وقال في الفلق: والجنّ من الاجتنان، لاستتارهم عن العيون. قوله: (سطح جبهته) أي أعلاها ط. قوله: (بقرينة المقام) وهي كون المتوضئ أو المكلف فاعل المصدر الذي هو غسل اهـ. ط. قوله: (أي منبت أسنانه السفلى) تفسير للذقن بالتحريك: أي إلى أسفل العظم الذي عليه الأسنان السفلى: وهو ما تحت الصفقة. قوله: (طولًا) منصوب على التمييز ط. قوله: (كان عليه) أي على الوجه. (وله شعر) بالإسكان ويحرك. قاموس. قوله: (عدل عن قولهم) أي عدل المصنف عن قول بعض الفقهاء في تعريف الوجه طولاً كالكنز الملتقي ط. قوله: (قصاص) بتثليث القاف والضم أعلاها حيث ينتهي نباته في الرأس. نهر. قوله: (الجاري) صفة لقولهم ط. قوله: (على الغالب) أي في الأشخاص، إذ الغالب فيهم طلوع الشعر من مبدإ سطح الجبهة، ومن غير الغالب الأغم وأخواه ط. قوله: (إلى المطرد) أي العام في جميع الأفراد ط. قوله: (ليعم الأغم الخ) هو الذي سال شعر رأسه حتى ضيق الجبهة. والأصلع: هو الذي انحسر مقدم شعر رأسه. والأنزع: هو الذي انحسر شعره من جانبي جبهته اهـ. ح. عن جامع اللغة. أقول: وبقي الأقرع، وهو من ذهب شعر رأسه. قاموس. قوله: (شحمتي الأذنين) أي ما لان منهما، والأذن بضم الذال ولك إسكانها تخفيفاً، أفاده في النهر. وانظر ما وجه التحديد بالشحمتين مع أن الظاهر أن يقال ما بين الأذنين، ولعل وجهه أن الشحمتين لما اتصلتا ببعض الوجه وهو البياض الذي خلف العذار صار مظنة أن يجب غسلهما مثلاً فجعلوا الحد بهما لدفع ذلك. تأمل. قوله: (وحينئذٍ) أي حين إذ علمت حد الوجه طولا وعرضاً ط. قوله: (فيجب غسل المياقي) جمع موق، وهو على ما في النسخ بالياء الممدودة بعد الميم والصواب بالهمزة الممدودة، فقد ذكر في القاموس في باب القاف عشر لغات في الموق: منها مأق بالهمزة، وموق، ومأقئ بهمزة قبل القاف وهمزة بعدها: وهو طرف العين المتصل بالأنف، ثم ذكر بعد الكل أربعة جموع: آماق وإماق: أي بهمزة ممدودة في أوله أو قبل آخره، ومواق وماق، ولم يذكر المياقي لا في المفردات ولا في الجموع. هذا. وفي البحر: لو رمدت عينه فرمصت يجب إيصال الماء تحت الرمص إن بقي خارجاً بتغميض العين وإلا فلا اهـ. هذا، وفي بعض النسخ: فيجب غسل الملاقي، ويغني عنه قول المصنف الآتي: ٢١١ كتاب الطهارة وما يظهر من الشفة عند انضمامها (وما بين العذار والأذن) لدخوله في الحدّ، وبه يفتى (لا غسل باطن العينين) والأنف والفم وأصول شعر الحاجبين واللحية والشارب وونيم ذباب للجرح (وغسل اليدين) أسقط لفظ فرادى لعدم تقييد الفرض بالانفراد (والرجلين) الباديتين السلیمتین، فإن المجروحتین والمستورتين بالخف وغسل جميع اللحية فرض، لأن المراد بالملاقي: ما لاقى البشرة منها كما في الدرر. وفي شرحها للشيخ اسماعیل : والملاقي هو ما کان غیر خارج عن دائرة الوجه، وهو احتراز عن المسترسل، وهو ما خرج عن دائرة الوجه، فإنه لا يجب غسله ولا مسحه بل یسن اهـ. ويأتي تمام الكلام عليه. قوله: (وما يظهر) أي يفترض غسله كما صححه في الخلاصة، وقيل الشفة تبع للفم. أفاده في البحر. قوله: (عند انضمامها) أشار بصيغة الانفعال إلى أن المراد ما يظهر عند انضمامها الطبيعي لا عند انضمامها بشدة وتكلف اهـ. ح. وكذا لو غمض عينيه شديداً لا يجوز. بحر. لكن نقل العلامة المقدسي في شرحه على نظم الكنز أن ظاهر الرواية الجواز، وأقره في الشر نبلالية. تأمل. قوله: (ما بين العذار والأذن) أي ما بينهما من البياض. قوله: (وبه يفتى) وهو ظاهر المذهب، وهو الصحيح، وعليه أكثر المشايخ. قال في البدائع: وعن أبي يوسف عدمه، وظاهره أن مذهبه بخلافه. بحر، لأن كلمة عن تفید أنه رواية عنه، والخلاف في الملتحي، أما المرأة والأمرد والكوسج فيفترض الغسل اتفاقاً. درّ منتقى. قوله: (لا غسل باطن العينين الخ) لأنه شحم يضره الماء الحار والبارد، ولهذا لو اکتحل بکحل نجس لا يجب غسله، كذا في مختارات النوازل لصاحب الهداية. قوله: (والأنف والفم) معطوفان على العينين: أي لا يجب غسل باطنهما أيضاً. قوله: (وأصول شعر الحاجبين) يحمل هذا على ما إذا كانا كثيفين، أما إذا بدت البشرة فيجب كما يأتي له قريباً عن البرهان، وكذا يقال في اللحية والشارب، ونقله ح عن عصام الدين شارح الهداية ط. قوله: (وونيم ذباب) أي خرؤه. قال في بحث الغسل: ولا يمنع الطهارة ونيم ذباب وبرغوث لم يصل الماء تحته وحناء ولو جرمه به يفتى، ودرن ودهن وتراب وطين الخ. قوله: (للحرج) علة لقوله ((لا غسل الخ)) أي فإن هذه المذكورات وإن كانت داخلة في حد الوجه المذكور إلا أنها لا يجب غسلها للحرج. وعلل في الدرر بأن محل الفرض استتر بالحائل وصار بحال لا يواجه الناظر إليه، فسقط الفرض عنه وتحوَّل إلى الحائل. قوله: (أُسقط لفظ فرادی) تعریض بصاحب الدرر حیث قید به اهـ. ح. ومعناه: غسل کل ید منفردة عن الأخرى ط. قوله: (لعدم الخ) أي لأنه في صدد بيان فرائض الوضوء، فيشعر كلامه بأن الانفراد لازم مع أنه لو غسلهما معاً سقط الفرض قوله: (الباديتين) أي الظاهرتين اللتين لا خف عليهما ط. قوله: (فإن المجروحتين الخ) علة للتقييد بالقيدين السابقين على ٢١٢ كتاب الطهارة وظيفتهما المسح (مرة) لما مر (مع المرفقين والكعبين) على المذهب؛ وما ذكروا أن الثابت بعبارة النص غسل يد ورجل والأخرى بدلالته. ومن البحث في إلى وفي القراءتين في . أرجلكم - قال في البحر: لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع على ذلك سبيل اللّف والنشر المشوش ط. قوله: (وظيفتهما المسح) لكنه مختلف الكيفية كما يأتي ط. قوله: (لما مر) أي من أن الأمر لا يقتضي التكرار. قوله: (مع المرفقين) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، وفيه العكس: اسم لملتقى العظمين: عظم العضد، وعظم الذراع، وأشار المصنف إلى أن إلى في الآية بمعنى مع، وهو مردود لأنهم قالوا: إن الید من رؤوس الأصابع للمنكب، فإذا كانت إلى بمعنى مع وجب الغسل إلى المنكب لأنه کغسل القميص و کمه، وغايته أنه کافراد فرد من العام وذلك لا يخرج غيره. بحر. والجواب أن المراد من اليد في الآية من الأصابع إلى المرفق للإجماع على سقوط ما فوق ذلك، وعدل عن التعبير بإلى المحتملة لدخول المرفقين والكعبين وعدمه إلى التعبير بمع الصريحة بالدخول للاحتراز عن القول بعدمه المشار إليه بقول الشارح على المذهب: أي خلافاً لزفر ومن قال بقوله من أهل الظاهر، وهو رواية عن مالك. قوله: (والكعبين) هما العظمان الناشزان من جانبي القدم: أي المرتفعان، كذا في المغرب وصححه في الهداية وغيرها. وروى هشام عن محمد أنه في ظهر القدم عند معقد الشراك، قالوا: هو سهو من هشام، لأن محمداً إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من الكعبين، وأشار محمد بيده إلى موضع القطع فنقله هشام إلى الطهارة، وتمامه في البحر وغيره. قوله: (وما ذكروا) أي في الجواب عما أورد أنه ينبغي غسل يد ورجل، لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد. قوله: (بعبارة النص) أي بصريحه المسوق له ط. قوله: (بدلالته) أي إنه مفهوم منه بطريق المساواة. قوله: (ومن البحث في إلى) أي في كونها تدخل الغاية أو لا تدخلها، أو الأمر محتمل، والمرجح القرائن وغير ذلك مما أطال به في البحر ط. قوله: (وفي القراءتين) أي قراءتي الجر والنصب في ﴿أرجلكم﴾ من حمل الجر على حالة التخفيف والنصب على غيرها، أو أن الجر للجوار، لأن المسح غير مغيا بالكعبين إلى آخر ما أطال به في الدرر وغيرها. قوله: (قال في البحر: لا طائل تحته) أي لا فائدة فيه، والجملة خبر ((ما)) في قوله وما ذكروا، أفاده ط. قوله: (بعد انعقاد الإجماع على ذلك) أي على افتراض غسل كل واحدة من اليدين والرجلين، وعلى دخول المرفقين والكعبين، وغسل الرجلين لا مسحهما، أفاده ح. أقول: من استدل بالآية کالقدوري وغیره من أصحاب المتون يحتاج إلى ذلك لیتم دليله، على أن في ثبوت الإجماع على دخول المرفقين كلاماً، لأنه في البحر أخذه من قول الإمام الشافعي: لا نعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. ورده في النهر بأن ٢١٣ كتاب الطهارة (ومسح ربع الرأس مرة) فوق الأذنين ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل على المشهور لا بعد مسح إلا أن يتقاطر، ولو مدّ أصبعاً أو أصبعين قول المجتهد: لا أعلم مخالفاً، ليس حكاية للإجماع الذي یکون غيره محجوجاً به، فقد قال الإمام اللامشي في أصوله: لا خلاف أن جميع المجتهدين لو اجتمعوا على حكم واحد ووجد الرضا من الكل نصاً كان ذلك إجماعاً، فأما إذا نص البعض وسكت الباقون لا عن خوف بعد اشتهار القول فعامة أهل السنة أن ذلك يكون إجماعاً. وقال الشافعي: لا أقول إنه إجماع، ولكن أقول: لا أعلم فيه خلافاً. وقال أبو هاشم من المعتزلة: لا يكون إجماعاً ويكون حجة أيضاً اهـ. وقدمنا أيضاً عن شرح المنية أن غسل المرفقين والكعبين ليس بفرض قطعي، بل هو فرض عملي كربع الرأس، ولذا قال في النهر أيضاً: لا يحتاج إلى دعوى الإجماع، لأن الفروض العملية لا يحتاج في إثباتها إلى القاطع. قوله: (ومسح ربع الرأس) المسح لغة: إمرار اليد على الشيء. وعرفاً: إصابة الماء العضو. واعلم أن في مقدار فرض المسح روايات أشهرها ما في المتن. الثانية مقدار الناصية، واختارها القدوري. وفي الهداية وهي الربع. والتحقيق أنها أقل منه. الثالثة مقدار ثلاثة أصابع، رواها هشام عن الإمام، وقيل هي ظاهر الرواية. وفي البدائع: أنها رواية الأصول، وصححها في التحفة وغيرها. وفي الظهيرية: وعليها الفتوى. وفي المعراج: أنها ظاهر المذهب واختيار عامة المحققين، لكن نسبها في الخلاصة إلى محمد، فيحمل ما في المعراج من أنها ظاهر المذهب على أنها ظاهر الرواية عن محمد توفيقاً، وتمامه في النهر والبحر. والحاصل أن المعتمد رواية الربع، وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام وتلميذه ابن أمير حج وصاحب النهر والبحر والمقدسي والمصنف والشرنبلالي وغيرهم. قوله: (فوق الأذنين) فلو مسح على طرف ذؤابة شدت على رأسه لم يجز. مقدسي. قوله: (أو بلل باق الخ) هذا إذا لم يأخذه من عضو آخر. مقدسي، فلو أخذه من عضو آخر لم يجز مطلقاً. بحر: أي سواء كان ذلك العضو مغسولاً أو ممسوحاً. درر. قوله: (على المشهور) مقابله قول الحاكم بالمنع، وخطأه عامة المشايخ، وانتصر له المحقق ابن الكمال وقال: الصحيح ما قاله الحاكم، فقد نص الكرخي في جامعه الكبير على الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعيه، لم يجز إلا بماء جديد لأنه قد تطهر به مرة اهـ. وأقرّه في النهر. قوله: (إلا أن يتقاطر) كذا ذكره في الغرر، لأنه كأخذ ماء جديد. قوله: (ولو مدّ الخ) أي مد المسح حتی استوعب قدر الربع. وفي البدائع : لو وضع ثلاثة أصابع ولم يمدها جاز على رواية الثلاث أصابع لا الربع، ولو مسح بها منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة فلا، لأنه لم يأت بالقدر المفروض: أي وهذا بالإجماع كما النهر، فلو مدها حتى بلغ القدر ٢١٤ كتاب الطهارة لم يجز إلا أن يكون مع الكفّ أو بالإبهام والسبابة مع ما بينهما أو بمياه؛ ولو أدخل رأسه الإناء أو خفه أو جبيرته وهو محدث أجزأه، ولم يصر الماء مستعملًا وإن نوى المفروض لم يجز عند علمائنا الثلاثة خلافاً لزفر، وكذا الخلاف في الإصبع والإصبعين إذا مدها وبلغ القدر المفروض اهـ. ملخصاً. بقي ما إذا وضع ثلاث أصابع ومدها وبلغ الربع، قال في الفتح: ولم أر فيه إلا الجواز، وتعقبه في النهر بقوله: قد وقفت على ما هو المنقول: يعني قول البدائع: فلو مدها الخ. أقول: وفيه نظر؛ لأن الضمير في قول البدائع: فلو مدها الخ، عائد على المنصوبة: أي بأن مسح بأطرافها لا الموضوعة، على أنه قال في البحر: لو مسح بأطراف أصابعه والماء متقاطر جاز وإلا فلا، لأنه إذا كان متقاطراً فالماء ينزل من أصابعه إلى أطرافها، فإذا مدّه صار كأنه أخذ ماء جديداً، كذا في المحيط، وذكر في الخلاصة أنه يجوز مطلقاً هو الصحيح اهـ. قال الشيخ إسماعيل: ونحوه في الواقعات والفيض. قوله: (لم يجز) قيل: لأن البلة صارت مستعملة، وهو مشكل بأن الماء لا يصير مستعملاً قبل الانفصال، وبأنه يستلزم عدم الجواز بمد الثلاث على رواية الربع. وقيل لأنا مأمورون بالمسح باليد، والأصبعان منها لا تسمى يداً بخلاف الثلاث لأنها أكثرها. وفيه أنه يقتضي تعيين الإصابة باليد، وهو منتف بمسألة المطر. وقد يقال في العلة: إن البلة تتلاشى وتفرغ قبل بلوغ قدر الفرض بخلاف ما لو مد الثلاث، وتمامه في فتح القدير. قوله: (إلا أن يكون مع الكف الخ) لأنهما مع الكفّ أو مع ما بين الإبهام والسبابة يصيران مقدار ثلاث أصابع أو أكثر، فإذا مدهما وبلغ قدر الربع جاز، أما بدون مد فيجوز على رواية الثلاث كما صرح به في التأترخانية. قوله: (أو بمياه) قال في البحر: ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات وأعادها إلى الماء في كل مرة جاز في رواية محمد، أما عندهما فلا يجوز اهـ: أي على رواية الربع لا يجوز، فما في الدرّ المنتقى من أنه يجوز اتفاقاً فیه نظر، كذا قيل. وأقول: فيه نظر، لأن عبارته لو كان بمياه في مواضع مقدار الفرض جاز اتفاقاً، فقوله مقدار الفرض شامل لرواية الثلاث أصابع، ولرواية الربع. وفي البدائع: لو مسح بأصبع واحدة ببطنها وظهرها وجانبيها لم يذكر في ظاهر الرواية. واختلف المشايخ؛ فقال بعضهم لا يجوز، وقال بعضهم يجوز، وهو الصحيح، لأن ذلك في معنى المسح بثلاث أصابع اهـ. قال في البحر: ولا يخفى أنه لا يجوز على المذهب من اعتبار الربع، وما في شرح المجمع لابن ملك من أنه لا يجوز اتفاقاً في الأصح ففيه نظر اهـ. قوله: (أجزأه) أي إن أصاب الماء قدر الفرض ط. قوله: (ولم يصر الماء مستعملًا) لأن الماء لا يعطى له الاستعمال إلا بعد الانفصال، والذي لاقى الرأس: أي وأخويه: أي الخفّ والجبيرة لصق به فطهره وغيره لم يلاقه فلا يستعمل، وفيه نظر، كذا في ٢١٥ كتاب الطهارة اتفاقاً على الصحيح كما في البحر عن البدائع . (وغسل جميع اللحية فرض) يعني عملياً (أيضاً) على المذهب الصحيح المفتى به المرجوع إليه، وما عدا هذه الرواية مرجوع عنه كما في البدائع. ثم لا خلاف أن المسترسل لا يجب غسله ولا مسحه الفتح. قوله: (اتفاقاً) أي بين الصاحبين. قوله: (على الصحيح) قيد للاتفاق، ومقابله ما قيل: إنه لو نوى لا يجزئ عند محمد. قوله: (جميع اللحية) بكسر اللام وفتحها. نهر، وظاهر كلامهم أن المراد بها الشعر النابت على الخدين من عذار وعارض والذقن. وفي شرح الإرشاد: اللحية الشعر النابت بمجتمع الخدين والعارض ما بينهما وبين العذار وهو القدر المحاذي للأذن، يتصل من الأعلى بالصدغ ومن الأسفل بالعارض بحر. قوله: (يعني عملياً) ذكر بعضهم أن التفسير بأي للبيان والتوضيح والتفسير: يعني لدفع السؤال وإزالة الوهم، كذا في حاشية البحر للخير الرملي، وهنا كذلك لأنه دفع ما يتوهم من إطلاق الفرض أنه القطعي، مع أن الآية لا تدل دلالة قطعية على انتقال حكم ما تحت اللحية من البشرة إليها. قوله: (أيضاً) أي كما أن مسح ربع الرأس كذلك ط. قوله: (ما عدا هذه الرواية) أي من رواية مسح الكل أو الربع أو الثلث أو ما يلاقي البشرة أو غسل الربع أو الثلث أو عدم الغسل والمسح، فالمجموع ثمانية. قوله: (كما في البدائع) هذا الكتاب جليل الشأن، لم أر له نظيراً في كتبنا، وهو للإمام أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني شرح به تحفة الفقهاء لشيخه علاء الدين السمرقندي، فلما عرضه عليه زوّجه ابنته فاطمة بعد ما خطبها الملوك من أبيها فامتنع، وكانت الفتوى تخرج من دارهم وعليها خطها وخط أبيها وزوجها. قوله: (ثم لا خلاف) أي بين أهل المذهب على جميع الروايات ط. قوله: (أن المسترسل) أي الخارج عن دائرة الوجه؛ وفسره ابن حجر في شرح المنهاج بما لو مدّ من جهة نزوله لخرج عن دائرة الوجه، وعلى هذا فالنابت على أسفل الذقن لا يجب غسل شيء منه لأنه بمجرد ظهوره يخرج عن حد الوجه، لأن ذلك جهة نزوله وإن كان لو مدّ إلى فوق لا يخرج عن حدّ الجبهة، وكذا النابت على أطراف الحنك من اللحية، وأما النابت على الخدين فيجب غسل ما دخل منه في دائرة الوجه دون الزائد عليها ولذا قال في البدائع: الصحيح أنه يجب غسل الشعر الذي يلاقي الخدين وظاهر الذقن لا ما استرسل من اللحية عندنا. وعند الشافعي يجب، لأن ما استرسل تابع لما اتصل وللتبع حكم الأصل. ولنا أنه إنما يواجه إلى المتصل عادة لا إلى المسترسل فلم يكن وجهاً فلا يجب غسله اهـ، فتأمل. ثم رأيت المصنف في شرحه على زاد الفقير قال ما نصه: وفي المجتبى قال البقالي: ٢١٦ كتاب الطهارة بل يسن، وأن الخفيفة التي ترى بشرتها يجب غسل ما تحتها، كذا في النهر. وفي البرهان: يجب غسل بشرة لم يسترها الشعر كحاجب وشارب وعنفقة في المختار (ولا يعاد الوضوء) بل ولا بلّ المحل (بحلق رأسه ولحيته كما لا يعاد) الغسل للمحل ولا الوضوء (بحلق شاربه وحاجبه وقلم ظفره) وكشط جلده (وكذا لو كان على أعضاء وضوئه قرحة) كالدملة (وعليها جلدة رقيقة فتوضأ وأمرّ الماء عليها ثم نزعها، لا يلزمه وما نزل من شعر اللحية من الذقن ليس من الوجه عندنا خلافاً للشافعي اهـ. ولا رواية في غسل الذؤابتين إذا جاوزتا القدمين في الجنابة، وكذا السلعة إذا تدلت عن الوجه. والصحيح أنه يجب غسلها في الجنابة وغسل السلعة في الوضوء أيضاً اهـ .. قوله: (بل يسن) أي المسح لكونه الأقرب لمرجع الضمير وعبارة المنية صريحة في ذلك، كذا في ح. قوله: (التي تری بشرتها) قيد بذلك لأنه الذي لا خلاف فيه. وأما في البدائع من أنه إذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء كثيفاً كان أو خفيفاً، لأن ما تحته خرج من أن لا يكون وجهاً، لأنه لا يواجه به اهـ. فمحمول على ما إذا لم تر بشرتها كما يشير إليه التعليل، فالخفيفة قسمان. والفرق بينها بالمعنى الثاني وبين الكثيفة العرف كما هو وجه عند الشافعية. والأصح عندهم أن الخفيفة ما ترى بشرتها في مجلس التخاطب، أفاده في الحلية. قوله: (لم يسترها الشعر) أما المستورة فساقط غسلها للحرج ط. ويستثنى منه ما إذا كان الشارب طويلًا يستر حمرة الشفتين، لما في السراجية من أن تخليل الشارب الساتر حمرة الشفتين واجب اهـ. لأنه يمنع ظاهر وصول المرء إلى جميع الشفة أو بعضها ولا سيما إن كان كثيفاً وتخليله محقق لوصول الماء إلى جميعها، وتمامه في الحلية. قوله: (ولا يعاد الوضوء الخ) لأن المسح على شعر الرأس ليس بدلاً عن المسح عن البشرة لأنه يجوز مع القدرة على مسح البشرة، ولو كان بدلاً لم يجز اهـ. بحر. بقي ما إذا كانت اللحية كثيفة، فإن ظاهر ما قدمناه عن الدرر عند قوله للحرج إن غسلها بدل عما تحتها، ومقتضاه إعادة غسله بحلق الشعر فليراجع، لكن قول البحر هنا: لأنه يجوز مع القدرة الخ، يفيد أنه ليس ببدل لأنه يصح غسل بشرتها. تأمل. قوله: (ولا بلّ المحل) عبر بالبل ليشمل المسح والغسل. قوله: (الغسل للمحل الخ) الأولى تقديم الوضوء، لأنه المذكور في كلام المصنف فيعود الضمير عليه، بل الأولى عدم ذكر شيء لظهور المراد، أفاده ط. قوله: (ظفره) مثلث الظاء ط. قوله: (قرحة) أي جراحة ط. قوله: (كالدملة) مأخوذ من دمل بالفتح: بمعنى أصلح؛ يقال دملت بين القوم: بمعنى أصلحت كما في الصحاح وصلاحها ببرئها؛ فتسمية القرحة دملا تفاؤلًا ببرئها، كالقافلة ٢١٧ كتاب الطهارة إعادة غسل على ما تحتها) وإن تألم بالنزع على الأشبه لعدم البدلية، بخلاف نزع الخف، فصار کما لو مسح خفه ثم حته أو قشره. فروع: في أعضائه شقاق غسله إن قدر، وإلا مسحه وإلا تركه ولو بيده، ولا يقدر على الماء تيمم، ولو قطع من المرفق غسل محل القطع. والمفازة ط. قوله: (وإن تألم بالنزع) في بعض النسخ بدون واو، والأصوب(١) وإن لم يتألم كما أفاده ط. لأنه ذكر في التاتر خانية وغيرها أنه إن نزع الجلدة بعد ما برئ بحيث لم يتألم فعليه الغسل، وإن قبله بحيث يتألم فلا. والأشبه أنه لا يلزمه الغسل فيهما جميعاً وهو المأخوذ به اهـ. ملخصاً، فحالة التألم لا خلاف فيها، فإذا قال: وإن لم يتألم، يعلم عدم لزوم الغسل مع التألم بالأولى، لأن القاعدة أن نقيض ما بعد إن ولو الوصليتين أولى بالحكم. ويمكن الجواب بأنه أتى بالواو بدون لم لملاحظة التعليل بعدم البدلية، لأن انتفاء البدلية عند عدم التألم أولى منه عند التألم. تأمل. وعلى كلّ فنسخة إن تألم بدون واو غير صحيحة، فافهم. قوله: (لعدم البدلية) علة لعدم الإعادة في المسائل كلها ط، وذلك لأن البدلية تكون عند تعذر الأصل. قوله: (بخلاف نزع الخف) أي فإنه بنزعه يغسل ما تحته لأنه بدل عن الغسل ظاهراً، فلما نزعه سرى الحدث إلى القدم ط. قوله: (فصار) أي ما ذكر من الحلق والقلم والكشط. قوله: (ثم حته أو قشره) هما بمعنى واحد كما في القاموس: أي حتّ محل المسح منه. قوله: (شقاق) هو بالضم. وفي التهذيب قال الليث: هو تشقق الجلد من برد أو غيره في اليدين والوجه. وقال الأصمعي: الشقاق في اليد والرجل من بدن الإنسان والحيوان، وأما الشقوق فهي صدوع في الجبال والأرض. وفي التكملة عن يعقوب: يقال بيد فلان شقوق ولا يقال شقاق، لأن الشقاق في الدواب: وهي صدوع في حوافرها وأرساغها. مغرب. قوله: (وإلا تركه) أي وإن لم يمسحه بأن لم يقدر على المسح تركه قوله (ولا يقدر على الماء) أي على استعماله لمانع في اليد الأخرى، ولا يقدر على وضع وجهه ورأسه في الماء. قوله: (تيمم) زاد في الخزائن: وصلاته جائزة عنده خلافاً لهما، ولو كان في رجله فجعل فيه الدواء يكفيه إمرار الماء فوقه ولا يكفيه المسح، ولو أمرّه فسقط إن عن برء يعيده وإلا فلا كما في الصغرى اهـ. ابن عبد الرزاق. قوله: (ولو قطع الخ) قال في البحر: ولو قطعت يده أو رجله فلم يبق من المرفق والكعب شيء سقط الغسل، ولو (١) في ط (قوله والأصوب إلخ) قال شيخنا: لا أصوبية أصلاً لأن النزاع في حالة التألم هو محل توهم بدلية غسل الجلدة عما تحتها فنفي البدلية في هذه الحالة عدم التألم بالأولى. أقول: ويؤيده تعليل الشارح بقوله لعدم البدلية، وبهذا تعلم ما في قول المحشي فإذا قال وإن لم يتألم يعلم إلخ وتستغني عن جوابه. ٢١٨ كتاب الطهارة ولو خلق له يدان ورجلان، فلو يبطش بهما غسلهما، ولو بإحداهما فهي الأصلية فيغسلها، وكذا الزائدة إن نبتت من محل الفرض، كأصبع وكفّ زائدين، وإلا فما حاذى منهما محل الفرض غسله، وما لا فلا، لكن يندب. مجتبى . وسننه بقي وجب اهـ. ط. قوله: (ولو خلق له) أي من جانب واحد. قوله: (فلو يبطش) بالضم والكسر كما في القاموس، والبطش قاصر على اليدين، فلو قال ويمشي بهما نظرا إلى الرجلين لكان حسناً ط. قوله: (ولو بإحداهما الخ) أي ولو يبطش بإحداهما فهي الأصلية والأخرى زائدة لا يجب غسلها، وظاهره ولو كانت تامة. وفي النهر: ولم أر حكم ما لو كانتا تامتين متصلتين أو منفصلتين، والظاهر وجوب غسلهما في الأول وغسل واحدة في الثاني اهـ، فلم يعتبر البطش، والظاهر أنه يعتبر البطش أولا؛ فإن بطش بهما وجب غسلهما، وإلا فإن كانتا تامتين متصلتين وجب غسلهما، وإن كانتا منفصلتين لا يجب إلا غسل الأصلية التي يبطش بها، وهو حسن جمعاً بين العبارتين ط. قوله: (كأصبع) تنظير لا تمثيل، لأن الكلام في الید. قوله: (وسننه الخ) اعلم أن المشروعات أربعة أقسام: فرض، وواجب، وسنة، ونفل؛ فما كان فعله أولى من تركه مع منع الترك إن ثبت بدليل قطعي ففرض، أو بظني فواجب؛ وبلا منع الترك إن كان مما واظب عليه الرسول وَ﴿ أو الخلفاء الراشدون من بعده فسنة، وإلا فمندوب ونفل. مَطْلَب فِي السُّنَّةِ وَتَعْرِيفِهَا والسنة نوعان: سنة الهدى، وتركها يوجب إساءة وكراهية كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها، وسنة الزوائد وتركها لا يوجب ذلك، كسير النبي عليه الصلاة والسلام في لباسه وقيامه وقعوده. والنفل، ومنه المندوب يثاب فاعله ولا يسيء تاركه، قيل وهو دون سنن الزوائد. ويرد عليه أن النفل من العبادات وسنن الزوائد من العادات، وهل يقول أحد إن نافلة الحج دون التيامن في التنعل والترجل؟. كذا حققه العلامة ابن الكمال في تغيير التنقيح وشرحه. أقول: فلا فرق بين النفل وسنن الزوائد من حيث الحكم لأنه لا يكره ترك كل منهما، وإنما الفرق كون الأول من العبادات والثاني من العادات، لكن أورد عليه أن الفرق بین العبادة والعادة هو النية المتضمنة للإخلاص كما في الكافي وغيره، وجميع أفعاله وَّ مشتملة عليها کما بین في محله. ٢١٩ كتاب الطهارة أفاد أنه لا واجب للوضوء ولا للغسل وإلا لقدمه، وجمعها، لأن كل سنة مستقلة بدليل وحكم. وأقول: قد مثلوا لسنة الزوائد أيضاً بتطويله عليه الصلاة والسلام القراءة والركوع والسجود، ولا شك في كون ذلك عبادة، وحينئذٍ فمعنى كون سنة الزوائد عادة أن النبي ◌َّ واظب عليها حتى صارت عادة له ولم يتركها إلا أحياناً، لأن السنة هي الطريقة المسلوكة في الدين، فهي في نفسها عبادة وسميت عادة لما ذكرنا. ولما لم تكن من مكملات الدين وشعائره سميت سنة الزوائد، بخلاف سنة الهدى وهي السنن المؤكدة القريبة من الواجب التي يضلل تاركها، لأن تركها استخفاف بالدين، وبخلاف النفل فإنه كما قالوا: ما شرع لنا زيادة على الفرض والواجب والسنة بنوعيها، ولذا جعلوا قسماً رابعاً وجعلوا منه المندوب والمستحب، وهو ما ورد به دلیل ندب يخصه کما في التحرير، فالنفل: ما ورد به دلیل ندب عموماً أو خصوصاً ولم يواظب عليه النبي ◌َّر، ولذا كان دون سنة الزوائد كما صرح به في التنقيح. وقد يطلق النفل على ما يشمل السنن الرواتب، ومنه قولهم باب الوتر والنوافل، ومنه تسمية الحج نافلة لأن النفل الزيادة وهو زائد على الفرض، مع أنه من شعائر الدين العامة، ولا شكّ أنه أفضل من تثليث غسل اليدين في الوضوء ومن رفعهما للتحريمة مع أنهما من السنن المؤكدة فتعين ما قلنا، وبه اندفع ما أورده ابن الكمال، فاغتنم تحقيق هذا المحل فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (أفاد الخ) حيث ذكر السنن عقب الأركان هنا وفي الغسل ولم يذكر لهما واجباً، ولو لم يكن كلامه مفيداً ذلك لقدم ذكر الواجب على السنن لأنه أقوى، فمقتضى الصناعة تقديمه. وأراد بالواجب ما كان دون الفرض في العمل، وهو أضعف نوعي الواجب، لا ما يشمل النوع الآخر وهو ما كان في قوة الفرض في العمل، لأن غسل المرفقين والكعبين ومسح ربع الرأس من هذا النوع الثاني، وكذا غسل الفم والأنف في الغسل، لأن ذلك ليس من الفرض القطعي الذي يكفر جاحده. تأمل. ثم رأيت التصريح بذلك في شرح الدرر للشيخ إسماعيل. واحترز بقوله للوضوء وللغسل عن نفس الوضوء والغسل، فإن الوضوء يكون فرضاً وواجباً وسنة ونفلاً كما قدمه الشارح، وكذا الغسل على ما يأتي في محله. قوله: (وجمعها) أي السنن حيث أتى بها بصيغة الجمع ولم يأت بها مفردة كما قال في الكنز وسنته. قوله: (مستقلة بدليل وحكم) قال ابن الكمال: أما الأول فظاهر عند من تأمل في الهداية وسائر الكتب المطولة، وأما الثاني فلأن ما يترتب على فعل السنة وتركها من الثواب والعقاب يترتب على كل فعل منها وتركه منفردة كانت أو مجتمعة مع أخواتها، وليس الأمر في الفرض كذلك، فإن فرض الوضوء مجموع غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس لا أن كلّ منها فرض مستقل يترتب على فعله وتركه حكم الفرض ولذلك آثر فيه صيغة المفرد، ومن ٢٢٠ كتاب الطهارة وحكمها ما يؤجر على فعله ويلام على تركه، وكثيراً ما يعرّفون به لأنه محط مواقع أنظارهم. وعرفها الشمني بما ثبت بقوله عليه الصلاة والسلام أو بفعله، لم يتنبه لهذه الدقيقة الأنيقة سلك في الموضعين مسلك الإفراد اهـ. وعلى هذا فكان الأنسب للمصنف أن يقول فيما مر: وركن الوضوء، بالإفراد لاتحاد الدليل وهو الآية، واتحاد الحكم بدليل فساد البعض بترك البعض. قاله في البحر فافهم. قوله: (ما يؤجر الخ) ما مصدرية لا موصولة أو موصوفة واقعة على السنة، لأن الحكم الثابت لها الأجر واللوم على الفعل والترك، وليس الحكم هو الفعل الذي يؤجر عليه، إلا أن يقال إنها موصولة أو موصوفة واقعة على الأجر والعائد محذوف: أي الأجر الذي يؤجره: وعلى كل فالمناسب تأنيث الضمير في فعله وتركه، فافهم. قوله: (ويلام) أي يعاتب بالتاء لا يعاقب كما أفاده في البحر والنهر، لكن في التلويح ترك السنة المؤكدة قريب من الحرام يستحق حرمان الشفاعة، لقوله عليه الصلاة والسلام ((مَنْ تَرَكَ سُنَّتِي لَمْ يَتَلْ شَفَاعَتي)) اهـ. وفي التحرير أن تاركها يستوجب التضليل واللوم اهـ. والمراد الترك بلا عذر على سبيل الإصرار كما في شرح التحرير لابن أمير حاج، ويؤيده ما سيأتي في سنن الوضوء من أنه لو اكتفى بالغسل مرة، إن اعتاد أثم وإلا لا. وفي البحر من باب صفة الصلاة: الذي يظهر من كلام أهل المذهب أن الاسم منوط بترك الواجب أو السنة المؤكدة على الصحيح، لتصريحهم بأن من ترك سنن الصلوات الخمس قيل لا يأثم، والصحيح أنه يأثم. ذكره في فتح القدير، وتصريحهم بالإثم لمن ترك الجماعة مع أنها سنة مؤكدة على الصحيح وكذا في نظائره لمن تتبع كلامهم، ولا شك أن الإثم مقول بالتشكيك بعضه أشد من بعض، فالإثم لتارك السنة المؤكدة أخف من الإثم لتارك الواجب اهـ. قال في النهر هناك: ويؤيده ما في الكشف الكبير معزياً إلى أصول أبي اليسر(١): حكم السنة أن يندب إلى تحصيلها ويلام على تركها مع لحوق إثم يسير. قوله: (وكثيراً الخ) مفعول مطلق و «ما)) زائدة لتأكيد الكثرة: أي ويعرفون بالحكم تعريفاً كثيراً. قوله: (لأنه الخ) المحط: موضع الحط مقابل الرفع، ومواقع: جمع، موقع مصدر ميمي بمعنى الوقوع، والأنظار جمع نظر: بمعنى التأمل والتفكر: أي لأن الحكم هو محل وقوع أنظارهم: أي إنه المقصود للفقهاء. قوله: (وعرّفها الشمني) أي عرف السنة اصطلاحاً، أما هي لغة: فالطريقة مطلقاً ولوقبيحة ط. قوله: (أو بفعله) ينبغي زيادة ((أو تقريره)) إلا أنه داخل في الفعل لأنه عدم النهي عما يقع بين يديه عليه الصلاة والسلام: يعني (١) القاضي أبو اليسر البزدوي، محمد بن محمد بن الحسين، أخو الإمام فخر الإسلام علي البزدوي، أخذ عن أبي يعقوب يوسف بن محمد النيسابوري وكان إمام الأئمة على الإطلاق، توفي ببخاری في رجب سنة ٤٩٣. انظر: الجواهر المضيئة (١٩٩٢)، الفوائد البهية (١٨٨)، اللباب (١٦٢/٢).