Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
المقدمة
وقد قالوا: الفقه زرعه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وسقاه علقمة،
وحصده إبراهيم النخعي، وداسه حماد، وطحنه أبو حنيفة، وعجنه أبو يوسف،
نادراً وأما ما لم يكن منصوصاً فنادر، وقد يكون منصوصاً، غير أن الناظر يقصر عن البحث
عن محله أو عن فهم ما يفيده مما هو منصوص بمفهوم أو منطوق ط. أو يقال: المراد بالفقه
ما يشمل مذهبنا وغيره، فإنه بهذا المعنى لا يقبل الزيادة أصلًا، فإنه لا يجوز إحداث قول
خارج عن المذاهب الأربعة. قوله: (وقد قالوا الفقه) أي الفقه الذي استنبطه أبو حنيفة أو
أعم. قوله: (زرعه) أي أول من تكلم باستنباط فروعه عبد الله بن مسعود الصحابي
الجليل، أحد السابقين والبدريين والعلماء الكبار من الصحابة. أسلم قبل عمر رضي الله
تعالى عنهما. قال النووي في التقريب: وعن مسروق أنه قال: انتهى علم الصحابة إلى
ستة: عمر وعليّ وأبيّ وزيد وأبي الدرداء وابن مسعود، ثم انتهى علم الستة إلى عليّ
وعبد الله بن مسعود. قوله: (وسقاء) أي أيده ووضحه علقمة بن قيس بن عبد الله بن
مالك النخعي الفقيه الكبير، عم الأسود بن يزيد، وخال إبراهيم النخعي. ولد في حياة
النبي وَل﴿، وأخذ القرآن والعلم عن ابن مسعود وعليّ وعمر وأبي الدرداء وعائشة رضي الله
عنهم أجمعين. قوله: (وحصده) أي جمع ما تفرّق من فوائده ونوادره وهيأه للانتفاع به
إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي الكوفي، الإمام المشهور الصالح
الزاهد. روى عن الأعمش وخلائق، توفي سنة ستّ أو خمس وتسعين. قوله: (وداسه) أي
اجتهد في تنقيحه وتوضيحه حماد بن مسلم (١) الكوفي شيخ الإمام، وبه تخرج. وأخذ حماد
بعد ذلك عنه. قال الإمام: ما صليت صلاة إلا استغفرت له مع والدي. مات سنة مائة
وعشرين. قوله: (وطحنه) أي أكثر أصوله وفرّع فروعه وأوضح سبله إمام الأئمة وسراج
الأمة أبو حنيفة النعمان، فإنه أول من دوّن الفقه ورتبه أبواباً وكتباً على نحو ما عليه اليوم،
وتبعه مالك في موطئه، ومن كان قبله إنما كانوا يعتمدون على حفظهما. وهو أول من وضع
كتاب الفرائض وكتاب الشروط، كذا في الخيرات الحسان في ترجمة أبي حنيفة النعمان
للعلامة ابن حجر. قوله: (وعجنه) أي دقق النظر في قواعد الإمام وأصوله واجتهد في زيادة
استنباط الفروع منها والأحكام تلميذ الإمام الأعظم أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قاضي
القضاة، فإنه كما رواه الخطيب في تاريخه أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب
أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها وبثّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض، وهو أفقه أهل
عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان النهاية في العلم والحكم والرياسة. ولد سنة ١١٣
(١) حماد بن مسلم أبو إسماعيل بن أبي سليمان الكوفي: أحد أئمة الفقهاء، سمع أنس بن مالك، وتفقه بإبراهيم النخعي
وروی عنه سفیان، شعبة، وأبو حنيفة، وبه تفقه، وعليه تخرج وانتفع، وکان له لسان سؤول وقلب عقول روی له
مسلم، وأصحاب السنن. انظر: الجواهر المضية ٢/ ١٥٠.
١٤٢
المقدمة
وخبزه محمد، فسائر الناس يأكلون من خبزه، وقد نظم بعضهم فقال: [البسيط].
الفقْهُ زَرْعُ ابن مَسْعُودٍ، وَعَلْقمَةٌ حِصَّادُهُ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ دَوَّاسُ
نُعْمَانُ طَاحِنُهُ، يَعْقُوبُ عَاجِئُهُ مُحمَّدٌ خَابِزٌ، وَالْآكِلُ النَّاسُ
وقد ظهر علمه بتصانيفه كالجامعین والمبسوط والزيادات والنوادر، حتى قيل:
وتوفي ببغداد سنة ١٨٢. قوله: (وخبزه) أي زاد في استنباط الفروع وتنقيحها وتهذيبها
وتحريرها بحيث لم تحتج إلى شيء آخر الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة
وأبي يوسف محرّر المذهب النعماني، المجمع على فقاهته ونباهته.
روي أنه سأل رجل المزني عن أهل العراق، فقال: ما تقول في أبي حنيفة؟ فقال:
سیدهم. قال: فأبو یوسف؟ قال: اتبعهم للحديث. قال: فمحمد بن الحسن؟ قال:
أكثرهم تفریعاً، قال: فزفر؟ قال: أحدهم قياساً. ولد سنة ١٣٢ وتوفي بالرّي سنة ١٨٩.
قوله: (من خبزه) بالضم: أي خبز محمد الذي خبزه من عجين أبي يوسف من طحين أبي
حنيفة، ولذا روى الخطيب عن الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: الناس عيال على أبي
حنيفة في الفقه، كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه. قوله: (فقال) أي من بحر البسيط،
وترتيب هذا النظم بخلاف الترتيب قبله، وسقط منه حماد. قوله: (علمه) أي محمد. قوله:
(كالجامعين) الصغير والكبير. وقد ألفت في المذهب تآليف سميت بالجوامع فوق ما ينوف
عن أربعين، وكل تأليف لمحمد وصف بالصغير فهو من روايته عن أبي يوسف عن الإمام،
وما وصف بالكبير فروايته عن الإمام بلا واسطة ط. قوله: (والنوادر) الأولى إبدالها بالسير،
لأن هذه الكتب الخمسة هي كتب محمد المسماة بالأصل وظاهر الرواية، لأنها رويت عنه
برواية الثقات، فهي ثابتة عنه متواترة أو مشهورة، وفيها المسائل المروية عن أصحاب
المذهب، وهم أبوح، وأبو س وم. وأما النوادر فهي مسائل مروية عنهم في كتب آخر
لمحمد كالكيسانيات والهارونيات والجرجانيات والرقيات وهي دون الأولى. وبقي قسم
ثالث، وهو مسائل للنوازل سئل عنها المشايخ المجتهدون في المذهب، ولم يجدوا فيها
نصاً فأفتوا فيها تخريجاً، وقد نظمت ذلك فقلت: [بحر الرجز].
وَكُثْبُ ظِاهِرِ الرواية أتَتْ سِنَّاً لِكُلِّ ثَابتٍ عَنْهُم حَوَتْ
حَرَّر فيهَا المَذهَب النُّعماني
صَنَّفَها مُحمَّدُ الشَّيْبَاني
الجَامِعُ الصَّغيرُ والكَبِيرُ والسّيرُ الكَبِيرُ والصَّغيرُ
تَواتَرَتْ بِالسَّنَدِ المَضْبُوطِ
ثُمَّ الزِّياداتُ مَحَ المَبْسُوطِ
كَذا لَهُ مَسائلُ النَّوادِرْ إِسْتَادُهَا فِي الكُتْبِ غَيْرُ ظاهِرْ
١٤٣
المقدمة
إنه صنف في العلوم الدينية تسعمائة وتسعة وتسعين كتاباً. ومن تلامذته الشافعي رضي
الله عنه .. وتزوّج بأم الشافعي وفوّض إليه كتبه وماله، فبسببه صار الشافعي فقيهاً.
ولقد أنصف الشافعي حيث قال: من أراد الفقه فليلزم أصحاب أبي حنيفة، فإن
المعاني قد تيسرت لهم، والله ما صرت فقيهاً إلّ بكتب محمد بن الحسن.
وقال إسماعيل بن أبي رجاء: رأيت محمداً في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي، ثم قال: لو أردت أن أعذبك ما جعلت هذا العلم فيك، فقلت له: فأين
أبو يوسف؟ قال: فوقنا بدرجتين .. قلت: فأبو حنيفة؟ قال: هيهات، ذاك في أعلى
عليين. كيف وقد صلّى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وحج خمساً وخمسين حجة،
وَيَعْدها مسائِلُ النَّوازِلْ خَرَّجها الأشياخُ بالدَّلائِلْ
وسيأتي بسط ذلك آخر المقدمة.
وفي طبقات التميمي عن شرح السير الكبير للسرخسي أن السير الكبير آخر تصنيف
صنفه محمد في الفقه. وكان سببه أن السير الصغير وقع بيد الأوزاعي إمام أهل الشام فقال:
ما لأهل العراق والتصنيف في هذا الباب. فإنه لاعلم لهم بالسير، فبلغ محمداً فصنف
الكبير، فحكي أنه لما نظر فيه الأوزاعي(١) قال: لولا ما ضمنه من الأحاديث لقلت إنه يضع
العلم، وإن الله تعالی عین جهة إصابة الجواب في رأيه، صدق الله تعالى: ﴿وفوق كل ذي
علم عليم﴾ ثم أمر محمد أن يكتب في ستين دفتراً، وأن يحمل إلى الخليفة فأعجبه وعده من
مفاخر أيامه اهـ. ملخصاً. قوله: (فبسببه صار الشافعي فقيهاً) أي ازداد فقاهة، واطلع على
مسائل لم يكن مطلعاً عليها، فإن محمداً أبدع في كثرة استخراج المسائل، وإلا فالشافعي
رضي الله تعالى عنه فقيه مجتهد قبل وروده إلى بغداد، وكيف يستفاد الاجتهاد المطلق ممن
لیس کذلك؟ أفاده ح. قوله: (والله ما صرت فقيهاً) الكلام فيه كما تقدم. وروي عن
الشافعي أنه قال أيضاً: حملت من علم محمد بن الحسن وقر بعير كتباً. وقال: أمنّ الناس
علي في الفقه محمد بن الحسن. قوله: (هيهات) اسم فعل: أي بعد مكانه عني وعن أبي
يوسف ط. قوله: (في أعلى عليين) اسم لأعلى الجنة: أي هو في أعلى مكان في الجنة:
أي بالنسبة إليهما لا مطلقاً، لأن الأنبياء والصحابة أرفع منه درجة قطعاً. وأساء الدعاء بنحو:
اجعلني مع النبيين، فالمراد في الاجتماع والمؤانسة لا في الدرجة والمنزلة، ومنه قوله
تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين﴾ الخ ط. قوله: (كيف)
(١) عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد. ويقال: عبد العزيز بن عمرو بن يحمد أبو عمرو الأوزاعي: الفقيه، صاحب
المذهب. من كتبه: ((السنن في الفقه)) و ((المسائل في الفقه). توفي ببيروت سنة ١٥٧.
انظر: شذرات الذهب ١/ ٢٢٤١، طبقات ابن سعد ٧/ ٤٨٨، وفيات الأعيان ٣/ ١٢٧.
١٤٤
المقدمة
ورأى ربه في المنام مائة مرة، ولها قصة مشهورة. وفي حجته الأخيرة استأذن حجبة
الكعبة بالدخول ليلاً، فقام بين العمودين على رجله اليمنى ووضع اليسرى على ظهرها
حتی ختم نصف القرآن ثم رکع وسجد، ثم قام علی رجله اليسرى ووضع اليمنى على
ظهرها حتى ختم القرآن، فلما سلم بكى وناجى ربه وقال: إلهي ما عبدك هذا العبد
الضعيف حق عبادتك، لکن عرفك حق معرفتك. فهب نقصان خدمته لكمال معرفته،
فهتف هاتف من جانب البيت: يا أبا حنيفة قد عرفتنا حق المعرفة وخدمتنا فأحسنت
استفهام إنكاري بمعنى النفي: أي كيف لا يعطى هذا المكان الأعلى ط. قوله: (ولها) أي
لرؤيته ربه تعالى في المنام قصة مشهورة ذكرها الحافظ النجم الغيطي.
وهي أن الإمام رضي الله عنه قال: رأيت ربّ العزة في المنام تسعاً وتسعين مرة فقلت
في نفسي: إن رأيته تمام المائة لأسأله: بم ينجو الخلائق من عذابه يوم القيامة. قال:
فرأيته سبحانه وتعالى فقلت: يا ربّ عزّ جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك، بم ينجو
عبادك يوم القيامة من عذابك؟ فقال سبحانه وتعالى: من قال بعد الغداة والعشي ((سبحان
الأبدي الأبد، سبحان الواحد الأحد، سبحان الفرد الصمد، سبحان رافع السماء بلا عمد،
سبحان من بسط الأرض على ماء جمد، سبحان من خلق الخلق فأحصاهم عدد، سبحان من
قسم الرزق ولم ينس أحد، سبحان الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد، سبحان الذي لم يلد
ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)» نجا من عذابي اهـ. ط. قوله: (على رجله اليمنى الخ) فيه
أن هذا مخالف للسنة اهـ . : أي لصحة الحديث في النهي عنه. وأجاب الشرنبلالي بحمله
على التراوح؛ فإنه أفضل من تصب القدمين؛ وتفسير التراوح: أن يعتمد المصلي على قدم
مرة وعلى الأخرى مرة أخرى: أي مع وضع القدمین علی الأرض بدون رفع إحداهما، لكن
يبعده قوله: ووضع اليسرى على ظهرها الخ. أفاده ط. وقد يقال: للإمام رضي الله تعالى
عنه مقصد حسن: في ذلك نفي الكراهة عنه، كما قالوا: يكره أن يصلي الرجل حاسراً عن
رأسه؛ لكن إذا قصد التذلل فلا كراهة. ثم رأيت بعض العلماء أجاب بذلك فقال: إنما فعل
ذلك مجاهدة لنفسه، وليس يبعد أن يكون غرض مجاهدة النفس بذلك ممن لم يختل منه
خشوعه مانعاً للكرامة اهـ. قوله: (حق عبادتك) من إضافة الصفة للموصوف: أي عبادتك
الحقة التي تليق بجلالك، بل هي بقدر ما في وسعه ط قوله: (لكن عرفك) استدراك على
ما يتوهم من أن عدم عبادته حق العبادة نشأ من عدم المعرفة؛ والمراد أنه عرفه بصفاته الدالة
على كبريائه ومجده؛ واستحقاقه دوام مشاهدته ومراقبته؛ وليس المراد معرفة كنه الذات
والصفات، فإنه من المستحيلات ط. قوله: (فهب) من الهبة: وهي العطية؛ يقول وهبت
له: أي أعط نقصان الخدمة لكمال المعرفة: أي شفع هذا بهذا كما في هب مسيئنا
١٤٥
المقدمة
الخدمة، قد غفرنا لك ولمن اتبعك ممن كان على مذهبك إلى يوم القيامة.
وقيل لأبي حنيفة: بم بلغت ما بلغت؟ قال: ما بخلت بالإفادة، وما استنكفت
عن الاستفادة.
قال مسافر بن كرام: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف وقال
فيه: [الكامل].
حَسْبِي مِنَ الخَيْرَاتِ مَا أَعْدَدتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي رِضَا الرَّحمنِ
دِينُ النَّبيِّ مُحمَّدٍ خَيرِ الوَرَى ثُمَّ اعتِقَادِي مَذْهَبَ الثُّعْمَانِ
وعنه عليه الصلاة والسلام ((إن آدم افتخر بي وأنا أفتخر برجل من أمتي اسمه.
نعمان وكنيته أبو حنيفة، هو سراج أمتي)) وعنه عليه الصلاة والسلام ((إن سائر الأنبياء
يفتخرون بي، وأنا أفتخر بأبي حنيفة، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني))
كذا في التقدمة شرح مقدمة أبي الليث. قال في الضياء المعنوي: وقول ابن الجوزي:
لمحسننا. قوله: (ولمن اتبعك) أي في الخدمة والمعرفة، أو فيما أدَّى إليه اجتهادك من
الأوامر والنواهي؛ ولم يزغ عنها لا بمجرد التقليد. قوله: (إلى يوم القيامة) متعلق بكان
التامة أو باتبعك. قوله: (وقيل لأبي حنيفة) ذكر في التعليم هذه العبارة عن أبي يوسف؛ ثم
قال: قيل لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: بم أدركت العلم؟ قال: إنما أدركت العلم
بالجهد والشكر؛ وكلما فهمت ووقفت على فقه وحكمة قلت: الحمد لله فازداد علمي ط.
قوله: (وما استنكفت) أي أنفت وامتنعت. قوله: (مسافر بن كرام) الذي رأيته في مواضع
متعددة: مسعر بن كدام بكسر أولهما وكدام بالدال. قوله: (رجوت أن لا يخاف) لأنه قلد
إماماً عالماً صحيح الاجتهاد سالم الاعتقاد، ومن قلد عالماً لقي الله سالماً؛ وتمام كلام
مسعر: وأن لا يكون فرط في الاحتياط لنفسه. قوله: (وقال) أي مسعر؛ لكن ذكر في
المقدمة الغزنوية هذين البيتين وأنه أنشدهما أبو يوسف أفاده ط. قوله: (حسبي) أي كافيّ
مبتدأ خبره قوله ما أعددته: أي هيأته، ويوم القيامة متعلق بحسبي أو بأعددته أو برضا، وفي
السببية، ودين بدل من ((ما)). قوله: (وأنا أفتخر الخ) الفخر والافتخار: التمدح بالخصال:
أي يذكر من جملة نعم الله تعالى عليه أن جعل من أتباعه هذا الرجل الذي شید بنیان الدین
بعد انقراض الصحابة وأكثر التابعين، وتبعه ما لا يحصى من الأمة، وسبق في الاجتهاد
وتدوين الفقه من بعده من الأئمة، وأعانهم بأصحابه وفوائده الجمة على استنباط الأحكام
المهمة. قوله: (الضياء المعنوي) هو شرح مقدمة الغزنوي القاضي أبي البقاء بن الضياء
المكي. قوله: (وقول ابن الجوزي) أي ناقلاً عن الخطيب البغدادي. قوله: (لأنه روي
١٤٦
المقدمة
إنه موضوع: تعصب، لأنه روي بطرق مختلفة.
بطرق مختلفة) بسطها العلامة طاشٍ كبرى، فيشعر بأن له أصلاً، فلا أقل من أن يكون ضعيفاً
فیقبل، إذ لم یترتب عليه إثبات حكم شرعي، ولا شكّ في تحقق معناه في الإمام فإنه سراج
يستضاء بنور علمه ويهتدى بثاقب فهمه؛ لكن قال بعض العلماء: إنه قد أقرّ ابن الجوزي
على عده هذه الأخبار في الموضوعات الحافظ الذهبي والحافظ السيوطي والحافظ ابن
حجر العسقلاني والحافظ الذي انتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة في زمنه الشيخ قاسم
الحنفي؛ ومن ثم لم يورد شيئاً منها أئمة الحديث الذين صنفوا في مناقب هذا الإمام
كالطحاوي وصاحب طبقات الحنفية محيي الدين القرشي وآخرين متقنين ثقات أثبات نقاد،
لهم اطلاع كثير اهـ. وقال العلامة ابن حجر المكي(١) في الخيرات الحسان في ترجمة أبي
حنيفة النعمان: ومن اطلع على ما يأتي في هذا الكتاب من أحوال أبي حنيفة وكراماته
وأخلاقه وسيرته علم أنه غنيّ عن أن يستشهد على فضله بخبر موضوع.
قال: ومما يصلح للاستدلال به على عظيم شأن أبي حنيفة ما روي عنه عليه الصلاة
والسلام أنه قال: ((ترفع زينة الدنيا سنة خمسين ومائة)) ومن ثم قال شمس الأئمة الكردي: إن
هذا الحديث محمول على أبي حنيفة، لأنه مات تلك السنة اهـ.
وقال أيضاً: وقد وردت أحاديث صحيحة تشير إلى فضله: منها قوله {# فيما رواه
الشيخان عن أبي هريرة والطبراني عن ابن مسعود أن النبي وَ﴿ قال: ((لَوْ كَانَ الإيمانُ عِنْدَ
التُّرَّيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارس))(٢) . ورواه أبو نعيم عن أبي هريرة والشيرازي والطبراني
عن قيس بن سعد بن عبادة بلفظ أن النبي ◌َ ﴿ قال: ((لَوْ كَانَ العِلْمُ مُعَلَّقاً عِنْدَ التُّرِيًّا لِتَنَاوَلَهُ
رجال مِنْ أبناءٍ فارسٍ)). ولفظ الطبراني عن قيس ((لا تناله العرب لناله رجال من أبناء
فارس)). وفي رواية مسلم عن أبي هريرة («لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجل من أبناء
فارس حتى يتناوله)). وفي رواية للشيخين عن أبي هريرة ((والذي نفسي بيده لو كان الدين
معلقاً بالثريا لتناوله رجل من فارس)) وليس المراد بفارس البلاد المعروفة، بل جنس من
العجم وهم الفرس، لخبر الديلمي ((خير العجم فارس)) (٣) وقد كان جد أبي حنيفة من
(١) أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، شهاب الدين شيخ الإسلام، أبو العباس: مولده في
محلة أبي الهيتم. من إقليم الغربية بمصر - وإليها نسبته، تلقى العلم في الأزهر، ومات بمكة، له تصانيف كثيرة
منها: ((الصواعق)) المحرقة على أهل البدع والضلال والزندقة)) و(تحفة المحتاج لشرح المنهاج)) و((الخبرات
الحسان)). انظر: آداب اللغة ٣٣٤/٣، خلاصة الأثر، ١٦٦/٢، الأعلام ١/ ٢٣٤.
(٢) أخرجه البخاري ٨/ ٦٤١ (٤٨٩٧) ومسلم ٤/ ١٩٧٢ (٢٣١/ ٢٥٤٦)، وأحمد ٢/ ٤١٧ والبيهقي في
الدلائل ٦/ ٣٣٣ وأبو نعيم في تاريخ أصبهان ٢/٩ والطبراني في الكبير ١٨/ ٣٥٣ والحاكم ٤/ ٣٩٥ وابن
حجر في المطالب (٤٢٢٨) والطحاوي في المشكل ٣١/٣ وانظر مجمع الزوائد ٦٤/١٠، ٦٥.
(٣) ذكره الفتني في تذكرة: الموضوعات (١١٢).
١٤٧
المقدمة
وروى الجرجاني في مناقبه بسنده لسهل بن عبد اللّه التستري أنه قال ((لو كان في
أمة موسى وعيسى مثل أبي حنيفة لما تهوّدوا ولما تنصروا)) ومناقبه أكثر من أن تحصى،
وصنف فيها سبط ابن الجوزي مجلدين كبيرين، وسماه [الانتصار لإمام أئمة الأمصار].
فارس، على ما عليه الأكثرون. قال الحافظ السيوطي: هذا الحديث الذي رواه الشيخان
أصل صحيح يعتمد عليه في الإشارة لأبي حنيفة، وهو متفق على صحته، وبه يستغنى عما
ذكره أصحاب المناقب ممن ليس له دراية في علم الحديث، فإن في سنده كذابين
ووضاعین اهـ. ملخصاً.
وفي حاشية الشبراملسي(١) على المواهب عن العلامة الشامي تلميذ الحافظ
السيوطي(٢) قال: ما جزم به شيخنا من أن أبا حنيفة هو المراد من هذا الحديث ظاهر لا شك
فيه، لأنه لم يبلغ من أبناء فارس في العلم مبلغه أحد اهـ. قوله: (التستري) إمام عظيم رضي
الله عنه، كان يقول: إني لأعهد الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليّ في عالم الذر، وإني
لأرعى أولادي من هذا الوقت إلى أن أخرجهم الله إلى عالم الشهود والظهور. قوله: (لما
تهوّدوا الخ) أي لما داموا على دينهم الباطل واعتقادهم العاطل، ولم يقبلوا ما أدخله عليهم
علماؤهم من الدسائس فأعموهم عما جاء به نبينا من النفائس، فإنهم لم يقبلوا ذلك إلا
لعقلهم الفاسد، ورأيهم الكاسد، فلو كان فيهم مثله غزير العلم، ثاقب الفهم، قائماً
بالصدق، عارفاً بالحق، لرد جميع ذلك، وأنقذهم من المهالك، قبل غلوّهم وتمكن الشبه
في عقولهم: فإن كونه واحداً منهم يكون لكلامه أقبل، فإن الجنس أميل، فلا يلزم تفضيله
علی نبینا المکرم پے، فانهم. قوله: (ومناقبه أکثر من أن تحصی) هذا من مشکل التراكيب،
فإن ظاهره تفضيل الشيء في الأكثرية على الإحصاء ولا معنى له، ونظائره كثيرة قل من يتنبه
لإشكالها؛ ووجه بأوجه متعددة بينتها في رسالتي المسماة بالفوائد العجيبة في إعراب
الكلمات الغريبة: أحسنها ما ذكره الرضي أنه ليس المراد التفضيل بل المراد البعد عن
الكثرة، فـ ((من) متعلقة بأفعل التفضیل بمعنی تجاوز وباین بلا تفضیل. قوله: (سبط) قیل
الأسباط الأولاد خاصة؛ وقيل أولاد الأولاد، وقيل أولاد البنات، نهاية الحديث،
والمشهور الثالث. قوله: (وسماه الانتصار) إنما سماه بذلك لأن الإمام رضي الله عنه لما
(١) علي بن الشبراملسي، أبو الضياء، نور الدين: فقيه شافعي مصري تعلم وعلم بالأزهر. وصنف كتباً منها ((حاشية
على المواهب اللدنية للقسطلاني)) و((حاشية على الشمائل) و((حاشية على نهاية المحتاج)) توفي سنة ١٠٨٧.
النظر: الرسالة المستطرفة ١٥٠، خلاصة الأثر، ١٧٤/٣، الأعلام ٣١٤/٤.
(٢) عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. له
نحو ٦٠٠ مصنف. منها: «الكتاب الكبير)» و«الرسالة الصغيرة)) توفي سنة ٩١١.
انظر: الضوء اللامج ٤/ ٦٥، الكواكب السائرة ١/ ٢٢٦، الأعلام ٣٠١/٣.
١٤٨
المقدمة
شاعت فضائله وعمت الخافقين فواضله، جرت عليه العادة القديمة من إطلاق ألسنة
الحاسدين فيه حتى طعنوا في اجتهاده وعقيدته بما هو مبرأ منه قطعاً لقصد أن يطفئوا
نور الله، ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره، كما تكلم بعضهم في مالك، وبعضهم في الشافعي،
وبعضهم في أحمد، بل قد تكلمت فرقة في أبي بكر وعمر، وفرقة في عثمان وعليّ، وفرقة
كفرت كل الصحابة: [بحر الطويل].
وَمَنْ ذَا الَّذي يَنْجو مِنَ النَّاسِ سالِماً وَلِلنَّاسِ قالٌ بِالظُّنونِ وَقِيلُ
وممن انتصر للإمام رحمه الله تعالى العلامة السيوطي في كتاب سماه [تبييض الصحيفة]
والعلامة ابن حجر في كتاب سماه الخيرات الحسان، والعلامة يوسف بن عبد الهادي
الحنبلي في مجلد كبير سماه تنوير الصحيفة، وذكر فيه عن ابن عبد البر: لا يتكلم في أبي
حنيفة بسوء ولا تصدّقن أحداً يسيء القول فيه، فإني والله ما رأيت أفضل ولا أروع ولا أفقه
منه؛ ثم قال: ولا يغتّ أحد بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء
كأبي حنيفة والإمام أحمد وبعض أصحابه، وتحامل عليهم بكل وجه، وصنف فيه بعضهم
(السهم المصيب في كبد الخطيب).
وأما ابن الجوزي فإنه تابع الخطيب، وقد عجب سبطه منه حيث قال في [مرآة الزمان]
وليس العجب من الخطيب فإنه طعن في جماعة من العلماء، وإنما العجب من الجد كيف
سلك أسلوبه وجاء بما هو أعظم. قال: ومن المتعصبين على أبي حنيفة الدارقطني وأبو
نعيم، فإنه لم يذكره في الحلية وذکر من دونه في العلم والزهد اهـ.
ومن انتصر له العارف الشعراني في الميزان بما يتعين مطالعته، قال في الخيرات
الحسان: وبفرض صحة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله فلا يعتد به، فإنه إن كان من
غير أقران الإمام فهو مقلد لما قاله أو كتبه أعداؤه أو من أقرانه فكذلك، لأن قول الأقران
بعضهم في بعض غير مقبول كما صرح به الذهبي والعسقلاني، قالا: ولا سيما إذا لاح أنه
لعداوة أو لمذهب، إذ الحسد لا ينجو منه إلا من عصمه الله تعالى. قال الذهبي: وما علمت
أن عصراً سلم أهله من ذلك إلا عصر النبيين عليهم الصلاة والسلام والصديقين. وقال النتاج
السبكي: ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، ولا تنظر إلى
كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح.
ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحاً، فإياك ثم إياك
أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري، أو بين مالك وابن أبي ذئب، أو بين
أحمد بن صالح والنسائي، أو بين أحمد والحارث المحاسبي، وذكر كلام كثيرين من نظراء
٠
١٤٩
المقدمة
مالك فيه، وكلام ابن معين في الشافعي، قال: وما مثل من تكلم فيهما وفي نظائرهما إلا كما
قال الحسن بن هانئ: [بحر البسيط].
يَا نَاطِحَ الجَبَلِ العَالِي لِيكلمَهُ أَشْفِقْ عَلَى الرَّأسِ لا تُشْفِقْ عَلَى الجَبَلِ
اهـ. ملخصاً. وقد أطال في ذلك وفي ذكر من أثنى على الإمام من أئمة السلف وممن
بعدهم، وما نقلوه من سعة علمه وفهمه وزهده وورعه وعبادته واحتياطه وخوفه، وغير ذلك
مما يستدعي مؤلفات، وما ينسب إلى الإمام الغزالي يردّه ما ذكره في إحيائه المتواتر عنه حيث
ترجم الأئمة الأربعة وقال: وأما أبو حنيفة فلقد كان أيضاً عابداً زاهداً عارفاً بالله تعالى،
خائفاً منه، مريداً وجه الله تعالی بعلمه الخ.
أقول: ولا عجب من تكلم السلف في بعضهم كما وقع للصحابة، لأنهم كانوا
مجتهدين فينكر بعضهم على من خالف الآخر سيما إذا قام عنده ما يدل له على خطإ غيره،
فليس قصدهم إلا الانتصار للدين لا لأنفسهم، وإنما العجب ممن يدعي العلم في زماننا
ومأكله وملبسه وعقوده وأنكحته وكثير من تعبداته يقلد فيها الإمام الأعظم ثم يطعن فيه وفي
أصحابه، وليس مثله إلا كمثل ذبابة وقعت تحت ذنب جواد في حالة كرّه وفرّه، وليت شعري
لأيّ شيء يصدّق ما قيل في أبي حنيفة ولا يصدق ما قيل في إمام مذهبه؟ ولم لا يقلد إمام
مذهبه في أدبه مع هذا الإمام الجليل؟ فقد نقل العلماء ثناء الأئمة الثلاثة على أبي حنيفة
وتأدبهم معه، ولا سيما الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، والكامل لا يصدر منه إلا
الكمال، والناقص بضده. ويكفي المعترض حرمانه بركة من يعترض عليه، أعاذنا الله من
ذلك، وأدامنا على حب سائر الأئمة المجتهدين وجميع عباده الصالحين، وحشرنا في
زمرتهم یوم الدین.
ومما روي من تأدبه معه أنه قال: إني لأتبرّك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره، فإذا عرضت
لي حاجة صليت ركعتين وسألت الله تعالى عند قبره فتقضى سريعاً.
وذكر بعض من كتب على المنهاج أن الشافعي صلى الصبح عند قبره فلم يقنت،
فقيل له: لم؟ قال: تأدباً مع صاحب هذا القبر. وزاد غيره أنه لم يجهر بالبسملة.
وأجابوا عن ذلك بأنه قد يعرض للسنة ما يرجح تركها عند الاحتجاج إليه كرغم أنف
حاسد، وتعليم جاهل، ولا شك أن أبا حنيفة كان له حساد كثيرون، والبيان بالفعل أظهر منه
بالقول، فما فعله الشافعي رضي الله تعالى عنه أفضل من فعل القنوت والجهر.
أقول: ولا يخفى عليك أن ذلك الطاعن الأحمق طاعن في إمام مذهبه، ولذا قال في
الميزان: سمعت سيدي علياً الخواص رحمه الله تعالى مراراً يقول: يتعين على أتباع الأئمة
١٥٠
المقدمة
وصنف غيره أكثر من ذلك.
والحاصل أن أبا حنيفة النعمان من أعظم معجزات المصطفى بعد القرآن،
وحسبك من مناقبه اشتهار مذهبه، ما قال
أن يعظموا كل من مدحه إمامهم لأن إمام المذهب إذا مدح عالماً وجب على جميع أتباعه أن
يمدحوه تقليداً لإمامهم، وأن ينزّهوه عن القول في دين الله بالرأي، وقال أيضاً: لو أنصف
المقلدون للإمام مالك والشافعي لم يضعف أحد منهم قولاً من أقوال أبي حنيفة بعد أن
سمعوا مدح أئمتهم له، ولو لم يكن من التنويه برفعة مقامه إلا كون الإمام الشافعي رضي الله
تعالى عنه ترك القنوت في الصبح لما صلى عند قبره لكان فيه كفاية في لزوم أدب مقلديه
معه اهـ. قوله: (وصنف غيره) كالإمام الطحاوي والحافظ الذهبي والكردري وغيرهم ممن
قدمناهم. قوله: (من أعظم معجزات الخ) لأنه يَير قد أخبر به قبل وجوده بالأحاديث
الصحيحة التي قدمناها، فإنها محمولة عليه بلا شك كما قدمناه عن الشامي صاحب السيرة
وشيخه السيوطي، كما حمل حديث ((لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ الأرض علماً) (١) على
الإمام الشافعي، لكن حمله بعضهم على ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو حقیق بذلك،
فإنه حبر الأمة وترجمان القرآن، وكما حمل حديث ((يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أكبادَ الإبل
يَطْلبُونَ العِلْمِ فَلا يِدُونَ أَعْلَمَ مِنْ عالِم المَدينة))(٢) على الإمام مالك، لكنه محتمل لغيره من
علماء المدينة المنفردين في زمنهم، بخلاف تلك الأحاديث فإنها ليس لها محمل إلا أبو
حنيفة وأصحابه كما أفاده ط.
وأما سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فهو وإن كان أفضل من أبي حنيفة من حيث
الصحبة، فلم يكن في العلم والاجتهاد ونشر الدين وتدوين أحكامه كأبي حنيفة، وقد يوجد
في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، وسمي ذلك معجزة بناء على أن المراد بالتحدي في
تعريف المعجزة هو دعوى الرسالة، وهو قول المحققين كما في المواهب. وقيل: المراد
به طلب المعارضة والمقابلة، وعليه فذلك كرامة لا معجزة، فافهم. قوله: (بعد القرآن)
متعلق بأعظم: أي لأنه أعظم المعجزات على الإطلاق، لأنه معجزة مستمرة دائمة الإعجاز
وقيد بذلك، وإن عبر بمن التبعيضية لئلا يتوهم مساواة هذه المعجزة لتلك، فإن المشاركة
في الأعظمية تصدق بالمساواة، فتدبر. قوله: (اشتهار مذهبه) أي في عامة بلاد الإسلام،
بل في كثير من الأقاليم والبلاد لا يعرف إلا مذهبه؛ كبلاد الروم والهند والسند وما وراء النهر
وسمرقند.
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٩٥، ٩/ ٦٥ والخطيب في التاريخ ٢/ ٦.
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٩٩ والترمذي ٥/ ٤٧ (٢٦٨٠) وقال حديث حسن والحاكم ٩٠/١ وصححه وأقره الذهبي.
١٥١
المقدمة
قولاً إلّ أخذ به إمام من الأئمة الأعلام، وقد جعل الله الحكم لأصحابه وأتباعه من زمنه
إلى هذه الأيام، إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام،
وقد نقل أن فيها تربة المحمدین، دفن فيها نحو من أربعمائة نفس كلٌّ منهم يقال له
محمد، صنف وأفتى وأخذ عنه الجمّ الغفير. ولما مات صاحب الهداية منعوا دقنه بقربها.
وروي أنه نقل مذهبه نحو من أربعة آلاف نفر، ولا بد أن یکون لکلّ أصحاب، وهلم جرا.
وقال ابن حجر: قال بعض الأئمة: لم يظهر لأحد من أئمة المسلمين المشهورين مثل
ما ظهر لأبي حنيفة من الأصحاب والتلاميذ، ولم ينتفع العلماء وجميع الناس بمثل ما انتفعوا
به وبأصحابه، في تفسير الأحاديث المشتبهة، والمسائل المستنبطة، والنوازل والقضايا
والأحكام، جزاهم الله تعالى الخير التام. وقد ذكر منهم بعض المتأخرين المحدّثين في
ترجمته ثمانمائة مع ضبط أسمائهم ونسبهم بما يطول ذكره اهـ. قوله: (قولًا) أي سواء ثبت
عليه أو رجع عنه ط. قوله: (إلا أخذ به إمام) أي من أصحابه تبعاً له، فإن أقوالهم مروية عنه
كما سيأتي، أو من غيرهم من المجتهدين موافقة في اجتهاده، لأن المجتهد لا يقلد مجتهداً
أفاده ط. قوله: (من زمنه إلى هذه الأيام) فالدولة العباسية وإن كان مذهبهم مذهب جدهم،
فأكثر قضاتها ومشايخ إسلامها حنفية، يظهر ذلك لمن تصفح كتب التواريخ وكان مدة
ملكهم خمسمائة سنة تقريباً.
وأما الملوك السلجوقيون وبعدهم الخوارزميون فكلهم حنفيون وقضاة ممالكهم غالباً
حنفية .
وأما ملوك زماننا سلاطين آل عثمان، أيد الله تعالى دولتهم ما كرّ الجديدان، فمن
تاريخ تسعمائة إلى يومنا هذا لا يولون القضاء وسائر مناصبهم إلا للحنفية، قاله بعض
الفضلاء، وليس في كلام الشارح ادعاء التخصيص في جميع الأماكن والأزمان، حتى يرد أن
القضاء بمصر كان مختصاً بمذهب الإمام الشافعي إلى زمن الظاهر بيبرس البندقداري،
فافهم. قوله: (إلى أن يحكم بمذهبه عيسى عليه السلام) تبع فيه القهستاني، وكأنه أخذه مما
ذكره أهل الكشف أن مذهبه آخر المذاهب انقطاعاً، فقد قال الإمام الشعراني في الميزان ما
نصه: قد تقدم أن الله تعالى لما منّ عليّ بالاطلاع على عين الشريعة رأيت المذاهب كلها
متصلة بها، ورأيت مذاهب الأئمة الأربعة تجري جداولها كلها، ورأيت جميع المذاهب التي
اندرست قد استحالت حجارة، ورأيت أطول الأئمة جدولاً الإمام أبا حنيفة، ويليه الإمام
مالك، ويليه الإمام الشافعي، ويليه الإمام أحمد، وأقصرهم جدولا الإمام داود، وقد انقرض
في القرن الخامس، فأوَّلت ذلك بطول زمن العمل بمذاهبهم وقصره، فكما كان مذهب
الإمام أبي حنيفة أول المذاهب المكونة، فكذلك يكون آخرها انقراضاً، وبذلك قال أهل
الكشف اهـ. لكن لا دليل في ذلك على أن نبيّ الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام
١٥٢,
المقدمة
وهذا يدل على أمر عظيم اختصّ به من بين سائر العلماء العظام، كيف لا وهو كالصدّيق
رضي الله عنه، له أجره وأجر من دوّن الفقه وألّفه وفرّع أحكامه على أصوله العظام،
یحکم بمذهب أبي حنيفة، وإن کان العلماء موجودين في زمنه فلا بد له من دلیل، ولهذا قال
الحافظ السيوطي في رسالة سماها الإعلام ما حاصله: إن ما يقال إنه يحكم بمذهب من
المذاهب الأربعة باطل لا أصل له، وكيف يظن بنبي أنه يقلد مجتهداً مع أن المجتهد من آحاد
هذه الأمة لا يجوز له التقليد، وإنما يحكم بالاجتهاد، أو بما كان يعلمه قبل من شريعتنا
بالوحي، أو بما تعلمه منها وهو في السماء، أو أنه ينظر في القرآن فيفهم منه كما كان يفهم
نبينا عليه الصلاة والسلام اهـ. واقتصر السبكي على الأخير.
وذكر منلا علي القاري أن الحافظ ابن حجر العسقلاني سئل: هل ينزل عيسى عليه
السلام حافظاً للقرآن والسنة أو يتلقاهما عن علماء ذلك الزمان؟ فأجاب: لم ينقل في ذلك
شيء صريح، والذي يليق بمقامه عليه الصلاة والسلام أنه يتلقى ذلك عن رسول الله وَلي جو
فيحكم في أمته كما تلقاه منه لأنه في الحقيقة خليفة عنه اهـ.
وما يقال: إن الإمام المهدي يقلد أبا حنيفة، رده منلا علي القاري في رسالته المشرب
الوردي في مذهب المهدي وقرّر فيها أنه مجتهد مطلق، وردّ فيها ما وضعه بعض الكذابين من
قصة طويلة. حاصلها: أن الخضر عليه السلام تعلم من أبي حنيفة الأحكام الشرعية، ثم
علمها للإمام أبي القاسم القشيري، وأن القشيري صنف فيها كتباً وضعها في صندوق، وأمر
بعض مريديه بإلقائه في جيحون، وأن عيسى عليه السلام بعد نزوله يخرجه من جيحون
ويحكم بما فيه، وهذا كلام باطل لا أصل له، ولا تجوز حكايته إلا لردّه كما أوضحه ط
وأطال في رده وإبطاله فراجعه. قوله: (وهذا) أي ما تقدم من الأحاديث، ومن كثرة
المناقب، ومن كون الحكم لأصحابه وأتباعه ط. قوله: (سائر) بمعنى باقي أو جميع على
خلاف بسطه في درّة الغوّاصٍ. قوله: (كيف لا) أي كيف لا يختص بأمر عظيم. قوله: (وهو
كالصّديق) وجه الشبه أن كلَّ منهما ابتدأ أمراً لم يسبق إليه، فأبو بكر رضي الله عنه ابتدأ جمع
القرآن بعد وفاته وَل﴿ بمشورة عمر، وأبو حنيفة ابتدأ تدوين الفقه كما قدمناه، أو أن أبا بكر
أول من آمن من الرجال وفتح باب التصديق، كذا في حواشي الأشباه. قال شيخنا البعلي في
شرحه عليها: والأول أولى، لأن وجه الشبه به أتم، وقول من قال الثاني هو الظاهر، لأن
القرآن بعد ما جمع لا يتصوّر جمعه غير ظاهر، فإنه قد جمع ثانياً والجامع له عثمان رضي الله
تعالی عنه، فإن الصدّيق رضي الله تعالى عنه لم يجمعه في المصاحف، وجمعه عثمان كما هو
معلوم اهـ. تأمل. قوله: (له) أي للإمام أجره: أي أجر عمل نفسه، وهو تدوين الفقه
واستخراج فروعه ط. قوله: (وأجر) أي ومثل أجر من دون الفقه: أي جمعه، وأصله من
التدوين: أي جعله في الديوان، وهو بكسر وفتح اسم لما يكتب فيه أسماء الجيش للعطاء،
١٥٣
المقدمة
إلى يوم الحشر والقيام.
وقد اتبعه على مذهبه كثير من الأولياء الكرام، ممن اتصف بثبات المجاهدة،
وركض في ميدان المشاهدة،
وأول من أحدثه عمر رضي الله عنه ثم أريد به مطلق الكتب مجازاً أو منقولاً اصطلاحياً، وقوله
((وألفه)) عطف على دونه من عطف الخاص على العام اهـ. بعلى أي لأن التأليف جمع على
وجه الألفة.
تنبيه: ورد في الصحيح أنه ((لَا تُقْتَلُ نَفسٌ ظُلْماً إلَّا كَانَ عَلَى أَبَنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ منها،
وَمِنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بها إِلى يَومِ القِيامَةِ مِنْ غَيِرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ
أُجورِهم شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنَّ عَمِلَ بِهَا إِلى يَومِ القِيامَةِ مِنْ
غَيِرٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أوزارِهمْ شيءٌ، وَمَنْ دَلَّ على خَيرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرٍ فَاعِلِهِ»(١). الحديث قال
العلماء: هذه الأحاديث من قواعد الإسلام، وهو أن كل من ابتدع شيئاً من الشر كان عليه
وزر من اقتدى به في ذلك فعمل مثل عمله إلى يوم القيامة، وكل من ابتدع شيئاً من الخير
كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة، وتمامه في آخر عمدة المريد اللقاني.
قوله: (إلى يوم الحشر) تنازع فيه كل من دوّن وألف وفرّع. قوله: (وقد اتبعه) عطف على
قوله ((وهو كالصديق): أي كيف لا يختص وقد اتبعه الخ. والاتباع تقليده فيما قاله ط.
قوله: (من الأولياء) متعلق بمحذوف صفة لكثير للبيان؛ والوليّ فعيل بمعنى الفاعل، وهو
من توالت طاعته من غير أن يتخللها عصيان، وبمعنى المفعول، فهو من يتوالى عليه إحسان
الله تعالی وإفضاله. تعریفات السید. ولا بد من تحقق الوصفین حتی یکون ولياً في نفس
الأمر، فيشترط فيه كونه محفوظاً كما يشترط في النبي كونه معصوماً كما في رسالة الإمام
القشيري. قوله: (ممن اتصف) بدل من قوله ((من الأولياء)) أو حال. قوله: (بثبات المجاهدة)
من إضافة الصفة إلى موصوفها: أي المجاهدة الثابتة: أي الدائمة. والمجاهدة لغة:
المحاربة وفي الشرع: محاربة النفس الأمّارة بالسوء بتحملها ما يشق عليها مما هو مطلوب في
الشرع، تعريفات، وقد ورد تسمية ذلك بالجهاد الأكبر كما في الإحياء. قال العراقي: رواه
البيهقي بسند ضعيف عن جابر، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر بلفظ: قدم النبي 05 1
من غزاة فقال عليه الصلاة والسلام ((قَدِمْتُمْ خَيْ مَقْدم، وَقَدِمْتُم مِنَ الجهَادِ الأصْغَرِ إِلى
الجهَادِ الأكبرِ، قَالوا: وَمَا الجهَادُ الأكبرُ؟ قال: مُجاهَدَةُ العبد هَواهُ» (٢)اهـ. قوله:
(١) أخرجه البخاري ٦/ ٣٦٤ (٣٣٣٥) ومسلم ٣/ ١٣٠٤ (١٦٧٧/٢٧) والنسائي في المحاربة باب (١) وابن ماجة
(٢٦١٦) وأحمد ٣٨٣/١ وأبو نعيم في الحلية ٢٨/٩ وابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٤ والطحاوي في المشكل ٤٨٣/١.
(٢) أخرجه الخطيب في التاريخ ٤٩٣/١٣ وذكر الغزالي في الإحياء وتعقبه العراقي في تخريجه ٣/ ٦٥ وانظر الإتحاف
٣٥١/٧ وكشف الخفاء ١/ ٥١١ والأسرار المرفوعة (٢٠٧).
١٥٤
المقدمة
كإبراهيم بن أدهم، وشقيق البلخي، ومعروف الكرخي، وأبي يزيد البسطامي،
وفضيل بن عياض، وداود الطائي، وأبي حامد اللفاف، وخلف بن أيوب،
وعبد الله بن المبارك،
(المشاهدة) أي مشاهدة الحق تعالى بآثاره. قوله: (كإبراهيم بن أدهم) بن منصور البلخي.
كان من أبناء الملوك، خرج متصيداً فهتف به هاتف: ألهذا خلقت؟ فنزل عن دابته وأخذ جبة
راع وسار حتى دخل مكة، ثم أتى الشام ومات بها، كذا في رسالة القشيري. قوله: (وشقيق
البلخي) بن إبراهيم الزاهد العابد المشهور. صحب أبا يوسف القاضي، وقرأ عليه كتاب
الصلاة، ذكره أبو الليث في المقدمة، وهو أستاذ حاتم الأصم، وصحب إبراهيم بن أدهم،
مات شهيداً سنة ١٩٤ تميمي. قوله: (ومعروف الكرخي) بن فيروز، من المشايخ الكبار،
مجاب الدعوة، يستسقى بقبره، وهو أستاذ السريّ السقطي، مات سنة ٢٠٠. قوله: (وأبي
یزید البسطامي) شیخ المشایخ، وذو القدم الراسخ، واسمه طیفور بن عیسی. کان جده
مجوسياً وأسلم، مات سنة ١٦١. قوله: (وفضيل بن عياض) الخراساني. روى أنه كان يقطع
الطريق، وأنه عشق جارية وارتقى جداراً لها، فسمع تالياً يتلو ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع
قلوبهم﴾ [الحديد: ١٦] فتاب ورجع، فورد مكة وجاور بها الحرم، ومات بها سنة ١٨٧.
رسالة القشيري.
وذكر الصيمري أنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وروى عنه الشافعي، فأخذ عن إمام
عظيم، وأخذ عنه إمام عظيم. وروى له إمامان عظيمان البخاري ومسلم، وترجمه التميمي
وغيره بترجمة حافلة. قوله: (وداود الطائي) هو ابن نصر بن نصير بن سليمان الكوفي
الطائي، العالم العامل، الزاهد العابد، أحد أصحاب الإمام، كان ممن شغل نفسه بالعلم
ودرس الفقه وغيره، ثم اختار العزلة ولزم العبادة. قال محارب بن دثار: لو كان داود في
الأمم الماضية لقص الله تعالى علينا من خبره، قال أبو نعيم: مات سنة ١٦٠. قوله: (وأبي
حامد اللفاف) هو أحمد بن خضرویه البلخي، من كبار مشايخ خراسان، مات سنة ٢٤٠
رسالة. قوله: (وخلف بن أيوب) من أصحاب محمد وزفر، وتفقه على أبي يوسف أيضاً،
وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أدهم، وصحبه مدة، واختلف في وفاته، والأصح أنه سنة ٢١٥
كما ذكره التميمي. وروي عنه أنه قال: صار العلم من الله إلى محمد وَّر، ثم صار إلى
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثم صار إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة، فمن شاء
فليرض، ومن شاء فليسخط. قوله: (وعبد الله بن المبارك) الزاهد الفقيه المحدث، أحد
الأئمة، جمع الفقه والأدب والنحو واللغة والفصاحة والورع والعبادة، وصنف الكتب
الكبيرة. قال الذهبي: هو أحد أركان هذه الأمة في العلم والحديث والزهد. وأحد شيوخ
الإمام أحمد. أخذ عن أبي حنيفة، ومدحه في مواضع كثيرة، وشهد له الأئمة، ما سنة ١٨١
:
١٥٥
المقدمة
ووكيع بن الجرّاح، وأبي بكر الوراق، وغيرهم ممن لا يحصى لبعده أن يستقصي، فلو
وجدوا فيه شبهة ما اتبعوه، ولا اقتدوا به ولا وافقوه.
وترجمه التميمي بترجمة حافلة، وذكر من محاسن أخباره ما يأخذ بمجامع العقل، وله روايات
كثيرة في فروع المذهب ذكرت في المطولات. قوله: (ووكيع بن الجراح) بن مليح بن
عديّ الكوفي، شيخ الإسلام، وأحد الأئمّة الأعلام.
قال يحيى بن أكثم: كان وكيع يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة. وقال ابن معين:
ما رأيت أفضل منه، قيل له: ولا ابن المبارك؟ قال: كان لابن المبارك فضل، ولكن ما
رأيت أفضل من وكيع، كان يستقبل القبلة ويسرد الصوم، ويفتي بقول أبي حنيفة، وكان قد
سمع منه شيئاً كثيراً، قال: وكان يحيى بن سعيد القطان يفتي بقوله أيضاً، مات سنة ١٩٨،
وهو من شيوخ الشافعي وأحمد. تميمي. قوله: (وأبي بكر الوراق) هو محمد بن عمرو
الترمذي. أقام ببلخ، وصحب أحمد بن خضرويه، وله تصانيف في الرياضات. رسالة.
وفي طبقات التميمي: أحمد بن علي أبو بكر الورّاق ذكره أبو الفرج محمد بن إسحاق
في جملة أصحابنا بعد أن ذكر الكرخي، فقال: وله من الكتب شرح مختصر الطحاوي. وذكر
في القنية أنه خرج حاجاً، فلما سار مرحلة قال لأصحابه: ردّوني، ارتكبت سبعمائة كبيرة
في مرحلة واحدة، فردّوها هـ. قوله: (وغيرهم) كالإمام العارف المشهور بالزهد والورع
والتقشف والتقلل: حاتم الأصم، أحد أتباع الإمام الأعظم، له كلام مدون في الزهد
والحكم. سأله أحمد بن حنبل قال: أخبرني يا حاتم فيم التخلص من الناس؟ فقال: يا أحمد
في ثلاث خصال: أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئاً، وتقضي حقوقهم ولا
تستقضي أحداً منهم حقًّالك، وتحتمل مكروههم ولا تكره أحداً منهم على شيء، فأطرق
أحمد ثم رفع رأسه فقال: يا حاتم إنها لشديدة، فقال له حاتم: وليتك تسلم.
ومنهم ختم دائرة الولاية قطب الوجود سيدي محمد الشاذلي البكري الشهير بالحنفي،
الفقيه الواعظ أحد من صرفه الله تعالى في الكون، ومكنه من الأحوال، نطق بالمغيبات،
وخرق له العوائد، وقلب له الأعيان، وترجمه بعضهم في مجلدين، فقال العارف الشعراني:
إنه لم يحط علماً بمقامه حتى يتكلم عليه، وإنما ذكر بعض أمور على طريق أرباب
التواريخ. توفي سنة ٨٤٧. قوله: (لبعده) علة لقوله لا يحصى، وحذف من قبل قوله أن
يستقصي لأمن اللبس، هو شائع مطرد: أي لا یمکن إحصاؤه لتباعده من طلب استقصائه:
أي غايته ومنتهاه، والتعبير بقوله: لا يحصى أبلغ من قولنا لا يعد، لأن العد أن تعد فرداً
فرداً، والإحصاء يكون للجمل، لذا قال تعالى: ﴿وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
[النحل: ١٨] معناه والله أعلم: إن أردتم عدّها فلا تقدروا على إحصائها، فضلاً عن العَد،
١٥٦
المقدمة
وقد قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته مع صلابته في مذهبه وتقدمه في
هذه الطريقة: سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق(١) يقول: أنا أخذت هذه الطريقة من أبي
القاسم النصراباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو أخذها من السري
السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي. وهو أخذ العلم والطريقة
من أبي حنيفة، وكل منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله.
فعجباً لك يا أخي :
كذا أفاده الإمام النسفي في المستصفى. قوله: (أبو القاسم) تلك كنيته، واسمه
عبد الكريم بن هوازن الحافظ المفسر الفقيه، النحوي اللغوي الأديب الكاتب القشيري،
الشجاع البطل، لم يرَ مثل نفسه، ولا رأى الراؤون مثله، وإنه الجامع لأنواع المحاسن. ولد
سنة ٣٧٧، وسمع الحدیث من الحاكم وغيره، وروى عنه الخطيب وغيره، وصنف
التصانيف الشهيرة، وتوفي سنة ٤٦٥ ط عن الزرقاني على المواهب. قوله: (في رسالته)
أي التي كتبها إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام سنة ٤٣٧ هـ، ذكر فيها مشايخ الطريقة
وفسر ألفاظاً تدور بينهم بعبارات أنيقة. قوله: (مع صلابته) أي قوّته وتمكنه ط. قوله: (في
مذهبه) وهو مذهب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أو طريقة أهل الحقيقة ط. قوله:
(سمعت الخ) مقول القول، وأبو علي هو الحسن بن علي الدقاق. وأبو القاسم هو
إبراهيم بن محمد النصراباذي بالذال المعجمة شيخ خراسان، جاور بمكة، ومات بها سنة
٣٦٧. والشبلي هو الإمام أبو بكر دلف الشبلي البغدادي المالكي المذهب، صحب
الجنيد، مات سنة ٣٣٤. والسريّ هو أبو الحسن بن مغلس السقطي خال الجنيد وأستاذه،
توفي سنة ٢٥٧. قوله: (من أبي حنيفة)، هو فارس هذا الميدان، فإن مبنى علم الحقيقة
على العلم والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف؛ فقال أحمد بن حنبل في
حقه: إنه كان من العلم والورع والزهد وإيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد، ولقد ضرب
بالسياط لِيَلي القضاء فلم يفعل.
وقال عبد الله بن المبارك: ليس أحد أحق من أن يقتدى به من أبي حنيفة، لأنه كان
إماماً تقيًّا نقيًّا ورعاً عالماً فقيهاً، كشف العلم كشفاً لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى.
وقال الثوري لمن قال له جئت من عند أبي حنيفة: لقد جئت من عند أعبد أهل
الأرض؛ وأمثال ذلك مما نقله ابن حجر وغيره من العلماء الأثبات. قوله: (فعجباً) هو
مفعول مطلق: أي فأعجب منك عجباً. وهذا الخطاب لمن أنكر فضله أو خالف قوله ط.
(١) أبو علي الدقاق الرازي، تفقه على موسى بن نصير الرازي أستاذ أبي سعيد البردعي صاحب كتاب ((الحيض)).
انظر: طبقات الشيرازي ١٤١ ، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ١٥٩.
١٥٧
المقدمة
ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا متهمين في هذا الإقرار
والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة، وأرباب الشريعة والحقيقة، ومن بعدهم في هذا
الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود ومبتدع.
وبالجملة فليس أبو حنيفة في زهده وورعه وعبادته وعلمه وفهمه بمشارك.
ومما قال فيه ابن المبارك رضي الله عنه: [الوافر].
لَقَدْ زَانَ البِلَادَ وَمَنْ عَلَيْهَا إِمَامُ المُسْلِمِينَ أَبُو حَنِيفَه
بِأَحكّامِ وَآثَارٍ وَفِقْهِ كَآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى صَحِيفَه
قوله: (ألم يكن) استفهام تقريري بما بعد النفي، أو هو إنكاري بمعنى النفي كالذي بعده.
قوله: (أسوة) بكسر الهمزة وضمها: أي قدوة قوله: (في هؤلاء) متعلق بأسوة؛ وفي بمعنى
الباء أو للظرفية المجازية على حد قوله تعالى ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
قوله: (وهم أئمة هذه الطريقة الخ) في رسالة الفتوحات للقاضي زكريا: الطريقة سلوك طريق
الشريعة؛ والشريعة: أعمال شرعية محدودة؛ وهما والحقيقة ثلاثة متلازمة، لأن الطريق إليه
تعالى ظاهر وباطن؛ فظاهرها الطريقة والشريعة، وباطنها الحقيقة؛ فبطون الحقيقة في
الشريعة والطريقة كبطون الزبد فى لبنه، لا يظفر بزبده بدون مخضه؛ والمراد من الثلاثة إقامة
العبودية على الوجه المراد من العبد اهـ ابن عبد الرزاق. قوله: (ومن بعدهم) أي من أتى
بعد هؤلاء الأئمة في الزمان سالكاً في هذا الأمر، وهو علم الشريعة والحقيقة فهو تابع
لهم، إذ هم الأئمة فيه، فیکون فخره باتصال سنده بهذا الإمام، كما كان ذلك فخر الأئمة
المذكورين الذين افتخروا بذلك وتبعوه في حقيقته ومشربه، واقتدى كثير منهم بطريقته
ومذهبه. قوله: (فلهم) متعلق بقوله تبع، وهو بالتحريك بمعنى تابع: خبر لمبتدأ محذوف،
والجملة خبر من، ودخلت عليها الفاء لأن ((من)) فيها معنى العموم فأشبهت الشرطية.
قوله: (وكل ما) أي كل رأي. قوله: (ما اعتمدوه) من الثناء عليه والافتخار به من حيث أخذ
علم الحقيقة عنه. قوله: (ومبتدع) بالبناء للمفعول: أي محدث لم يسبق بنظير. قوله:
(وبالجملة) أي فأقول قولاً ملتبساً بالجملة: أي جملة ما يقال في هذا المقام. قوله: (لقد زان
البلاد الخ) من الزين وهو ضد الشين؛ يقال: زانه وأزانه وزينه وأزينه كما في القاموس؛
والبلاد: جمع بلد، كل قطعة من الأرض مستحيزة عامرة أو غامرة. قاموس. ومن عليها:
أهلها. وقوله بأحكام متعلق بزان. ووجه ذلك أن استنباط الأحكام الشرعية وتدوينها
وتعليمها للناس سبب للعمل بها. ولا شك أن الانقياد للأحكام الشرعية وعمل الحكام بها
والرعية زين للبلاد والعباد، ينتظم به أمر المعاش والمعاد، وبضده الجهل والفساد، فإنه
شين ودمار للديار والأعمار. قوله: (وآثار) جمع أثر. قال النووي في شرح مسلم: الأثر عند
١٥٨
المقدمة
فَمَا في المَشْرِقَين لَهُ نَظِيرٌ وَلَا فِي المَغْرِبَينِ وَلَا بِكُوفَه
المحدثين يعم المرفوع والموقوف كالخبر، والمختار إطلاقه على المروي مطلقاً، سواء
كان عن الصحابي أو المصطفى وَله؛ وخصه فقهاء خراسان بالموقوف على الصحابي
والخبر بالمرفوع.
ولقد كان رحمه الله تعالى إماماً في ذلك. فإنه رضي الله تعالى عنه أخذ الحدیث عن
أربعة آلاف شيخ من أئمة التابعين وغيرهم. ومن ثم ذكره الذهبي وغيره في طبقات الحفاظ
من المحدثين. ومن زعم قلة اعتنائه بالحديث فهو إما لتساهله أو حسده، إذ كيف يتأتى ممن
هو كذلك استنباط مثل ما استنبطه من المسائل، مع أنه أول من استنبط من الأدلة على الوجه
المخصوص المعروف في کتب أصحابه، ولأجل اشتغاله بهذا الأهم لم يظهر حديثه في
الخارج؛ كما أن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما لما اشتغلا بمصالح المسلمين العامة
لم يظهر عنهما من رواية الأحاديث مثل ما ظهر عن صغار الصحابة؛ وكذلك مالك
والشافعي لم يظهر عنهما مثل ما ظهر عمن تفرّغ للرواية كأبي زرعة وابن معين لاشتغالهما
بذلك الاستنباط. على أن كثرة الرواية بدون درایة لیس فيه کثیر مدح بل عقد له ابن عبد البرّ
باباً في ذمه ثم قال: والذي عليه فقهاء جماعة المسلمين وعلمائهم ذمّ الإكثار من الحديث
بدون تفقه ولا تدبر. وقال ابن شبرمة: أقلل الرواية تتفقه. وقال ابن المبارك: ليكن الذي
تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث.
ومن أعذار أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ما يفيده قوله: لا ينبغي للرجل أن يحدث
من الحديث إلّ بما يحفظه يوم سمعه إلى يوم يحدث به؛ فهو لا يروي الرواية إلّ لمن حفظ.
وروى الخطيب عن إسرائيل بن يونس أنه قال: نعم الرجل النعمان، ما كان أحفظه
لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه. وتمامه في الخيرات
الحسان لابن حجر. قوله: (وفقه) المراد به ما يعم التوحيد، فإن الفقه كما عرفه الإمام
معرفة النفس ما لها وما عليها ط. قوله: (كآيات الزبور) التشبيه في الإيضاح والبيان لا في
الأحكام، لأن الزبور مواعظ، ويحتمل أنه تشبيه في الزينة؛ والمعنى أنه زان ما ذکر كما
زينت النقوش الطروس ط. قوله: (فما في المشرقين الخ) المشرق محل الشروق: أي
الطلوع، والمغرب محل الغروب، وثناهما مع أن كلَّا منهما واحد كما في قوله تعالى ﴿ربّ
المشرقين وربّ المغربين﴾ على إرادة مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما. قاله البيضاوي.
وقيل مشرق الشمس والفجر، ومغرب الشمس والشفق، أو مشرق الشمس والقمر
ومغربيهما؛ وجمعا في قوله تعالى ﴿ربّ المشارق والمغارب﴾ باعتبار الأقطار أو الأيام أو
المنازل. أفاده ط. قوله: (ولا بكوفه) خصها بالذكر مع أن المراد المشرقين والمغربين وما
بينهما بقرينة المقام، لأنها بلده، أو لأنها من أعظم بلاد الإسلام يومئذ. قال في القاموس:
١٥٩
المقدمة
يَبِيتُ مُشَمِّراً سَهِرَ اللَّيَالي وَصَامَ تَهارَهُ لِلَّهِ خِيفَه
إِمَامٍ لِلخَلِيقَة والخلِيفَه
فَمَنْ كَأَبِي حَنِيفَةً في عُلَاهُ
رَأَيْتُ العَائِبِينَ لَهُ سِفَاهَا خِلَافَ الحَقِّ مَعْ حُجَجٍ ضَعِيفَه
الكوفة الرملة الحمرة(١) المستديرة، أو كل رملة يخالطها حصباء، ومدينة العراق الكبرى،
وقبة الإسلام، ودار هجرة المسلمين، مصرّها سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه،
وكانت منزل نوح وبنى مسجدها سميت بذلك لاستدارتها واجتماع الناس بها. ويقال لها
كوفان ويفتج،» بوكوفة الجند لأنها اختطت فيها خطط العرب أيام عثمان رضي الله تعالى عته،
خططها السائب بن الأقرع الثقفي الخ. قوله: (يبيت مشمراً الخ) التشمير: الجد والتهيؤ.
قاموس. وسهر فعل ماض، والجملة حال على إضمار ((قد)) مثلها في قوله تعالى ﴿أو
جاؤواكم حصرت صدورهم﴾ أو صفة مشبهة، والأولى أنسب بقوله: وصام، ولله متعلق
بصام، وخيفه مفعول لأجله، وزاد في تنوير الصحيفة بعد هذا البيت بيتين وهما [الوافر]:
وَصَانَ لِسَسانهُ عَنْ كُلِّ إِفْكٍ وَمَا زَالَتْ جَوَارِحه عَفِيفَه
يَعِفُّ عَن المَحَارِمِ والمَلَامِي وَمَرْضَةُ الإِلهِلَهُ وَظِيفَه
وتنقل نبذة يسيرة شاهدة لهذه الأبيات عن ابن حجر. قال الحافظ الذهبي: قد تواتر
قيامه باللیل وتهجده وتعبده: أي ومن ثم کان یسمی الوتد لكثرة قيامه بالليل، بل أحياه
بقراءة القرآن في ر کعة ثلاثین سنة، وکان یسمع بكاؤه باللیل حتی یرحمه جيرانه.
ووقع رجل فيه عند ابن المبارك فقال: ويحك، أتقع في رجل صلى خمساً وأربعين سنة
الخمس صلوات بوضوء واحد، وكان يجمع القرآن في ركعة، ونظمت ما عندي من الفقه
منه .
ولما غسله الحسن بن عمارة قال: رحمك الله، وغفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة،
وقد أتعبت من بعدك، وفضحت القراء.
وقال الفضل بن دُكين: كان هيوباً، لا يتكلم إلا جواباً، ولا يخوض فيما لا يعنيه، ولا
يستمع إليه. وقيل له اتق الله، فانتفض وطأطأ رأسه ثم قال: يا أخي جزاك الله خيراً، ما
أحوج أهل كل وقت إلى من يذكرهم الله تعالى.
وقال الحسن بن صالح: كان شديد الورع، هائباً للحرام، تاركاً لكثير من الحلال
مخافة الشبهة، ما رأيت فقيهاً أشد منه صيانة لنفسه. قوله: (رأيت) أي علمت أو أبصرت،
وعلى الأول فالعائبين مفعوله الأول، وهو جمع عائب، أعلت عينه بالهمزة كقائل وبائع.
(١) في ط (قوله الحمرة) هكذا بخطه، والذي في عبارة القاموس (الحمراء) بألف التأنيث الممدودة ولعله الصواب.
١٦٠
المقدمة
وَكَيْفَ يَحِلُّ أَنْ يُؤْذَى فَقِيهُ لَهُ فِي الأَرْضِ آثارٌ شَرِيفَه
صَحِيحَ النَّقْلِ في حِكَمٍ لَطِيفَه
وَقَدْ قَال ابْنُ إِذْرِيسٍ مَقَالًا
عَلَى فِقْهِ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَه
بأَنَّ النَّاسَ فِي فِقْهِ عِيَالٌ
فَلَعْنَةُ رَبِّنَا أَعْدَادِ رَمْلٍ عَلَى مَنْ رَدَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَه
وقد ثبت أن ثابتاً والد الإمام أدرك الإمام عليّ بن أبي طالب فدعا له ولذريته
بالبركة.
فافهم. وسفاهاً مفعوله الثاني. قال في القاموس: سفه كفرح، وكرم علينا: جهل كتسافه
فهو سفيه جمعه سفهاء وسفاه. وخلاف الحق صفة: أي مخالفين، أو ذوي خلاف.
والحجج: جمع حجة بالضم، وهي البرهان، سماها بذلك بناء على زعم العائبين، وإلا فهي
شبهة وأوهام فاسدة. قوله: (ابن إدريس) بالتنوين للضرورة، والمراد به الإمام الرئيس ذو
العلم النفيس، محمد بن إدريس الشافعي القرشي رضي الله تعالى عنه، نفعنا به في الدارين
آمين. ومقالاً مصدر قال، منصوب على المفعولية المطلقة. وصحيح النقل نعت له، وهو
صفة مشبهة مضافة إلى فاعلها: أي صح نقله عنه.
قاله ابن حجر: وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو
عيال على أبي حنيفة، إنه ممن وفق له الفقهِ. هذه رواية حرملة عنه. ورواية الربيع عنه:
الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، ما رأيت: أي ما علمت أحداً أفقه منه. وجاء عنه
· أيضاً: من لم ينظر في كتبه لم يتبحر في العلم ولا يتفقه اهـ. قوله: (في حكم) أي في
ضمن حكم لطيفة لم يصرّح بها، منها ترغيب الناس في مذهبه، والرد على العائبين له،
وبيان اعتقاده في هذا الإمام، والإقرار بالفضل للمتقدم. قوله: (بأن الناس) الباء زائدة أو
للتعدية، لتضمن قال معنی صرح ونحوه مما يتعدى بالباء. وفي فقه متعلق بعیال، من عاله:
إذا تكفل له بالنفقة ونحوها. قوله: (على من رد قول أبي حنيفة) أي على من رد ما قاله من
الأحكام الشرعية محتقراً لها، فإن ذلك موجب للطرد والإبعاد، لا بمجرد الطعن في
الاستدلال، لأن الأئمة لم تزل يرد بعضهم قول بعض، ولا بمجرد الطعن في الإمام نفسه،
لأن غايته الحرمة فلا يوجب اللعن، لكن ليس فيه لعن شخص معين فهو كلعن الكاذبين
ونحوهم من العصاة، فافهم. وفي هذا البيت من عيوب الشعر الإيطاء، على أنه لم يذكره
في تنویر الصحیفة کما قاله ابن عبد الرزاق. قوله: (وقد ثبت الخ) ففي تاریخ ابن خلكان
عن الخطيب أن حفيد أبي حنيفة قال: أنا إسماعيل بن حماد بن النعمان بن ثابت بن
النعمان بن المرزبان من أبناء فارس من الأحرار، والله ما وقع علينا رقّ قط، ولد جدي أبو
٠