Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
المقدمة
والقياس وغايته الفوز بسعادة الدارين. وأما فضله فكثير شهير، ومنه ما في الخلاصة
وغيرها: النظر في كتب أصحابنا من غير سماع أفضل من قيام الليل، وتعلم الفقه أفضل
من تعلم باقي القرآن، وجميع الفقه لا بدَّ منه.
وفي الملتقط وغيره عن محمد: لا ينبغي للرجل أن يعرف بالشعر والنحو، لأن
آخر أمره إلى المسألة وتعليم الصبيان، ولا بالحساب، لأن آخر أمره إلى مساحة
الأرضين، ولا بالتفسير، لأن آخر أمره
كتب الأصول. قوله: (وغايته) أي ثمرته المترتبة عليه. قوله: (بسعادة الدارين) أي دار
الدنيا بنقل نفسه من حضيض الجهل إلى ذروة العلم، وبيان ما للناس وما عليهم لقطع
الخصومات ودار الآخرة بالنعم الفاخرة. قوله: (من غير سماع) أي من المعلم، وإذا كان
النظر والمطالعة وهو دون السماع أفضل من قيام الليل فما بالك بالسماع اهـ.ح.
أقول: وهذا إذا كان مع الفهم لما في فصول العلامي: من له ذهن يفهم الزيادة: أي
على ما يكفيه وقدر أن يصلي ليلًا وينظر في العلم نهاراً، فنظره في العلم نهاراً وليلاً
أفضل اهـ. قوله: (أفضل من قيام الليل) أي بالصلاة ونحوها، وإلا فهو من قيام الليل،
وإنما كان أفضل لأنه من فروض الكفاية إن كان زائداً على ما يحتاجه، وإلا فهو فرض عين.
قوله: (وتعلم الفقه الخ) في البزازية: تعلم بعض القرآن ووجد فراغاً، فالأفضل الاشتغال
بالفقه لأن حفظ القرآن فرض كفاية، وتعلم ما لا بد من الفقه فرض عين. قال في الخزانة:
وجميع الفقه لا بد منه. قال في المناقب: عمل محمد بن الحسن مائتي ألف مسألة في الحلال
والحرام لا بد للناس من حفظها اهـ. وظاهر قوله وجميع الفقه لا بد منه أنه كله فرض عين،
لكن المراد أنه لا بد منه لمجموع الناس فلا يكون فرض عين على كل واحد، وإنما يفترض
عيناً على كل واحد تعلم ما يحتاجه، لأن تعلم الرجل مسائل الحيض وتعلم الفقير مسائل
الزكاة والحج ونحو ذلك فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ومثله حفظ ما زاد
على ما يكفيه للصلاة؛ نعم قد يقال: تعلم باقي الفقه أفضل من تعلم باقي القرآن لكثرة
حاجة العامة إليه في عباداتهم ومعاملاتهم وقلة الفقهاء بالنسبة إلى الحفظة. تأمل. قوله: (أن
يعرف) أي يشتهر به، وفيه إشارة إلى أن المطلوب أن يعرف من ذلك ما يعينه على المقصود
لأن ما عدا الفقه وسيلة إليه فلا ينبغي أن يصرف عمره في غير الأهم، وما أحسن قول ابن
الوردي: [بحر الرجز].
وَالعُمْرُ عَنْ تحصيلٍ كُلِّ علْمٍ يَقصرُ فَأَبْدَأُ مِنهُ بِالأَهمِّ
وَذلِكَ الفِقْهُ فَإِنَّ مِنْهُ مَا لَا غِنى فِي كُلِّ حَالٍ عَنْهُ
قوله: (إلى المسألة) أي سؤال الناس بأن يمدحهم بشعره فيعطونه دفعاً لشره وخوفاً

١٢٢
المقدمة
التذكير والقصص، بل يكون علمه في الحلال والحرام وما لا بدّ منه من الأحكام، كما
قيل: [الوافر].
إِذَا مَا اعْتَزَّ ذُو عِلْمٍ بِعِلْم فَعِلْمُ الفِقْهِ أَوْلَى بِاغْتِزَاز
فَكّمْ طِيبٍ يَفُوحُ وَلَا كَمِسْكٍ وَكَمْ طَيْرْ يَطِيرُ وَلَا كَبّازِي
وقد مدحه الله تعالى بتسميته خيراً بقوله تعالى. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً
كثيراً. وقد فسر الحكمة زمرة أرباب التفسير بعلم الفروع الذي هو علم الفقه؛ ومن هنا
قيل: [الطويل].
وَخَيْرْ عُلُومٍ علمُ فِقْهٍ لأَنَّه يُكُونُ إِلَى كُلِّ العُلُومِ تَوَسُّلا
فَإِنّ فَقِيهاً واحداً مُتَوَرِّعاً
من هجوه وهجره، وقوله وتعليم الصبيان: أي تعليمهم النحو، وإنما خصهم لما اشتهر أن
النحو علم الصبيان إذ قلما يتعلمه الكبير، وفي كلامه لفّ ونشر مرتب. قوله: (التذكير) أي
الوعظ. قوله: (والقصص) الأنسب أن يكون بفتح القاف ليكون عطفه على التذكير عطف
مصدر على مصدر، وإن جاز أن يكون بكسرها جمع قصة اهـ.ح. قوله: (بل يكون علمه)
أي الذي يعرف ويشتهر به. قوله: (كما قيل) أي أقول ذلك مماثلًا لما قيل، أو لأجل ما
قیل، فالكاف للتشبيه أو للتعليل. قوله: (باعتزاز) أي اعتزاز صاحبه به. قوله: (ولا
كمسك) الواو إما للعطف على مقدّر: أي لا كعنبر ولا كمسك، ونكتة الحذف المبالغة
لتذهب النفس كل مذهب ممكن؛ أو للحال بإضمار فعل: أي ولا يفوح كمسك. قوله: (ولا
كباز) يستعمل بالياء المثناة التحتية بعد الزاي وبدونها كما في القاموس. قوله: (زمرة)
بالضم: الفوج والجماعة في تفرقة. قاموس. قوله: (ومن هنا) أي من أجل ما ذكر هنا من
مدح الله تعالى إياه. قوله: (إلى كل العلوم) كذا فيما رأيت من النسخ. وكأن نسخة ط إلى
كل المعالي حيث قال متعلق بتوسلاً. والمعالي: المراتب العالية جمع معلاة، محل
العلوّ اهـ. والتوسل: التقرب: أي ذا توسل إلى المعالي أو إلى العلوم، لأن الفقه المثمر
للتقوى والورع يوصل به إلى غيره من العلوم النافعة والمنازل المرتفعة لقوله تعالى: ﴿واتَّقُوا
اللّهَ وَيُعَلِّمُكُم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢] وللحديث ((مَنْ عَملَ بِمَا عَلِمَ عَلَّمَهُ اللّهُ عِلْمَ مَا لَمْ
يَعْلَمْ)). قوله: (فإن فقيهاً الخ) لأن العابد إذا لم يكن فقيهاً ربما أدخل عليه الشيطان ما يفسد
عبادته، وقيد الفقيه بالمتورّع إشارة إلى ثمرة الفقه التي هي التقوى، إذ بدونها يكون دون
العابد الجاهل حيث استولى عليه الشيطان بالفعل. قال في الإحياء: للورع أربع مراتب:
الأولى ما يشترط في عدالة الشهادة، وهو الاحتراز عن الحرام الظاهر. الثانية: ورع
الصالحين، وهو التوقي من الشبهات التي تتقابل فيها الاحتمالات. الثالثة: ورع المتقين،

١٢٣
المقدمة
عَلَى أَلْفِ ذِي زُهْدٍ تَفَضَّلَ وَاعْتَلَى
وهما مأخوذان مما قيل للإمام محمد الفقيه: [الطويل].
تَفَقَّهْ فَإِنَّ الفِقْهَ أَفْضَلُ قَائِدٍ إِلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَأَعْدَلُ قَاصِدٍ
وَكُنْ مُسْتَفِيداً كُلَّ يوْمِ زِيَادَةً مِنَ الفِقْه واسْبَحْ فِي بُحُورِ الفَوائِدِ
فَإِنَّ فَقِيهاً وَاحِداً مُتَوَرُّعاً أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلفِ عابِدٍ
ومن كلام عليّ رضي الله عنه: [البسيط].
وهو ترك الحلال المحض الذي يخاف منه أداؤه إلى الحرام. الرابعة: ورع الصدّيقين، وهو
الإعراض عما سوى الله تعالى اهـ. ملخصاً. قوله: (على ألف) متعلق بقوله اعتلى، ويقدر
نظيره التفضل اهـ. ط. أو هو من باب التنازع على القول بجوازه في المتقدم. قوله: (ذي
زهد) صفة لموصوف محذوف: أي ألف شخص صاحب زهد. والزهد في اللغة: ترك الميل
إلى الشيء. وفي اصطلاح أهل الحقيقة: هو بغض الدنيا والإعراض عنها. وقيل هو ترك
راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة. وقيل هو أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك اهـ. سيد. قوله:
(تفضل واعتلى) أي زاد في الفضل وعلوّ الرتبة. قوله: (وهما مأخوذان) أي هذان البيتان
مأخوذ معناهما. قوله: (مما قيل) يحتمل أن المراد مما نسب أو مما أنشد، فعلى الأول أن تكون
الأبيات للإمام محمد، وعلى الثاني لغيره أنشدها له بعض أشياخه. قوله: (تفقه الخ) أي صِر
فقيهاً، والقائد هنا بمعنى الموصل. والبّ قال في القاموس: الصلة والجنة والخير والاتساع
في الإحسان اهـ. والتقوى قال السيد: هي في اللغة بمعنى الاتقاء، وهو اتخاذ الوقاية. وعند
أهل الحقيقة: الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وهو صيانة النفس عما تستحق به
العقوبة من فعل أو ترك. والقاصد قال في القاموس: القريب: أي وأعدل طريق قريب.
ويحتمل أن يكون بمعنى مقصود كساحل بمعنى مسحول، والزيادة مصدر بمعنى اسم
المفعول. وقوله من الفقه متعلق بزيادة أو بمستفيد، والسبح: قطع الماء عوماً شبه به التفقه
استعارة تصريحية، وإضافة البحور إلى الفوائد من إضافة المشبه به إلى المشبه. والفائدة: ما
استفدته من علم أو مال، والمراد هنا الأول. والشيطان: من شاط بمعنى احترق، أو من
شطن بمعنی بعد لبعد غوره في الضلال والإضلال، وقد عقد في البیت الأخیر بعض ما
ذكره في الإحياء، ورواه الدار قطني والبيهقي من قوله ◌َله«مَا عُبِدَ الله بِشَيء أفْضَلَ مِنْ فِقْهِ
في الدِّينِ، وَلَفِقِيَهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ على الشّيطانِ من ألْفِ عابِدٍ، ولِكُلِّ شيء عمادٌ، وَعِمادُ الدِّين
الفِقْهُ»(١). قوله: (ومن كلام علي رضي الله عنه الخ) عزا هذه الأبيات له في الإحياء أيضاً:
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٠٢/١، والدارقطني ٧٩/٣ وأبو نعيم في الحلية ١٩٢/٢ وابن حجر في
المطالب (٣٠٦٨، ٣٠٦٩) وذكره السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٥٠ والشوكاني في الفوائد (٢٨٥).

١٢٤
المقدمة
مَا الفَضْلُ إِلَّ لأَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمُ عَلَى الهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدَّلَاءُ
وَوَزِنُ كُلِّ آمْرِىءٍ مَا كَانَ يُحِسِنُهُ وَالجَاهِلُونَ لأَهْلِ العِلْمِ أَعْدَاءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ وَلَا تجهَل بهِ أبداً النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ العِلْم أحياء
قال بعضهم: وهي ثابتة في ديوانه المنسوب إليه، وأولها: [بحر البسيط].
النَّاسُ مِنْ جِهَة التَّمْثَالِ أَكْفَاءُ أَبُوهِمُ آدَمٌ والأُمُّ حَـوَّاءُ
وَإِنَّمَا أُمَّهاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلأَحْسَاب آبَاءُ
يُفَاخِرُونَ بهِ فَالطِّينُ وَالماءُ
إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ أَصْلِهِمْ شَرَفٌ
وَإِنْ أَتَيْتَ بِفَخْرٍ مِنْ ذَوِي نَسَبٍ فَإِنَّ نِسْبَتَنَا جُودٌ وَعَلْيَاءُ
قوله: (ما الفضل) الذي في الإحياء: ما الفخر، وأل في العلم للعهد: أي العلم
الشرعي الموصل إلى الآخرة. قوله: (أنهم) بفتح الهمزة على حذف لام العلة: أي لأنهم،
أو بالكسر، والجملة استئنافية، والمقصود منها التعليل ط. قوله: (على الهدى) أي
الرشاد. قاموس، وهو متعلق بقوله أدلاء جمع دال اسم فاعل من دلّ، وكذا قوله ((لمن
استهدی»: أي طلب الهداية. قوله: (ووزن) أي قدر کلّ امرئ: أي حسنه بما كان يحسنه.
أفاده البيضاوي، فقدر الصانع على مقدار صنعته. ومن أحسن علوم الآداب فقدره على
قدرها، ومن أحسن علم الفقه فقدره عظيم لعظمه. فالحاصل أن من أحسن شيئاً فمقامه
على قدره اهـ. ط. قوله: (والجاهلون) أي بالعلم الشرعي، فيشمل العالمين بغيره، بل هم
أشد عداوة لعلماء الدين من العوام. قال ط: وسبب العداوة من الجاهل عدم معرفة الحق
إذا أفتى عليه أو رأى منه ما يخالف رأيه ورؤية إقبال الناس عليه. قوله: (ولا تجهل به أبداً)
الذي في الإحياء: ولا تبغي به بدلًا. قوله: (الناس موتى) أي حكماً لعدم النفع كالأرض
الميتة التي لا تنبت. قال تعالى: ﴿أفمن كان ميتاً فأحييناه﴾ أي جاهلاً فعلمناه وجعلنا له
نوراً يمشي به في الناس - وهو العلم - كمن مثله في الظلمات - وهو الجاهل الغارق في
ظلمات الجهل أو موتى القلوب. قال في الإحياء: وقال فتح الموصلي: المريض إذا منع
الطعام والشراب والدواء أليس يموت؟ قالوا: بلى، قال: كذلك القلب إذا منع عليه الحكمة
والعلم ثلاثة أيام يموت، ولقد صدق، فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبه حياته، كما أن
غذاء الجسد الطعام، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم الخ. قال الشاعر: [بحر
الطويل].
أَخُو العِلْم حَيَّ خَالدٌ بَعْدَ مَوْتِه وَأوصَالُهُ تَحتَ الترابِ رَمِيمُ
وذُو الجَهلِ مَيْتٌ وهوَ ماشٍ على الثَّرى يُظَنُّ مِنَ الأَحْياءِ وَهُوَ عَديمُ

١٢٥
المقدمة
وقد قيل: العلم وسيلة إلى كل فضيلة. العلم يرفع المملوك إلى مجالس الملوك.
لولا العلماء لهلك الأمراء. [السريع].
وَإِنَّمَا العِلْمُ لأَرْبَابِهِ وِلَآيَةٌ لَيْسَ لَهَا عَزْلُ
إِنَّ الأَمِيرَ هُوَ الَّذِي يُضْحِي أَمِيراً عِنْدَ عَزْلِهْ
إِنْ زَالَ سُلْطَانُ الوِلَا يَةٍ كَانَ في سُلْطَانٍ فَضْلِهْ
مجزوء الكامل
واعلم أن تعلم العلم يكون فرض عين، وهو بقدر ما يحتاج لدينه .
قوله: (العلم يرفع المملوك الخ) قال في الإحياء: وقال عليه الصلاة والسلام ((إِنَّ
الحِكْمَةَ تَزِيدُ الشَّريفَ شَرَفاً، وَتَرْفَعُ المَمْلوَ حتَّى تُجْلِسَهُ مَجَالِسَ المُلوكِ))(١) وقد نبه بهذا
على ثمرته في الدنيا، ومعلوم أن الآخرة خير وأبقى هـ.
ثم ذكر عن سالم بن أبي الجعد(٢) قال: اشتراني مولاي بثلاثمائة درهم فأعتقني،
فقلت: بأيّ حرفة أحترف؟ فاحترفت بالعلم، فما تمت لي سنة حتى أتاني أمير المدينة زائراً
فلم آذن له. قوله: (وإنما العلم الخ) هذا بيت من بحر السريع، وقوله ((لأربابه)) متعلق
بمحذوف حال من ولاية، لأن نعت النكرة إذ قدم عليها أعرب حالاً أو صفة للعلم، وإنما
لم يعزل صاحبه لأنه ولاية إلهية لا سبيل للعباد إلى عزله منها. والمعتمد أن أولى الأمر في
قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ هم العلماء كما سيذكره
الشارح آخر الكتاب وفي الإحياء قال أبو الأسود: ليس شيء أعزّ من العلم، الملوك حكام
على الناس، والعلماء حكام على الملوك وفي معناه قول الشاعر: [بحر الكامل].
إِنَّ المُلُوكَ لَيَحْكُمُونَ عَلَى الوَرَى وَعَلى المُلُوكِ لَتَحْكُم العُلَمَاءُ
قوله: (إن الأمير الخ) البيتان من مجزوء الكامل المرفل: يعني أن الأمير الكامل ليس
هو من إذا عزل صار من آحاد الرعية، بل هو الذي إذا عزل من إمارة الولاية يبقى متصفاً
بإمارة الفضل والعلم. قوله: (واعلم أن تعلم العلم الخ) أي العلم الموصل إلى الآخرة أو
الأعم منه. قال العلامي في فصوله: من فرائض الإسلام تعلم ما يحتاج إليه العبد في إقامة
دينه وإخلاص عمله لله تعالى ومعاشرة عباده. وفرض على كل مكلف ومكلفة بعد تعلمه
(١) ذكره المتقي الهندي في الكنز (٢٤٠٨٨) وذكره الغزالي في الاحياء وتعقبه العراقي في تخريجه ٦/١ وانظر اتحاف
السادة المتقين ٧٢/١، وكشف الخفاء ١/ ٤٣٥.
(٢) سالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي الكوفي أرسل عن عائشة وجماعة وعن عبد الله بن عمرو، وابن عمر وجابر،
وعنه عمرو بن مرة وقتادة. والحكم بن عتيبة وخلق، قال أحمد: لم يلق ثوبان. وقال البخاري: لم يسمع منه. قال
أبو نعيم : مات سنة ٧٧. وقيل: ٧٨، وقيل: سنة ١٠٠. انظر: خلاصة تهذيب الكمال ٣٥٩/١.

١٢٦
المقدمة
وفرض كفاية، وهو ما زاد عليه لنفع غيره. ومندوباً،
علم الدين والهداية تعلم علم الوضوء والغسل والصلاة والصوم، وعلم الزكاة لمن له
نصاب، والحج لمن وجب عليه، والبيوع على التجار ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات
في سائر المعاملات. وكذا أهل الحرف، وكل من اشتغل بشيء يفرض عليه علمه وحكمه
لیمتنع عن الحرام فیه اهـ.
مَطْلَبٌ فِي فَرْضِ الكِفَايَةِ وَفَرْضِ العَين
وفي تبيين المحارم: لا شك في فرضية علم الفرائض الخمس وعلم الإخلاص؛ لأن
صحة العمل موقوفة عليه، وعلم الحلال والحرام وعلم الرياء، لأن العابد محروم من ثواب
عمله بالرياء، وعلم الحسد والعجب إذ هما يأكلان العمل كما تأكل النار الحطب، وعلم
البيع والشراء والنكاح والطلاق لمن أراد الدخول في هذه الأشياء، وعلم الألفاظ المحرمة
أو المكفرة، ولعمري هذا من أهم المهمات في هذا الزمان، لأنك تسمع كثيراً من العوامّ
يتكلمون بما يكفّر وهم عنها غافلون، والاحتياط أن يجدد الجاهل إيمانه كل يوم، ويجدد
نكاح امرأته عند شاهدين في كل شهر مرة أو مرتين، إذ الخطأ وإن لم يصدر من الرجل فهو
من النساء كثير. قوله: (وفرض كفاية الخ) عرَّفه في شرح التحرير بالمتحتم المقصود
حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله. قال: فيتناول ما هو ديني كصلاة الجنازة، ودنيوي
كالصنائع المحتاج إليها؛ وخرج المسنون لأنه غير متحتم، وفرض العين لأنه منظور بالذات
إلى فاعله اهـ. قال في تبيين المحارم: وأما فرض الكفاية من العلم، فهو كل علم لا
يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب والحساب والنحو واللغة والكلام والقراءات وأسانيد
الحديث وقسمة الوصايا والمواريث والكتابة والمعاني والبديع والبيان والأصول ومعرفة
الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والنص والظاهر، وكل هذه آلة لعلم التفسير والحديث،
وكذا علم الآثار والأخبار والعلم بالرجال وأساميهم وأسامي الصحابة وصفاتهم، والعلم
بالعدالة في الرواية(١) والعلم بأحوالهم لتمييز الضعيف من القوي، والعلم بأعمارهم
وأصول الصناعات والفلاحة كالحياكة والسياسة والحجامة اهـ. قوله: (وهو ما زاد عليه) أي
على قدر يحتاجه لدينه في الحال.
مَطْلَبٌ: فَرْضُ العَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الكِفَايَةِ
تنبيه: فرض العين أفضل من فرض الكفاية لأنه مفروض حقاً للنفس، فهو أهم عندها
وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقاً للكافة والكافر من جملتهم، والأمر إذا
عمّ خف، وإذا خصّ ثقل. وقيل فرض الكفاية أفضل لأن فعله مسقط للحرج عن الأمة
(١) في ط (قوله في الرواية) هكذا بخطه، والأنسب بقوله بعد والعلم بأحوالهم أن يقول (في الرواية).

١٢٧
المقدمة
وهو التبحر في الفقه وعلم القلب. وحراماً، وهو علم الفلسفة والشعبذة،
بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم، ولا شكّ في عظم وقع ما هذه صفته اهـ.
طوافي. ونقل ط أن المعتمد الأول. قوله: (وهو التبحر في الفقه) أي التوسع فيه والاطلاع
على غوامضه، وكذا غيره من العلوم الشرعية وآلاتها. قوله: (وعلم القلب) أي علم
الأخلاق، وهو علم يعرف به أنواع الفضائل وكيفية اكتسابها وأنواع الرذائل وكيفية
اجتنابها اهـ.ح. وهو معطوف على الفقه لا على التبحر لما علمت من أن علم الإخلاص
والعجب والحسد والرياء فرض عين، ومثلها غيرها من آفات النفوس: كالكبر والشخّ
والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء والخيانة
والمداهنة والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل ونحوها مما هو
مبين في ربع المهلكات من الإحياء. قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما
یری نفسه محتاجاً إليه، وإزالتها فرض عين، ولا یمکن إلا بمعرفة حدودها وأسبابها وعلاماتها
وعلاجها، فإن من لا يعرف الشرّ يقع فيه. قوله: (والفلسفة)(١) هو لفظ يوناني، وتعريبه
الحكم المموهة: أي مزينة الظاهر فاسدة الباطن، كالقول بقدم العالم وغيره من المكفرات
والمحرمات ط. وذكر في الإحياء أنها ليست علماً برأسها بل هي أربعة أجزاء:
أحدها: الهندسة والحساب، وهما مباخان، ولا يمنع منهما إلا من يخاف عليه أن
يتجاوزهما إلى علوم مذمومة.
والثاني: المنطق، وهو بحث عن وجه الدليل وشروطه، ووجه الحد وشروطه، وهما
داخلان في علم الكلام.
والثالث: الإلهيات، وهو بحث عن ذات الله تعالى وصفاته، انفردوا فيه بمذاهب
بعضها كفر وبعضها بدعة.
والرابع: الطبيعيات، وبعضها مخالف للشرع، وبعضها بحث عن صفات الأجسام
وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها، وهو شبيه بنظر الأطباء، إلا أن الطبيب ينظر في بدن
الإنسان على الخصوص من حيث يمرض ويصح، وهم ينظرون في جميع الأجسام من حيث
تتغير وتتحرك، ولكن للطب فضل عليه لأنه محتاج إليه. وأما علومهم في الطبيعيات فلا
حاجة إليها اهـ. قوله: (والشعبذة) الصواب الشعوذة، وهي كما في القاموس: خفة في اليد
كالسحر، ترى الشيء بغير ما عليه أصله اهـ. حموي. لكن في المصباح: شعوذ الرجل
شعوذة، ومنهم من قال: شعبذ، وهو بالذال المعجمة، وليس من كلام أهل البادية، وهي
لعب يرى الإنسان منها ما ليس له حقيقة كالسحر اهـ. ابن عبد الرزاق. وأفتى العلامة ابن
(١) في ط (قوله والفلسفة) هكذا بخطه، والأصوب ما في نسخ الشارح كما لا يخفى.

١٢٨
المقدمة
والتنجيم والرمل وعلوم
حجر في أهل الحلق في الطرقات الذين لهم أشياء غريبة كقطع رأس إنسان وإعادته وجعل
نحو دراهم من التراب وغير ذلك بأنهم في معنى السحرة إن لم يكونوا منهم، فلا يجوز لهم
ذلك ولا لأحد أن يقف عليهم، ثم نقل عن المدونة من كتب المالكية: أن الذي يقطع ید
الرجل أو يدخل السكين في جوفه إن كان سحراً قتل وإلا عوقب.
مَطْلَبُ في التَّنْجِيمِ والرَّمْلِ
قوله: (والتنجيم) هو علم يعرف به الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث
السفلية اهـ.ح.
وفي مختارات النوازل لصاحب الهداية: أن علم النجوم في نفسه حسن غير مذموم، إذ
هو قسمان: حسابي وإنه حق، وقد نطق به الكتاب، قال الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ
بِحُسبانٍ﴾ [الرحمن: ٥] أي سيرهما بحساب. واستدلالي بسير النجوم وحركة الأفلاك على
الحوادث بقضاء الله تعالى وقدره، وهو جائز كاستدلال الطبيب بالنبض من الصحة
والمرض(١)، ولو لم يعتقد بقضاء الله تعالى أو ادعى الغيب بنفسه يكفر، ثم تعلم مقدار ما
يعرف به مواقيت الصلاة والقبلة لا بأس به اهـ. وأفاد أن تعلم الزائد على هذا المقدار فيه
بأس، بل صرّح في الفصول بحرمته وهو ما مشى عليه الشارح. والظاهر أن المراد به القسم
الثاني دون الأول، ولذا قال في الإحياء: إن علم النجوم في نفسه غير مذموم لذاته إذ هو
قسمان الخ. ثم قال: ولكن مذموم في الشرع. وقال عمر: تعلموا من النجوم ما تهتدوا به
في البّ والبحر ثم أمسكوا، وإنما زجر عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مضرّ بأكثر الخلق، فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقیب سیر
الكواكب وقع في نفوسهم أنها المؤثرة.
وثانيها: أن أحكام النجوم تخمين محض، ولقد كان معجزة لإدريس عليه السلام فيما
یحکی وقد اندرس.
وثالثها: أنه لا فائدة فيه، فإن ما قدر كائن والاحتراز منه غير ممكن اهـ. ملخصاً.
قوله: (والرمل) هو علم بضروب أشكال من الخطوط النقط بقواعد معلومة تخرج حروفاً
تجمع ویستخرج جملة دالة على عواقب الأمور، وقد علمت أنه حرام قطعاً، وأصله لإدريس
عليه السلام ط: أي فهو شريعة منسوخة. وفي فتاوى ابن حجر أن تعلمه وتعليمه حرام
شديد التحريم لما فيه من إيهام العوامّ أن فاعله يشارك الله تعالى في غيبه. قوله: (وعلوم
(١) في ط (قوله من الصحة والمرض) هكذا بخطه، والأنسب إيدال، من بعلى كما هو ظاهر. وقوله (ما تهتدوا به) إن
كانت الرواية هكذا فحذف النون للتخفيف.

١٢٩
المقدمة
الطبائعیین
الطبائعيين) العلم الطبيعي علم يبحث فيه عن أحوال الجسم المحسوس من حيث هو
معرّض للتغير في الأحوال والثبات فيها اهـ.ح. وفي فتاوى ابن حجر: ما كان منه على
طريق الفلاسفة حرام، لأنه يؤدي إلى مفاسد كاعتقاد قدم العالم ونحوه (١)، وحرمته مشابهة
لحرمة التنجيم من حيث إفضاء كل إلى المفسدة.
(١) اعلم - رحمك الله . أن حدوث العالم واعتقاده من ضرورات الدين، وركنه الركين، لأن حدوث العالم أصل
الشرائع، وقاعدة الدين، إذ إثبات الخالق والآخرة وبعثة الرسل والأنبياء يتوقف على حدوث العالم، إذ لو لم يكن
حادثاً بل قديماً لا يحتاج إلى وجود الخالق؛ وإذا لم يوجد الخالق لم يرسل الأنبياء، ولم تكن الآخرة؛ لأن الآخرة
قائمة على فناء العالم.
وقد اعتنى العلماء الأولون بمبحث حدوث العالم، فبرهنوا على حدوثه وخلقه، وكان هدفهم من ذلك هدفاً دينياً
بحثاً، إذ في إثبات ذلك بيان إعجاز الخالق في السنة والقوانين التي يسير عليها الخلق، من حيث إن الله تعالى يعطي
كل مخلوق طبيعته المقدرة له أو ماهيته الخاصة به، ومن هنا كان خلقه للعالم لحكمة، ولم يخلقه عبثاً.
وعلة أخرى، وهي بيان تهافت كثير من الخلق في القول بقدم الخلق، وهم كثير بل جمهور المتقدمين والمتأخرين
من الفلاسفة على القول بقدم العالم، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه، فاتبعوه إلا قليلاً من المؤمنين.
ونحن- في هذه العجالة - نحاول اقتفاء أثر السابقين، وتقديم البراهين على صحة ما ذهبوا إليه، وعكفوا عليه، من
القول بحدوث العالم، والرد على من زل في هذا المبحث من الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين.
مَا العَالَمُ؟
العالم اسم لما سوى الله تعالى وصفاته من الموجودات، فالمعدوم ليس من العالم، وهو شامل السموات
والأفلاك، وما فيها، ويطلق عليها اسم العالم العلوي، وشامل لما انحط من السموات والسحاب والأرض، وما
فيها من الهواء؛ وما على الأرض من نبات وحيوان وجماد، وما فيها من بحار وجبال وأنهار وغيرها، ويطلق عليه
اسم العالم السفلي وهو حادث.
وفيه تفصيل:
العالم لغة:
عبارة عما يعلم به الشيء.
قال الجوهري في الصحاح: ((العالم: الخلق)).
وقال ابن منظور: والعالم: الخلق كله، وقيل: هو ما احتواه بطن الفلك)).
٠٦
وقال الزبيدي: والعالم: الخلق کله.
وفي ترتيب القاموس: ((والعالم: الخلق كله، أو ما حواه بطن الفلك».
وقال الزبيدي في تاج العروس: (وهو في الأصل اسم لما يعلم به كالخاتم لما يختم به، فالعالم آلة في الدلالة على
موجوده، ولهذا أحالنا عليه في معرفة وحدانيته، فقال: ﴿أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمواتِ والأَرْضِ﴾، وقال
جعفر الصادق العالم عالمان: كبير، وهو الفلك بما فيه وصغير، وهو الإنسان، لأنه على هيئة العالم الكبير، وفيه
کل ما فیه)).
قال البغدادي :... ((وزعم بعض أهل اللغة أن العالم كل ما له علم وحس، وقال آخرون: إنه مأخود من العَلَم الذي
هو العلامة، وهذا أصح، لأن كل ما في العالم علامة، ودلالة على صانعه)).
العالم اصطلاحاً:
هو عبارة عن كل ما سوى الله من الموجودات؛ لأنه يعلم به الله من حيث أسماؤه وصفاته. ومن أجمع التعريفات له ما
حده به إمام الحرمين الجويني في العقيدة النظامية حيث قال:
=

١٣٠
المقدمة
((العالم: كل موجود سوى الله تعالى، وهو أجسام محدودة، متناهية المنقطعات، وأعراض قائمة بها، كألوانها،
وهيئاتها، في تركيبها، وسائر صفاتها، ومانشاهدنا منها، واتصلت به حواسنا، وما غاب منها عن مدرك حواسنا،
- متساوية في ثبوت حكم الجواز لها، ولاتشكل يعاين، أو يفرض منا، صغر أو كبر، أو قرب أو بعد، أو خاب أو
شهد، إلا والعقل قاض بأن تلك الأجسام المشكّلة، لا يستحيل فرض تشكلها على هيئة أخرى، وما سكن منها لم
يحل العقل تحركه، وما تحرك منها، لم يحل سكونه، وما صودف مرتفعاً إلى سُمك من الجو، لم يبعد تقدير
انخفاضه، وما استدار على النطاق لم يبعد فرض تدوره، نائياً عن مجراه، وترتب الكواكب على أشكالها ... )).
قالالبغدادي في أصول الدين: ((والعالم عند أصحابنا كل شيء هو غير الله عز وجل)).
: وفي العقائد النسفية: ((والعالم: أي ما سوى الله تعالى من الموجودات مما يعلم به الصانع، يقال: عالم الأجسام،
وعالم الأعراض، وعالم النبات، وعالم الحيوان، فتخرج صفات الله تعالى، لأنها ليست غير الذات، كما أنها
لیست عینها)).
انقسام العالم إلى جواهر وأعراض:
والعالم. كما قسمه المتكلمون - إما جواهر، وإما أعراض.
قال البغدادي: ((العالم نوعان: جواهر وأعراض)).
وينبغي هنا أن نوضح المقصود بالجوهر والعرض، على تفصيل:
الجَوْهَرُ لغة:
هو كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، ومن الشيء ما وضعت عليه جِبلتُهِ. قاله الفيروز آبادي.
قال الزبيدي: ((والجوهر: كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وهو فارسي معرب، كما صرح به الأكثرون، ...
ومن الشيء ما وضعت عليه جبلته ... )).
قال الجوهري في الصحاح: ((والجوهر، معرب، الواحدة جوهرة)).
وفي اللسان قال ابن منظور: ((والجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وجوهر كل شيء ما خلقت عليه
جبلته».
واصطلاحاً:
قال البغدادي: «والجوهر کل ذي لون».
قال الجرجاني: ((الجوهر: ماهية إذا وجدت في الأعيان: كانت لا في موضوع، وهو منحصر في خمسة: هيولى،
وصورة، وجسم، ونفس، وعقل ... ).
قال في شرح المواقف: الجوهر ممكن موجود لا في موضوع عند الفلاسفة، وحادث متميز بالذات عند المتكلمين.
وأما العرض لغة فهو:
ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه.
قاله الجوهري، وفي اللسان: والعرض: من أحداث الدهر من الموت والمرض، ونحو ذلك. قال الأصمعي:
العرض: الأمر یعرض للرجل یبتلی به».
.
قال الزبيدي: والعرض بالتحريك: ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه كالهموم والأشغال، ... و[العرضي]
حطام الدنيا، ... والغنيمة، .. اسم لما لا دوام له، وهو مقابل الجوهر ... )).
واصطلاحاً:
هو ما قام بغيره، قال البغدادي: ((والأعراض هي الصفات القائمة بالجواهر من الحركة والسكون والطعم والرائحة
والحرارة والبرودة، والرطوبة، واليبوسة)).
قال الجرجاني: ((العرض: ما يعرض في الجوهر مثل الألوان والطعوم والذوق واللمس وغيره مما يستحيل بقاؤه
بعد وجوده).
وقال المرعشي في نشر الطوالع: (( ... وهو عند الأشاعرة موجود قائم بمتحيز)).
وقال سعد الدين التفتازاني في العقائد النسفية:

١٣١
المقدمة
= ((والعرض ما لا يقوم بذاته بل بغيره، بأن يكون تابعاً له في التحيز أو مختصاً به اختصاص الناعت بالمنعوت)).
مذاهب المتكلمين والفلاسفة في حدوث العالم:
وبعد أن ذكرنا المقصود بالجواهر والأعراض، وانقسام العالم إليهما، نشرع في بيان مذاهب الناس في حدوث
العالم: قال المرعشي في نشر الطوالع: ((اتفق المسلمون والنصارى، واليهود والمجوس على أن الأجسام كلها
محدثة، بذواتها وصفاتها».
قال البزدوي في «أصول الدين»:
قال عامة أهل القبلة، وعامة أهل الأديان: إن العالم محدث أحدثه الله تعالى لا عن أصل. وقال الدهرية الذين
ينكرون الصانع. جبل جلاله .: ((إن العالم قديم)).
وقد اختلف الفلاسفة في قدم العالم، فالذي استقر عليه رأي جماهيرهم المتقدمين والمتأخرين القول بقدمه.
قال البزْدَوِي: ((وقال عامة الفلاسفة: إن الصانع قديم والهيولى قديم أيضاً، والهيولى عندهم أصل العالم وطينته،
منه خلق الله تعالی العالم.
وقال بعض الفلاسفة: الصانع قديم، والأسطقسات قديمة أيضاً.
وقال بعض الفلاسفة: الصانع قديم، والخلاء قديم، وهو المكان الذي خلق الله تعالى فيه العالم)).
مذهب أهل السنة والجماعة:
وأهل السنة والجماعة على أن العالم محدث أحدثه الله تعالى عن غير مادة، وأدلتهم في ذلك على تفصيل: وهي إما
أدلة عقلية أو نقلية :
أولاً: الأدلة العقلية:
وإنما قدمت الأدلة العقلية، لأن الفلاسفة يعتبرون بها، ويُعَوَّلُونَ عليها، فوجب أن نثبته من مادة أدلتهم: اعلم
وفقك الله أن الأدلة العقلية على حدوث العالم كثيرة جداً، لأن الآفاق والأنفس مملوءة بدلائل حدوثه، فإن ادعى
أحد قدم العالم، فلا يدعي قدم نفسه بل ادعى حدوثه بحدوث زماني بالضرورة، لأنه تولد من أبويه بعد ما لم يكن
في سنة كذا مع أن ذلك المدعي جزء من أجزاء العالم، وما يكون جزؤه حادثاً يكون كله حادثاً. ولو كان العالم
قديماً كان باقياً على حاله، فلا وجود للآخرة، وذلك كله باطل، فقدم العالم باطل، فثبت حدوثه؛ ولأن القديم لا
يكون محلاً للحوادث مع أن العالم محل للحوادث بداهة، فالعالم بجميع أجزائه حادث، لأن العالم إما أعيان، وإما
أعراض، وكل منهما حادث، ودليل ذلك الأخير على تفصيل:
دلیل حدوث الأعراض :
أما حدوث الأعراض، فلأن بعضها حادث بالمشاهدة كالحركة بعد السكون، والسكون بعد الحركة مثلاً في بعض
الأجرام، وبعضها، وهو ما لم نشاهد حدوثه كسكون بعض الأجرام الثابتة حادثة بالدليل، وهو أنه يجوز طرآن
العدم عليه بوجود ضده، لأن الأجرام كلها متساوية، فيجوز على كل منهما ما يجوز على الآخر، وكل ما يجوز عليه
العدم يكون قديماً؛ لأن القديم إذا كان واجباً لذاته لم يجز أن يكون صادراً بالاختيار للزوم الحدوث له حينئذ،
فتعين أن يكون صادراً بطريق التعليل من واجب لذاته، فيلزم استمرار وجوده ما دامت علته موجودة، فلا يجوز عليه
العدم».
دليل حدوث الجواهر:
وأما حدوث الجواهر؛ فلأنها ملازمة للأعراض الحادثة، لأن من الأعراض الحركة والسكون، فلو كانت غير
ملازمة لأحدهما لارتفعت الحركة والسكون، وهما ضدان مساويان للنقيضين، وارتفاع النقيضين أو ما ساواهما
باطل.
وملازم الحادث حادث، لأنه لو لم يكن حادث للزم إما قدم الحادث الملازم له، وإما انكفاك التلازم بينهما، وهما
باطلان، فالجواهر حادثة.
قال البزدوي في أصول الدين: «ثم الدلیل علی حدوث جمیع العالم أنّا نشاهد حدوث بعضها، فإن الثمار کلها
محدث، وكذلك الحیوانات، وكذا النبات، وكذا الألوان، هذه الأشياء تحدث، فإذا كان بعضها يحدث يعلم به =

١٣٢
المقدمة
حدوث ما سواها إذ كلها أجسام وأعراض جواهر، فإن الشيء دال على شكله، فإن بعض النبات إذا رأيناه يفسد،
قضينا في شكله بالفساد، ولأن الأجسام لا تخلو عن الأعراض، فإنه لا تخلو عن الافتراق، والاجتماع، والسكون،
والحركة، والثقل والخفة ...
قال: فلو كانت الأعراض قديمة لما تصور بطلانها، لأن القديم واجب الوجود، فلا يتصور عليه البطلان، والعدم؛
لأنه لو جاز عدمه في المستقبل من الزمان جاز عدمه في الماضي من الزمان، فلا يتصور العدم هذا كما يجب أن
الاثنين إذا ضم إلى واحد يكون ثلاثة، وإذا كان هذا واجباً لا يتصور أن يوجد زمان يضم الاثنان إلى الواحد، ولا
یکون ثلاثة، فدل أن الأعراض حادثة.
قال الرازي في المطالب العالية: الحجة الأولى: وهي الحجة القديمة للمتكلمين أن قالوا: الجسم لا يخلو عن
الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث، فهو حادث، فالجسم حادث».
والحجة الثانية: أن نقول: الأجسام قابلة للحوادث، وكل ما كان قابلاً للحوادث، فإنه لا يخلو عن الحوادث، وكل
ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، ينتج أن الأجسام حادثة ... )).
وقد ساق حججاً كثيرة، فلتطالع هناك لمن شاء التفصيل.
ولأبي محمد بن حزم براهين كثيرة في إثبات العالم ضمنها كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل)).
ثانياً: الأدلة النقلية:
ومنها قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾.
ومن السنة ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال: دخلت على النبي ◌َ# .
وعَقَلْتُ ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: اقبَلُوا الْبُشْرى يا بني تميم. قالوا: قد بَشَّرْتَنا
فأعطنا (مرتين)، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: اقبلُوا البشرى يا أهل اليمن أنه لم يقبلوا بنو تميم.
قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئنا نسألك عن هذا الأمر. قال: كَانَ اللّهُ وَلَمْ يَكُنْ شيءٌ غيرُه، وكَانَ عرشُه
على الماءِ، وكَتَبَ في الذكر كُلَّ شيءٍ، وَخَلَقَ السماواتِ والأَرْضَ، فنادى منادٍ: ذهبتْ نَاقَتُكَ يا ابن
الحصین، فانطلقتُ فإذا هي یقطعُ دونها السراب، فواللهِ لوَدِدتُ أُني کنتُ ترکتُها».
والدليل على خلق الله السموات والأرض، وما بينهما لا يعد ولا يحصى من الآيات والأحاديث، وقد اعترض بعض
المفكرين القدماء والمحدثين على أن بحث المتكلمين في العالم لبيان حدوثه، وخلقه بحث لا يرجع إلى القرآن
الكريم، معتمدين أن لفظ ((القدم)) أو ((الحدوث)) هو نفسه ورود إلى مصدر فلسفي أجنبي، وهذا غير صحيح.
فقد كانت أول الحقائق التي ذكرها القرآن الكريم أن العالم حادث مخلوق من لا شيء، وإذا كان العالم محدثاً، فلا بد
له من خالق، وهو الله تعالى، خلق كل شيء، فهو المصور والمبدع.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى قدرته تعالى المطلقة على الخلق، وأنه تعالى خلق الخلق بعلمه، وصورهم،
ورزقھم، ولم یکن معه معین ولا نصیر:
قوله تعالى: ﴿بديع السموات والأرض﴾.
وقوله تعالى: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾.
وقوله تعالى: ﴿بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شيء، وهو بكل شيء
عليم﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا
هو، فأنى تؤفكون﴾.
شبهات وردود:
ولا يسلم الأمر لأهل السنة والجماعة بقولهم بإثبات حدوث العالم، فقد أبى الله تعالى إلا أن يجعل للباطل نصيباً
يقدم عليه أهله، وذلك لحكمة يعلمها الله تعالى، ولعل منها بيان معرفة الحق من الباطل، والتمييز بين الفريقين،
ليحيى من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.
ولكن أدلة القائلين بقدم العالم. على كثرتهم - أدلة واهية لا تقوى على الرد والتنفيذ.

١٣٣
المقدمة
= قال الغزالي في التهافت : .
((لو ذهبت أصف ما نقل عنهم في معرض الأدلة، وذكر في الاعتراض عليه، لسودت في هذه المسألة أوراقاً، ولكن
لا خير في التطويل، فلنحذف من أدلتهم ما يجري مجرى التحكم أو التخيل الضعيف الذي يهون على كل ناظر حَدُّه)).
ثم ساق أقوى أدلتهم، ثم عرج عليها تفنيداً ورداً، والمقام ليس مقام بسط، وتفصيله في تهافت الفلاسفة.
ونذكر هنا بعض الشبه التي ذكرها البزدوي في أصول الدين، ورده علیھا، يقول:
((إنهم يقولون: إنا نقول بقدم الهيولى لا غير لا بقدم كل العالم، والهيولى شيء واحد لا يتصور افتراقه، ولا
اجتماعه، وليس بقابل لعرض ما، وليس بجسم، ولا جوهر ولا عرض)).
فنقول:
لا بد من أن يكون الهيولى جسماً أو جوهراً أو عرضاً؛ لأنه من جملة العالم، والعالم هذه الثلاثة، وإذا كان واحداً من
هذه الثلاثة يكون حادثاً كسائر الأجسام والجواهر والأعراض؛ ولأنه لا يخلو عرض ما إن كان يخلو عن الاجتماع
والافتراق، وهو الخفة والثقل والحركة والسكون ...
ثم يقول: لم كان الهيولى أولى بالقدم من سائر العالم من الأجسام والأعراض والجوهر؟ فإن قالوا: إنما وجب
القول بقدمه لأنا لم نر شيئاً يخلق من غير شيء، كل شيء يخلق من شيء آخر، لما لم نشاهد خلق شيء من غير شيء
قضينا على العالم أنه لم يخلق من غير شيء، بل خلقه من شيء، فاضطررنا إلى القول بالهيولى، فتكون الأشياء
مخلوقة منه، والهيولى عند الفلاسفة للعالم كالقطن للثوب.
فنقول: إن خلق الشيء من الشيء تغيير ذلك الشيء، وهو تبديل الأوصاف بأن يجعل المفترق مجتمعاً والمجتمع
مفترقاً، والنار كُرْسِيّاً، والشّعر لِيَداً، أو إخراج الشيء من الشيء أو إيجاد الشيء من الشيء الواحد، والتغيير
مستحيل في الهيولى، لأن الشيء الواحد مستحيل، ولأن التغيير إلى أن يصير الواحد أشياء مستحيل، وكذلك
إخراج الشيء منه مستحيل، وإيجاد الشيء من الشيء مستحيل، فدل أن خلق الشيء من الشيء إيجاد ذلك الشيء
حقيقة) .
... فإن قالوا: العالم متناه أو غير متناه، فنقول: العالم مخلوق، وكل مخلوق متناه، فالعالم يكون متناهياً لا محالة.
فإن قالوا: لما كان العالم متناهياً، ففي أي موضع هو، فإن الجسم يحتاج إلى مكان، والعالم أجسام، فنقول:
العالم أجسام في غير مكان، لأن المكان من جملة العالم، فإن المكان إما أن يكون هواء أو جسماً لطيفاً غير الهواء أو
كثيفاً، والهواء من جملة العالم، وهو جسم لطيف، وكذا سائر الأجسام اللطيفة .. )).
تقرير مذهب المصنف في القول بحدوث العالم:
وعلى مسلك السابقين من أهل السنة والجماعة سار المصنف، فقال بحدوث العالم، ويتضح ذلك جلياً من خلال
تضاعيف كتابه، ويدلل على تقريره لذلك قوله: (( ... وهو أصل جميع العلوم الإسلامية، وقانون الحجج
الإفحامية، لأنه لو كان قديماً لزم أن لا يكون متناهياً، ويلزم عليه نفي ما جاءت به الشرائع من فناء العالم، وتبديل
الأرض والسموات، ونفي القيامة، فتبطل فائدة الوعد والوعيد، ويلزم تكذيب الرسل، وإنكار الشرائع، وذلك من
أقبح الكفر).
فهو هنا يقرر القول بحدوث العالم، وأنه أصل الشرائع والأديان، ويبين أثر إنكاره وجحده من إنكار الشرائع،
وتكذيب الرسل، وسقوط القول بوجود الحساب والعقاب، والجنة والنار، وبطلان ما جاءت به الأخبار)).
... وهو ينكر على الفلاسفة الذين قالوا بقدم العالم، ولا يعتبر بقولهم، وهو يسمي هؤلاء المخالفين، فيقول:
(١ ... وهذا البعض أرسطو وأتباعه من المتأخرين كأبي نصر الفارابي، وأبي علي بن سينا، فإنهم ذهبوا إلى قدم
السموات بذواتها وصورها، وأشكالها ... )).
انظر: تهافت الفلاسفة ١/ ٥٠ فتح الباري ٦/ ٣٣٠ أصول الدين البزدوي ص ٢١٥ المطالب العالية للرازي ١/
٣٠٩ الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/ ٤٧ نشر الطوالع ١٧٥ الصحاح ٣/ ١٠٨٣ لسان العرب ٤/ ٢٨٨٦
تاج العروس ٥/ ٤٧ العقائد النسفية ص ٢٥.

١٣٤
المقدمة
والسحر،
قوله: (والسحر) هو علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة
لأسباب خفية اهـ.ح. وفي حاشية الإيضاح لبيري زاده قال الشمني: تعلمه وتعليمه حرام.
أقول: مقتضى الإطلاق ولو تعلم لدفع الضرر عن المسلمين. وفي شرح الزعفراني:
السحر حق عندنا وجوده وتصوّره وأثره. وفي ذخيرة الناظر: تعلمه فرض لردّ ساحر أهل
الحرب، وحرام ليفرق به بين المرأة وزوجها، وجائز ليوفق بينهما اهـ ابن عبد الرزاق.
قال ط بعد نقله عن بعضهم عن المحيط: وفيه أنه ورد في الحديث النهي عن التولة بوزن
عنبة: وهي ما يفعل ليحبب المرأة إلى زوجها اهـ.
أقول: بل نص على حرمتها في الخانية، وعلله ابن وهبان بأنه ضرب من السحر.
قال ابن الشحنة: ومقتضاه أنه ليس مجرد كتابة آيات، بل فيه شيء اهـ. وسيأتي تمامه قبيل
إحياء الموات إن شاء الله تعالى. وذكر في فتح القدير: أنه لا تقبل توبة الساحر والزنديق في
ظاهر المذهب، فیجب قتل الساحر ولا يستتاب بسعيه بالفساد لا بمجرد علمه إذا لم یکن
في اعتقاده ما یوجب كفره اهـ.
وذكر في تبيين المحارم عن الإمام أبي منصور أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق
خطأ، ويجب البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك ردّ ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر،
وإلا فلا اهـ.
أقول: وقد ذكر الإمام القرافي المالكي الفرق بين ما هو سحر يكفر به وبين غيره،
وأطال في ذلك بما يلزم مراجعته من أواخر شرح اللقاني الكبير على الجوهرة. ومن كتاب
[الإعلام في قواطع الإسلام] للعلامة ابن حجر.
وحاصله أن السحر اسم جنس لثلاثة أنواع:
مَطْلَبٌّ: السِّخْرُ أَنْواعٌ
الأول: السیمیاء، وهو ما یرکب من خواص أرضیة کدهن خاص أو کلمات خاصة
توجب إدراك الحواس الخمس أو بعضها بما له وجود حقيقي، أو بما هو تخيل صرف من
مأکول أو مشموم أو غيرهما.
الثاني: الهيمياء، وهي ما يوجب ذلك مضافاً لآثار سماوية لا أرضية.
الثالث: بعض خواص الحقائق، کما یؤخذ سبع أحجار یرمی بها نوع من الكلاب إذا
رمي بحجر عضه، فإذا عضها الكلب وطرحت في ماء فمن شربه ظهرت عليه آثار خاصة،
فهذه أنواع السحر الثلاثة، قد تقع بما هو كفر من لفظ أو اعتقاد أو فعل، وقد تقع بغيره
كوضع الأحجار. وللسحر فصول كثيرة في كتبهم، فليس كل ما يسمى سحراً كفراً، إذ ليس

١٣٥
المقدمة
والكهانة، ودخل في الفلسفة المنطق، ومن هذا القسم علم الحرف
التكفير به لما يترتب عليه من الضرر، بل لما يقع به مما هو كفر كاعتقاد انفراد الكواكب
بالربوبية أو إهانة قرآن أو كلام مكفر ونحو ذلك اهـ. ملخصاً. وهذا موافق لكلام إمام
الهدى أبي منصور الماتريدي(١)، ثم إنه لا يلزم من عدم كفره مطلقاً عدم قتله، لأن قتله
بسبب سعيه بالفساد كما مر، فإذا ثبت إضراره بسحره ولو بغير مكفر يقتل دفعاً لشرّه كالخناق
وقطاع الطريق.
مَطْلَبٌ في الكَهَائَةِ
قوله: (والكهانة) وهي تعاطي الخبر عن الكائنات في المستقبل وادعاء معرفة
الأسرار. قال في نهاية الحديث: وقد كان في العرب كهنة کشق وسطیح؛ فمنهم من كان
يزعم أن له تابعاً يلقي عليه الأخبار عن الكائنات. ومنهم أنه يعرف الأمور بمقدمات يستدل
بها على موافقها من كلام من يسأله أو حاله أو فعله، وهذا يخصونه باسم العراف كالمدعي
معرفة المسروق ونحوه، وحديث ((من أتى كاهناً))(٢) يشمل العراف والمنجم، والعرب
تسمي كل من يتعاطى علماً دقيقاً كاهناً. ومنهم من يسمي المنجم والطبيب كاهناً اهـ. ابن
عبد الرزاق. قوله: (ودخل في الفلسفة المنطق) لأنه الجزء الثاني منها كما قدمناه، والمراد
به المذكور في كتبهم للاستدلال على مذاهبهم الباطلة. أما منطق الإسلاميين الذي مقدماته
قواعد إسلامية فلا وجه للقول بحرمته، بل سماه الغزّالي معيار العلوم، وقد ألف فيه علماء
الإسلام ومنهم المحقق ابن الهمام، فإنه أتى منه ببيان معظم مطالبه في مقدمة كتابه التحرير
الأصولي. قوله: (علم الحرف) يحتمل أن المراد به الكاف الذي هو إشارة إلى الكيمياء،
ولا شك في حرمتها لما فيها من ضياع المال والاشتغال بما لا يفيد. ويحتمل أن المراد به
جمع حروف يخرج منها دلالة على حركات. ويحتمل أن المراد أسرار الحروف بأوفاق
الاستخدام وغير ذلك اهـ. ط. ويحتمل أن المراد الطلسمات، وهي كما في شرح اللقاني:
نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهل هذا العلم في أجسام من
المعادن أو غيرها تحدث لها خاصة ربطت بها في مجاري العادات اهـ.
هذا، وقد ذكر العلامة ابن حجر في باب الأنجاس من التحفة أنه اختلف في انقلاب
الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب هل هو ثابت؟ فقيل: نعم لانقلاب العصا ثعباناً
(١) أبو منصور الماتريدي، محمد بن محمد بن محمود أخذ عن أبي بكر الجوزجاني وکان من كبار العلماء كان يقال له:
إمام الهدى له كتاب ((التوحيد)) وكتاب المقالات، وتأويلات القرآن مات سنة ٣٣٣.
انظر: الجواهر المضيئة ٣/ ٣٦٠(١٥٣٢)، تاج التراجم ٥٩، الطبقات السنية ٢٣٠٥.
(٢) أحمد في المسند ٢/ ٤٠٨ وأبو داود (٣٩٠٤) والترمذي ١/ ٢٤٢ (١٣٥) وابن ماجة ٢٠٩١ (٦٣٩) وهو عند
النسائي في الكبرى.

١٣٦
المقدمة
وعلم الموسيقى. ومكروهاً وهو أشعار المولدين من الغزل والبطالة. ومباحاً
حقيقة، وإلا لبطل الإعجاز. وقيل لا لأن قلب الحقائق محال. والحق الأول إلى أن قال:
تنبيه: كثيراً ما يسأل عن علم الكيمياء وتعلمه هل يحل أو لا؟ ولم نر لأحد كلاماً في ذلك.
والذي يظهر أنه ينبني على هذا الخلاف، فعلى الأول من علم العلم الموصل لذلك القلب
علماً يقينياً جاز له علمه وتعليمه إذ لا محذور فيه بوجه، وإن قلنا بالثاني أو لم يعلم الإنسان
ذلك العلم اليقيني وكان ذلك وسيلة إلى الغش فالوجه الحرمة اهـ. ملخصاً.
وحاصله أنه إذا قلنا بإثبات قلب الحقائق وهو الحق جاز العمل به وتعلمه، لأنه ليس
بغش لأن النحاس ینقلب ذهباً أو فضة حقیقة. وإن قلنا إنه غير ثابت لا يجوز لأنه غش، كما
لا يجوز لمن لا يعلمه حقيقة لما فيه من إتلاف المال أو غش المسلمين. والظاهر أن مذهبنا
ثبوت انقلاب الحقائق بدليل ما ذكروه في انقلاب عين النجاسة، كانقلاب الخمر خلاً والدم
مسكاً ونحو ذلك، والله أعلم. قوله: (وعلم الموسيقي) بكسر القاف: وهو علم رياضي
يعرف منه أحوال النغم والإيقاعات، وكيفية تأليف اللحون، وإيجاد الآلات. وموضوعه
الصوت من جهة تأثيره في النفوس باعتبار نظامه في طبقته وزمانه. وثمرته بسط الأرواح
وتعديلها وتقويتها وقبضها أيضاً.
مَطْلَبٌ في الكَّلَامِ عَلَى إِنْشاهِ الشِّعْرِ
قوله: (وهو أشعار المولدين) أي الشعراء الذين حدثوا بعد شعراء العرب. قال في
القاموس: المولدة: المحدثة من كل شيء ومن الشعراء لحدوثهم. وفي آخر الريحانة
للشهاب الخفاجي(١): بلغاء العرب في الشعر والخطب على ستّ طبقات: الجاهلية
الأولى من عاد وقحطان. والمخضرمون، وهم من أدرك الجاهلية والإسلام. والإسلاميون
والمولدون والمحدثون والمتأخرون ومن ألحق بهم من العصريين. والثلاثة الأول هم ما هم
في البلاغة والجزالة، ومعرفة شعرهم رواية ودراية عند فقهاء الإسلام فرض كفاية، لأنه به
تثبت قواعد العربية التي بها يعلم الكتاب والسنة المتوقف على معرفتهما الأحكام التي يتميز
بها الحلال من الحرام، وكلامهم وإن جاز فيه الخطأ في المعاني فلا يجوز فيه الخطأ في
الألفاظ وتركيب المباني اهـ .. قوله: (من الغزل) المراد به ما فيه وصف النساء والغلمان،
وهو في الأصل كما في القاموس: اسم لمحادثة النساء، وعطف عليه قوله ((والبطالة)) عطف
عام على خاص لأنه نوع منها، فشمل وصف حال المحبّ مع المحبوب أو مع عذاله من
(١) أحمد بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخفاجي المصري: قاضي القضاة وصاحب التصانيف في الأدب واللغة. من
أشهر كتبه ((ريحانة الألباب)) و((طراز المجالس) و((نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض)) و((السوانح))،
توفي سنة ١٠٦٩. انظر: خلاصة الأثر ١/ ٣٣١، لغة العرب ٣٠٧/١، الأعلام ١/ ٢٣٨.

١٣٧
المقدمة
الوصل والهجر واللوعة والغرام ونحو ذلك. قال في المصباح: البطالة نقيض العمالة، من
بطل الأجير من العمل فهو بطال بين البطالة بالفتح، وحکي بالكسر وهو أفصح وربما قيل
بالضم. وذكر ابن عبد الرزاق أنه وجد بهامش المصباح بخط مصنفه ما حاصله: الفعالة
بالفتح قد يكون وصفاً للطبيعة كالرزانة والجهالة، وبالكسر للصناعة كالتجارة، وبالضم لما
يرمى كالقلامة، وقد يضمن اللفظ المعاني الثلاثة فيجوز فيه الحركات الثلاثة، فالبطالة
بالفتح لأنه وصف ثابت، وبالكسر لأنه أشبه الصناعة للمداولة عليها، وبالضم لأنها مما
یرفض اهـ.
أقول: وعلى هذا يمكن أن يكون إشارة إلى أن المكروه منه ما داوم عليه وجعله
صناعة له حتى غلب عليه وأشغله عن ذكر الله تعالى وعن العلوم الشرعية، وبه فسر الحديث
المتفق عليه وهو قوله {وَ﴿: ((لأنْ يَمْتَليْ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ مِنْ أنْ يَمْتَلِئْ شِعْراً»(١)
فاليسير من ذلك لا بأس به إذا قصد به إظهار النكات واللطافات والتشابيه الفائقة والمعاني
الرائقة، وإن كان في وصف الخدود والقدود، فإن علماء البدیع قد استشهدوا من ذلك
بأشعار المولدين وغيرهم لهذا القصد. وقد ذكر المحقق ابن الهمام في إشهادات فتح القدير
أن المحرم منه ما كان في اللفظ ما لا يحل كصفة الذكور والمرأة المعينة الحية، ووصف
الخمر المهيج إليها والحانات، والهجاء لمسلم أو ذمي إذا أراد المتكلم هجاءه، لا إذا أراد
إنشاد الشعر للاستشهاد به أو ليعلم فصاحته وبلاغته. ويدل على أن وصف المرأة كذلك غير
مانع إنشاد أبي هريرة رضي الله عنه لذلك وهو محرم، وكذا ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما، ومما يقطع به في هذا قول كعب رضي الله عنه بحضرة النبي وَلارى: [بحر البسيط].
وَمَا سُعادُ غَدَاةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا إِلَّ أغنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
نْجلو عَوارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا أَبْتَسَمَتْ كَأنَّه مُنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ
وكثير في شعر حسان رضي الله تعالى عنه من هذا كقوله، وقد سمعه النبي ◌َّر:
[بحر الكامل].
تَبَلَتْ فُؤادَكَ في المَنامِ خريدَةٌ تَسْقي الضَّجيعَ بِبَاردٍ بَسَّامٍ
فأما الزهريات المجردة عن ذلك المتضمنة وصف الرياحين والأزهار والمياه فلا وجه
لمنعه(٢). نعم إذا قيل على الملاهي امتنع وإن كان مواعظ وحكماً اهـ. ملخصاً.
وفي الذخيرة عن النوازل: قراءة شعر الأدب إذا كان فيه ذكر الفسق والخمر والغلام
(١) أخرجه من رواية أبي هريرة البخاري ١٠/ ٥٤٨ (٦١٥٥) ومسلم ٤/ ١٧٦٩ (٢٢٥٧/٧).
(٢) في ط (قوله فلا وجه لمنعه) هكذا بخطه، والأولى (لمنعها) كما لا يخفى.

١٣٨
المقدمة
كأشعارهم التي لا يستخف فيها، كذا في فوائد شتى من الأشباه والنظائر. ثم نقل مسألة
الرباعيات، ومحطها أن الفقه هو ثمرة الحديث وليس ثواب الفقيه أقلّ من ثواب
المحدّث، وفيها: كل إنسان غير الأنبياء لا يعلم ما أراد الله تعالى له وبه، لأن إرادته
تعالى غيب، إلا الفقهاء فإنهم علموا إرادته تعالى بهم بحديث الصادق المصدوق: ((من
يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وفيها: كل شيء يسأل عنه العبد يوم القيامة إلا العلم،
يكره، والاعتماد في الغلام على ما ذكرنا في المرأة: أي من أنها إن كانت معينة حية يكره،
وإن كانت ميتة فلا اهـ. وسيأتي تمام الكلام على ذلك أيضاً قبيل باب الوتر والنوافل إن شاء
الله تعالی: قوله: (التي لا يستخف فيها) أي ليس فيها استخفاف بأحد من المسلمین کذکر
عوراته والأخذ في عرضه. وفي بعض نسخ الأشباه: لا سخف فيها: أي لا رقة وخفة. ابن
عبد الرزاق. قوله: (ثم في نقل) أي في الفوائد آخر الفن الثالث من الأشباه عن المناقب
للبزازي، وذكر الحلبي عبارته بتمامها، واقتصر الشارح على محطها: أي المقصود منها.
قوله: (وفيها) أي في الأشباه نقلًا عن شرح البهجة للعراقي. قوله: (غير الأنبياء) كان ينبغي
أن يقول: والمبشرين بالجنة كالعشرة رضي الله تعالى عنهم، قاله سيدي عبد الغني النابلسي
في شرح هدية ابن العماد. قوله: (له) أي من الثواب الجزيل حيث أراد به تعالى الخير.
قوله: (وبه) أي ولا يعلم ما أراد الله تعالى به من الصفات الحميدة. قوله: (إلا الفقهاء)
المراد بهم العالمون بأحكام الله تعالى اعتقاداً وعملاً، لأن تسمية علم الفروع فقهاً تسمية
حادثة، قال سيدي عبد الغني: يؤيده ما مرّ من قول الحسن البصري: إنما الفقيه المعرض
عن الدنيا الراغب في الآخرة الخ. قوله: (وفيها كل شيء الخ) نقله في الأشباه عن
الفصوص، والظاهر أنها فصوص الحكم للشيخ الأكبر قدس سرّه الأنور. قوله: (إلا العلم)
أورد عليه الحموي أنه ورد في الحديث ما يفيد السؤال على العلم، ولفظه: لا تزول قدما
عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه (١)؟ وعن
ماله من أي شيء اكتسبه؟ وعن علمه ماذا صنع به (٢)؟ وأجيب بأن المراد: إلا طلب الزيادة
من العلم وبه يصح التعليل.
واعترض بأنه يسأل عن طلبه هل قصد به الرياء أو الجاه؟ ويدل عليه ما في الحديث
السابق ((ولكن تعلمت العلم ليقال عالم، وقد قيل الخ)).
(١) في ط (قوله فيما أفناه، وفيما أبلاه) كذا بإثبات ألف ((ما) الاستفهامية بعد الجار، فإن كانت الرواية هكذا فلغة حكاها
الشيخ خالد كما في الصبان.
(٢) أخرجه الترمذي ٤/ ٦١٢ (٢٤١٦) وقال في حديث غريب لا نعرفه من حديث ابن مسعود عن النبي #أو إلا من
حديث الحسين بن قيس، وحسين بن قيس يضعف في الحديث من قِبَل حفظه وهو عند الطبري ١٠/ ٨ (٩٧٧٢)
وابن عدي في الكامل ٢/ ٧٦٣.

٠١٣٩٠
المقدمة
لأنه طلب من نبيه أن يطلب الزيادة منه - وقل ربّ زدني علماً . فكيف يسأل عنه. وفيها
إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا قلنا وجوباً: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب
محالفنا خطأ يحتمل الصواب، وإذا سئلنا
أقول: الأوجه أن يقال: المراد به العلم النافع الموصل إلى الله تعالى، وهو المقرون
بحسن النية مع العمل به والتخلص من آفات النفس، فلا يسأل عنه لأنه خیر مخص، بخلاف
غيره فإنه يسأل صاحبه عنه ليعذبه به كما دل عليه تمام الحديث السابق، ولذا ورد في
الحديث (إنَّ اللّه تعَالَى يَبْعَثُ العِبادَ يَومَ القِيامَةِ ثُمَّ يَبْعَثُ العُلَماءَ، ثُمَّ يَقُولُ: يا مَعشَرَ العُلَماءِ
إِنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمي فِيكُمْ إِلَّ لِعِلْمِي بِكُمْ، وَلَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ لِأُعَذِّبَكُمْ، اذْهَبُوا فَقَدْ
غَفَّرْتُ لَكُمْ)، هذا ما ظهر لي (١)، والله تعالى أعلم. قوله: (وفيها) أي في الأشباه عن آخر
المصفى للإمام النسفي. قوله: (عن مذهبنا) أي عن صفته: فالمعنى: إذا سئلنا أيّ
المذاهب صواب ط. قوله: (مخالفنا) أي من خالفنا في الفروع من الأئمة المجتهدين.
قوله: (قلنا الخ) لأنك لو قطعت القول لما صح قولنا: إن المجتهد يخطئ ويصيب أشباه:
أي فلا نجزم بأن مذهبنا صواب البتة، ولا بأن مذهب مخالفنا خطأ البتة، بناء على المختار
من أن حكم الله في كل مسألة واحد معین وجب طلبه، فمن أصابه فهو المصيب ومن لا فهو
المخطئ. ونقل عن الأئمة الأربعة: ثم المختار أن المخطئ مأجور كما في التحرير
وشرحه.
مَطْلَبٌ: يُجُوزُ تَقْلِيدُ المَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الأَفْضَلِ
ثم اعلم أنه ذكر في التحرير وشرحه أيضاً أنه يجوز تقليد المفضول مع وجود
الأفضل، وبه قال الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية. وفي رواية عن أحمد وطائفة
كثيرة من الفقهاء لا يجوز، ثم ذكر أنه لو التزم مذهباً معيناً كأبي حنيفة والشافعي، فقيل
يلزمه، وقيل لا وهو الأصح اهـ. وقد شاع أن العامي لا مذهب له.
إذا علمت ذلك ظهر لك أن ما ذكر عن النسفي من وجوب اعتقاد أن مذهبه صواب
يحتمل الخطأ مبني على أنه لا يجوز تقليد المفضول، وأنه يلزمه التزام مذهبه وأن ذلك لا
يتأتى في العامي.
وقد رأيت في آخر فتاوى ابن حجر الفقهية التصريح ببعض ذلك، فإنه سئل عن عبارة
النسفي المذكورة، ثم حرّر أن قول أئمة الشافعية كذلك، ثم قال: إن ذلك مبني على
الضعيف من أنه يجب تقليد الأعلم دون غيره. والأصح أنه يتخير في تقليد أيّ شاء ولو
مفضولًا وإن اعتقده كذلك، وحينئذ فلا يمكن أن يقطع أو يظن أنه على الصواب، بل على
(١) ذكره المنذري في الترغيب ١٠١/١ والسيوطي في الدر ١/ ٣٥٠.

١٤٠
٠٠.
المقدمة
عن معتقدنا ومعتقد خصومنا. قلنا وجوباً: الحق ما نحن عليه، والباطل ما عليه
خصومنا .
وفيها: العلوم ثلاثة: علم نضج وما احترق، وهو علم النحو والأصول. وعلم
لا نضج ولا احترق، وهو علم البيان والتفسير. وعلم نضج واحترق، وهو علم
الحديث والفقه.
المقلد أن يعتقد أن ما ذهب إليه إمامه يحتمل أنه الحق. قال ابن حجر: ثم رأيت المحقق ابن
الهمام صرّح بما يؤيده حيث قال في شرح الهداية: إن أخذ العامي بما يقع في قلبه أنه
أصوب أولى، وعلى هذا إن استفتى مجتهدين فاختلفا عليه، الأولى أن يأخذ بما يميل إليه
قلبه منهما. وعندي أنه لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه جاز، لأن ميله وعدمه سواء،
والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل اهـ .. قوله: (عن معتقدنا) أي عما نعتقده من غير
المسائل الفرعية مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد، وهو ما عليه أهل السنة
والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم
إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله. قوله: (ومعتقد خصومنا) أي من أهل البدع المكفرة
وغيرها، كالقائلين بقدم العالم أو نفي الصانع أو عدم بعثة الرسل، والقائلين بخلق القرآن
وعدم إرادته تعالى الشرّ ونحو ذلك. قوله: (علم نضج وما احترق) المراد بنضج العلم تقرّر
قواعده وتفريع فروعها وتوضيح مسائله، والمراد باحتراقه: بلوغه النهاية في ذلك، ولا شك
أن النحو والأصول لم يبلغا النهاية في ذلك، أفاده ح. والظاهر أن المراد بالأصول أصول
الفقه، لأن أصول العقائد في غاية التحرير والتنقيح تأمل. قوله: (وهو علم البيان) المراد به
ما يعم العلوم الثلاثة: المعاني والبيان والبديع، ولذا قال الزمخشري: إن منزلة علم البيان من
العلوم مثل منزلة السماء من الأرض، ولم يقفوا على ما في القرآن جميعه من بلاغته وفصاحته
ونكته وبديعاته، بل على النزر اليسير. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ
عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيراً﴾ [الإسراء: ٨٨]
. وإنما ذلك لما فيه من البلاغة ط. قوله: (والتفسير) أي تفسير القرآن، فقد ذكر السيوطي
في الإتقان أن القرآن في اللوح المحفوظ، كل حرف منه بمنزلة جبل قاف، وكل آية تحتها
من التفاسير ما لا يعلمه إلا الله تعالى ط. قوله: (علم الحديث) لأنه قد تم المراد منه،
وذلك لأن المحدثين جزاهم الله تعالى خيراً وضعوا كتباً في أسماء الرجال ونسبهم والفرق
بين أسمائهم، وبينوا سيئ الحفظ منهم وفاسد الرواية من صحيحها، ومنهم من حفظ المائة
ألف والثلاثمائة، وحصروا من رووا عن النبي ولو من الصحابة، وبينوا الأحكام والمراد
منها فانكشفت حقيقته ط. قوله: (والفقه) لأن حوادث الخلائق على اختلاف مواقعها
وتشتتاتها مرقومة بعينها أو ما يدل عليها، بل قد تكلم الفقهاء على أمور لا تقع أصلاً أو تقع