Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
مقدمة التحقيق
الحالة العلمية في القرن العاشر الهجري والحادي عشر والثاني عشر والثالث
عشر.
كانت دولة المماليك البرجية بمصر في بداية هذا القرن تستقبل أخريات
أيامها وكانت ريحها مدبرة فقد ظهرت الدولة العثمانية عليها في كثير من الحروب
واستولت على كثير من أملاكها وفي سنة ٩٢٣ دخل السلطان سليم الأول القاهرة
وقتل آخر سلطان من سلاطين دولة المماليك البرجية وكانت دولة العثمانيين يومئذ
أعظم الدول الإسلامية فتحاً ونفوذاً وسياسة، ولكنها ما كانت تعنى بالعلوم عناية
الدول الإسلامية العربية وإن كانت في إجلال الإسلام واحترام شعائره وتقديسها في
الصف الأول من الغيرة الدينية وقد شغلتها حروب الفتح في أوروبا وآسيا وإفريقيا
عن العناية بالعلوم وتشجيع العلماء. ثم جاء القرن الحادي عشر وتركيا تحكم مصر
والخليفة يومئذ السلطان مراد خان الثالث ووالي مصر هو أحمد باشا الخادم وفي
سنة ١٠٠٣ توفي السلطان مراد خان فولى بدله ابنه السلطان الغازي محمد خان
السادس وعزل عن مصر أحمد باشا الخادم وولى بدله قورط باشا ثم عزله بعد سنة
وولي السيد محمد باشا الشريف الذي عني بإصلاح ما تخرب من الجامع الأزهر
وحدثت في سنة ١٠٠٦ ثورة عسكرية ترتب عليها عزل السيد محمد باشا الشريف
وتولي خضر باشا مكانه وتوالت الاضطرابات في مصر من العلماء وغيرهم ضد
الحكام وتوالى عزل الحكام وتولية بدلهم وكان أكبر هم هؤلاء الولاة جمع المال
وإرساله لخزانة الدولة العثمانية فكان هذا من عوامل القعود عن الاهتمام بالعلوم.
ولم يكن القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري خيراً من القرن الحادي
عشر في النهضة العلمية الدينية بمختلف البلاد الإسلامية فقد كانت الفتن سائدة
فيها، وكان الركود منتشراً في ربوعها، وكانت مصر على الأخص تحت حكم
العثمانيين الذين لم يهتموا بنشر العلوم والمعارف في هذه الديار بل كان همهم جباية
الأموال والتمتع بخيرات البلاد كما أسلفنا. لذلك كان التقليد شائعاً ولم يحاول أحد
من علماء هذين القرنين الاجتهاد وكانت الكتب التي ظهرت في علم الأصول إما
اختصاراً لكتاب مبسوط أو شرحاً أو تعليقاً على كتاب مطبوع أو مخطوط، وظهرت
في القرن الثالث عشر اضطرابات خطيرة في مصر بسبب دخول الفرنسيين فيها
ومحاولة الباب العالي إخراجهم منها، ولما تم ذلك استقبلت البلاد عهداً جديداً
بتولي محمد علي باشا الكبير شؤون البلاد من سنة ١٢٢٠ إلى سنة ١٢٦٤ «١٨٠٥.

٢٢
مقدمة التحقيق
١٨٤٩م)) ومع ذلك لم تستقر البلاد فقد اشتغل رحمه الله بالحروب وإن كان ذلك
لم يشغله عن النهوض بمصر في شتى النواحي وخاصة الناحية العلمية ولكن الحال
لم تکن مواتية للاجتهاد.
الفقه الإسلامي
الفقه الإسلامي جامعة ورابطة للأمة الإسلامية وهو حياتها تدوم ما دام وتنعدم
ما انعدم، وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمة الإسلامية في أقطار المعمورة وهو
مفخرة من مفاخرها العظيمة ومن خصائصها التي لم تكن لأي أمة قبلها، إذ هو فقه
عام مبين لحقوق المجتمع الإسلامي بل البشري، وبه كمال نظام العالم فهو جامع
للمصالح الاجتماعية بل والأخلاقية .. فالفقه الإسلامي نظام عام للمجتمع البشري
عامة تام الأحكام مكتمل الآراء، لم يدع شاذة ولا قاذة وهو القانون الأساسي
للدولة الإسلامية كلها. وإن انتظام أمر دول الإسلام في الصدر الأول وبلوغها غاية
لا تدرك بعدها في العدل والنظام لدليل واضح على ما كان عليه الفقه من الانتظام
وصراحة النصوص وصيانة الحقوق ونزاهة القائمين بتنفيذ أوامره.
فالأمة الإسلامية لا حياة لها بدون الفقه إذ هو معالم الحلال والحرام، وهذا
ما تعنيه الشرائع السماوية، إذ تنطق كتبها - كما حكى القرآن الكريم - بأنها جاءت
لخير الإنسان وسعادته في معاشه الدنيوي، ومعاده الأخروي، وهذا ما نراه مائلاً
في جملة ما فرض الإسلام، ودعا إليه، أو نهى عنه، سواء في العبادات التي هدفت
إلى تهذيب الفرد، وغرس الفضائل فيه، بغية صلاح المجتمع، الذي يتكون من
الأفراد، والبعد به عن نوازع الشر والفساد.
وفي المعاملات أباح الإسلام كل ما فيه إقامة المجتمع على أسس صالحة،
تحقق السعادة في إطار الأفراد والجماعة، وحرم ما يؤدي إلى الإفساد، ويخل بتنظيم
المجتمع.
فما كانت شريعة الله إلا آمرة دائماً بكل ما يجلب المصالح، ويمنع المفاسد،
سواء في ذلك أمور الدين والدنيا.
أما القوانين الوضعية، فقد اقتصرت مهمتها على تنظيم العلاقات الظاهرة بين
الناس دون نظر إلى مُثُل، أو قيم أخلاقية أو دينية، فقد ينظم القانون الزنا، وشرب
الخمر، ولعب القمار، والمراهنات، والربا، وغير هذا مما يجاوز قواعد الدين
والأخلاق، وكانت عاقبة أمره هذا خسراً.

٢٣
مقدمة التحقيق
وبهذا كانت لفقه الإسلام تقسيمات وخصائص يعلو بها دائماً فوق الأنظمة
القانونية السابقة له والمعاصرة.
تقسيمات الفقه الإسلامي، وخصائصه
(أ) التقسيمات:
جرى فقهاء المسلمين منذ نشأت الأحكام الفقهية على شمول كلمة الفقه
لمعان واعتبارات مختلفة، تتباين في الظاهر، ولكنها مترابطة، يأخذ بعضها بحجز
بعض في الواقع.
فبالنظر إلى أدلة الأحكام ثبوتاً ودلالة قسمت إلى قطعية وأخرى ظنية.
وحين نظروا إلى مقاصدها التي شرعت من أجلها قسموها إلى: أحكام
لحفظ الضروريات، وأحكام لصيانة الحاجيات، وأحكام لتحقيق التحسينات.
وبالنظر إلى أثر الأحكام الشرعية انقسمت إلى أحكام تكليفية، وأحكام
تخييرية، وأحكام وضعية.
والحكم التكليفي: هو أثر خطاب الله تعالى الموجه إلى المكلف بطلب
الفعل أو بطلب تركه، وأثر الفعل هو الفرض، والوجوب والندب، وأثر الترك هو
الحرمة، والكرامة والخطاب بالتخيير أثره الإباحة.
والخطاب الوضعي: هو ما تعلق بالصحة والفساد والبطلان، ويكون الشيء
أمارة أو علامة، أو شرطاً، أو سبباً، أو علة لشيء آخر أو مانعاً منه.
وانقسمت الأحكام الفقهية كذلك إلى عبادات، وإلى معاملات، وإلى
دعاوى وأقضية وبينات، وإلى أصول وفروع، وإلى ما يكون حقاً خالصاً لله، وإلى
ما يكون خاصاً بالعبد، وإلى ما اجتمع فيه الحقان، وقد أفاض الفقهاء في بيان كل
أولئك، وإن كان الشاطبي قد انتهى إلى أن كل حكم شرعي لا يخلو عن حق الله
تعالى وهو جهة التعبد وامتثال أوامره سبحانه، واجتناب نواهيه بإطلاق، بهدف
تحقيق المعنى المصلحي للناس في الدين والدنيا.
(ب) خصائص الفقه الإسلامي:
ليس المستهدف بهذه الفقرة عقد مقارنة بين فقه الإسلام، وفقه القانون
الوضعي، لأن المقارنة إنما تكون بين مثلين أو شبيهين، وليس الواقع كذلك،
فضلاً عن أن هذه الكلمة لا تتسع للتعداد والشرح، والمفاضلة، غير أن الفقه

٢٤
مقدمة التحقيق
الإسلامي يتسم بميزات ينفرد بها كنظام حاكم لحياة الإنسان في هذه الحياة من
أهمها:
١- اختلاف مصدر فقه الإسلام كلياً عن مصادر فقه القانون الوضعي:
ذلك أن استمداد الفقه الإسلامي من مصدرين هما: القرآن والسنة، وكلاهما
وحي من الله سبحانه إلى رسول الله محمد علي، وقد حوى هذا الفقه طائفتين من
الأحكام: طائفة منصوص عليها بذاتها في هذين المصدرين، بأدلة مفصلة واردة
فيهما أو في أحدهما، فهي مأخوذة مباشرة من النص، والطائفة الأخرى وهي
الأكثر، قامت على ما في هذين المصدرين من مقاصد ومبادىء كلية وأصول
عامة، فهي وإن لم يرد حكمها نصاً مباشراً، لكنها ترتكز على أصل أو علة تمتد
لترسي قاعدة عامة تظلل بحكمها جزئيات كثيرة.
أما فقه القانون الوضعي، فمصدره أعراف الناس، وما تواضعوا عليه بالمران
والممارسة في شؤون الحياة، دون ارتباط بالوحي من الله سبحانه، إذ يظل هذا
الفقه أقواماً لم يؤمنوا بالدين، ولم تهتد قلوبهم إليه، ومع هذا فلديهم قانون وضعوه
له فقهه وتنظيماته التي هدفت إلى تسيير الأمور دون سبر لغورها، أو يقين بآثارها.
(ج) نتائج هذا الاختلاف في المصدر:
١- عموم أحكام الفقه الإسلامي وشموله:
أبرزت هذه النتائج أن الفقه الإسلامي اكتسب من مصدريه (القرآن والسنة)
صفة العموم والاكتمال في جميع أحكامه، ونشوء الوازع الديني لدى المحكومين
به .
فأحكام الإسلام أوسع نطاقاً من القانون الوضعي، لا سيما فيما يرجع إلى
الفضائل والرذائل، إذ إن جميع الفضائل مأمور بها في شريعة الإسلام، فهي واجبة،
وجميع الرذائل منهي عنها، فهي محرمة، وفي كل من النوعين المعنى الخلقي،
والمعنى التعبدي، وكذلك العقود تحوي هذين المعنيين، فمن باع بيعاً شرعياً، أفاد
بيعه ما يقتضيه العقد، وكان في ذات الوقت مطيعاً لله مستحقاً لثوابه، حيث امتثل
أمر الله في بيعه، أما من باع بيعاً فاسداً، وتقابض البائعان، ترتب على هذا القبض
أثر البيع، وهو إفادة الملك، ولكن البائع لم يمتثل أمر ربه عند التعاقد، فكان
عاصياً لله، حيث لم يؤد إليه حقه التعبدي، وهكذا في كل أمر يرتاده الإنسان، له

٢٥
مقدمة التحقيق
أثران أثر العمل نفسه، وأداؤه على الوجه الذي أمر الله به، وثواب أو عقاب جزاء
أخروياً.
وهنا كانت عقوبة العصاة في التشريع الإسلامي أقوى أثراً في قطع دابر
الجريمة والمجرمين، على عكس القانون الوضعي، إذ ينحصر جزاؤه مادياً في
الدنيا، ولقد بينَّ القرآن هذا أبلغ بيان في قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله
ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من
خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب
عظيم﴾.
٢- تكوين الوازع الديني:
وازع ديني يردع عن الإجرام فوق العقاب المقابل للجريمة، هذا في شريعة
الإسلام، أما شرع الناس، فليس إلا جزاء هدفه حفظ النظام ظاهراً دون اجتثاث
للجريمة والانحراف من نفوس الناس.
فالقانون ينظر نظرة مادية مجردة، في حين أن شريعة الإسلام تعالج هذا بعقوبة
رادعة، وتستخلص نفس الإنسان مما ران عليها، وانغمست فيه من شهوات ونزوات
ودوافع، قد تستتر عن القانون، ولكنها في الشريعة معلومة لله يحاسب عليها.
(إنما الأعمال بالنيات ... ) فمن خالف الشريعة، وأفلت من العقاب في
الدنيا، فإنه لن يلفت من الرقيب الأعلى، ولا بد أن يلقى جزاءه، وهذا من أقوى
العوامل على الطاعة، وتنفيذ أحكام الله سراً وعلانية.
أما من خالف القانون، ولم تكف الأدلة لإدانته، فقد اكتسب بحكم القانون،
البراءة مما ارتكب، وإن كان قد أزهق نفساً أو سلب مالاً، أو هتك عرضاً، وشتان،
في هذا بين المنهجين.
من أجل ذلك كان للوازع الديني الذي غرسه الإسلام في النفوس، إلى
جانب القضاء الظاهر أثر بالغ في توجيه الناس إلى ضرورة العمل بأحكامه، واتباع
أوامر الله، واجتناب نواهيه، وكان من شأن ذلك أن تخلو حالات المخالفة والفرار
من الأحكام حيث يحس الإنسان بمراقبة الله، ولو ضعفت مراقبة المخلوق أو
انعدمت، ويستقر في وجدانه، أنه لا محالة غير قادر على الإفلات من عقاب الله،
وإن استطاع التنصل من عقوبة الدنيا، وهو ما قال به الفقه الإسلامي، وكقاعدة:
قضاء القاضي لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، أخذاً من الحديث الشريف عن

٢٦
مقدمة التحقيق
رسول الله - : ((إنكم تختصمون إليَّ، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم يكون ألحن
بحجته من الآخر، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً
فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها أسطاماً في عنقه يوم القيامة)).
٣- لكل حكم في الإسلام وجهان: قضاء بالظاهر، وديانة. وهذا يعطينا أن
لكل تصرف حكمين في فقه الإسلام، القضاء والديانة، فالقضاء متى استوفى
شرائطه وبذل القاضي جهده، في التعرف على وجه الحق، وقضى به حسب
اجتهاده كان قضاء بحق، وإن كان المقضي به ليس حقاً للمقضي له، ولا تبعة على
القاضي في قضائه هذا.
وإنما التبعة والإثم فيه على المقضي له، الذي يعلم قطعاً أن ما أخذه ليس
حقاً له. فالقاضي يحكم على ظواهر الأمور، وصور الأفعال، وبأدلة يتقدم بها
المدعی علیه، من غير نظر إلى واقع الحكم ديانة.
أما القوانين الوضعية فليست فيها فكرة الحلال والحرام، إذ لا عبرة فيها إلا
بالظاهر، فما استكمل صورته التي يتطلبها القانون كان هو الحق، وإن كان هو
الباطل في واقع الأمر وحقيقته، وهي كذلك ما تزال تتدرج وتحبو، تأخذ بنظرية،
ثم تعدل عنها حال أن شريعة الإسلام بأصولها العامة، وقواعدها المستقرة المعتمدة
من القرآن والسنة قائمة تتسع لكل عصر ومكان، استكملت بالوحي من الله وإلى
رسول الله ﴾﴾.
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
ديناً﴾ ومن بعد انتهاء الوحي، كان الفقه في تلك الأصول، وهاتيك القواعد بطريق
الاجتهاد والاستنباط، لاستظهار الأحكام لكل ما يحدث من واقعات، وإلى هذا
الذي تقدم عن قابلية الفقه الإسلامي للتطور وملاحقة الحوادث بأحكام تستند إلى
القرآن والسنة، نضيف أن ذلك ليس أمراً استحدثه فقهاء المذاهب وأئمتها، وإنما
كانت هذه السمة معروفة منذ الخليفة الأول أبي بكر ومن جاء بعده من الخلفاء
الراشدين وكل ما أبرزه هؤلاء الأئمة أن صاغوا اجتهادات هؤلاء الخلفاء في أصول
وقواعد.
نَشْأَةُ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ
إِنَّ مَنْ تَتَّبع تاريخ النظم والشرائع، يستبين له أن أي نظام في الحياة - منذ
بدأت وكان لها تاريخ - لم يقم طفرة، ولم يتكون أو يتمكن جملة واحدة، على نحو

٢٧
مقدمة التحقيق
متماسك، بل لا بد أن يمر بجميع الأدوار التي يمر بها كل كائن، ذي حية، حتى
يصل إلى غايته من النضج والكمال.
وقد كان هذا هو الشأن بالنسبة للفقه الإسلامي، فقد تدرج في مراحل مختلفة،
حتى بلغ ما قدر له من كمال.
ولقد كان للعرب الذين بعث النبي - 3 98 - من بينهم، ونزل القرآن بلغتهم،
وأصبحوا حملة الإسلام، ودعاته وناشريه في أقطار الأرض.
لقد كان هؤلاء القوم قبل الإسلام بطبيعة الحال شيء من القوانين تحكم
حياتهم ومعاملاتهم، قوانين لم تكن صادرة حقاً عن سلطة تشريعية، كما كان الحال
بعد أن جاء الإسلام، ولكنها كانت أوضاعاً، وتقاليد وأعرافاً، استقرت بينهم،
وصارت لها قوة القانون، وإن كان منها ما استفادوه من البلاد المجاورة لهم، والتي
كانت لهم بها صلات عرفها التاريخ، وحكاها القرآن، ومن هذه البلاد الشام، حيث
كان في حكم الرومان، والعراق الذي كان في حكم الفرس، ويثرب (المدينة)
حيث كان يعايش اليهود فيها العرب من الأوس والخزرج.
من أجل ذلك روى لنا التاريخ أن العرب قبل الإسلام عرفوا قواعد قانونية
كثيرة قام عليها مجتمعهم، وكان ذلك في نواح شتى، وعالجها الإسلام فيما بعد،
فيما جاء به من تشريعات، إما بإقرار ما ألّفوه من قواعد كانت قد تبلورت،
ورسخت حتى صارت أعرافاً ينزلون على حكمها، على أساس أنها صالحة لبناء
مجتمع مستقيم في حياة طيبة، وإما بتعديل تلك القواعد، إلى ما تصير به صالحة
قويمة، وإما بإلغائها لمنافاتها لصالح المجتمع الإسلامي.
وفي هذا المعنى قال الإمام أحمد شاه ولي الدين بن عبد الرحيم المحدث
الدهلوي ما خلاصته:
إن كنت تريد النظر في معاني شريعة رسول الله - رَلقه ـ، فتحقق:
أولًا: حال الأميين الذين بعث فيهم، فإن هذه الحال، هي مادة تشريعية.
ثانياً: كيفية إصلاحه لها بالمقاصد المذكورة في باب التشريع والتيسير
وأحكام الملة.
فاعلم أنه وَ﴿، بعث بالملة الحنيفية، لإقامة عوجها، وإزالة تحريفها،
وإشاعة نورها، وذلك قوله تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾.
ولما كان الأمر كذلك، وجب أن تكون أصول تلك الملة مسلمة، وسنتها

٢٨
مقدمة التحقيق
مقررة، إذ النبي إذا بعث إلى قوم فيهم بقية سنة راشدة، فلا معنى لتغييرها،
وتبديلها، بل الواجب تقريرها، لأنه أطوع لنفوسهم، وأثبت عند الاحتجاج عليهم.
ثم اختلط الصحيح بالفاسد مع الزمن، وغلب على العرب الجهل، والشرك،
والكفر، فبعث الله رسوله المصطفى، مقوماً لعوجهم، ومصلحاً لفسادهم،
فنظر ◌َير في شريعتهم، فما كان منها موافقاً لمنهاج إسماعيل عليه السلام أو من
شعائر الله أبقاه، وما كان منها تحريفاً أو فساداً، أو من شعائر الشرك والكفر أبطله،
وما كان من العادات - يعني المعاملات - وغيرها، بين آدابها ومكروهاتها ومحرماتها،
ونهى عن الرسوم الفاسدة، وأمر بالصالحة، فتمت بذلك نعمة الله، واستقام دينه.
ثم قال الدهلوي في هذا الموضع:
وكان للعرب سنن يتلاومون على تركها في مأكلهم، ومشربهم، ولباسهم،
وولائمهم وأعيادهم، ودفن موتاهم، ونكاحهم وطلاقهم، وبيوعهم، ومعاملاتهم،
وكانت لهم مزاجر في مظالمهم، كالقصاص والديات والقسامة، وعقوبات على
الزنى والسرقة ونحوهما، لكن دخلهم الفسوق والتظالم، بالسبي والنهب وشيوع
الزنى والنكاحات الفاسدة والربا.
فبعث النبي - 198، وهذا حالهم، فنظر في جميع ما عند القوم، فما كان بقية
الملة الصالحة أبقاه، وضبط لهم العبادات والمعاصي، وشرع في هذا حدوداً
ومزاجر وكفارات، ويسر لهم الدين، وما كان من تحريفاتهم، نفاه، وبالغ في نفيه
إلى غير ذلك كله مما سبق ذكره، حتى تم أمر الله وهم كارهون.
ومن ثم فإنه باستقراء تاريخ العرب كأمة يمكن أن يقال: إن الإسلام قد طرأ
على مجتمع له أعرافه وتقاليده، بل وحياته القانونية، لكن لا يستطيع منصف أن
يزعم أنهم وصلوا من ذلك إلى ما يكفي ليقوم عليه مجتمع سليم، وأمة صالحة
للحياة، وما كان يمكن أن يكون الأمر إلا بذلك، ونصيب العرب في الجاهلية من
الحضارة والرقي كان نصيباً محدوداً إلى درجة كبيرة، ومن أجل هذا وغيره كانت
الحاجة ماسة جداً إلى الإسلام، وشريعته التي نشأ بها، وعليها ما نسميه الآن
بـ «الفقه الإسلامي)).
طَبَقَاتُ الفُقَهَاء في المَذْهَبِ الحَنَفِيِّ
لنتعرض لطبقات الفقهاء من السادة الحنفية إتماماً للفائدة والاحتياج إليها
لديهم في كل قضية، فإنه لا بد للمفتي أن يعلمها حتى يعلم حال من يفتي بقوله

٢٩
مقدمة التحقيق
في مرتبة الرواية، ودرجة الدراية، ليكون على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين
المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين.
فاعلم أن الفقهاء على سبع طبقات:
الطََّقَةُ الأُوْلَى:
طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة السِّتة المذكورة، ومن سلك مسلكهم من
الأئمة، فشأنُهم تأسيس قواعد الأصول، واستنباط أحكام الفروع من الأدلة
الأربعة: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس، على حسب تلك القواعد من غير
تقليد لأحد، لا في الفروع، ولا في الأصول، وهي الطبقة العليا من طبقات
الاجتهاد، وحال بيان السّلف متفاوتة في تلك الطبقة كالأئمة السِّتة المذكورة.
الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ : .
طبقة المجتهدين في المذهب، كتلاميذ أصحاب الطبقة الأولى كأبي يوسف
ومحمد لأبي حنيفة، وكالمزني والبويطي للشافعي، وعلى هذا القياس غيرهم،
فمسلكهم استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على مقتضى القواعد التي قررها
أساتيذهم، فإنهم وإن خالفوهم في بعض أحكام الفروع لكنهم يقلدونهم في قواعد
الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب، ويفارقونهم، كالشَّافعي،
ونظرائه المخالفين في الأحكام لأبي حنيفة مثلاً، فإنهم غير مقلدين له في الأصول
فهذه الطبقة هي الطبقة الوسطى من طبقات الاجتهاد.
الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ : .
طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب
كالخصَّاف، والطحاوي وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس
الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان وأمثالهم من
الأئمة الحنفية مثلاً، ومن في طبقتهم من الأئمة الشافعية والمالكية، وغير ذلك من
الأئمة المعارضين في المذهب، فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيوخ، لا في
الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها
عنهم، على حسب أصول قررها شيوخهم، ومقتضى قواعد بسطها أساتذتهم. فهذه
الطبقة هي الطبقة السفلى من طبقات الاجتهاد.
الطَّبَقَةُ الرَّابِعَةُ : .
طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون

٣٠
مقدمة التحقيق
على الاجتهاد أصلاً، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم للمآخذ يقدرون على
تفصيل قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب
المذهب، أو عن واحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول
والمقايسة على أمثاله ونظائره في الفروع.
وما وقع في بعض المواضع من ((الهداية)) في قوله: ((كذا تخريج الكرخي،
وتخريج الرازي)) من هذا القبيل.
الطََّقَةُ الخامِسَةُ : -
طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسين القدوري، وصاحب
الهداية، وأمثالهم، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا
أولی، وهذا أصح، وهذا أرفق بالناس ..
الطَّبَقَةُ السَّادِسَةُ : -
طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي، وظاهر المذهب
والضعيف، وظاهر الرواية، والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة من
المتأخرين مثل صاحب ((الكنز)) وصاحب ((المختار)) وصاحب ((المجمع))،
وصاحب ((الوقاية))، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات
الضعيفة .
الطََّقَةُ السَّابِعَةُ : -
طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على التمييز المذكور، ولا يفرقون بين الغثِّ
والسَّمين، ولا يميزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب الليل،
فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل. كذا حققه بعض الفضلاء من المتأخرين
فالاحتياط في مثل هذا الزمان أن لا يعمل بكل كتاب وإسناد، بل بالكتب المعتبرة
بين الأئمة الأخيار، وعلم من الضابطة المذكورة، أنَّ العبرة لشأنهم في مرتبة
الاجتهاد والدراية، وحالهم في درجة الترجيح والرواية، لا لتقدمهم في الأعصار،
وتسابقهم في الأعمار، إذ كم متأخر في الزمان أعلى مرتبة في الاجتهاد، وأفقه من
المتقدم. قالوا في أدب القاضي والمفتي:
إن اتفاق أئمة الهدى واختلافهم رحمة من الله، وتوسعة على الناس، وإذا كان
أبو حنيفة - رحمه الله، في جانب وأبو يوسف ومحمد في جانب، فالمفتي بالخيار،
إن شاء أخذ بقوله: وإن شاء أخذ بقولهما، وإن كان أحدهما مع أبي حنيفة يأخذ

٣١
مقدمة التحقيق
بقولهما البتة، إلَّ إذا أصطلح المشايخ بقول ذلك الواحد، فيتبع اصطلاحهم،
كاختيار الفقيه أبي الليث قول زفر - رحمه الله، في قعود المريض للصلاة أنه يقعد
كما يقعد المصلي في التشهد، لأنه أيسر على المريض، وإن كان على قول
أصحابنا: أنه يقعد في حال القيام تجنباً ليكون فرقاً بين القعدة والقعود الذي له حكم
القيام، ولكن هذا يشق على المريض، لأنه لم يعتد هذا القعود، وكذلك اختيار
تضمين الساعي، إذا سعى إلى السلطان بغير ذنب، وهذا قول زفر سداً لباب
السعاية، وإن كان على قول أصحابنا: لا يجب الضمان، لأنه لم يتلف عليه مالاً.
ولا يجوز للمشايخ أن يأخذوا بقول أحد من أصحابنا عملاً لمصلحة أهل
الزمان، ولو اختلف المتأخرون يختار واحداً من ذلك، فلا بد أن يعلم أحوالهم،
ومراتبهم حتى يرجح واحداً منهم عند التعارض والاختلاف، والله أعلم.
مَرَاتِبُ الكُتُبٍ فِي الفِقْهِ الحَنَّفِيِّ
من المعلوم والمقرر في عالم التأليف، أن الكتب التي روت الفقه الحنفي
ليست على درجة واحدة من حيثُ قوة الرواية، وإذا أضيف إلى الكتب المروية ما
أضافه المتأخرون من فتاوى وتخريجات المادة الفقهية التي انتقلت إليهم من الأئمة
الذين أنشؤوا المذهب صارت الكتب في الفقه الحنفي مراتبَ ثلاثاً:
أولاها: الأُصُولُ.
وتُسَّمى ظاهر الرواية، وهي مشتملة على أقوال أبي حنيفة وأبي يوسف
ومحمد التي دونها الإمام محمد في كتبه الستة.
الثانية: النَّوَادِرُ.
وهي مروية عن أصحاب المذهب المذكورين، ولكن في غير الكتب السِّتة
المذكورة، بل في كتب أخرى للإمام محمد، كالكَيسانيّات، والھَارُونيات،
والجُرجانيّات، والرُّقيّات، أو في كتب غيره، ككتب الحسن بن زياد وغيره.
ويقول ابن عابدين: إن من هذا القسم كتبَ الأمالي لأبي يوسف ويقول في
ذلك: ((ومنها كتب الأمالي لأبي يوسف، والأمالي جمع إملاء، وهو أن يقعد
المجتهد، وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتحه الله تعالى
عليه عن ظهر قلبه في العلم، ويكتبه التلامذةُ، ثم يجمعون ما يكتبونه، فيصير كتاباً،

٣٢
مقدمة التحقيق
فيسمونه الإملاء والأمالي، وكان ذلك عادة السَّلف من الفقهاء، والمحدثين، وأهل
العربية، فأندرست لذهاب العلم والعلماء، وإلى الله المصير)).
ومن هذا القسم ما نقل بطريق الرواية المقررة كروايات محمد بن سماعة،
ومعلّى بن منصور وغيرهما في مسائل معينة، فإن هذه أيضاً تعدُّ من النوادر، ولا
تعد من الأصول. وهذا القسم في مرتبة دون مرتبة القسم السابق، ولذا لو تعارضت
الأصول والنوادر في حكم مسألة يُؤخذ برواية الأصول لأنها المعتبرة أصلاً
للمذهب، وهي أقوى سنداً.
الثالثة: الفَتَاوَى وَالوَاقِعَاتُ.
وهي مسائل استنبطها المجتهدون المتأخرون فيما سُئِلُوا عنه من مسائل واقعة
لم يجدوا رواية لأهل المذهب المتقدمين، وأولئك المتأخرون هم أصحاب أبي
يوسف ومحمد، وأصحاب من بعدهم، وهم كثيرون، قد بينت أخبارَهم كتبُ
الطبقات. وقد ذكر ابن عابدين بعض هؤلاء وعملهم فقال: من أصحاب أبي
يوسف ومحمد رحمهما الله مثل عصام بن يوسف وابن رستم، ومحمد بن سماعة،
وأبي سليمان الجَوْزَجَاني، وأبو حفص البخاري، ومن بعدهم مثل محمد بن سلمة،
ومحمد بن مقاتل، ونُصير بن يحيى وأبي النصر القاسم بن سلام، وقد يتفق لهم أن
يخالفوا أصحاب المذهب لدلائل وأسباب ظهرت لهم، وأول ما جمع فتاواهم فيما
بلغنا كتابُ النوازل للفقيه أبي الليث السمرقندي ثم جمع المشايخ بعده كتباً أخرى،
منها مجموع النوازل والواقعات للناطفيّ. والواقعات للصّدر الشهيد، ثم ذكر
المتأخرون هذه المسائل مختلطةً غير مميزة، كما في فتاوى قاضيخان وغيرهما، وميّز
بعضهم كما في المحيط لرضي الدين السَّرخسي، فإنه ذكر أولاً مسائل الأصول،
ثم النوادر، ونعمًا فعل .. )).
ولا شك أن مسائل الواقعات والفَتَاوَى أنزل مرتبة من الأصول والنوادر؛ لأن
الأصول والنوادر أقوال أصحاب المذهب، وإن تفاوتت الرواية فيهما.
أما الفتاوَى والواقعات فهي تخريجاتٌ على أقوالهم، وقد تكون فيها مخالفة
للمرويّ عنهم تتقبل على أنها اجتهاد من أصحابها، لا على أنها أقوال لأبي حنيفة
وأصحابه فهي تؤخذ على أنها آراء لهم، ولا يحمل الأقدمون شيئاً من نسبتها إليهم.
ومن مجموع هذه الأقسام الثلاثة يتكون المذهب الحنفي، كما نوهنا، وهو

٣٣
مقدمة التحقيق
مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وما يذكر من المسائل في هذه الكتب من غير خلاف
يكون باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه، وما يذكر فيه خلاف فهو على النحو الذي يبين.
وكتب ظاهر الرواية تذكر خلاف أبي حنيفة وصاحبيه، وقد تذكر في أحوال
قليلة خلافَ زفر، أما كتب النوادر والفتاوَى، ففي الغالب تذكر خلافَه، إن كان له
خلافٌ.
فِقْهُ أَبِي حَنِيفَةً
وقد مَنَّ الله على هذه الأمة بفقهاء أفنوا حياتهم في البحث والاستنباط عن
أحكام الشرع الحنيف ومن هؤلاء الفقهاء وأولئك الأعلام الإمام الأعظم أبو حنيفةً
النعمان.
قال الشافعي - رضي الله عنه: ((الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة)).
وقال فيه عبد الله بن المبارك: ((إنه مخُّ العلم)). أي إنه يصل دائماً إلى اللباب
الخالص من العلم في غير انحراف.
وقال فيه الإمام مالك بعد أن ناقشه في مسائل مختلفة من العلم: ((إنه لفقيه)).
فأبو حنيفة كان فقيهاً جليلاً بلا رَيْبٍ، شغل عصره بفقهه، واختلفَ النَّاس
في أمره، لأنه أتاهم بطريقة في التفكير الفقهي لم يُسْبق بها، أو على الأقل لم
يأخذ أحد بمقدار ما أخذ فيها، مع استقلال في التفكير، واستقامة في النظر ...
فغضب عليه المتمسكون بظواهر النّصوص الذين لا يتغلغلون في أعماق معانيها،
ورموه بالخروج عن الجادة، وغضب عليه أهل الانحراف الفكري لأنهم وجدوه
يضع دعائم ثابتة للاستنباط في الفقه الإسلامي، ويُحُدُّ الحدود فيها.
مِنْهَاجُهُ:
رسم أبو حنيفة منهاجاً للاستنباط، وإذا لم يكن مفصلاً، فإنه جامع لأنواع
الاجتهاد .
ولقد روي عنه أنه قال: ((آخذ بكتاب الله)) فإن لم أجدْ فبسنة رسول الله وَ لخير،
فإنْ لَمْ أجد في كتاب الله تعالى، ولا سنة رسول الله وَ﴿، أخذت بقول أصحابه ..
آخذ مَنْ شئت منهم وأدع من شئت منهم ولا أخرج عَنْ قولهم إلى قول غيرهم.
فأمَّا إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم - أي النخعي - والشّعبي وابن سيرين والحسن وعطاء
وسعيد بن المسيب .. فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا)).

٣٤
مقدمة التحقيق
وهذا الكلام يدل على أنه يأخذ بالكتاب، ثم السُّنة، ثم أقوال الصحابة، ولا
يأخذ بأقوال التابعين .. وأن هذا هو الاجتهاد بالنصوص. أمّا الاجتهاد بنغير
النصوص، فقد جاء في المناقب للمكي عن أحد معاصريه ما نصه:
((كلام أبي حنيفة أَخْذٌ بالثقة، وفرار من القبح، والنظر في معاملات الناس
وما استقاموا عليه، وصلح عليه أمورهم ... يُمضي الأمور على القياس، فإذا قبح
القياس يُمضيها على الاستحسان ما دام يمضي له، فإذا لم يمض له رجع إلى ما
یتعامل المسلمون به .. وکان یوصل الحدیث المعروف الذي أجمع عليه، ثم یقیس
عليه ما دام القياس سائغاً، ثم يرجع إلى الاستحسان، أيهما كان أوفق رجع إليه)).
قال سهل: هذا علم أبي حنيفة، وهو علم العامة.
وعلى ذلك يكون المنهاج الذي رسمه أبو حنيفة لنفسه يقوم على أصول
سبعة :
١ - الكِتَّابُ:
وهو عمود الشريعة وحبل الله المتين، ونور الشرع الساطع إلى يوم القيامة،
وهو كلي الشريعة، إليه ترجع أحكامها، وهو مصدر المصادر لها، وما من مصدر
إلا يرجع إليه في أصل ثبوته.
٢ - السُّنّةُ:
وهي المبينة لكتاب الله، المفصلة لمجمله، وهي تبليغ النبي - صل * - رسالة
ربه، فهي بلاغ لقوم يوقنون، ومن لم يأخذ بها، فإنه لا يقر بتبليغ النبي لرسالة ربه.
٣ - أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ :
لأنهم هم الذين بلغوا الرسالة، وهم الذين عاينوا التنزيل، وهم الذين يعرفون
المناسبات المختلفة للآيات والأحاديث، وهم الذين حملوا عِلْمَ الرسول - وَلقوله إلى
الأخلاف من بعده.
وليست أقوال التابعين لها هذه المنزلة؟ لأنه فرض في أقوال الصحابة أنها
كانت بالتَّلقِّي عن رسول الله وَّر، ولم تكن بالاجتهاد المجرد، وأن بعض أقوالهم،
أو أكثرها مبنية على أقوال النبي - وَ له، وإن لم يرووا الأقوال .. فإن أبا بكر وعمر
وعلياً وغيرهم لم يرووا أحاديث عن النبي - وَّه بمقادير تتناسب مع طول صحبتهم
وملازمتهم للَّبي - وَ له، فلا بد أنهم كان يُقتون بأقوال النبي - وَ له من غير أن ينسبوها
إليه خَشْية الكذب عليه اص﴾.

٣٥
مقدمة التحقيق
٤ - القِيَاسُ :
فهو يأخذ بالقياس إذا لم يكن نص من قرآن أو سنة، أو قول الصحابة.
والقياس هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه
لعلَّة جامعة بينهما، فهو في حقيقته حملٌ على النص، بأن تتعرف الأسباب،
والأوصاف المناسبة للحكم الذي نص عليه، حتى إذا عرفت علته طبق الحكم في
كل موضوع تنطبق فيه العلّة. ولقد سماه بعض العلماء تفسيراً للنصوص. وأبو
حنيفة قد بلغ في الاستنباط بالقياس الذّروة، وبه بلغ ما بلغ من المرتبة الفقهية ..
كان يبحث عن العلّة، فإذا وصل إليها أخذ يختبرها، ويفرض الفروض، ويقدر
وقائع لم تقعْ ليطبق عليها العلة التي وصل إليها.
وذلك النوع من الفقه يُسَمَّى الفقه التقديري، إذ تقدر وقائع لم تقع، ثم يذكر
حكمها، وهذا الاختيار العلّة التي وصل إليها.
٥ - الاسْتِخْسَانُ:
والاستحسان أن يخرج عن مقتضى القياس الظاهر، إلى حكم آخر يخالفه: إما
لأن القياس الظاهر قد تبين من الاختيار عدم صلاحيته في بعض الجزئيات،
فيبحث عن علة أخرى، ويُسَمَّى العمل بموجب هذه العلة القياس الخفي وإما لأن
القياس الظاهر قد عارضه نص، فإنه يُتْك لأجل النص، لأن العمل بموجب
القياس يكون إذا لم يكن نص. وإما لأن القياس يخالف الإجماع، أو خالف العرف،
فإنه يترك القياس، ويؤخذ بما أنعقد عليه الإجماع أو العرف.
٦ - الإجماعُ:
وهو في ذاته حجة، ثم هو إجماع المجتهدين في عصر من العصور على حكم
من الأحكام. وقد أتفق العلماء على أنه حجة، ولكن اختلفوا في وجوده بعد عصر
الصَّحابة، وقد أنكره الإمام أحمد في غير عصر الصحابة لإمكان إجماعهم واتفاقهم،
ولا يمكن اجتماع الفقهاء بعد عصر الصحابة.
٧ - العُرْفُ:
وهو أن يكون عمل المسلمين على أمر لم يرد فيه نص من القرآن والسُّنة أو
عمل الصحابة، فإنه يكون حجة .. والعرف قسمان: عرف صحیح، وعرف فاسد.
فالعرف الصحيح: هو الذي لا يخالف نصاً، والعرف الفاسد: هو الذي

٣٦
مقدمة التحقيق .
يخالف نصاً، والعرف الفاسد لا يلتفت إليه، والعرف الصحيح حجة فيما وراء
النص . .
السِّمَةُ الوَاضِحَةُ لِفِقْهِ أَبِي حَنِيْفَةَ:
كان أبو حنيفة تاجراً ذا خبرة بالصّفق في الأسواق، وقد قسم وقته بين
التجارة والفقه والعبادة. وجعل للفقه الحظّ الأكبر في تلك القسمة الثلاثية، وكان
رَجُلاً حراً يحترم الحرية في غيره، كما يحترمها لنفسه، ولذلك اتسم فقهه بسمتين:
إحداهما الروح التجارية فيه، والثانية حماية الحرية الشخصية.
أما الأولى: وهي السمة التجارية، فهي واضحة في أنه كان في فقهه متأثراً
بالفكر التجاري، يفكر في العقود الإسلامية المتصلة بالتجارة تفكير التاجر الذي
تمرس بها، وعرف عرفها، واستبان معاملات الناس فيها، وواءم بين نصوص
الشريعة من كتاب أو سنة، وما عليه الناس في تعاملهم.
وإن ذلك لواضح في أمرين من منهاجه:
أحدهما: أخذه بالعرف كأصل شرعي يترك به القياس، والعرف التجاري
ميزان ضابط للتجارة، والتعامل بين التجار.
ثانيهما: أخذه بالاستحسان؛ لأن الاستحسان أساسه أن يرى تطبيق القياس
الفقهي مؤدياً إلى قبح أو معاملة لا تتفق مع المصلحة أو مع العرف التجاري،
فيترك القياس، ويأخذ بالاستسحان المبني على المصلحة التي يردها إلى نص
شرعي، أو المبني على العرف والتعامل بين الناس.
ولقد كان أقدر الفقهاء على تخير أبواب الاستحسان، حتى أن الإمام محمداً
يقرر أن أصحاب أبي حنيفة ينازعونه في المقاييس، فإذا قال ((أستحسن))، لم
يلحقه أحد. وإن آراء أبي حنيفة في العقود التجارية كالسَّلم، والمرابحة، والتولية،
والوضيعة، وكالشركات - أحكم الآراء بين الفقهاء. وقد وجدنا أبا حنيفة يقيد
تفريعه في العقود التجارية السابقة بقيود أربعة:
أولها: العلم بالبدل علماً تَنْتفِي معه الجهالة التي تؤدي إلى نزاع، لأن
أساس العقود في الشريعة العلمُ التام بالبدلين، حتى لا يكون ثَمَةً تغریر أو غش،
وحتى لا يكون ثمة ذريعة للخصومات، وأن كلمة مبينة في العقد تمنع خصومات
كثيرة في المستقبل قد تنقطع بها المودة بين الناس، وتحير القضاء في الفصل بينهم.
ثانيها: تجنب الرّبا وشبهة الربا، فإن الربا بسائر أنواعه أبغض التصرفات في

٣٧
مقدمة التحقيق
الإسلام، وأشدها تحريماً .. فقد قال النبي - ﴿ ((أَكْلُ دِرهمْ وَاحِدٍ في الرِّبَا أَشَدُّ مِنْ
ثَلَاثٍ وَثَلَائِينَ زَنْيَةً يَزْنِيها الرَّجُلُ ... مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ حِرَامِ، فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)) فكل
عقد فيه ربا باطل، وكل عقد يكون فيه شبهة الربا يكونَ باطلاً سَدّاً للذريعة،
ومحافظة على أموال الناس أن تؤكل بالباطل.
الثالث: أن العرف له حکمه في تلك العقود التجارية حيث لا یکون نص،
فما يقره العرف يؤخذ به، وما لا يقره العرف يترك.
الرابع: الأصل في هذه العقود التجارية، الأمانة: فلئن كانت الأمانة أصلاً
في كل العقود الإسلامية، بل هي الأعمال .. هي في المرابحة والتولية وأخواتهما
أصلها الفقهي؛ لأن المشتري انتمن البائع في إخباره عن الثمن الأول من غير بينة
ولا يمين، فيجب صيانتها عن الخيانة والتهمة.
هذه أصول ثابتة في كل الفروع الفقهية التي أُثْرَتْ عن أبي حنيفة في العقود
التجارية، وهي تتفق مع نزعته الدينية وتحرجه، وتتفق مع خبرته في الأسواق،
وتتفق مع أصوله العامة التي رسمها في منهاجه.
الفَقِيهُ الحُرُّ:
قلنا: إن فقه أبي حنيفة يتسم بالحرية الشخصية، فقد كان رضي الله عنه في
فقهه حريصاً كل الحرص على أن يحترم إرادة الإنسان في تصرفاته ما دام عاقلاً، فهو
لا يسمح لأحدٍ أن يتدخل في تصرفات العاقل الخاصة به .. فليس للجماعة، ولا
لولي الأمر الذي يمثلها أن يتدخل في شؤون الآحاد الخاصة، ما دام الشخص لم
ينتهك حرمة أمر ديني، إذ تكون حينئذ السمة الدينية موجبة للتدخل لحفظ النظام لا
لحمل الشخص على أن يعيش في حياته الخاصة على نظام معين أو يدبر ماله بتدبير
خاص.
ولقد تجد النظم القديمة والحديثة للأمم ذات الحضارات، تنقسم قسمين في
إصلاح الناس.
القسم الأول: اتجاه تغلَّبت فيه النزعة الجماعية، إذ تكون تصرفات الشخص
في كل ما يتصل بالجماعة عن قرب أو تحت إشراف الدولة، وهذا نراه الآن في
بعض النظم القائمة، ورأيناه في نظم انتهت.
والنظام الآخر: نظام تنمية الإرادة الإنسانية، وتوجيهها بوسائل التهذيب
والتوجيه نحو الخير، ثم ترك حبلها على غاربها من غير رقابة، وقد قيد بشکائم

٣٨
مقدمة التحقيق
خُلُقية ودينية تعصمها من الشرور، وتبعدها من الفساد، وإن أبا حنيفة كان يميل إلى
النظام الثاني . وقد بدا ذلك في منع الولاية على البالغة العاقلة بالنّسبة للزواج، وفي
منع الحجر على السَّفيه، وذي الغفلة، وعلى المدين، ثم يمنع الوقف باعتباره
تقييداً لحرية المالك، ثم إباحته للمالك أن يتصرف في حدود ملكه ما دام لا
يتجاوز حد ما يملك.
نَقَلُ مَذْهَبٍ أَبِي حَنِيفَةَ:
لم يؤلف أبو حنيفة كتاباً، إلا رسائل صغيرة نُسِبَت إليه، كرسالته المسماة
((الفقه الأكبر))، وكرسالته ((العالم والمتعلم))، ورسالته إلى عثمان البتي المتوفى عام
١٣٢ هـ، ورسالته في الرد على القدرية .. وهذه الرسائل كلها في علم الكلام أو
المواعظ، ولم يؤلف كتاباً في الفقه، بل إن تلاميذه هم الذين قاموا بنقله وتدوين
آرائه، والآثار التي رواها، وأَخَصُّ هؤلاء التلاميذ الذين قاموا بحفظ آثار فقيه
العراق وآرائه: تلميذان جليلان سُمّيا في تاريخ الفقه الإسلامي باسم الصاحبين
لتلازمهما، وطول صحبتهما، وقيامهما على المدرسة الفقهية التي أنشأها شيخهما،
وهما:
يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري نسباً، والذي يكنى بأبي يوسف
لولده يوسف، وقد عاش بعد أبي حنيفة ٣٢ عاماً. ولأبي يوسف ما يأتي من
الكتب التي دونت فيها آراء أبي حنيفة ورواياته:
١ - كِتَابُ الآثَارِ:
وقد رواه يوسف عن أبيه عن أبي حنيفة، وبعد ذلك يتصل السند إلى
الرسول أو الصحابي أو التابعي الذي يرتضي أبو حنيفة روايته. وهو يجمع مع ذلك
طائفة كبيرة اختارها من فتاوى التابعين من فقهاء العراق .. فهو يشتمل على
المجموعة الفقهية التي قام عليها استنباط أبي حنيفة وهي تبين مقامه في الاستنباط
والاجتهاد.
٢ - اخْتِلَافُ أَبْنِ أَبِي لَيْلَى:
وهو كتاب جمع فيه مواضع الخلاف بين أبي حنيفة والقاضي ابن أبي ليلى
المتوفى سنة ١٤٨ هـ وفيه انتصار لآراء أبي حنيفة. والذي روى الكتاب عن أبي
يوسف هو صاحبه محمد بن الحسن الشيباني.

٣٩
مقدمة التحقيق
٣ - الرَّدُّ عَلَى سير الأوزاعي:
وهو كتاب قيم قد بين فيه اختلاف الأوزاعي، في العلاقات بين المسلمين
وغيرهم في حال الحرب، وما يتبع في الجهاد، وقد انتصر فيه لآراء العراقيين.
٤ - كِتَابُ الخَرَاجِ:
وهو الأثر القيم الذي وضع فيه أبو يوسف نظاماً مقرراً ثابتاً لمالية الدولة
الإسلامية. وقد کان یذکر فيها ما يخالف فيه شيخه، ويبين وجهة نظره بإخلاص
وأمانة ودفاع دقيق عن آراء شيخه، وما لم يذكر فيه خلاف يفرض أنه متفق فيه مع
شيخه الإمام رضي الله عنه.
أما التلميذ الثاني:
فهو محمد بن الحسن الشيباني، وهو قد ولد عام ١٣٢، وتوفي عام ١٨٩.
فهو لم يجلس في درس أبي حنيفة مدة طويلة، ولكنه أتم على أبي يوسف ما بدأه
مع أبي حنيفة، ويعد حافظ الفقه العراقي، وكان تدوينه أول تدوين فقهي جامع
الأشتات نوع معين من الفقه، وقد عاونه أستاذه الثاني أبو يوسف على إخراج تلك
المجموعة الفقهية، وهي كثيرة، ولكن الذي يعتبر المرجع الأول في الفقه
الحقيقي کتب ستة هي:
(كتاب الأصل)) أو ((المبسوط))، وكتاب (الزيادات)، وكتاب (الجامع
الصغير)، وكتاب (الجامع الكبير)، وكتاب (السير الصغير)، وكتاب (السير
الكبير)، وبعض هذه الكتب راجعها مع أستاذه أبي يوسف، وبعضها لم يراجعه.
وقد قالوا: إن ما وصف بالكبير انفرد بجمعه وروايته، وما وصف بالصغير
عرضه على أبي يوسف.
وهذه الكتب الستة تسمى ظاهر الرواية، وهي تأخذ بما فيها، ولا يرجح
عليها غيرها إلا بترجيح خاص، وله مع هذا كتابان آخران يبلغان مبلغ هذه الكتب،
وهما: (كتاب الرد على أهل المدينة)) وكتاب الآثار والأخير يتلاقى مع كتاب الآثار
لأبي يوسف، وهو يروي عنه كثيراً. وكتاب الرَّد على أهل المدينة رواه عنه الإمام
الشافعي.
وللإمام محمد كتب أخرى نسبت إليه لم تبلغ من ثقة النقل ما بلغته هذه
الكتب، وهذه الكتب هي: الكيسانيات، والهارونيات، والجرجانيات،

٤٠
مقدمة التحقيق
والرقيّات، وزيادة الزيادات، ويقال لهذه الكتب غير ظاهر الرواية، لأنها لم تُرْوَ عن
محمد بروايات ظاهرة.
نُمُوُّ المَذْهَبِ الحَتَفِيّ وَذَيُوعُهُ:
نما المذهب الحنفي بالاستنباط والتخريج نمواً عظيماً، وكانت عوامل نموه
ترجع إلى ثلاثة أمور:
أولها: كثرة تلاميذ أبي حنيفة، وعنايتهم بنشر آرائه، وبيان الأسس التي قام
عليها فقهه، وقد خالفوه في القليل، ووافقوه في الكثير، وعنوا ببيان دليله في
الوفاق والخلاف معاً.
وقد أكثروا من التفريع على آرائه، وبيان الأقيسة التي قام عليها التفريع.
وثانيها: أنه جاء بعد تلاميذه طائفة أخرى عنيت باستنباط علل الأحكام،
وتطبيقها على ما يجدّ من الوقائع في العصور، وأنهم بعد أن استنبطوا علل الأحكام
التي قامت عليها فروع المذهب جمعوا المسائل المتجانسة في قواعد شاملة،
فاجتمع في المذاهب التفريع، ووضع القواعد والنظريات العامة التي تجمع أشتاته،
وتوجه إلی کلیاته.
ثالثها: انتشاره في مواطن كثيرة، ذات أعراف مختلفة، وتتولد فيها أحداث
تقتضي تخريجات كثيرة، وذلك لأنه كان يعتبر مذهب الدولة العباسية الرسمي،
فمكث بهذا أكثر من خمسمائة سنة يطبق في نواحي البلاد الإسلامية، وذاك لأن
الرشيد عين أبا يوسف قاضياً لبغداد، وما كان القضاة يعينون إلا باقتراحه في كل
الأقاليم، فكان لا يعين إلا من يعتنق المذهب العراقي، وبذلك عم وذاع، وأن
الأعراف المختلفة تنمي الاستنباط بلا ريب وخصوصاً أنَّ مِنْ أصول الاستنباط في
المذهب الحنفي العرف في غير موضع النص، وعندما يكون الاستنباط بالقياس.
البِلَادُ التَّي ذَاعَ فيِهَا المَذْهَبُ الخَنَّفِيُّ:
انتشر المذهب الحنفي في كل بلد كان للدولة العباسية سلطان فيها، وكان
يخف سلطانه كلما خف سلطانها، غير أن بعض البلاد تغلغل فيه بين الشعب،
وبعض البلاد كان فيه المذهب الرسمي من غير أن يسود بين الشعب في
العبادات .. فكان في العراق وما وراء النهر والبلاد التي فتحت في المشرق
المذهب الرسمي، وكان مع ذلك مذهباً شعبياً، وإن نازعه في بلاد التركستان وما
وراء النهر المذهب الشافعي في وسط الشعب.