Indexed OCR Text
Pages 41-60
الخرق في المعيشة أخوف عندي عليكم من العوز، لا يقل شيء مع الإصلاح، ولا يبقى شيء [مع] الفساد. ١٤ - إسناده صحيح إن ثبت سماع حميد من عمر، ففيه خلاف، وكأن أبا زرعة الرازي مال إلى سماعه منه فقد ذكر فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في المراسيل أنه لم يسمع من أبي بكر وعلي، والله أعلم. وربما قصد إلى أنه لم يسمع من أحد الخلفاء الأربعة بدءاً بالصديق إلى علي - رضي الله عنهم -. وفي (ب): (أخبرني هارون بن زياد ثنا أبي عمر ثنا شنفين .. ) كذا، وفي (ظ): (على الفساد). ورواه وكيع في الزهد (٣/ ٧٨٤/ ٤٦٩): (ثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: قال عمر) فذكره، وكذا ذكره ابن الجوزي في مناقب عمر (١٩٦ / مختصر) بإسقاط حميد. وروى ابن قتيبة في الغريب (٢ / ٤١) من طريق الأصمعي أن عمر لقط نويات من الطريق فأمسكها بيده حتى مر بدار قوم فألقاها فيه وقال: (تأكله داجنتهم)، وإسناده منقطع . وروى هناد في الزهد (١٢٨٩) عن وكيع في الزهد (٣/ ٧٨٥/ ٤٧٠)، ورواه البخاري في الأدب المفرد (١٦٨) عن أبي نعيم: قال وكيع وأبو نعيم: حدثنا حنش بن الحارث النخعي عن أبيه قال: رجعنا من القادسية فكان أحدنا ينتج فرسه من الليل، فإذا أصبح نحر مهرها (فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه؟!) فبلغ ذلك عمر فكتب إلينا: أن أصلحوا ما رزقكم الله فإن الأمر نفس. وإسناده لا بأس به، ونفس: أي سعة، واللفظ لوكيع والرواية لأبي نعيم. وذكره صاحب شرح نهج البلاغة (١٢ / ٦٩) بلفظ: (إن الجزف في المعيشة أخوف عندي عليكم من العيال .. ). قال وكيع في الزهد (٣/ ٧٨٤): حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة - وكان ثقة - عن رجل عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها رأت حبة فأخذتها وقالت: (لا يحب الله الفساد). ٤١٠ رواه هنّاد (١٢٨٦) عن وكيع به، ورواه ابن سعد (٨ / ١٣٩): (أخبرنا قبيصة بن عقبة ثنا سفيان) به وفيه: (أبصرت حبة رمّان في الأرض ... إن الله لا يحب الفساد). وذُكر عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه التقط حباً منثوراً في غرفة له، وقال: (إن من فقه الرجل رفقه في معيشته). رواه وكيع وابن أبي شيبة وابن عساكر وابن الأعرابي وغيرهم من طريق سالم بن أبي الجعد والحارث بن محمد ولقمان بن عامر كلهم عن أبي الدرداء، وهو محتمل التحسين، انظر الزهد لوكيع / الحاشية (٣/ ٧٨٢ - ٧٨٣) وقد روي مرفوعاً بألفاظ منها: (من فقه الرجل المسلم أن يصلح معيشته) رواه ابن عدي (٣/ ١١٩٧). وذكر عن علي - رضي الله عنه - أنه التقط حب رمان منثوراً بغرفته (زهد وكيع ٣/ ٧٨٣ - ٧٨٤)، وذكر عن عائشة - رضي الله عنه - أنها تصدقت بحبة عنب وقالت لنسوة عندها: (هذا أثقل من مثاقيل ذرّ كثيرة)، وذكر عن عبدالرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم كذلك، وانظر: الأموال لأبي عبيد (٤٤٠) والأموال لابن زنجويه (١٣٢٥ - ١٣٢٨) والزهد لأحمد (٢١٢). وقد روى البخاري وغيره من حديث عدي بن حاتم: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) الحدیث بنحوه . فمن نظر إلى ذلك ونظر إلى فعل مسلمي هذا الزمان عرف منزلة هؤلاء وهؤلاء من خشية الله وشكر نعمه، وقد قيل: من قمامة الرجل تعرفه، ويا قوم فاحذروا نعمة تؤول إلى نقمة : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَّةً كَتْءَ امِنَةً مُظْمَيِنَّةً يَأْنِهَا رِزْقُهَا رَبَدًا مِكَلّ مَكَانٍ فَقَرَنْ بِأَنْهُمِاللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَتْجُوع وَأْخُوْفِ بِمَاكَانُأَيَصْنَعُونَ﴾ سورة النحل (١١٢). فقد رأينا الأمن والرزق، ورأينا الكفر بالنعمة: فماذا بعد؟ نسأل الله العافية . ١٥ - أخبرني حرب بن إسماعيل ثنا المسيب بن واضح قال: قال أشعث يعني ابن شعبة قلت لإبراهيم بن أدهم: أكري نفسي في السوق وتفوتني الصلاة في الجماعة. قال: أكر نفسك إلى حين، واستغن عن الناس، وصلّ الصلوات للوقت. ٤٢ ١٥ - فيه أشعث لَيَّنه أبو زرعة، وقوّاه أبو داود، ومال ابن حجر إلى الأول، ووقع في (ب): (أشعرنا بن المشعِث) كذا، والمسيب ضعفه الدار قطني وغيره وله مناكير، وقد يحتمل في مثل هذا. والإجارة في وقت الصلاة على صفة دائمة - بغير عذر شرعي - فيها نظر، وليس العمل الذي يمكن قضاؤه في غير وقت صلاة الجماعة بعذر شرعي، وكذلك فهل هذا ضرورة شرعية أو لا؟ إذ قد درج كثير من الناس على استعمال (الضرورة) بمعنى عرفي لديهم ليس من المعنى الشرعي في كثير ولا قليل، ووجوب صلاة الجماعة في المسجد بعد النداء على كل مسلم سمعه كثيرة وفصلها ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتابه ((الصلاة))، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للأعمى الذي يسمع النداء: ((لا أجد لك رخصة))، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق) رواهما مسلم في صحيحه. وأقول: لا يجوز لصاحب عمل أن يسكت على ذلك، ولا يجوز لعامل أن يفعله، ومن ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، ورزق الله لا ینال بمعاصیه. لكن إذا لم يكن يسمع النداء وهو في محل بعيد عن جماعات المساجد فإنه - وإن كان الأفضل له الصلاة في أول وقتها - يجوز له التأخير ولا يفوته الوقت، وفي المسألة بسط بأدلتها مما لا يحتمله هذا المقام. وليس من هذا الباب ما رواه عبدالله بن أحمد في مسائله (ص ٥٦) في رجل فرط في صلوات شهرين فقال أبو عبدالله: (يعود فيصلي أيضاً حتى يخاف فوت الصلاة التي بعدها إلا إن كثر عليه فيكون ممن يطلب المعاش). فهذه فوائت يطول أمرها - وفي قضائها خلاف ذكره ابن القيم في كتابه الصلاة - وإنما يوافق هذا الباب ما رواه إسحاق النيسابوري في مسائله (٢ / ١٨٤) قال: استعمل أبو عبدالله قوماً من الكساحين يكسحون له كنيفاً فلما كان وقت الظهر وقف على رأس المخرج فقال: (اخرجوا من المخرج وتوضئوا وصلوا) فلم بدعهم حتى خرجوا واغتسلوا وصلوا. ومن ذلك الباب ما ذكره أبو العرب الحافظ في كتابه (المحن) ص (٢٧٠) عن أبي داود قال: كان إبراهيم الصائغ إذا رفع المطرقة فيسمع النداء تركها وورد الصلاة. ٤٣ وانظر الثمانين، والثالث والثمانين، والتاسع والخمسين. وفي الباب أحاديث وآثار كثيرة. وإلى الله المشتكى ممن ضيّع الصلاة لدنيا ظنها فلا أدرك الدنيا ولا أطاع ربه، وقد ذُكر عن سفيان الثوري - رحمه الله - قال: (اسمعوا هذا يقول إذا عصى الله رزق عياله وإذا أطاع الله ضيع عياله) رواه أبو نعيم في الحلية (٦ / ٣٨٠)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن رُوح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته)». رواه ابن أبي الدنيا في القناعة، والبزار (٢ / ٨٢ / زوائد) وإسحاق بن راهويه في مسنده والحاكم في مستدركه والطبراني في الكبير (الإتحاف للبوصيري) وأبو نعيم (١٠ / ٢٧)، والبيهقي في الآداب (٤٦٠) وشعب الإيمان (١ /٢/١٠٤)، وعبد الرزاق (١١ / ١٢٥)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٨٥/٢ - ١٨٦ و٢١٢)، والجرجاني في الأمالي الشجرية (٢ / ٢١١) من طرق. وانظر: إتحاف المتقين (٦ / ٢٨٩ و١٥٩/٨ و ٥/ ٤١٦)، وكنز العمال (٤ /١٩ - ٢٤)، والميزان (٣/ ٢٥٦)، والترغيب للمنذري (٥٣٤/٢ - ٥٣٥). وفي معناه: - ((يا أيها الناس لا يحملنكم العسر على طلب الرزق من غير حله)). وهو مذكور في المراجع السابقة، وقد روي موقوفاً. انظر سير النبلاء (١١ / ١٤٠). - («رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره)) رواه ابن الأعرابي (٢٩١)، والقضاعي (٢ / ٩١). - ((الرزق أشد طلباً للعبد من أجله)) رواه القضاعي (١ /١٦٨ - ١٦٩) وغيره. وفي معناه ما قاله مجاهد في قول الله تعالى: ﴿ وَلَغَتْبَ لُواْخِيْثَ بِلَيْبٍ﴾ النساء (٢)، قال مجاهد: (لا تعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قد قُدِّر لك)، رواه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١٠٤/ ٢). ٤٤ ١٦ - أخبرنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا جعفر الخراساني قال: سمعت شعيباً يقول: قلت لسفيان الثوري: ما تقول في رجل قَصَّار إذا اكتسب الدرهم كان في الدرهم ما يقوته ويقوت عياله لم يدرك الصلاة في جماعة فإذا اكتسب أربعة دوانيق أدرك الصلاة في جماعة ولم يكن في الأربعة الدوانيق ما يقوته ويقوت عياله فأيهما أفضل؟ قال: يكسب الدرهم ويصلي وحده أفضل. ١٦ - قلت: أبو جعفر لا يحضرني الآن حاله، وقد ذكره البغوي في شرح السنة (٨/ ١١) من طريق شعیب به. هذا وفي المسألة هذه نظر، فلا يجوز ترك جماعة المسلمين في صلاتهم - إلا نادراً بعذر شرعي -: لا يجوز لإنسان ذلك ولا لآخر أن يمكنه أو يقره على ذلك. وقد ذهب بعض الفسّاق من أهل النفاق في شأن تحقير الصلاة مذاهب منها تحقير المصلين، ومنها - وهو ما يناسب مقامنا هاهنا - قولهم: (العمل عبادة)، واتخاذهم ذلك القول الذي إن صح في بعض وجوهه كان ككلمة حق أريد بها باطل، وإن فسد في بعض وجوهه فالله لا يصلح عمل المفسدين .. اتخذوا ذلك القول حجة لهم في ترك الصلاة مع جماعة المسلمين وتأخيرها عن أوقاتها، بل ربما ترك الصلاة جميعاً. ومع أنني لا أحبذ مخاطبة هؤلاء إلا بما خاطب به عمر - رضي الله عنه - صبيغاً حين تكلم بما لا يليق فعلاه عمر الدرة (كالعصا) حتى أدمى رأسه وأمر الناس بهجره مما هو مفصّل في كتابي ((إزالة النكرة))، فمع ذلك أقول موجزاً: ١ - إن هذا الشعار - ومثله شعارات كثيرة - لم ترد في الشرع، وإطلاقها لا يجوز شرعاً، والعمل ينقسم من حيث النية إلى: (عمل خالص لله) و(عمل رياء وشرك)، وهو من حيث نوعه ينقسم إلى: (عمل طاعة الله في أمر الدين أو الدنيا) و(عمل معصية وبدعة). فأي الأعمال عبادة!؟ ألم يبلغ بهؤلاء الزنادقة الأمر في شعارهم ذلك إلى أن جعلوا رقص العاهرات عملاً والعمل عبادة ! . ٢ - إذا كان العمل خالصاً لله طاعة له وكان عبادة، فالدعاء - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - هو العبادة، والصلاة عبادة، والتسبيح وقراءة القرآن عبادة: فلماذا ٤٥ قدمتم عبادة على أخرى، وهل يصلح الدعاء المجرد مكان الصلاة، وهل تصلح قراءة القرآن في الركوع والسجود مكان التسبيح! فلما كان هذا لا يصلح عُلم أن لكل مقام مقالاً ولكل وقت عبادة، فإذا نودي للصلاة ينبغي ترك كل عمل إلا بعذر شرعي مما هو مبسوط في محله من كتب العلم الشرعي، فالصلاة هي رأس العبادات وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله». وأي فساد للصلاة مثل ترك جماعة المسلمين وهذا من أمارات النفاق، ومثل تأخيرها عن وقتها وتقديم غيرها عليها بغير عذر شرعي . ألم يقل ابن مسعود - رضي الله عنه -: (لا يتخلف عنه - يعني الصلاة مع جماعة المسلمين في المساجد - إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به مريضاً يهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف). ألم يتهم معاذ بن جبل - رضي الله عنه - رجلاً ترك إتمام الصلاة مع الجماعة ليعود إلى إبله فاتهمه بالنفاق فما أنكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تطويل الصلاة فقد قرأ بالبقرة، فكان ذلك إقراراً منه - صلى الله عليه وسلم - على الاتهام بالنفاق لتارك الجماعة لأجل العمل بزعمه . . فليتق الله گُلُّ مسلم في دينه فلا يشغله شيء عن صلاته ولیکن همه رضی ربه قبل رضی صاحبه، وليتق الله أصحابُ الأعمال فلا يمنعوا عمالهم من الصلاة في مواقيتها مع جماعة المسلمين، بل يمنعونهم من تركها، وإلا فلا بارك الله - عز وجل - لهم في أعمالهم. ولقد بلغ من شأن أبناء المسلمين في زماننا هذا أنك إن كنت في تجارة أو غيرها وأذُنّ للصلاة لم تجد منهم من يبدو كأنه سمع النداء: (حي على الصلاة حي على الفلاح) ولا سمع: (الله أكبر) كأنك لست في بلاد مسلمين، والله المستعان. وقد قال الله جل وعلا: ﴿ يَجَالٌ لَّأَنْهِتَجَزٌَّ وَجْعَنْ ذِكْرِلَّهِ وَإِقَامِالصَّلُوفِوَإِ نِّ الرَّكَوْيَخَافُونَ يَوْمَانَكَ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصُرُ﴾ سورة النور (٣٧). قال البخاري في كتاب البيوع من صحيحه باب التجارة في البز (٤ / ٢٩٧): (قال قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكن إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله)، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - إذا أقيمت ٤٦ الصلاة أغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، رواه عبدالرزاق وابن أبي حاتم والطبري وعبد بن حميد عن ابن عمر، ورواه سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود، وفي إسنادهما ضعف ينجبر، وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، والفريابي عن عطاء وأبو نعيم في الحلية عن سفيان الثوري قالوا: (عن ذكر الله) عن شهود الصلاة المكتوبة في الجماعة. انظر الدر المنثور (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨) وفتح الباري (٤ / ٢٩٧) وابن كثير (٦ / ٧٣ - ٧٤). فهذا هو القول الصحيح، بل لا يجوز غيره، وهذه هي سيرة خير الأمة الذين مدحهم الله - جل وعلا -، وهذا هو القول الأجدر نسبته إلى الثوري - رحمه الله تعالى -. وانظر الثالث والعشرين. وفي (ب): ) أخبرني أبو بكر ... فإذا اكتسب .. يقوته وبقية عياله). ١٧ - أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قلت لأبي عبدالله: سفيان الثوري في أي شيء خرج إلى اليمن؟! قال: خرج للتجارة وللقي معمر. قالوا: كان له مائة دينار. قال: أما سبعون فصحيحة. ١٧ - أراد المصنّف من هذا بيان أمرين: أحدهما: أن الثوري وهو من هو في زهده خرج للتجارة مسافراً من العراق إلى اليمن وغيرها. والآخر: أنه کان له مال یتاجر فيه . وفيهما من الرد على الصوفية الذين يدّعون الزهد ويحترفون ترك التكسب. وفیہ أنه - رحمه الله - مع زهده کان له مائة دينار. وفيه الرحلة لطلب الحديث، وقد صنف فيها أبو بكر الخطيب البغدادي كتاباً لي عليه مستخرج لما يتم. وفي (ب): (أخبرني أبو بكر .. أما تسعون)، ولما يتبين لي أيهما أصح (تسعون) أو (سبعون)، ولم أقف - لضيق الوقت - على رواية أخرى. ٤٧ ١٨ - أخبرنا يحيى بن طالب الأنطاكي ثنا المسيب بن واضح قال: قال لي يوسف بن أسباط: مات سفيان الثوري وخلّف مائتي دينار. قلت له: ومن أين كان له مائتا دينار، وهو زاهد العلماء؟! قال: كان يضع الشيء بعد الشيء مع إخوانه فبورك له فيه. قال: وكان سفيان الثوري يقول: ما كانت القوة مذ بعث الله - عزّ وجلّ - محمداً - صلى الله عليه وسلم - أنفع لأهلها منها في هذا الزمان . ١٨ - ذكر ابن الجوزي في التلبيس (ص ١٨١) أن الثوري خلّف مائتين، هكذا معلقاً، وذکر ما خلّفه الصحابة والتابعون وأنه لا ینافي الزهد وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس)) رواه البخاري في مواضع من صحيحه (الجنائز والوصايا والنفقات)، ومسلم في الوصية من صحيحه . وأما أمر المائتين فقد روى أبو نعيم في الحلية (٦ / ٣٨١) من طريق عيسى بن يونس قال قلت له - أي للثوري: يا أبا عبدالله بلغني أن لك بضاعة مائتي دينار ويعمل لك فيها . وأما التخليف فقد روى أبو نعيم (٦/ ٣٨١ و٨/ ٢٧١) وابن عبدالبر في الجامع (٢ / ١٤) عنه: (لأن أخلف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها أحب إليَّ من أن أحتاج إلى الناس) وهو ثابت عنه. وقد علل سفيان - رحمه الله - صنيعه ذلك بأن الحاجة إلى الناس تهلك عين المرء، وروى أبو نعيم (٦ / ٣٨٠) من طريق أبي عروبة عن المسيب عن يوسف قال سمعت سفيان الثوري يقول: (إن عامة من داخل هؤلاء - يعني الأمراء إنما دفعهم إلى ذلك العيال والحاجة) وكانت له بضاعة مع بعض إخوانه، وكان يقول: (ما كانت العدة - أي المال المعد - في زمان أصلح منها في هذا الزمان). وإسناده لا بأس به في مثل هذه المقاطيع والموقوفات للكلام في المسيب، وقد رواه ابن حبان في روضة العقلاء (ص ٢٥٣) من طريق هارون بن صدقة القاضي عن المسيب عن ٤٨ يوسف قال: (ما كان المال مذ كانت الدنيا أنفع منه في هذا الزمان). وهذا هو كلام الثوري تلقاه يوسف فقاله. وفي (ب): (مات سفيان وخلف ... مائتي دينار وهو كان زاهد .. كان يصنع .. منذ بعث .. ). ١٩ - أخبرني محمد بن عمرو بن مكرم قال: سمعت أبا الحسن الزاهد يقول: قال رجل لسفيان بن عيينة: يكون الرجل زاهداً وعنده مائة دينار!؟ قال: نعم. قال: وكيف ذلك؟! قال: إن نقصت لم يغتمَّ، وإن زادت لم يفرح، ولا يكره الموت لفراقها. ١٩ - هذا حد من حدود الزهد، ليس هو كثرة المال ولا قلته، إنما هو كما ثبت عن جمع من السلف الصالح أنه قصر الأمل - كما فصّله البيهقي في مقدمة كتابه: (الزهد الكبير)، وقول ابن عيينة متين فيه تفكر طويل - رحمه الله، وذكر أحمد أن الزهد أن لا يفرح بالمال ولا يحزن لنقصه (الحنابلة ٢ / ١٤). وروى أبو نعيم في الحلية (٦ / ٣٨٧ - ٣٨٨) عن بشر بن الحارث قال: قيل لسفيان الثوري: أيكون الرجل زاهداً ويكون له المال؟ قال: نعم إن كان إذا ابتُلي صبر وإذا أُعطي شكر. وقال الزبير بن بكار في الموفَّقيات (١٦٧): سمعت سفيان بن عيينة وقد قيل له: ما أشد حبك للدراهم! قال: (ما أحب أن يكون أحد أشد حباً لما ينفعه مني). وقال الزبير: قيل لابن أبي الزناد (تابعي): لم تحب الدراهم وهي تُدنيك من الدنيا؟ قال: (هي وإن أُدنتني منها فقد صانتني عنها). ویُروی في ذلك حدیث لا يصح: (من فقه الرجل المسلم أن يصلح معیشته، وليس من حبك الدنيا طلبك ما يصلحك)، وقد سبق نحوه في الرابع عشر، وانظر الخامس والأربعين، والثالث والسبعين. ٤٩ ويبدو أن الصوفية قد أفسدوا فيما أفسدوا معنى الزهد فصوَّروه أنّه لا زواج ولا مال ولا طعام، وقد أحسن ابن تيمية - رحمه الله - في نقدهم، وكذلك أحسن ابن الجوزي في كتابه ((تلبيس إبليس)) إلا أنه سقط فيه سقطات في أبواب الكلام على صفات الله جل وعلا فكن منها على حذر، فإن الرجل فيها لا تبع ما كان عليه أهل السنة، ولا حتى تبع إمامه الذي ينتسب إليه بل افترى عليه ما لم يقل كما في كتابه «دفع شبه التشبيه)). وفي (ب): (لم يهتم) بدل: (لم يغتم). ٢٠ - أخبرنا علي بن الحسين بن هارون حدثني محمد بن محمد العطار قال: وذكر حسين بن علي بن الأسود عن عبيدالله بن موسى قال: سمعت سفيان الثوري يقول: المال في هذا الزمان سلاح. ٢٠ - صحيح. ذكره ابن الجوزي في التلبيس (ص ١٨١) دون سند، وروى أبو نعيم في الحلية (٦ / ٣٨١) من طريق رواد بن الجراح قال: سمعت سفيان الثوري يقول: (كان المال فيما مضى يُكره فأما اليوم فهو ترس المؤمن). وانظر الثامن عشر بعد المائة. وفي (ب): (محمد بن العطار .. عن عبدالله). ٢١ - أخبرني الحسن بن عبد الوهاب ثنا أبو بكر - يعني ابن حماد المقريء - قال ثنا أحمد بن يعقوب ثنا أبو الفتح قال: عاب سفيان على هؤلاء الذين لا یرون العمل. قال: وزأى أبو بكر - يعني الصّدّيق - شاباً يسأل فواجره نفسه. ٢١ - أما عيبه - رحمه الله - الذين لا يرون العمل من الصوفية فذلك بينَّ فيما سبق ولحق من آثار، وفي سيرته. وأما ما ذكره عن أبي بكر - رضي الله عنه - فما وقفتُ عليه، وإسناده منقطع، ويأتي معناه في (١١٩)، وإعطاء السائل له آدابه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) يعني نصرته ظالماً بدفعه عن الظلم، ولذلك بسطه . ٥٠ ٢٢ - أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي ثنا عبد الرزاق ثنا محمد بن ثور قال: كان سفيان الثوري يمر بنا ونحن جلوس في المسجد الحرام فيقول: ما يجلسكم؟ فنقول: فما نصنع؟ قال: اطلبوا من فضل الله ولا تكونوا عيالاً على المسلمين. ٢٢ - إسناده صحيح، ولم ينكر الثوري عليهم الاعتكاف ولا الجلوس في المسجد مطلقاً وإنما إذا كان ذلك مانعاً لهم عن السعي في الرزق والاستغناء عن الناس، وفي كلامه نحو إشارة إلى قول الله - عز وجل - في أواخر سورة الجمعة: ﴿فَإِذَا ڤينِيَتِالصَلَُّالشِرُوافِي الْأَرْضِ وَآبَغُواْ مِن فَضْلِ لّهِوَذْكُوْلَهَ كَبِ الَُّعُْنَّ﴾. فإن استغنوا عن الناس فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف في السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: ((رجل قلبه معلّق بالمساجد))، وفضل الاعتكاف في المساجد - خاصة الحرام - وعمرانها بطاعة الله وذكره وتلاوة القرآن في أحاديث كثيرة صحيحة منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة)) الحديث رواه مسلم في الذكر من صحيحه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ ◌ِّمُسَجِدَ اللَّهِمَنْ ءَامَنَ بِلّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ التوبة (١٨). ويدل على أن هذا هو مراد الثوري ما يأتي في الثالث والعشرين، وكذلك روى الخطيب في اقتضاء العلم (رقم ١٧٨) من طريق عطاء بن مسلم قال: كنت مع الثوري في مسجد الحرام فقال: (يا عطاء نحن جلوس والنهار يعمل عمله) قلت: (إنّا في خير إن شاء الله) قال: (أجل ولكنها مبادرة) ثم قال لي: (يا عطاء إن المؤمن في الموقف ليرى بعينه ما أعد الله له من الجنة وهو يتمنى أنه لم يخلق من هول ما هو فيه). وفي (ب): (أنا محمد .. ) و(على الناس) بدل: (على المسلمين). ومما يقع في هذا المعنى: يُذْكر عن عمر - رضي الله عنه - قال: يا معشر القراء ارفعوا رءوسكم ما أوضح الطريق فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا كَلَّ على المسلمين. رواه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٢/١٠٦) وابن أبي الدنيا في إصلاح المال وغيرهما، والكلّ: العالة على غيره. ورُوي عن سعيد بن المسيَّب قال: من لزم المسجد وقبل كل ما يُعْطَى فقد ألحف في ٥١ المسألة. رواه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١/١٠٧) وابن الجوزي في التلبيس (٢٨٢ - ٢٨٣). وقال السري السقطي في ذم الجلوس في المسجد: جعلوا مسجد الجامع حوانیت ليس لها أبواب. يعني أنهم يتعرضون بذلك للسؤال. رواه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١/١٠٧). ويأتي زيادة بیان في (٢٨). ٢٣ - حدثنا عبدالله بن أحمد بن محمد بن حنبل - رضي الله عنه -: قال حدثني مُهنّا قال حدثني أبو حازم شيخ كان عندنا بعكا قال: قال سفيان الثوري: [يجب على الرجل طلب العلم إذا كان عنده ملء كفه طعاماً]. وسمعت محمد بن إسحاق يذكر عن عبدالله بن أبي سعيد عن ابن أبي عتبة عن سفيان الثوري قال: إن کان عندك برُ فتعبد، وإلا فاطلبه - یعني من حلّه. ٢٣ - تنبه لهذا الكلام جيداً، واعرف للعلم فضله، فإن دينك لا يصلح إلا بالعلم، وأي علم نعني!؟ ليس هو إلا العلم بالكتاب والسنة وما كان عليه خيار هذه الأمة. أما هذا فقد رواه عن الثوري : ١ - أبو حازم. ٢ - ابن أبي عتبة. ٣ - يحيى بن اليمان عند البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١/١٠٩) ولفظه: (إذا أردت أن تتعبد فانظر فإن كان في البيت بُرّ فتعبد وإلا فاطلب البر أولاً ثم تعبد). وكان سفيان الثوري إذا أتاه الرجل يطلب العلم سأله: هل لك وجه معيشة؟ فإن أخبره أنه في كفايةٍ أمره بطلب العلم، وإن لم يكن في كفايةٍ أمره بطلب المعاش. رواه الخطیب في الجامع (١/ ٩٨) بإسناد لا بأس به. وکان عبيد بن جناد يقول لأصحاب الحديث: ينبغي للرجل أن يعرف من أين مطعمه وملبسه ومسكنه وكذا وكذا ثم يطلب العلم. رواه الخطیب في الجامع (١/ ٩٨) بإسناد لا بأس به. ٥٢ ويروى مرفوعاً: ((إن المؤمن إذا لم يكن له حرفة تعيَّش بدينه)). رواه الخطيب في الجامع (١ / ٩٨). ومما يشبه قول الثوري ما قاله أيوب السختياني قبله : لو أعلم أن أهلي يحتاجون إلى حزمة أو دستجة من بقل ما جلست معكم). رواه البيهقي في الشعب (١ / ١٠٨/ ١) وابن عساكر في تاريخه وأبو نعيم في الحلية وغيرهم. وسبق في معناه (١). وقوله: (إن كان عندك بُرّ .. ) أو (إن كان عندك ملء كفك) لا يعني بهما ترك العبادة والعلم مطلقاً حتى يحصل على هذا القدر، وإنما يعني ترك الزيادة فيهما، فإن الدعاء والصلاة عبادة ولا يتركها المرء في فقر أو جوع، والعلم بما يوقع في الكفر وبما تصلح به صلاة المرء وصيامه مثلاً شيء لا بد منه ولو مع الفقر والجوع، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب، وكيف يتقي من لم يدر ما يتقي!؟. ويروى عن الحسن البصري قال: (اطلب العلم طلباً لا يضر بالعبادة، واطلب العبادة طلباً لا يضر بالعلم، فإن من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح). رواه ابن أبي شيبة (١٣ / ٤٩٩) وراويه عن الحسن مبهم. وفي المسألة تفصيل، والمراد ألا يشتغل بنوافل العبادة عن واجبات العلم بل إن نوافل العلم خير من نوافل العبادة، ولا يشتغل بالعلم عن واجبات العبادة، والله المستعان. وفي (ب): (يحبب على الرجل طلبه .. ملء كف). ٢٤ - أخبرنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا جعفر الخراساني ثنا أبو صالح قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: لشعيب بن حرب: أشعرت أن طلب الحلال فريضة قال: نعم. ٢٤ - وقد روي في هذا المعنى أحاديث لا تثبت، منها: طلب الحلال جهاد، طلب ز الحلال فريضة بعد الفريضة، طلب الحلال واجب على كل مسلم. انظر: ابن عدي (٦ / ٢٢٦٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١ / ٨٣ و١٠٤) وضعيف الجامع (٤ / ١١)، والمقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٣١٦)، وكنز العمال (٤ / ٥ و٩)، وتاريخ أصبهان لأبي نعيم (٢ / ٣٩٩)، وإتحاف المتقين للزبيدي (٦ / ٤ ٥٣ و١٣٨)، والترغيب للمنذري (٢/ ٥٤٦)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (٩٠٢) والميزان له (٣٧٠/٢ و٤/ ٣٣)، وابن جميع في معجمه (١٠٦)، وابن الأعرابي في معجمه (٢٢٧). والمعنى صحيح لا شك بل له شواهد صحيحة من الآيات والأحاديث، وقد فصلته بعض التفصيل في كتابي ((الصحبة في الغربة)). ٢٥ - أخبرنا أبو بكر المروزي عن أبي عبدالله عن أبي جعفر الحذاء عن شعيب بن حرب قال: لا تحقرن فلساً تطيع الله في كسبه، وليس الفلس يراد، إنما الطاعة تراد، عسى أن تشتري به بقلا فلا يستقر في جوفك حتى يغفر لك. ٢٥ - شعيب من الأئمة الثقات الورعین من شيوخ أحمد بن حنبل وقد روى عنه هنا بواسطة . وهذا الكلام جيد متين، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تحقرن من المعروف شيئاً) الحديث رواه مسلم في البر من صحيحه. وفيه إشارة إلى المطعم الحلال، وإلى فضل کسب المال من حله. وفي (ب): (لا تحقرن قلباً يطيع .. ). ٢٦ - أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الصمد المقري ثنا يوسف بن مسلم قال: سمعت علي بن بكار يقول: كان إبراهيم بن أدهم يؤاجر نفسه، وكان سليمان الخواص يلقط، وكان حذيفة يضرب اللبن. ٢٦ - رواه أبو نعيم في الحلية (٧ / ٣٧٣) من طريق محمد بن يزيد المستملي عن علي بن بكار قال: كان الحصاد أحب إلى إبراهيم من اللقاط، وكان سليمان الخواص لا يرى باللقاط بأساً ويلقط. وقد روى أبو نعيم (٧ / ٣٧٢) فما بعدها آثاراً كثيرة عن إبراهيم في مؤاجرته نفسه وعمله. وقد ألمح المصنف - رحمه الله- بذكر هؤلاء إلى الحجة على الصوفية الذين يعظمون شأنهم، ومع ذلك يتركون هذا الأمر من هديهم، وحذيفة هو المرعشي من طبقة هؤلاء. ٥٤ والأثر ذكره ابن الجوزي في التلبيس (٢٨٥) مصدراً إياه بكلمة: (قلت: وكان إبراهيم ... ) بعد آثار كثيرة نقلها من جهة المصنَّف، وما كان ينبغي له هذا، بل ينسب القول إلى قائله الحقيقي خاصة وأنه يعلمه، فهذا من الأدب في العلم، أو يسكت تماماً عن النسبة فيقول: (وكان .. ) دون نسبته إلى نفسه. وفي (ب): (أخبرني محمد بن عبدالصمد). ٢٧ - أخبرنا أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي ثنا بقية قال: كان إبراهيم بن أدهم إذا قيل له: كيف أنت؟ قال: بخير ما لم يتحمل مؤنتي غيري. ٢٧ - إسناده حسن صحيح، وبقية يحتمل منه مثل هذا، وقد سمع من إبراهيم، وهذه مسألة لها ذيول: ذلك أن المدلس - إذا كان ثقة - المكثر عن شيخ قد يحتمل له عنعنته عن هذا الشيخ، وفي ذلك انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٧٥١/ ط عتر)، والميزان للذهبي (٢٢٤/٢)، ولذلك شرطه وشرحه. وفي (ب): (أبو عبدالرحمن) بدل: (أبو عتبة). ٢٨ - أخبرنا حرب بن إسماعيل ثنا المسيب بن واضح قال: ثنا أشعث بن شعبة عن إبراهيم بن أدهم أنه قال لبعض إخوانه: لا تدع أن تحترف: فإنك إذا احترفت اشتغلت، وإذا لم تحترف عرفت. ٢٨ - قال إبراهيم بن أدهم عن سعيد بن المسيب: (من لزم المسجد وترك الحرفة وقبل ما يأتيه فقد ألحف في السؤال). وهذا منقطع، وقد سبق في (٢٢). وفي الاحتراف: حديث: ((إن الله يحب المؤمن (الشاب) المحترف)). رواه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١٠٧/ ٢)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢ / ١٤٨ - ١٤٩) والطبراني في الكبير (١٢/ ٣٠٨) والأوسط (مجمع الزوائد ٤ / ٦٢) وابن عدي (١ / ٣٦٩) کلھم من حديث أبي الربيع السمان (ضعيف جداً) عن عاصم بن عبيدالله (قال البيهقي : تفرد به أبو الربيع عن عاصم وليسا بالقويين، وبعاصم ضعفه الهيثمي) عن سالم عن ابن عمر، ورواه القضاعي وابن ترتال في جزئه من طريق عبيد بن إسحاق (ضعيف جداً) عن قيس عن ٥٥ ليث (هو ابن أبي سليم ضعيف) عن مجاهد عن ابن عمر، فمثلهما لا يقوّى أحدهما الآخر، ونسبه السيوطي إلى رواية الترمذي الصوفي الملقب (الحكيم في نوادره)، ونسبه ابن مفلح في الآداب (٢٩١/٣) إلى رواية ابن مردويه كلهم من حديث ابن عمر. ويُذكر عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: تعلموا المهن. رواه ابن المبارك في الجهاد (١٧٨). ويُذكر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: إني لأمقت الرجل أراه فارغاً. رواه وكيع (٣٦٩) والبيهقي (٧٧٠) كلاهما في الزهد، وسعيد بن منصور في سننه، والطبراني في الكبير. وقيل: (ما أحب إلا أن يكون المسلم محترفاً، إن المسلم إذا احتاج أول ما يبذل دينه) رواه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١٠٧ / ٢) وهو قول متين. وفي استحباب الاحتراف (أي اتخاذ حرفة للتكسب بها) فصل عند ابن الجوزي في التلبيس (٢٨٢ - ٢٨٣)، وانظر هاهنا (٤١). في (ب): (شعث بن الشعثاء). وفي المنشورة: (المسيب عن واضح) وكلاهما خطأ. ٢٩ - أخبرنا محمد بن أحمد بن القاسم الأزدي ثنا طاهر بن محمد التميمي ثنا الفيض بن إسحاق قال: سألت الفضيل بن عياض قلت: لو أن رجلاً قعد في بيته زعم أنه يثق بالله فیأتیه برزقه قال: یعني إذا وثق به حتی یعلم أنه قد وثق به لم يمنعه شيء أراده، ولكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غيرهم، وقد كانت الأنبياء يؤاجرون أنفسهم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - آجر نفسه، وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزق الله - عزَّ وجلَّ - وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ فلا بد من طلب المعيشة. ٢٩ - هذا قول جيد متين من إمام كبير القدر في الزهد والعلم والورع، وقوله: كانت الأنبياء، يأتي عمل داود وإدريس وزكريا .. ، وقد قص الله علينا من نبأ موسى - صلى الله عليه وسلم - من قول شيخ مدين له: ﴿إِّأُرِيدُأَ نَأَنْكِمَكَ إِحْدَنَّ هَيْ عَلَى أَنَّأْخُلِ تَنِىَ جَ﴾ الآيات من سورة القصص، وقوله: آجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه يعني قوله - ٥٦ صلى الله عليه وسلم -: ((ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم .. كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)). رواه البخاري في الإجارة من صحيحه. والآية المذكورة من سورة الجمعة، وفي (ب) بدلها آية: ﴿قَغُوْ عِنْدَاللَّهِالرِّزْقَ ﴾ سورة العنكبوت (١٧). وقال مجاهد في هذه الآية: (التجارة في البحر) رواه أبو نعيم (٣/ ٢٩٩) يعني أن الابتغاء من فضل الله - عز وجل - هو التجارة في البحر. وقوله: (وأبو بكر) يأتي عمله - رضي الله عنه - في التجارة، وقوله: (وعمر) قد روى البخاري في البيوع من صحيحه (٢٠٦٢) واللفظ له ومسلم عن عمر - رضي الله عنه - قال: (ألهاني الصفْق بالأسواق - يعني الخروج إلى التجارة)، يعني عن لزوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لزمه أبو هريرة وغيره. وفي (ب): (ثنا محمد بن أحمد ... في بيت ... قال: إذا وثق). ٣٠ - أخبرني عمرو بن علي ثنا هارون بن سفيان المستملي قال: سمعت أسود بن سالم يقول: اشتر وبع ولو برأس المال. ٣٠ - إسناده لا بأس به، هارون بن سفيان المستملي اثنان ذكرهما الخطيب في تاريخه (١٤ / ٢٤ - ٢٥) لما يتبين لي أيهما المقصود في هذا السند، وأسود بن سالم هو أبو محمد العابد روى عن حماد بن زيد وسفيان بن عيينة وغيرهما، وثّقه محمد بن جرير الطبري وقال: (كان ورعاً فاضلاً) ومات سنة ثلاث عشرة أو أربع عشرة ومائتين. (تاريخ بغداد ٧/ ٣٥ - ٣٧). ومراد أسود من هذا الأمر الذي لا ربح فيه بل إنفاق وقت وجهد هو تعلم التجارة والصبر عليها، فإنها ربما بدأت بخسارة ثم دون كسب ثم الكسب، وهذا شيء يعرفه أهلها، وفي معناه قول بشر بن الحارث في الثاني والثلاثين. وفي المنشورة (عمر)، والصحيح ما أثبته. ويحتمل أن يكون كلام أسود هذا مما استفاده من شيخه معروف الكرخي، فقد ذكر ابن أبي يعلى في ترجمته من الطبقات (١ / ٣٨٧): (وقال معروف: من اشترى وباع ولو برأس ٥٧ المال بورك فيه كما يبارك في الزرع بماء المطر). وقد روي عن معروف أشياء كثيرة منكرة المعنى من فعله وقوله لو صحت إليه لأسقطت منزلته، وقد أفرد له ابن الجوزي كتاباً في مناقبه. ٣١ - أخبرني عبد الملك الميموني حدثني أبو العباس صاحب أبي عتبة قال: سألت بشر بن الحارث عن الاكتساب فقال: بلى لعمري. قال: وكأنه يقول: إني لا أرى غيره. وقال: ينبغي للإنسان أن ينظر في مكسبه ومطعمه ومسكنه، ينبغي للإنسان أن يتحرى تجارته ثم قال: ولولا أني ليس عليَّ عيال لعملت واكتسبت . ٣١ - بشر من أصحاب أحمد بن حنبل، وهو من أهل الزهد والورع، وقد ذكره الخطيب وابن عساكر في تاريخ بغداد ودمشق، وفي كلامه أشياء مما يخالف السنة يُنظر في صحتها إليه قبل الكلام عنها، والله أعلم. والتحري في المكسب والمطعم والمسكن أبواب كبيرة من أبواب السنة لا الورع فقط، وقليل من يتكلم فيه، وأقل منهم من يعلم به، وما أندر من يعمل به، وقد تكلمت على نحو هذا في كتابي ((الصحبة» فراجعه. وهذاقول إمام من أكابر أهل الزهد والورع، في الحث على التكسب والتورع، فماذا ترى في الصوفية الذين يتبعون زلات العلماء ولا يتبعون إصاباتهم، ويتتبعون علماء السوء ولا يرضون بصالحيهم، ويتشبهون بأهل الملل غير الإسلام في شعائرهم ومراسمهم وألفاظهم، فالله يحكم بيننا. وفي (ب): (ثنا أبو العباس .. عقبة .. لعمري كان يقول لا رأي غيره .. يتجر تجارة). ٣٢ - أخبرنا أحمد بن محمد بن خالد البراثي قال: قال لي بشر بن الحارث لما بلغه ما أنفق من تركة أبينا: قد غمني ما أنفق عليكم من هذا المال [ألا] (فعليكم بالرفق والاقتصاد في النفقة، فلأن تبيتوا جياعاً ولكم مال أعجب إليَّ من أن تبيتوا شباعاً وليس لكم مال). وقال لي بشر موصولاً بكلامه ومسائله: ٥٨ قد بلغني أنك لا تلزم السوق فالزم السوق، ثم دار بيني وبينه كلام فأعاد عليَّ: الزم السوق وإن لم ـ فوقع في قلبي أراد إن لم تربح. وقال: اقرأ على والدتك السلام، وقل لها: عليك بالرفق والاقتصاد في النفقة. ٣٢ - هذا رواه ابن أبي يعلى في الطبقات (١ / ٦٤) من طريق القزاز عن البراثي قال: لما مات أبي كنت صبياً، فجاء الناس عزّوني وأكثروا، وكان فيمن جاء بشر بن الحارث ز فقال لي: يا بني إن أباك كان رجلاً صالحاً، وأرجو أن تكون خلفاً منه، برّ والدتك ولا تعقّها ولا تخالفها، يا بني والزم السوق فإنها من العافية، ولا تصحب من لا خير فيه. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (١ / ١/١٠٨) قال: أخبرنا أبو عبدالله الحافظ قال: سمعت أبا علي مخلد بن جعفر الباقرحي يقول: سمعت أحمد بن محمد البراثي يقول: لما مات أبي جاءني بشر بن الحارث يعزيني فقال لي: (يا بني بر والدتك ولا تعقها، والزم السوق) قلت: قبلتها - يعني نصيحته -، فلما قام بشر قام إليه رجل فقال: يا أبا نصر أنا والله أحبك، فقال: يا هذا وكيف ولست لي بقرابة ولا جار. وفي الوصية لليتيم بلزوم السوق روی اخرائطي في مکارم الأخلاق (ص ٧٥/ باب ما جاء في كافل اليتيم): قال: حدثنا عباس الدُّوري ثنا عون بن عمارة سمعت يونس بن عبيد وسُئل عن يتيم يرفق به ويُحْسن إليه فقال: (السوق خير له)، فأعادوا عليه فقال: (السوق خیر له). قلت: إسناده لا بأس به، رجاله ثقات غير عون فيه مقال يحتمل في مثل هذا، ويونس رأى أنساً وهو من أصحاب الحسن البصري، وهو إمام ثقة. وتعليم الصغير الكسب فيه تفصيل وتلزمه الحكمة فقد ثبت عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه قال في خُطبة له: لا تكلفوا الصغير الكسب فإنكم متى كلفتموه الكسب سرق، ولا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب فإنكم متى كلفتموها الكسب كسبت بفرجها (وعُفّوا إذ أعفكم الله وعليكم من المكاسب ما طاب لكم). رواه البيهقي في السنن (٩/٨) والمعرفة (٣/ ٣٣٣/ أ باب نفقة المماليك) من طريق الشافعي أنا مالك عن عمه أبي سهيل عن أبيه أنه سمع عثمان، وهو في موطأ يحيى (٢ / ٩٨١)، ورواه ابن أبي شيبة (٧ / ٣٦ والزيادة له) ثنا سفيان عن أبي النضر عن أبي أنس قال: سمعت عثمان. قلت: أبو سهيل هو نافع بن مالك بن أبي عامر، وأبو أنس ٥٩ هو مالك بن أبي عامر، وأبو النضر هو سالم بن أبي أمية، وسفيان هو ابن عيينة، وهذا إسناد صحيح كالشمس، ولم يذكره ابن عبدالبر في التمهيد. قلت: وحدَّ الصِّغر ما دون البلوغ، ولا يكلفه كسباً ولو بعد البلوغ دون صنعة يتعلمها وإلا كسب بالسرقة أو الحرام من وجه غيرها، ولذلك أمر بشر بن الحارث الصبي الذي مات أبوه بلزوم السوق كي يتعلم التجارة والبيع، وسبق في لزوم السوق في الأول والخامس، وسبق في التجارة ولو دون كسب في الثلاثين، وذكر الخطابي في الغريب (٢٤٩/٣) أثر عثمان دون إسناد لتفسير (الأمة غير الصَّنَاع) أي التي لا تصنع بيديها. وأما وصيته بتجنب صحبة من لا خير فيه فهي لازمة له دائماً، وهي ألزم له إذا لزم السوق لكثرة أهل الشر فيه فشر البلاد الأسواق كما في الحديث الصحيح لما يكون فيها من المعاصي والكذب وبيع الحرام والبيع بالحرام من ربا غيره وتبرج النساء ... ، وقد سبق نحو هذا الجمع بين إلزامه السوق وتجنيبه صحبة السوء في الخامس. وتعزية بشر هذه من طيب التعازي، ولأمثالها فارجع إلى: التعازي للمدائني، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، والمطالب العالية للعسقلاني (٢ / ٣٨٥)، ومجمع الزوائد (١٦١/٨)، والخرائطي في المكارم (٧٣). ونصيحته بالاقتصاد في النفقة روي فيها أحاديث مرفوعة لا تثبت، منها: الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة أو نصف الكسب. الاقتصاد جزء من النبوة، ما عال من اقتصد. انظر: البيهقي في شعب الإيمان / باب الاقتصاد في النفقة، وعبدالرزاق (٤ / ١٠٨ و ٥/ ١٦٢) ومسند الشهاب (٥٥/١ و٢٠٢ - ٢٠٣ و٢٢١ و٢ /٥ -٧) وكشف الخفاء (١ / ١٥٨ - ١٥٩) والتهذيب للمزي (٥ /٨٩) والحلية (٣/ ١٩٥) ومجمع الزوائد (٤ / ٧٠ و٣) والمقاصد الحسنة للسخاوي (٧٠ - ٧١) ومكارم الأخلاق للطبراني (رقم ١٤٠) والآداب لابن مفلح (١ / ٣٦٢) ولسان الميزان (٦/ ١١) وأمالي الطوسي (٢ /٢٨٣) والفقيه والمتفقه للخطيب (٢ /٣٣) والمحدث الفاصل للرامهرمزي (٣٦٠) وعنده هذا الحديث موقوفاً على ميمون بن مهران بلفظ: (اقتصادك في المعيشة يلقي عنك نصف المؤونة) ولا بأس بإسناده. ٦٠