Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب الوصايا وإن ردَّها في وجهه : فهو ردٌّ . إلى تصرُّفه، فمات وهو معتمِدٌ على ذلك، فلو صحَّ ردُّه في غير وجهه في حياته أو بعد موته: صار مغروراً من جهته، فلهذا لم يصح ردَّه. بخلاف الوكيل بشراءِ عبدٍ بغير عينه، أو ببيع ماله، حيث يصح ردَّه في غير وجهه؛ لأنه لا ضرر هناك؛ لأنه حيٌّ قادرٌ على التصرف بنفسه. كذا في ((الهداية))(١). وفي ((الكرخي)): إن الوكيل لا يملك عَزْلَ نفسه من غير علم موكِّله؛ قياساً على الوصية. فيُحمل كلام الكرخيِّ على ما إذا وكَّله في شيءٍ بعينه، أو يكون اختلاف المشايخ. قوله: (وإن ردَّها في وجهه: فهو ردٌّ، وتبطل الوصيةُ)؛ لأن الموصي ليس له ولاية إلزامه التصرُّفَ؛ لأنه متبرِّعٌ بقبولها، والمتبرِّعُ إن شاء أقام على التبرع، وإن شاء رجع. - فإن لم يَقبَل، ولم يَردَّ حتى مات الموصي: فهو بالخيار: إن شاء قَبِلَ، وإن شاء لم يَقبل؛ لأن الموصي ليس له ولايةُ الإلزام، فكان مخيّراً. - فلو أنه باع شيئاً من تَرِكَته، فقد لزمتْه؛ لأن هذا دلالة الالتزام والقبول، وهو معتبَرٌ بعد الموت، وسواءٌ عَلِمَ بالوصاية أو لم يعلم. (١) ٢٥٨/٤. ٣٨٢ كتاب الوصايا بخلاف الوكيل إذا لم يعلم بالتوكيل، فباع، حيث لا ينفذ بيعُه؛ لأن الوصية خلافةٌ؛ لأنها مختصةٌ بحال انقطاع ولاية الميت، فتنتقل الولاية إليه؛ لأن الوصي يخلف الموصي عند خَلاء مكانه، كالوارث، فإذا كانت خلافةً: فالخلافة لا تتوقف على العلم، كالوراثة. ألا ترى أن الوارث إذا باع شيئاً من التركة بعد موت المورِّث، وهو لا يعلم بموته: فإنه يجوز بيعُه، كذلك الوصي، ولا كذلك التوكيل، وعزلِ الوكيل؛ لأن التوكيل: إنابةٌ لثبوته في حال قيام ولاية الحيِّ، فلا يصح من غير علم. أو نقول: لأن التوكيل أمرٌ منه، والعزل نهيٌ عنه، وأوامر العباد ونواهيهم معتبرةٌ بأوامر الله تعالى ونواهيه، وأوامرُ الله تعالى ونواهيه لا تلزم إلا بعد العلم، ألا ترى أن بعض الصحابة شربوا الخمرَ بعد تحريمها، قَبْلَ علمهم بالتحريم، فنزل في عذرهم قولُه تعالى(١): ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾. المائدة/ ٩٣. - قال في ((الكرخي)): إذا قَبِلَ الوصيُّ الوصيةَ، أو تصرَّف بعد الموت، وأراد أن يُخرِج نفسَه من الوصية: لم يجز ذلك، إلا عند الحاكم؛ لأنه التزم القيامَ بها، فعَزْلُه لنفسه بغير حضرة الحاكم: كعزل الوكيل لنفسه بغير حضرة الموكِّل. (١) صحيح البخاري (٤٦٢٠)، صحيح مسلم (١٩٨٠)، وينظر أسباب النزول للواحدي ص١٧٦ . ٣٨٣ کتاب الوصايا والموصَىُّ به يُمْلَك بالقبول إلا في مسألةٍ واحدة، وهي : أن يموتَ الموصِي، ثم يموتَ الموصَىُّ له قبل القبول، فيدخلُ الموصَى به في مِلْك ورثته . ومَن أوصى إلى عبدٍ، أو كافٍ، أو فاسقٍ : أخرجهم القاضي من الوصية، ونَصَبَ غيرَهم. أما إذا حضر عند الحاكم: فالحاكم قائمٌ مقامَ الموصي؛ لعجزه عن استيفاء حقوقه، وصار كالوكيل إذا عَزَلَ نفسه بحضرة الموكّل. * قوله: (والموصى به يُملَك بالقبول، إلا في مسألة واحدةٍ، وهي أن يموت الموصي، ثم يموت الموصى له قبل القبول: فيدخلُ الموصى به في ملك ورثة الموصى له). لأن الوصية قد تمَّت من جانب الموصي بموته تماماً، لا يلحقها الفسخ من جهته، وإنما توقف لِحَقِّ الموصى له، فإذا مات: دخل في ملكه، كما في البيع المشروط فيه الخيار للمشتري إذا مات قبل الإجازة. ـ ومَن أوصى وعليه دينٌ يحيط بماله: لم تجز الوصية؛ لأن الدين مقدمٌ على الوصية؛ لأنه لازمٌ، والوصية تبرعٌ، فالأهمُّ أَوْلى، إلا أن يبرئه الغرماءَ؛ لأنه لم يبق الدَّيْنُ بعد البراءة، فتنفذ الوصية. [مَن لا يجوز أن يكون وصياً : ] * قوله: (ومَن أوصىُ إلى عبدٍ أو كافرٍ أو فاسقٍ: أخرجهم القاضي من الوصية، ونَصَبَ غيرَهم). ٣٨٤ كتاب الوصايا هذا اللفظ يشير إلى صحة الوصية؛ لأن الإخراج إنما يكون بعدها. وذكر محمدٌ في ((الأصل)): أن الوصية باطلة: قيل: معناه في جميع هذه الصور ستبطل. وقيل: في العبد معناه: باطلةٌ حقيقةً؛ لعدم ولایته. وكذا في الكافر معناه: باطلةٌ؛ لعدم ولايته على المسلم. وفي الفاسق معناه: ستبطل. والمراد من الكافر في هذا: الذمي. - قال في ((الكرخي)): إذا أوصىُ إلى عبدِ غيره: فالوصية باطلة، لا تجوز وإن أجازها مولى العبد؛ لأن منافع العبد مستحَقّةً لمولاه، فلا يجوز صرفها إلى ورثة الموصي. - ولو أجاز المولىُ الوصيةَ: فله أن يرجع، ويمنعَ العبدَ من التصرف، فلهذا لم تصحَّ الوصية، وكان على القاضي إخراجُه منها. - فإن تصرف في شيءٍ منها قبل إخراجه: جاز؛ لأن تصرف العبد بالوصية كتصرفه بالوكالة، والعبد يجوز أن يتصرف بالوكالة، فكذا بالوصية. - وأما المكاتب: فتصح الوصية إليه، سواء كان مكاتبَه أو مكاتبَ غيره؛ لأن المكاتب مالكٌ لمنافع نفسه، كالحر، فإذا عجز: صار حاله كحال العبد. ٣٨٥ كتاب الوصايا ومَن أوصىُ إلى عبدِ نفسِهِ، وفي الورثة كبارٌ: لم تصحَّ الوصية. - وإنما لم تجز الوصية إلى الكافر؛ لأن تصرف الوصي بالولاية، ولا ولايةً للكافر على المسلم. وقد روي أنه إذا تصرف قبل أن يُخرجه القاضي: صحَّ تصرُّفه، كما يصح منه بالوكالة. - وإنما لم تجز الوصية إلى الفاسق؛ لأنه مَخُوفٌ على المال. - فإن تصرَّفَ قبل الإخراج: صحَّ تصرُّفه؛ اعتباراً بالوكالة. - وإن أوصىُ رجلٌ إلى امرأةٍ، أو امرأةٌ إلى رجلٍ: جاز؛ لأن المرأة من أهل الولاية، كالرجل. - وإن أوصىُ إلى أعمىَّ: جاز؛ لأنه من أهل الولاية. - وإن أوصى إلى محدودٍ في قذفٍ: جاز، يعني التائب، أما إذا لم يتب: فهي كالوصية إلى الفاسق. - وإن أوصى ذميٌّ إلى مسلمٍ: جاز؛ لأن المسلم تثبت له الولاية على الذميِّ، بخلاف ما إذا أوصى المسلم إلى الذمي: فهي باطلةٌ. : قوله: (ومَن أوصىُ إلى عبدِ نفسه، وفي الورثة كبارٌ: لم تصحَّ الوصية)؛ لأن العبد لا ولايةَ له على الكبار؛ لأن للكبار أن يبيعوه، فيكون محجوراً عليه، فلا يمكنه التصرف، يعني أن للكبير أن يبيع نصيبَه منه، فيمنعه المشتري، فيعجز عن الوفاء بحق الوصية. ٣٨٦ کتاب الوصايا ومَن أوصىُ إلى مَن يَعْجِزُ عن القيام بالوصية: ضَمَّ إليه القاضي غیرَه. - وأما إذا كانوا كلهم صغاراً: فعند أبي حنيفة تجوز الوصية؛ لأنه ليس في الورثة مَن يلي عليه، وهو يقدر على التصرف، والقيام بمصالحهم، ومنافعُه مستَحَقَّةٌ لهم، فجازت الوصيةُ إليه، كالحرِّ، وليس كذلك عبدُ غيرِهِ؛ لأن منافعه لمولاه، فلا يقدر على صرفها إلى الورثة. وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجوز الوصيةُ إليه؛ لأن الولاية منعدمةٌ؛ لما أن الرق ينافيها؛ ولأن فيه إثباتَ الولاية للمملوك على المالك، وهذا عكس المشروع. - وإن أوصى إلى مكاتبه: جاز، سواء كانت الورثة صغاراً أو كباراً؛ لأنه لا يمكنه بيع المكاتب، فإن أدى وعتق: مضى الأمر، وإن عجز: صار حکمه حکم العبد، على ما ذكرنا. * قوله: (ومَن أوصىُ إلى مَن يَعجِزُ عن القيام بالوصية: ضَمَّ إليه القاضي غيرَه)؛ رعايةً لحقِّ الموصي والورثة؛ لأن تكميل النظر يحصل بضمِّ الآخر إلیه. - فلو شكا إليه الوصيُّ ذلك: لا يجيبه حتى يعرف ذلك حقيقةً؛ لأن الشاكي قد يكون كاذباً؛ تخفيفاً على نفسه، فإن ظهر عند القاضي عجزه أصلاً: استبدل به غيرَه؛ رعايةً للنظر من الجانبين. ٣٨٧ کتاب الوصايا ومَن أوصى إلى اثنين: لم يَجُزْ لأحدهما أن يَتصرَّف عند أبي حنيفة ومحمدٍ دون صاحبه، إلا في شراءِ كفنِ الميت، وتجهيزِهِ، وطعامِ الصغارِ، وُسوتِهِم، ورَدِّ وديعةٍ بعَيْنها، . * قوله: (ومَن أوصىُ إلى اثنين: لم يَجُزْ لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد دون صاحبه)، إلا في أشياء، نُبِّنها إن شاء الله تعالى. وقال أبو يوسف: يجوز لكل واحد منهما أن ينفرد بالتصرف في المال من غير إذن صاحبه في جميع الأشياء؛ لأن الوصاية سبيلُها الولاية، وهي وصفٌ شرعيٌ لا يتجزأ، فيثبت لكل واحد منهما كَمَلاً، كولاية الإنكاح للأخوین. ولهما: أن الولاية تثبت بالتفويض، فيُراعى وصف التفويض، وهو وصف الاجتماع، وهو شرطٌ مقيَّدٌ برضا الموصي، ولم يرض إلا بالمثنى، وليس الواحد كالمَثْنى، بخلاف الأخوين في الإنكاح؛ لأن السبب هناك القرابةُ، وقد قامت بكلِّ واحدٍ منهما كَمَلاً. قوله: (إلا في شراء الكفن للميت، وتجهيزه)؛ لأن في التأخير فسادَ الميت، وفي انتظار أحدهما لصاحبه في شراء الكفن: تأخيرٌ لدفنه، ونحن مأمورون بتعجیل دفنه. * قوله: (وطعامِ الصغار وكِسوتِهم)، يعني الصغار من أولاد الميت؛ لأنه يُخاف موتُهم جوعاً، أو عرياً، فتسقط ولاية الغائب في ذلك. * قوله: (وردٍّ وديعةٍ بعينها)، وكذا ردِّ العواري والأمانات كلها، وكذا ردِّ المغصوب، والمشترى شراء فاسداً، وحفظ المال وقضاء الديون. ٣٨٨ کتاب الوصايا وقضاءِ دَيْنٍ عليه، وتنفيذٍ وصيةٍ بعَيْنها، وعِثْقِ عبدٍ بعينه، والخصومةِ في حقوق الميت. * قوله: (وقضاءِ دينٍ عليه)، يعني لأحدهما أن ينفرد بقضاء الدين؛ لأنه لو أخذه مَن له الدين بغير إذنهما: جاز، ووقع عن القضاء، فكذا إذا أخذه بإذن أحدهما: فهو أولى بالجواز. - وكذا الوديعةِ لو أَخَذَها صاحبُها بغير تسليمٍ منهما: جاز، فكذا إذا أخذها بتسليم أحدهما. * قوله: (وتنفيذ وصیة بعینها، وعثْقٍ عبدٍ بعينه)؛ لأنه لا يحتاج إلى الرأي منهما. قوله: (والخصومةِ في حقوق الميت)؛ لأن الاجتماع فيها متعذِّرٌ؛ لأنها لا تتأتى منهما في حالة واحدة؛ لأنهما إذا تكلما معاً: لم يُفهم ما يقولان، ولكن إذا آل الأمر إلى القبض: ليس لأحدهما أن يقبض إلا بإذن الآخر. - وكذا قبولِ الهبة للصغير؛ لأن في التأخير: خيفةَ الفوات. - وكذا بيع ما يُخشى عليه التلف؛ لأن في التأخير: خشيةَ التلف، وفيه ضرورة. - قال الخُجَندي: فمِن أصحابنا مَن قال: إن الاختلاف في هذه المسائل فيما إذا أوصى إليهما معاً، أما إذا أوصى إلى كل واحدٍ منهما على حِدَةٍ: فلكل واحد منهما أن يتصرف دون الآخر، إجماعاً. ٣٨٩ کتاب الوصايا ومنهم مَن قال: الاختلاف فيما إذا أوصىُ إلى كل واحدٍ منهما على حدة، أما إذا أوصى إليهما معاً: فلا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف، إجماعاً. والصحيح: أن الاختلاف فيهما واحدٌ. - وكذلك هذا الاختلافُ في الأبوين: ليس لأحدهما أن يتصرف في مال الولد إلا بإذن الآخر، إلا في الأشياء المخصوصة التي ذكرناها في الوصيين، إلا أن فيه زيادةَ شيء، وهو أن لأحد الأبوين أن يزوِّجه امرأةً إن كان ابناً، وإن كانت بنتاً يُزُوِّجها، وليس للآخر أن يُبطِله. - ولو مات أحدُ الوصيين: لا تنتقل ولايته إلى الآخر، حتى إنه ليس له أن يتصرف ما لم يَنصبِ القاضي وصياً آخر، أو الوصي الذي مات أوصى إلى الحي، أو إلى رجل آخر. وعن أبي حنيفة: أنه إذا أوصىُ إلى الحي: لا يجوز له أن يتصرف ما لم ينصب القاضي وصياً آخر؛ لأن الميت لم يرض برأي أحدهما، وإنما رضي برأي اثنین. - ولو أوصى إلى رجلين، ثم إن أحدهما تصرف في المال في غير الأشياء المعدودة، ثم أجازه صاحبه: فإنه يجوز، ولا يُحتاج إلى تجديد العقد. ٣٩٠ کتاب الوصايا ومَن أوصىُ لرجلٍ بثلث ماله، ولآخرَ بثلث ماله، ولم تُجِزِ الورثةُ : فالثلثُ بينهما نصفان. وإن أوصى لأحدهما بالثلث، وللآخر بالسدس : فالثلثُ بينهما أثلاثاً . - وإذا مات الوصيُّ، وأوصى إلى آخر: فهو وصيٌّ في تركته، وتركةِ المیت الأول عندنا. وقال الشافعي(١): لا يكون وصياً في تركة الميت الأول؛ لأنه رضيَ برأيه، لا برأي غيره. ولنا: أنه لمَّا استعان به في ذلك، مع علمه أنه تعتريه المَنِيَّة قبل تتميم مقصوده: صار راضياً بإیصائه إلى غيره. * قوله: (ومَن أوصىُ لرجلٍ بثلث ماله، ولآخر بثلث ماله، ولم تُجِزِ الورثةُ: فالثلث بينهما نصفان). - أما إذا أجازوا: استحقَّ كلّ واحدٍ منهما الثلث بكماله، فيكون لهما الثلثان، ويبقى للورثة الثلث. * قوله: (وإن أوصى لأحدهما بالثلث، وللآخر بالسدس، ولم تُجز الورثةُ(٢): فالثلثُ بينهما أثلاثاً)؛ لأن الثلث ضاق عن حقَّيْهما، فيقتسمانه على قدر حقَّيْهما، فيُعطى للأقل سهمٌ، وللأكثر سهمان. (١) مغني المحتاج ٧٦/٣. (٢) جملة: ولم تُجز الورثة: لم تثبت فيما لدي من نسخ القدوري. ٣٩١ كتاب الوصايا وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله، وللآخر بثلث ماله، ولم تُجِزِ الورثةُ : فالثلثُ بينهما على أربعة أسهمٍ عند أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة : الثلثُ بينهما نصفان. * قوله: (وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله، وللآخر بثلث ماله، فلم تُجز الورثةُ: فالثلث بينهما على أربعة أسهمٍ عند أبي يوسف ومحمد)، و على طريق العَوْل، لصاحب الجميع: ثلاثةَ أرباعه، ولصاحب الثلث: ربعه. وتخريجه: أن تقول: جميعُ المال ثلاثة أثلاث، فإذا ضممتَ إليه الثلث الموصى به للآخر: كان ذلك أربعة أثلاث: لصاحب الجميع: ثلاثة، ولصاحب الثلث: واحدٌ. * قوله: (وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفان)، يعني إذا لم تُجز الورثة. ووجهه: أن الموصى له بما زاد على الثلث وقعت الزيادة على غير المشروع عند عدم الإجازة؛ لأنها وصيةٌ بحق الغير، فوجب أن لا يَضرب بتلك الزیادة مع الموصى له بالثلث. وإن شئتَ قلتَ: بأن الموصى له بما زاد على الثلث يُدلي بسببٍ غير ثابتٍ في الحال؛ لأنه موقوفٌ على الإجازة، فكأنه لم يوصَ له إلا بالثلث، وللآخر بالثلث، فتساويا، فكان الثلثُ بينهما نصفين. ٣٩٢ کتاب الوصايا - وإن أجازت الورثة: فعلى قول أبي حنيفة: تكون القسمة بينهما على طريق المنازعة، فيُعطى صاحبُ الجميع ثلثي المال، بلا منازعة، واستوت منازعتُهما في الثلث الباقي، فيكون بينهما نصفين، فيكون لصاحب الجميع خمسةُ أسداس، ولصاحب الثلث السدس. - وعلى هذا: إذا أوصىُ لرجلٍ بربع ماله، ولآخر بنصف ماله: فإن أجازت الورثة: كان نصفُ المال لصاحب النصف، وللآخر الربع، ويبقى للورثة الربع. وإن لم يجيزوا: فإنما تجوز الوصية من الثلث، فيكون الثلث بينهما على سبعة، على قول أبي حنيفة، للموصى له بالنصف: أربعةٌ، وللموصى له بالربع: ثلاثةٌ. ووجهه: أن الموصى له بالنصف لا يَضرب إلا بالثلث؛ لأن الزيادة على الثلث مُلغاةٌ عنده، والموصى له بالربع يَضرب بالربع، فكأنه أوصى لأحدهما بالثلث، وللآخر بالربع، فيُحتاج إلى حسابٍ له، ثلثٌ وربعٌ، وذلك اثنا عشر، فثلثُه أربعة، وربعه ثلاثة، فذلك سبعةٌ، فتُجعل وصيتهما على ذلك، وتكون السبعة ثلث المال، والمال كله أحدٌ وعشرون: سبعة منه للموصى لهما، وأربعة عشر للورثة. وقال أبو يوسف ومحمد: يُقسم الثلث بينهما على ثلاثة: للموصى له بالنصف: سهمان، وللموصى له بالربع: سهمٌ؛ لأن الموصى له بالنصف يضرب بجميع وصيته، والموصى له بالربع: يضرب بالربع، والربع مثل ٣٩٣ کتاب الوصايا ولا يَضربُ أبو حنيفة للموصَى له بما زاد على الثلث، إلا في المحاباةِ، والسعايةِ، والدراهمِ المرسَلة. نصف النصف، فيُجعل كلَّ ربع سهماً، فالنصف يكون سهمين. * قوله: (ولا يضرب أبو حنيفة للموصى له بما زاد على الثلث، إلا في المحاباة، والسعاية، والدراهم المرسَلة). يعني تُلغى الزيادة على الثلث، ويُجعل كأنه أوصى له بالثلث. - وصورة المحاباة: إذا كان له عبدان، قيمةُ أحدهما ألفٌ ومائة، وقيمة الآخر ستمائة، وأوصى أن يُباع أحدهما بمائةٍ لفلان، والآخر بمائة لفلان آخر: فهنا قد حصلت المحاباة لأحدهما بألف، وللآخر بخمسمائة، وذلك كله وصيةٌ؛ لأنه في حالة المرض، فإن خرج ذلك من الثلث: جاز، وإن لم يخرج، بأن لم يكن له مال غير هذين العبدين، ولم تُجز الورثة: فإن محاباتَهما تجوز بقدر الثلث، ويكون الثلث بينهما أثلاثاً على قدر وصيتهما، أحدهما يَضرب فيه بألف، والآخر بخمسمائة. فلو كان هذا كسائر الوصايا على قياس قول أبي حنيفة: وجب أن لا يَضرب الموصى له بالألف بأكثر من خمسمائة وستة وستين وثلثي درهم؛ لأن عنده الموصى له بأكثر من الثلث لا يَضرب إلا بالثلث، وهذا ثلث ماله، لأن جميع المال ألفٌ وسبعمائة، وهو قيمة العبدين. - وصورة السعاية: أن يوصيَ بعتق عبدين، قيمةُ أحدهما ألفٌ، وقيمةُ الآخر ألفان، ولا مال له غيرهما: إن أجازت الورثة: عتقا جميعاً. ٣٩٤ کتاب الوصايا وإن لم يجيزوا: فإنهما يَعتقان من الثلث، وثلث ماله ألفٌ تكون بينهما على قدر وصيتهما أثلاثاً، فالثلث: للذي قيمتُه ألفٌ، ويسعى في الباقي، والثلثان: للآخر، ویسعی في الباقي، وهو ألف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث. ولو كان كسائر الوصايا: وجب أن يسعى الذي قيمته ألفٌ: في خمسمائة، نصف قيمته، والذي قيمته ألفان: في ألف وخمسمائة، ثلاثة أرباع قيمته؛ لأن القياس أن لا يَضرب بما زاد على الثلث، وهو ألف، فتکون بينهما نصفین. - وصورة الدراهم المرسلة: أن يوصيَ لأحدهما بألف، وللآخر بألفين، وثلث ماله ألفٌ، ولم تُجز الورثة: فالثلث بينهما أثلاثاً، ويضرب كلّ واحد منهما بجميع وصيته. ** وصورةٌ أخرى للثلاث المسائل: - صورة المحاباة: أن يبيع عبداً من رجل بمائة، وقيمته ثلاثمائة، ثم يوصي لآخر بثلث ماله، وليس له مالٌ سوى العبد: فإن الوصية من الثلث، وهو مائةٌ، تُقسم بينهما على قدر وصيتهما، فوصية الأول: مائتان، ووصية الثاني: مائة، فاقِسِم الثلثَ وهو مائةً على ثلاثة: لصاحب المائتين: ثلثاها، ولصاحب المائة: ثلثها. - وصورة السعاية: أن يعتق عبداً في مرض موته، قيمتُه مائةً، ثم أعتق عبداً آخر قيمتُه مائتان، ثم مات، ولا مالَ له سوى العبدين: فاقسِم الثلثَ، ٣٩٥ كتاب الوصايا وهو مائةٌ بينهما أثلاثاً: ثلثاها للذي قيمتُه مائتان، وثلثها: للآخر، ويسعى كلُّ واحد منهما فيما بقي من قيمته. - وصورة الدراهم المرسلة: إذا أوصى لرجلٍ بمائةٍ، ولآخر بمائتين، فمات عن ثلاثمائة: يُقسم الثلث وهو مائةٌ بينهما أثلاثاً: لصاحب المائتين: ثلثاها، ولصاحب المائة: ثلثها. - وإنما يضرب في هذه المواضع الثلاثة بجميع وصيته؛ لأن الوصية في مخرجها صحيحةٌ؛ لجواز أن يكون له مالٌ آخرُ يَخرج هذا المقدارُ من الثلث. - ولا كذلك إذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصف ماله، أو بجميع ماله؛ لأن الوصية في مخرجها غيرُ صحيحة، يعني أن اللفظ في مخرجه لم يصح؛ لأن مالَه لو كثُر، أو خرج له مالٌ آخر: تدخل فيه تلك الوصية، ولا يخرج من الثلث. - ولو أوصى بجميع ماله لرجلٍ، وبثلث ماله لآخر: فإن لم تكن له ورثةٌ، أو كانت له ورثةٌ، وأجازوا: فإن المال يُقسم بينهم على طريق المنازعة، على قول أبي حنيفة، وما زاد على الثلث: فذلك كله للموصى له بالجميع من غير منازعةٍ، واستوتْ منازعتُهما في الثلث، فيُقسم بينهما نصفین. ٣٩٦ کتاب الوصايا ومَن أوصى وعليه دَيْنٌ يُحيط بماله: لم تَجُزِ الوصيةُ إلا أن يُبرِئه الغرماءُ من الدَّين. ومَن أوصى بنصيبِ ابنه : فالوصيةُ باطلةٌ. وإن أوصی بمثل نصیب ابنه : جازت، فإن کان له ابنان : فللموصى له الثلث . وعلى قولهما: يُقسم بينهما على طريق العَوْل، ويَضرِبُ كلُّ واحد منهما بجميع وصيته، فالموصى له بالثلث: يضرب بالثلث، وهو سهمٌ، والموصى له بالجميع: يَضرب له بالجميع، وهو ثلاثة، فيُجعل المال على أربعة: لصاحب الثلث: سهمٌ، ولصاحب الجميع: ثلاثة. - وهذا إذا أجازت الورثةُ، فإن لم يجيزوا: جازت الوصيةُ في الثلث، فيكون ثلث المال بينهما، فيُقسم عند أبي حنيفة نصفين؛ لأن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث. وعلى قولهما: يضرب بجميع وصيته، ويقسم بينهما أرباعاً. قوله: (ومَن أوصىُ وعليه دينٌ يُحيط بماله: لم تَجُزِ الوصية، إلا أن و يبرئه الغرماءَ من الدَّيْن)؛ لأن الدَّيْن مقدَّمٌ على الوصية؛ لأن الوصية تبرعٌ، والدَّينَ واجبٌ، والواجب مقدَّمٌ على التبرع. * قوله: (ومَن أوصىُ بنصيب ابنه: فالوصية باطلةٌ)؛ لأنها وصيةٌ بمال الغير. * قوله: (وإن أوصى بمثل نصيب ابنه: جازت)؛ لأن مثل الشيء: غیرُه وإن کان یتقدر به. * قوله: (فإن كان له ابنان: فللموصى له: الثلث)؛ لأنا نجعل ٣٩٧ کتاب الوصايا الموصى له بمثل نصيب ابنٍ، كابنٍ ثالث، فيكون مالُه مقسوماً على ثلاثة، فيكون له الثلث من غير إجازة. - وإن لم يكن له إلا ابنٌ واحدٌ: كان له ثلثُ المال بغير إجازة، وما زاد على ذلك: إن أجازه الابنُ: جاز، وإن لم يُجزه: لم يَجز، كما لو أوصى له بنصف ماله: كان له الثلث من غير إجازة، وما زاد: موقوفٌ على الإجازة. - قال الخُجنديُّ: إذا أوصى بنصيب ابنه، أو بنصيب ابنته، وله ابنٌ، أو ابنةٌ: لم تصح الوصية. فإن لم يكن له ابنٌ، ولا ابنةٌ: جازت الوصية. - فإن أوصى بمثل نصيب ابنه: جاز؛ لأن مثل الشيء غيرُه، لا عينُه، فُيُعتبر نصيب الابن، ثم يُزاد عليه مثله، فيكون له النصف. فإن أجازه الابن: جاز، وإن لم يجزه: فله الثلث. - وإن كان له ابنان: فله الثلث، ولا يُحتاج إلى الإجازة. - وإن أوصى بمثل نصيب بنته، وله بنتٌ واحدة: كان له نصف المال؛ لأنه مثل نصيب البنت، فإن أجازتْه: جاز، وإن لم تجزه: فله الثلث. - وإن كان له ابنتان: كان له الثلث؛ لأن للبنتين ثلثي المال، لكل واحدة ثلث، فمثل نصيب إحداهما: الثلث. - ولو أوصى بنصيب ابنٍ لو كان: يُعطى نصف المال إن أجازت الورثة. ٣٩٨ كتاب الوصايا ومَن أعتق عبداً في مرضه، أو باع وحابى، أو وَهَبَ: فذلك كلُّه جائزٌ، وهو معتبَرٌ من الثلث، ويُضْرَب به مع أصحاب الوصايا . فإن حابى، ثم أعتقَ : فالمحاباةُ أَوْلى عند أبي حنيفة. - وإن أوصى بمثل نصيب ابنٍ لو كان: يُعطى ثلث المال؛ لأنه أوصى له بمثل نصيب ابنٍ معدوم، فلا بدَّ من أن يُقدَّر نصيبُ ذلك الابن بسهم، ومثله سهم أيضاً، فقد أوصى له بسهمٍ من ثلاثة. بخلاف الأُوْلى، فإنه هناك أوصى بنصيب ابنٍ لو كان، ولم يقل: بمثل نصیب ابنٍ لو كان. * قوله: (ومَن أعتق عبداً في مرضه، أو باع وحابى، أو وَهَبَ: فذلك كله جائزٌ، وهو معتبرٌ من الثلث، ويُضرَب به مع أصحاب الوصايا). وفي بعض النُّسَخ: فهو وصيةٌ: مكان قوله: جائزٌ: وهو غلطٌ؛ لأن ما تبرع به في مرضه من العتق والهبة والمحاباة: حكمه حكم الوصايا في اعتبار الثلث فيه، فأما أن يكون وصيةً: فلا؛ لأنه مُنْجَزٌ قبل موته، غيرَ مضاف، فصار کالذي ينجزه في صحته، لكنه ساوى الوصايا في اعتبار الثلث فیه. أو نقول: لعل معنى ما ذكره في بعض النُّسَخ أنه أراد بقوله: وصية: الاعتبار من الثلث، والضرب مع أصحاب الوصايا، لا حقيقة الوصية؛ لأن الوصية إيجابٌ عند الموت، وهذا منجَزٌ، واعتباره من الثلث؛ لتعلّق حق الورثة. * قوله: (فإن حابى، ثم أعتق: فالمحاباة أَوْلى عند أبي حنيفة). ٣٩٩ کتاب الوصايا وإن أعتق، ثم حابى : فهما سواء. وقالا : العتقُ أَوْلى في المسألتين. - هذا إذا ضاق الثلث عنهما، أما إذا اتسع لهما: أمضى كلّ واحد 13 منهما على جهته. - وإنما كانت المحاباة أَوْلى: إذا ضاق الثلث؛ لأنها حقٌّ آدمي، وقد أخرجها مخرج المعاوضة، فصارت كالدَّيْن الذي يُقِرُّ به المريض، فإنه مقدَّمٌ على العتق؛ لأنه أخرجه مخرج المعاوضة. * قوله: (فإن أعتق، ثم حابى: فهما سواءً)؛ لأنهما تساويا في هذا الحال؛ لأنه حصل في العتق مزيةً التقديم بوقوعه، ولا يلحق الفسخ، وللمحاباة مزية للمعاوضة؛ ولأنه لا يلحقها الفسخ من جهة الموصي، فلمَّا تساويا: تحاصًا. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: العتقُ أَوْلى في المسألتين)؛ لأن العتق لا يلحقه الفسخ، والمحاباة قد يلحقها الفسخ، فكان العتق أولى. وصورته: مريضٌ أعتق عبداً قيمتُه ألفٌ، واشترى عبداً قيمتُه ألفٌ بألفين، فحصل للبائع ألفٌ محاباةً، وجميع ماله ثلاثة آلاف، فإن بدأ بالعتق، ثم بالمحاباة: تحاصًا عند أبي حنيفة، فيكون للبائع خمسمائة، ويسعى العبد في خمسمائة. وعندهما: العتق أَوْلى، تَقدَّم على المحاباة أو تأخّر، فيُصرف الثلث وهو ألفٌ إلى العتق، فَيَعتق العبدُ، ولا شيء عليه، ويردُّ البائعُ إلى الورثة ألف درهم. ٤٠٠ كتاب الوصايا - قال أبو حنيفة: إذا حابى، ثم أعتق، ثم حابى: قُسم الثلث بين المحاباتين نصفين؛ لتساويهما في الجهة، فما أصاب المحاباةَ الأخيرةَ: قُسم بينها(١) وبين العتق نصفين؛ لأن العتق مقدَّمٌ عليها، وقد بيًّا أنه إذا تقدم علیھا ساواها. - ولو أعتق، ثم حابى، ثم أعتق: قُسم الثلث بين العتق الأول والمحاباة نصفين، فما أصاب العتق: قُسم بينه وبين العتق الثاني؛ لتساويهما في الجهة، كما لو أعتق، ثم أعتق: تساويا في الثلث: كذلك هذا. - قال في ((الينابيع)): رجلٌ له عبدان، أحدُهما يساوي ألفين، باعه بألفٍ، والآخر يساوي ألفاً، فأعتقه، ولا مالَ له سواهما: فالمحاباة أَوْلى، والعتقُ جائزٌ، ويسعى للورثة في جميع قيمته، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: العتقُ أَوْلِىُ، والمشتري بالخيار: إن شاء أخذ العبد بألفين، وإن شاء ردَّه. - فإن قدَّم العتق: فالثلث بينهما نصفان عند أبي حنيفة، ويسعى العبد في نصف قيمته، والمشتري بالخيار: إن شاء أخذ العبدَ بألف وخمسمائة، وإن شاء تركه. - فإن رضي بأخذه: سعىُ المعتَقُ للورثة في خمسمائة، وإن رضي المشتري بالترك: عَتَقَ العبدُ، ولا سعايةَ عليه. (١) وفي نسخ: بينهما.