Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ كتاب الحَظْر والإباحة وينظرُ الرجلُ من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس، والصدر، والساقين، والعضدين، . يجوز النظر أولى. - قال في ((الينابيع)): يباح للرجل أن ينظر إلى فرج امرأته ومملوكته، وفرج نفسه، إلا أنه ليس من الأدب، ولهذا قالوا: إن الأَوْلى أن لا ينظر ءِ كل واحد من الزوجين إلى عورة صاحبه. وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول: الأَوْلى أن ينظر؛ ليكون أبلغ في تحصيل الشهوة واللذة(١). كذا في ((الهداية))(٢). وقال أبو يوسف: سألتُ أبا حنيفة: أيمَسُّ الرجل فرجَ امرأته، وتمسُّ هي فرجَه ليتحرّك عليه؟ قال: لا بأس بذلك. - وإذا زوَّج الرجلُ أمتَه: حَرُم عليه النظرُ إلى ما بين سرتها وركبتها، ومسُّها بشهوة. - ولا بأس أن يستمتع بامرأته الحائض والنفساء بما دون الفرج. - وكذلك الأمة، وهذا قول محمد. وعندهما: إنما يجوز له ذلك بما عدا ما بين السرة إلى الركبة. * قوله: (وينظر الرجلُ من ذوات مَحارمه إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين). (١) قال في نصب الراية ٢٤٨/٢٤: غريب جداً. اهـ (٢) ٤ / ٨٥. ٣٦٢ كتاب الحَظْر والإباحة ولا ينظرُ إلى ظهرها، وبطنها . ولا بأس أن يَمَسَّ ما جاز أن ينظر إليه منها. وينظرُ الرجلُ من مملوكةٍ غيره إلى ما يجوز أن ينظر إليه من ذوات محارمه . والمحارم: مَن لا يجوز له مناكحتهنَّ على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ، مثل الرضاع والمصاهرة، سواء كانت المصاهرة بنكاح أو سفاح، في الأصح. كذا في ((الهداية))(١). * قوله: (ولا ينظر إلى ظهرِها، وبطنها)؛ لأنهما يَحُلاَّن مَحلَّ الفرج، بدليل أنه إذا شبَّه امرأتَه بظهر أُمِّه: كان مظاهراً، فلولا أن النظر إليه حرامٌ: لما وقع التحريم بالتشبيه، ألا ترى أنه لو قال لامرأته: أنتِ عليَّ كرأس أمي: لم يقع به التحریم. - وإذا ثبت بهذا تحريم النظر إلى الظهر: فالبطنُ أَوْلِىُ، لأن البطن تُشتهى ما لا يُشتهى الظهرُ، فكان أَوْلى بالتحريم. * قوله: (ولا بأس أن يمسَّ ما يجوزُ له أن ينظر إليه منها)، إذا أَمِنَ على نفسه الشهوة. - فإن لم يأمن الشهوة: لم يجز له ذلك. - ولا بأس بالخلوة معهن، والمسافرة بهن. قوله: (وينظرُ الرجلُ من مملوكة غيرِه إلى ما يجوز له أن ينظر إليه من ذوات محارمه). (١) ٤/ ٨٦. ٣٦٣ كتاب الحَظْر والإباحة ولا بأس بأن يَمَسَّ ذلك إذا أراد الشراء وإن خاف أن يَشْتَهيَ. والخَصِيُّ في النظر إلى الأجنبيّة : كالفحل. - والمدبرة والمكاتبة وأمُّ الولد في جميع ذلك: كالأمة القنِّ. - والمستسعاة: كالمكاتبة عند أبي حنيفة. وعندهما: كالحرة المدیونة. - وأما الخلوة بالأمة ومَن في معناها، والمسافرةَ بهن: فقد قيل: يجوز، كما في المحارم. وقيل: لا يباح؛ لعدم الضرورة. - وفي الإركاب والإنزال: اعتبر محمدٌ في ((الأصل)) الضرورةَ فيهن، وفي ذوات المحارم: مجردَ الحاجة. * قوله: (ولا بأس أن يمسَّ ذلك إذا أراد الشراءَ وإن خاف أن يشتهي)، يعني ما سوى البطن والظهر مما يجوز له النظر إليه منها. وفي ((الهداية))(١): قال مشايخنا: يباح النظر في هذه الحالة وإن اشتهى؛ لأجل الضرورة، ولا يباح المسُّ إذا اشتهى، أو كان أكبر رأيه ذلك؛ لأنه نوعُ استمتاع. * قوله: (والخَصِيُّ في النظر إلى الأجنبية: كالفحل)؛ لقول عائشة رضي الله عنها: ((الخَصِيُّ مثلُه))(٢)، فلا يُبيح ما كان حراماً قبلَه، ولأنه فحلٌ یجامع. (١) ٤ / ٨٧. (٢) لم أقف علیه. ٣٦٤ كتاب الحَظْر والإباحة ولا يجوز للمملوك أن يَنظر من سيِّدته إلا إلى ما يجوز للأجنبيِّ النظرُ إليه منها . - وكذلك المجبوبُ؛ لأنه يُساحِقُ، ويُنزِل. - وكذا المخنَّث؛ لأنه رجلٌ فاسقٌ. : قوله: (ولا يجوز للمملوك أن ينظر من سيدته إلا إلى ما يجوز للأجنبي أن ينظر إليه منها)؛ لأنه فحلٌ غيرُ مَحرَمٍ ولا زوجٍ، والشهوةُ متحققةٌ؛ لجواز النكاح في الجملة. - ويكره أن يُقُبِّل الرجلُ فمَ الرجل، أو يدَه، أو شيئاً منه. - وقال السرخسيُّ(١): رَخَّص بعضُ المتأخرين في تقبيل يد العالم والمتورِّع، على سبيل التبرك. - وقال سفيان: تقبيلُ يدِ العالمِ سُنَّةٌ. - قال الفقيه أبو الليث: القُبلة على خمسةِ أوجهٍ: ١- قُبلةُ تحيةٍ، وهو أن يُقبِّل بعضنا بعضاً على اليد. ٢- وقبلةُ رحمةٍ، وهو قُبلة الوالدين ولدَهما علىُ الخَدِّ. ٣- وقُبلةُ شفقةٍ، وهو تقبيل الولد والديه على رؤوسهما. ٤ - وقبلةُ مودةٍ، وهو تقبيلُ الأخ أخاه على الجبهة. ٥ - وقُبلةُ شهوةٍ، وهو تقبيلُ الزوجة، والأمة على الفم. (١) لم أقف عليه في المبسوط. ٣٦٥ كتاب الحَظْر والإباحة ويَعزلُ عن أمته بغير إذنها، ولا يَعزِلُ عن زوجته إلا بإذنها . ويكره الاحتكارُ في أقوات الآدميين والبهائم إذا كان ذلك في بلدٍ يَضُُّ الاحتکارُ بأهله. - وزاد بعضهم: قُبلة ديانةٍ، وهي تقبيل الحجر الأسود. * قوله: (ويَعزل عن أمته بغير إذنها)؛ لأن الأمة لا حقَّ لها في الوطء على مولاها. * قوله: (ولا يَعزل عن زوجته إلا بإذنها). - هذا إذا كانت حرةً، أما إذا كانت أمةً: فالإذن في ذلك إلى مولاها عندهما. وقال أبو يوسف: إلى الأمة؛ لأن الاستمتاع بالوطء يحصل لها، والعزل نقصٌ فيه، فوجب اعتبار إذنها كالحرة. ولهما: أن المولى أحقُّ بإمساك ولدها، وببذل وطئها. [أحكام الاحتكار : ] * قوله: (ويكره الاحتكارُ في أقوات الآدميين، والبهائم، إذا كان ذلك في بلدٍ يضرُّ الاحتكارُ بأهله). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الجالبُ مرزوقٌ، والمحتكرُ ملعونٌ)(١). (١) سنن ابن ماجه (٢١٥٣)، وإسناده ضعيف، كما في التلخيص الحبير ١٣/٣، وفتح الباري ٣٤٨/٤، وينظر نصب الراية ٢٦١/٤. ٣٦٦ كتاب الحَظْر والإباحة - فأما إذا كان في موضعٍ لا يضرُّ بأهله، بأن كان مصراً كبيراً: فلا بأس به؛ لأنه حابسٌ لملکه من غیر إضرارٍ بغيره. - وكذا التلقّي: على هذا التفصيل. - وخُصَّ الاحتكارُ بالأقوات، كالحنطة والشعير والقَتُّ(١) والتِّبْن والحشيش، وهو قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: كلّ ما أضرَّ بالعامة حَبْسُه: فهو احتكارٌ وإن كان ذهباً أو ثياباً. وعن محمد أنه قال: لا احتكار في الثياب. - وصفة الاحتكار المكروه: أن يشتريَ الطعامَ من السوق، أو من قُرب ذلك المصر الذي يَجلِب طعامَه إلى المصر في حال عَوَزه. - ثم المدة إذا قَصُرت: لا يكون احتكاراً، وإذا طالت: كان احتكاراً. - ثم قيل: هي مقدرة بأربعين يوماً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن احتكر طعاماً أربعين ليلةً: فقد برئ من الله، وبرئء اللهُ منه))(٢). (١) قال في المصباح المنير: القتُّ: هي الفِصْفِصة إذا يبست، وقال الأزهري: القتُّ: حبٌّ برِّيٌّ لا يُنبتُهِ الآدميُّ، فإذا كان عام قحط، وفَقَدَ أهلُ البادية ما يقتاتون به من لبن وتمر ونحوه: دقَّوه، وطبخوه، واجتزؤوا به، على ما فيه من الخشونة. اهـ (٢) أخرجه أحمد ٣٣/٢، والحاكم ١٤/٢،، وفي إسناده مقال. كما في فتح الباري ٣٤٨/٤، وينظر البدر المنير ١٦ /٤٦٧. ٣٦٧ كتاب الحَظْر والإباحة ومَن احتکر غَلَّةَ ضيعته، أو ما جلبه من بلدٍ آخر : فليس بمحتکِر . ولا ينبغي للسلطان أن يسعِّر على الناس. وقيل: بالشهر؛ لأن ما دونه: قليلٌ عاجلٌ، وما فوقه: كثيرٌ آجلَ. - والحاصل: أن التجارة في الطعام غيرُ محمودة. * قوله: (ومَن احتكر غَلَّةَ ضيعته، أو ما جَلَبَه من بلدٍ آخر: فليس بمحتکِرٍ). - أما إذا احتكر غَلَّة ضيعته: فلأنه خالصُ حقه، لم يتعلق به حقٍّ العامة، ألا ترى أن له أن لا يزرعها، فكذلك له أن لا يبيع. - وأما ما جَلَبَه من موضع آخر: فالمذكور: قول أبي حنيفة؛ لأن حق العامة إنما يتعلق بما جُمع من المصر، وجُلِب إلى فِنائها. وقال أبو يوسف: يكره؛ لإطلاق الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((المحتكر ملعون))(١). * قوله: (ولا ينبغي للسلطان أن يسعِّر على الناس)؛ لما ((روي أن السعر غلا في المدينة، فقالوا: يا رسول الله! لو سعَّرت، فقال: إن الله تعالى هو المسعِّرِ القابضُ الباسطُ الرازق))(٢). (١) تقدم ص٣٦٥. (٢) سنن أبي داود (٣٤٥١)، سنن الترمذي (١٣١٤)، وقال: حسن صحيح، وينظر البدر المنير ١٦ /٤٧١. ٣٦٨ كتاب الحَظْر والإباحة ويُكره بيع السلاح في أيام الفتنة. ولأن الثمن حقُّ العاقد، فإليه تقديره، فلا ينبغي للإمام أن يتعرض لحقِّه، إلا إذا تعلق به دفعُ ضررِ العامة. - وإذا وقع الضرر بأهل البلد، واضطروا إلى الطعام، ورفعوا أمرهم إلى القاضي: أمر المحتكرَ أن يبيع ما فَضَلَ عن قوته وقوت أهله، على اعتبار السعة في ذلك، وينهاه عن الاحتكار. فإن رُفع إليه مرةً أخرى: حَبَسَه، وعزَّره على ما يرى؛ زجراً له، ودفعاً للضرر عن الناس. - قال محمد: أُجبِرُ المحتكِرِين على بيع ما احتكروا، ولا أُسعِّر، وأقول لهم: بيعوا كما يبيع الناس وبزيادةٍ يُتُغابن في مثلها، ولا أقول لهم: بيعوا بأكثر منها. - وإذا خاف الإمامُ على أهل البلد الهلاكَ: أخذ الطعامَ من المحتكِرِين، وفرَّقه عليهم، فإذا وجدوا سعةً: ردوا مثلَه. وهذا ليس بحَجْرٍ، إنما هو للضرورة، ومَن اضطر إلى مال غيره، وخاف الهلاكَ: جاز له تناولُه بغير رضاه. * قوله: (ويكره بيعُ السلاح في أيام الفتنة)، معناه: ممن يُعرَف أنه من أهل الفتنة، كالخوارج والبُغاة؛ لأن في ذلك معونةً علينا. وإن كان لا يُعرف أنه من أهل الفتنة: فلا بأس بذلك. ٣٦٩ كتاب الحَظْر والإباحة ولا بأس ببيع العصير ممَّن يُعْلَم منه أنه يتَّخذُه خمراً. : قوله: (ولا بأس ببيع العصير ممن يَعلم أنه يتخذه خمراً). يعني لا بأس ببيعه من المجوس وأهل الذمة؛ لأن المعصية لا تُقام بعين العصير، بل بعد تغيُّرِهِ، بخلاف بيع السلاح في أيام الفتنة؛ لأن المعصية تقع بعينه. - ولو كان لمسلم على ذميٍّ دينٌ، فباع الذميُّ خمراً، وقضى المسلمَ من ثمنها: جاز للمسلم أَخْذُه؛ لأن بيعه لها مباحٌ. - ولو كان الدينُ لمسلمٍ على مسلم، فباع المسلمُ خمراً، وقضاه من ثمنها: لم يجز له أَخْذُه؛ لأن بيعَ المسلم للخمر لا يجوز، فيكون الثمن حراماً، والله أعلم. ٣٧٠ کتاب الوصايا کتاب الوصايا کتاب الوصايا الوصيةُ مَحثوثٌ عليها، مرغَّبٌ فيها، غيرُ مفروضةٍ ولا واجبةٍ، لكنها مشروعةٌ بالكتاب والسُّنَّة. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْدَيْنٍ﴾. النساء/ ١١. وأما السُّنَّة: فما روي ((أن سعدَ بن أبي وقّاص قال: مرضتُ مرضاً أشرفتُ فيه على الموت، فعادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ یا رسول الله! إن مالي كثيرٌ، وليس يرثني إلا بنتٌ واحدةٌ، أفأُوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: أفبنصفه؟ قال: لا. قلت: أفبثُلُتِه؟ قال: نعم، والثلثُ كثيرٌ، إنك يا سعدُ أن تَدَعَ ورثتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تدعهم عالةً يتكفَّفون الناسَ، أو يَمدُّون أكفّهم في المسألة للناس)) (١). ولأن الإنسان مغرورٌ بأمله، مقصِّرٌ في عمله، فإذا عَرَضَ له الموتُ، (١) صحيح البخاري (١٢٩٥)، صحيح مسلم (١٦٢٨). ٣٧١ كتاب الوصايا الوصيةُ غيرُ واجبةٍ، وهي مستحبَّةً. وخاف البياتَ، يَحتاج إلى تلافي تقصيره بماله. * قال رحمه الله: (الوصيةُ: غيرُ واجبةٍ)؛ لأنها إثباتُ حقٍّ في مالٍ بعقدٍ، كالهبة والعارية. * قوله: (وهي مستحبة)، أي للأجنبي، دون الوارث. - ثم الدَّيْنُ يُقدَّم عليها، وعلى الميراث؛ لأن الدَّيْنَ واجبٌ، والوصية تبرعٌ، والواجبُ مقدَّمٌ على التبرع. - ثم هما مقدَّمان على الميراث؛ لأن الله تعالى أثبت الميراثَ بعدهما بقوله: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾. النساء / ١١. - فإن قيل: الله تعالىُ ذَكَرَ الوصيةَ قبل الدَّين، فكيف يكون الدَّيْنُ مقدَّماً عليها؟ قيل: إن كلمة: أو: لا توجب الترتيبَ، ولكنها توجب تأخيرَ قسمة الميراث في هذه الآية عن أحدهما إذا انفرد، وعن كل واحد منهما إذا اجتمعا. - فإن قيل: هل الوصية بأقل من الثلث أَوْلى، أم تُرْكها أصلاً؟ قيل: إن كان الورثة فقراءَ، ولا يستغنون بما يرثونه، فتركها: أَوْلىُ، وإن كانوا أغنياءَ، أو يستغنون بنصيبهم: فالوصية أولى. وقيل: هو في هذا الوجه مخيّرٌ. ـ وسئل أبو يوسف عن رجلٍ يريد أن يوصي، وله ورثةٌ صغارٌ؟ ٣٧٢ كتاب الوصايا ولا تجوز الوصيةُ لوارثٍ قال: یتر که لورثته، فهو أفضل. - وعن أبي بكر وعمر وعائشة(١) رضي الله عنهم أنهم قالوا: لأن يوصيَ بالربع أحب إلينا من أن يوصيَ بالثلث، ولأن يوصيَ بالخُمُس أحب إلينا من أن يوصيَ بالربع. · قوله: (ولا تجوز الوصية لوارثٍ)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقّه، فلا وصية لوارث))(٢). ولأنه حَيْفٌ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الحَيْفُ في الوصية: من أكبر الكبائر))(٣). وفسَّروه بالوصية للوارث، وبالزيادة على الثلث. - ويُعتبر كونه وارثاً عند الموت، لا وقتَ الوصية، فمن كان وارثاً وقت الوصية، غيرَ وارثٍ وقت الموت: صحَّت له الوصية. (١) مصنف عبد الرزاق (١٦٣٦١)، وينظر المصنف لابن أبي شيبة ١٨٠/١٦. (٢) سنن الترمذي (٢١٢٠)، وقال: حسن صحيح، سنن أبي داود (٢٨٧٠)، سنن ابن ماجه (٢٧١٣)، وينظر التلخيص الحبير ٩٢/٣. (٣) هكذا أيضاً ذَكَرَه من قبله صاحب الهداية ٢٣٢/٤، وقال في نصب الراية ٢٠١/٤: غريب، ثم ذكر أنه أخرجه ابن مردويه في التفسير بلفظ: ((الحيف في الوصية من الكبائر))، ونقل عن البيهقي قال: الصحيح وقفه، ورفعه ضعيف. اهـ، وقال العلامة قاسم في منية الألمعي ص ٤١٠ (في مجلد الدراسة مع نصب الراية): على أن الموقوف في هذا له حكم المرفوع. ٣٧٣ كتاب الوصايا إلا أن يُجيزَها الورثةُ. ولا تجوز الوصيةُ بما زاد على الثلث، - ومَن كان غيرَ وارث وقت الوصية، ثم صار وارثاً وقت الموت: لم تصح له الوصية. مثاله: إذا أوصى لزوجته، ثم طلقها، وبانت عند الموت: صحَّت الوصية لها. - ولو أوصى الأجنبيةٍ، ثم تزوجها، ومات وهي في نكاحه: لا تصح الوصيةُ لها. - والهبة من المريض للوارث في هذا: نظيرُ الوصية؛ لأنها وصيةٌ حكماً، حتى إنها تنفذ من الثلث. - وإقرارُ المريضِ على عكس هذا؛ لأنه تصرُّفٌ في حال، فيُعتبر ذلك وقت الإقرار. * قوله: (إلا أن يُجيزَها الورثةُ)، يعني بعد موته، وهم أصحاء بالغون؛ لأن الامتناع لِحَقِّھم، فیجوز بإجازتهم. - وإن أوصى لأجنبيٍّ ولوارثه: فللأجنبيِّ نصف الوصية، وتبطل وصية الوارث. - وعلى هذا: إذا أوصى للقاتل وللأجنبي. * قوله: (ولا تجوز الوصيةُ بما زاد على الثلث)، إلا أن تجيزَه الورثة، يعني بعد موته، وهم أصحَّاء بالغون. ٣٧٤ کتاب الوصايا - فإن أجازه بعضُهم، ولم يُجزه بعضُهم: جاز على المجيز بقدر حصته، ويبطل في حق الراد. ومعناه: أنه يُجعل في حق الذي أجاز: كأنهم كلهم أجازوا، وفي حق الذي لم يجز: كأنهم كلهم لم يجيزوا. بيانه: إذا ترك ابنين، وأوصى لرجلٍ بنصف ماله، فإن أجازت الورثة: فالمالُ بينهم أرباعاً، للموصى له رُبُعان، وهو النصف، وللابنين رُبُعان. وإن لم یجیزوا: فللموصى له الثلث، وللابنین الثلثان. وإن أجاز أحدُهما، دون الآخر: يُجعل في حق الذي أجاز: كأنهم كلهم أجازوا، ويُعطى للمجيز ربع المال، وفي حق الذي لم يجز: كأنهم کلهم لم يجیزوا، ويُعطى له ثلث المال، ويكون الباقي للموصى له. فيُجعل المال على اثني عشر، لحاجتنا إلى الثلث والربع، فالربع للذي أجاز، وهو ثلاثةٌ، والثلث للذي لم يجز، وهو أربعةٌ، ويبقىُ خمسةٌ للموصى له. - قال في ((الهداية))(١): ولا معتبر بإجازتهم في حال حياته؛ لأنها قبل ثبوت الحق، إذ الحقُّ يثبت عند الموت، فكان لهم أن يردوه بعد وفاته، بخلاف ما إذا أجازوها بعد الموت؛ لأنه بعد ثبوت الحق: فليس لهم أن يرجعوا عنه؛ لأن الساقط متلاشٍ. (١) ٤ / ٢٣٢. ٣٧٥ كتاب الوصايا 93 - وكل ما جاز بإجازة الوارث: فإنه يتملَّكه المجازُ له من قِبَل الموصي عندنا؛ لأن السبب صدر من الموصي، والإجازةَ رَفْعُ المانع، وليس من شرطه القبض، وصار كالمرتهن إذا أجاز بيع الرهن. - قال في ((شرحه))، في قوله: ولا تجوز بما زاد على الثلث: يعني إذا كان هناك وارث: يجوز أن يستحق جميع الميراث، أما إذا كان لا يستحق جميع المال، كالزوج والزوجة: فإنه يجوز أن يوصيَ بما زاد على الثلث(١)، ولا يمنع من ذلك استحقاقُهما ما يرثانه؛ لأنهما يستحقان سهماً من الميراث لا يُزاد عليه بحال، فما زاد على ذلك: فهو مالُ المريض، لا حقَّ فيه لأحدٍ، فجاز أن يوصي به. - فعلى هذا قال محمدٌ: إذا تركتِ المرأةُ زوجاً، ولم تترك وارثاً غيرَه، وأوصتْ لأجنبيٍّ بنصف مالها: فالوصيةُ جائزةٌ، ويكون للزوج ثلثُ المال، وللموصى له النصفُ، ويبقى السدسُ لبيت المال. وإنما كان للزوج الثلث: لأنه لا يستحق الميراثَ إلا بعد إخراج الوصية، فيُحتاج إلى أن يُخرج الثلث أولاً للموصى له؛ لأنه يستحقه بكل حال، فيبقى الثلثان يستحق الزوجُ نصفَه ميراثاً، ويبقى نصفُه الثلثُ للموصى له تكملة النصف، ويبقى السدس لا مستحقَّ له، فيكون لبيت المال. (١) وفي نسخ: على ذلك. ٣٧٦ کتاب الوصايا ــ وكذا إذا أوصت بذلك لزوجها: كان المال كله له، نصفه ميراثاً، ونصفُه وصية؛ لأنه لا يستحق الوصيةَ قبل الميراث، بخلاف الأجنبي؛ لأن الزوج وارثٌ. وإنما جازت له الوصية؛ لأنه لا وارث لها تقف صحة الوصية على إجازته. - وعلى هذا: إذا ترك زوجته لا وارثَ له غيرُها، وأوصى لرجل بجميع ماله: كان لها السدسُ، وللموصى له خمسةُ أسداس؛ لأنها لا تستحق من الميراث شيئاً حتى يخرج الثلثُ الوصية، فإذا خرج الثلثُ: استحقت ربع الباقي، وما بقي بعد ذلك: یکون للموصى له بالجميع. وأصله من اثني عشر: للموصى له أربعة، وهو الثلث، يبقى الثلثان ثمانية للزوجة، ربعها اثنان، يبقى ستة، تعود للموصى له، فيكون له عشرةٌ من اثني عشر، وذلك خمسةُ أسداسها. - ولو كان أوصى مع الزوجة لأجنبيِّ بجميع المال، ولها بجميعه: بدأنا أولاً بالأجنبي، فأعطيناه الثلثَ، وهو أربعةٌ من اثني عشر، يبقى ثمانيةٌ، نعطيها ربعَها ميراثاً، يبقى ستةٌ، وبقي للأجنبي من تمام وصيته ثمانيةٌ؛ لأنه موصىَ له بالجميع، والمرأةُ موصىَ لها بثمانية؛ لأنها استحقت ذلك بعد إخراج الثلث للأجنبي، حصل لها من هذه الثمانية سهمان، بقيَ لها ستةً من تمام وصيتها، والباقي من المال ستةً، فيَضرب فيها الأجنبيُّ بثمانية، والمرأةُ بستة، يكون للرجل أربعةُ أسباع الستة، ولها ٣٧٧ كتاب الوصايا ثلاثة أسباعها؛ لأنك إذا جمعتَ الثمانية التي يضرب بها الرجل إلى الستة التي تضرب بها المرأة: كان ذلك أربعة عشر، فتنسب الثمانية منها: تجدها أربعة أسباعها، وتنسب الستة منها: تجدها ثلاثة أسباعها، فتضرب الستة في مخرج السبع: يكون اثنين وأربعين، ومن ذلك تصح المسألة. فيُعطى الرجل أولاً ثلثها: أربعة عشر، يبقى ثمانية وعشرون، للمرأة ربعها: سبعة ميراثاً، يبقى إحدى وعشرون، يُعطى الرجل منها أربعة أسباعها: اثني عشر، يبقى منها تسعة، هي ثلاثة أسباعها للمرأة، فيكون للرجل ستة وعشرون، ولها ستة عشر: تسعة بوصيتها، وسبعة بميراثها. وهذا قول محمد، على قياس مَن قال: يَضرب الموصى له بجميع وصیته. - أما على قياس قول أبي حنيفة: ينبغي أن يكون الباقي بعد إخراج الثلث، وما تستحقه المرأة بميراثها، وهو ستةً مقسوماً بينهما على ثمانية: للرجل خمسة أثمان، ولها ثلاثة أثمان؛ لأن ما زاد على الستة إلى الثمانية: لا منازعة لها فيه، وهو سهمان، فيكونان للرجل، بقيَ من الثمانية ستة، يكون بينهما نصفان: لها ثلاثةٌ، وله ثلاثةً، مع سهميه اللذين انفرد بهما، یکون خمسة. فنقول: له خمسة أثمان: الستة، ولها ثلاثة أثمانها، فتضرب الستة في مخرج الثمن: يكون ثمانية وأربعين، للرجل منها ستة عشر بحق الثلث، يبقى اثنان وثلاثون: لها ربعها ثمانية ميراثاً، يبقى أربعة وعشرون، يُعطى ٣٧٨ كتاب الوصايا ولا لقاتلٍ . الرجل خمسة أثمانها، وذلك خمسة عشر، مضمومةً إلى ستة عشر، يكون أحداً وثلاثين، ولها ثلاثة أثمانها، تسعة مضمومة إلى ثمانية: يكون سبعة عشر، فذلك ثمانية وأربعون. * قوله: (ولا تجوز الوصيةُ لقاتلٍ)، سواء كان عامداً أو خاطئاً بعد أن كان مباشراً؛ لأنه استعجل ما أخَّره الله تعالى، فيُحرَم الوصية، كما يُحرم الميراث. - فإن أوصىُ لقاتله، فأجازتها الورثةُ: جاز عندهما. وقال أبو يوسف: لا تجوز؛ لأنه منع من الوصية على طريق العقوبة، فهو كحرمان الميراث، وذلك لا يقف على إجازتهم، فكذا الوصية. ولهما: أن الامتناع لِحَقِّ الورثة؛ لأن نفع بطلانها يعود إليهم، كنفع بطلان الميراث، فإذا أجازوها: جازت كالوصية للوارث. - قال الطحاويُّ: القياس ما قاله أبو يوسف. - وإذا مات الرجل، وترك زوجةً، وأوصى لقاتله: استحقت الزوجة ربع المال كاملاً، وما بقيَ وصية للقاتل؛ لأنه لا يستحق الوصية إلا إذا لم يكن هناك وارثٌ، أو يجيزها الوارثُ له، فإذا لم يكن مستحقًّاً لها إلا على ما ذكرنا: سلَّمنا للمرأة الربعَ ميراثها، يبقى ثلاثة أرباع المال، لا وارث له، فيستحقه القاتل بحقِّ الوصية. ٣٧٩ كتاب الوصايا ويجوز أن يوصِيَ المسلمُ للكافر، والكافرُ للمسلم. وقَبولُ الوصية بعد الموت. * قوله: (ويجوز أن يوصيَ المسلمُ للكافر، والكافرُ للمسلم). المراد بالكافر: الذميُّ؛ لأن الوصية للحربي باطلة. كذا في ((المستصفى)). - وإنما جازت الوصية للذمي، ولم تجز للحربي؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَكُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُ مِّن دِيَرِكُمْ أَنْ نَبَرُوهُمْ﴾، ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يَنْهَنَّكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾ الآية. الممتحنة/٨. - وإنما أورد هذه المسألةَ؛ لأن فيها نوعَ إشكالٍ، وهو أن الوصية أختُ الميراث، ولا توارثَ بين المسلم والكافر. والجواب: أن الوصية تُشبه الميراثَ من حيث الثبوت، ولا تُشبهه من حيث إنه ثبت جبراً، فلا يكون النص الوارد فيه: وارداً في الوصية. وقال السرخسيّ(١) في الفرق بينهما: إن الإرث طريقُه طريقُ الولاية، أما الوصية: فتمليكٌ مبتدأ، ولهذا لا يَرِدُّ الموصى له الوصية بالعيب، بخلاف الوارث. كذا في ((شاهان)». * قوله: (وقَبولُ الوصية بعد الموت). الأصل في هذا: أن الوصية تقف على قبول الموصى له عندنا. وقال زفر: لا تقف على القبول؛ لأنه ملكٌ ينتقل بالموت، كالميراث. (١) المبسوط ١٤٧/٢٧. ٣٨٠ کتاب الوصايا فإن قَبِلَها الموصَى له في حال الحياة، أو ردَّها: فذلك باطلٌ. ويستحبُّ أن يوصيَ الإنسانُ بدون الثلث. وإن أوصى الرجلُ إلى رجلٍ، فقَبِل الوصيُّ في وجه الموصِي، ورَدَّها في غیر وجهه : فليس بردٌّ، ولنا: أنه تمليكٌ بعقدٍ، فوقف على القبول، كالتمليك بالهبة والبيع، فإن وُجد القبولُ بعد الموت: تمَّت الوصية، وإن وُجد قبله: لم يتعلق به حكمٌ، فإذا مات الموصي: زال ملكُه عن الموصى به؛ لأن الموت يُزيل الأملاكَ، ولم يدخل في ملك الموصى له؛ لأنه يقف على قَبوله، ولا تملكه الورثةُ؛ لتعلَّق حقِّ الموصى له به. قوله: (فإن قَبِلها الموصى له في حال الحياة، أو ردَّها: فذلك باطلٌ)؛ لأن أوانَ ثبوت ملکه بعد الموت. - ثم إذا قَبِل بعد موت الموصي: ثبت الملك، قَبَضَه أو لم يقبِضْه. - قال الخُجَنديُّ: القبول على ضربين: صريحٌ ودليلٌ، فالصريح: أن يقول: قَبِلتُ مع موت الموصي، والدليل: أن يموت الموصى له قبل القبول والردِّ، بعد موت الموصي: فيكون موتُه قبولاً لوصيته، ويكون ميراثاً لورثته. * قوله: (ويُستحب أن يوصيَ الإنسان بدون الثلث)، سواء كان الورثة أغنياء أو فقراء؛ لأن في التنقيص: صلةَ القرابة، بتوفير المال عليهم، بخلاف استكمال الثلث؛ لأنه استيفاءَ تمامٍ حقُّه، فلا صلة ولا مِنَّةً. * قوله: (وإن أوصى الرجل إلى رجلٍ، فَقَبِلَ الوصيةَ في وجه الموصي، وردَّها في غير وجهه: فليس بردٍّ)؛ لأنه لمَّا قَبِلَها: فقد اطمأنَّ قلبُ الموصي