Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
كتاب البُغَاة
فإن بدؤوا : قاتَلهم حتى يُفرِّق جَمْعَهم.
فإن كانت لهم فئةٌ : أَجْهَزَ على جريحهم، واتَّعَ مُوَلِيُهم.
وإن لم تكن لهم فتةٌ : لم يُجْهِزْ على جَريحهم، ولم يَتَبعْ مُؤَلِيُهم.
هذا اختيار القدوري، وذكر الإمامُ خُواهَر زاده: أن عندنا يجوز أن
يَبدأ بقتالهم إذا تعسكروا واجتمعوا؛ لأنه إذا انتظر حقيقةَ قتالِهم: ربما لا
يُمكنه الدفع.
* قوله: (فإن بدؤونا: قاتلناهم حتى نُفرِّق جَمْعَهم).
قال الله تعالى: ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. الحجرات/٩.
* قوله: (فإن كانت لهم فئةٌ: أَجهز على جريحهم، واتَبع مُوَلِيُهم): أي
إذا كانت لهم فئة يلجؤون إليها: قتل مُدْبِريهم إذا انهزموا وهربوا، وأجهز
على جريحهم، أي أسرع في قتله، والإجهازُ: الإسراع.
- ويقتل أسيرَهم؛ لأن الواجب أن يقاتلوا حتى يزول بغيُهم.
- وإن رأى الإمامُ أن يُخلِّيَ الأسيرَ: خلَّه؛ («لأن علياً رضي الله عنه
كان إذا أخذ أسيراً: استحلفه أن لا يُعين عليه، وخلاًّ))(١).
قوله: (وإن لم تكن له فئةً: لم يُجهِز على جريحهم، ولم يتّبع
مولِّیھم)؛ لاندفاع شرِّهم بدون ذلك.
(١) الخراج لأبي يوسف ص ٢٣٣.

٣٤٢
كتاب البُغَاة
ولا تُسْبَىْ لهم ذريَّةٌ، ولا يُغْتَمُ لهم مالٌ.
ولا بأس أن يُقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه.
ويَحْبِسُ الإمامُ أموالَهم، ولا يَرُدُّها عليهم، ولا يَقْسِمُها حتى يتوبوا،
فَيَرُدُّها عليهم.
* قوله: (ولا تُسبى لهم ذريةٌ، ولا يُقسم لهم مالٌ).
(القول علي رضي الله عنه يوم الجَمَل: لا يُقتل أسيرُهم، ولا يُكشف
لهم سِتْرٌ، ولا يؤخذ مالٌ)) (١)، وهو القدوة في هذا الباب.
18
فقوله: لا يُكشف لهم سِتْرُ: معناه: لا تُسبى لهم نساء.
وقوله في الأسير: تأويله: إذا لم تكن لهم فئةً، فإن كانت لهم فئةٌ:
يُقتل الأسير إن شاء، وإن شاء حَبَسَه.
* قوله: (ولا بأس أن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه).
- والكَرَاعُ: كذلك.
- فإذا وَضَعتِ الحربُ أوزارها: ردَّ عليهم سلاحَهم وكَرَاعهم؛ لأن
مالَهم لا يُملك بالغلبة، وإنما يُمنعون منه حتى لا يستعينوا به على أهل
العدل، فإذا زال بغیھم: رُدَّ علیھم.
: قوله: (ويَحبس الإمامُ أموالَهم، ولا يَردُّها عليهم، ولا يقسمُها
حتى يتوبوا: فيردُّها عليهم)، إلا أن الإمام يبيع الكراعَ، ويَحبس ثمنَه؛ لأن
(١) ينظر نصب الراية ٣ /٤٦٣.

٣٤٣
كتاب البُغَاة
وما جباه أهلُ البغي من البلاد التي غَلَبوا عليها من الخراج، والعُشْر :
لم يأخذه الإمامُ ثانياً.
ذلك أنظر وأيسر؛ لأن الكراع يحتاج إلى مؤنة، وقد تأتي على قيمته،
فكان بيعُه أنفعَ لصاحبه.
- وما أصاب الخوارجُ من أهل العدل، أو أصاب أهلُ العدل منهم من
دمٍ أو جراحات، أو ما استهلكه أحدُ الفريقين على صاحبه: فذلك كله
هَدَرٌ، لا ضمانَ لأحدٍ منهم على الآخر.
- وأما ما فعلوه قبل الخروج، أو بعد تفريق جمعهم: أُخذوا به؛ لأنهم
من أهل دار الإسلام.
- ثم قتلى أهلِ العدل: شهداء، يُصنع بهم ما يُصنع بالشهداء، يُدفنون
بدمائهم، ولا يُغسَّلون، ويُصلَّى عليهم.
وأما قتلى أهل البغي: فلا يُصلَّى عليهم، ويدفنون.
* قوله: (وما جباه أهلُ البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج
والعُشر: لم يأخذه الإمام ثانياً).
ظاهرُ هذا: أنهم إذا لم يُجيبوا: فللإمام العدلِ أن يطالبهم.
- وفي ((المبسوط)»(١): مَن لم يؤدِّ زكاته سنين في عسكر الخوارج، ثم
تاب: لم يؤخذ بها؛ لعدم حماية الإمام، إذ لا يجري حكمُه عليهم، وعليه
أن يؤديَ زكاتَه فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الحق يلزمُه؛ لتقرر سببه.
(١) ١٨١/٢.

٣٤٤
كتاب البُغَاة
فإن كانوا صَرَفوه في حَقِّه : أجزا مَن أُخِذَ منه.
وإن لم يكونوا صَرَفوه في حَقِّه : أفتى أهلَه فيما بينهم وبين الله تعالى
أن يُعيدوا ذلك ثانياً.
- وكذا مَن أسلم في دار الحرب، وعَرف وجوبَ الزكاة، فلم يؤدها
حتى خرج إلینا.
* قوله: (فإن كانوا صَرَفوه في حقه: أجزا مَن أُخِذ منه، وإن لم
يكونوا صرفوه في حقه: أفتىُ أهلَه فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا
ذلك ثانياً).
- قال في ((الهداية)) (١): لا إعادةَ عليهم في الخراج؛ لأنهم مقاتِلةٌ،
فكانوا مصارفَ وإن كانوا أغنياء.
وفي العُشر: إن كانوا فقراء: كذلك؛ لأن العُشر حقُّ الفقراء، فيُحمل
كلام الشيخ على العُشر.
- وإذا قتل رجلٌ من أهل العدل باغياً، وهو وارثُه: فإنه يرثُه؛ لأنه قَتْلٌ
بحقِّ، فلا يَمنع الإرثَ.
- وإن قتله الباغي، وقال: كنتُ على حقِّ، وأنا الآن على حقِّ أيضاً: فإنه يرثه.
- وإن قال: قتلتُه وأنا أعلم أني على باطل: لم يرثُّه، وهذا عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يرث الباغي في الوجهين، والله أعلم.
(١) ١٧١/٢.

٣٤٥
كتاب الحَظْر والإباحة
كتاب الحَظْر والإباحة
لا يَحِلُّ للرجال لُبْسُ الحریر،
کتاب الحَظْر والإباحة
الحَظْر: هو المَنْعُ والحَبْس، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ مَحْظُورًا ﴾.
الإسراء/ ٢٠، أي ما كان رزقُ ربِّك محبوساً من البَرِّ والفاجر.
وهو هنا: عبارةٌ عما مُنع من استعماله شرعاً.
- والمحظور: ضد المباح، والمباح: ما خُيِّر المكلّف بين فِعله وتَرْكِه،
من غیر استحقاق ثوابٍ ولا عقاب.
- وصاحب ((الهداية)) (١) لقَّب هذا الباب بكتاب: الكراهية، ثم قال:
وتكلموا في معنى المكروه، والمرويُّ عن محمد: أن كلَّ مكروهِ حرامٌ،
إلا أنه ما لم يجد فيه نصاً قاطعاً: لم يُطلق عليه لفظ الحرام.
وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه إلى الحرام أقرب.
* قال رحمه الله: (لا يَحِلُّ للرجال لُبْسُ الحَرِير)؛ لقوله عليه الصلاة
(١) ٤/ ٧٨.

٣٤٦
كتاب الحَظْر والإباحة
ولا بأس بتوسُّدِه عند أبي حنيفة، وقالا : يكره توسُّدُه.
والسلام: ((إنما يَلبسه مَن لا خَلاق له في الآخرة))(١).
- وكذا لا يجوز للرجال لُبْسُ المُعصفر والمزعفر والمصبوغ بالورس،
أشار إلى ذلك الكرخيُّ، في باب الكفن.
* قوله: (ويَحِلّ للنساء)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أُحِلّ الحريرُ
والذهب لإناث أمتي، وحُرِّم علىُ ذُكورها))(٢).
وقد قال أبو حنيفة: لا بأس بالعَلَم في الثوب إذا كان قَدْرَ ثلاث أصابع
أو أربع، يعني مضمومةً.
* قوله: (ولا بأس بتوسُّده عند أبي حنيفة).
- وكذا افتراشُه، والنومُ عليه، والجلوسُ عليه عنده.
- وكذا إذا جُعل وِسادةً، وهي المِخَدَّة؛ لأن الجلوس عليه استخفافٌ به.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يكره توسُّده)؛ لأنه مِن زِيِّ
الجبابرة والأكاسرة، والتشبه بهم حرامٌ.
((قال عمر رضي الله عنه: إياكم وزِيّ الأعاجم))(٣).
(١) صحيح البخاري (٥٨٣٥).
(٢) سنن الترمذي (١٧٢٠)، وقال: حسن صحيح، وينظر البدر المنير ٤٧١/٢،
نصب الراية ٤/ ٢٢٢.
(٣) ينظر نصب الراية ٢٢٦/٤.

٣٤٧
كتاب الحَظْر والإباحة
ولا بأس بلُبْس الديباج في الحرب عندهما، ويكره عند أبي حنيفة.
((وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: لأن أتَّكِئ علىُ جَمْر
الغَضَا أحبّ إليَّ من أن أتكى على الحرير))(١).
ولأن لُبْسَه لا يجوز، فكذا الجلوس عليه.
ولأبي حنيفة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على مِرفقةٍ حرير))(٢).
وروي ((أن أنساً رضي الله عنه حضر وليمةً، فجلس على وسادةٍ حرير)) (٣).
وفي الخُجَندي: قول أبي يوسف مع أبي حنيفة.
- ولو جعله سِتْراً: ذكر في ((العيون)»: أنه لا يكره، بالإجماع.
وفي ((الهداية)) (٤): على الاختلاف.
* قوله: (ولا بأس بلُبْس الدِّيباج عندهما في الحرب، ويكره عند أبي
حنيفة).
اعلم أن لبس الحرير والديباج يكره في الحرب عند أبي حنيفة إذا كان
مُصمَتاً؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى الرجالَ عن لُبْسه))(٥)، ولم
يَفْصِل.
(١) المستدرك للحاكم (٣٦٩٧)، سنن البيهقي (٦٠٧٠).
(٢) في نصب الراية ٢٢٧/٤: غريب جداً، وفي الدراية ٢٢١/٢ قال: لم أجده.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ٤ / ٨١.
(٥) تقدم في الصفحة السابقة.

٣٤٨
كتاب الحَظْر والإباحة
ولا بأس بلُبْس المُلْحَم إذا كان سَدَاه إبريسَماً، ولُحْمَتُه قُطْناً، أو
خَزَّاً.
ولا يجوز للرجال التحلِّي بالذهب، والفضةِ، .
ولأنه يمكن أن يقوم غيرُهُ مقامَه في الحرب، فلا تدعو الحاجة إليه.
وعندهما: لا يكره؛ لأن فيه ضرورةً؛ فإن الخالص منه أدفعُ لمضرة
السلاح، وأهيبُ في عين العدوِّ.
وقلنا: الضرورة تندفع بالمخلوط، وهو الذي لُحمتُه حريرٌ، وسَداه
غير حرير، والمخلوطُ لا يكره لبسه، إجماعاً. ذكره الخُجندي.
* قوله: (ولا بأس بلُبْس المُلْحَم إذا كان سَدَاه إبريسماً، ولُحمته قطناً
أو خزّاً)، يعني في الحرب وغيره.
- وأما إذا كان لُحمته حريراً، وسَداه غيرُ حرير: لا يحل لُبْسه في غير
الحرب، ولا بأس به في الحرب، إجماعاً.
- وأما ما كانت لُحمته وسَداه كلاهما من حرير: لم يجز لُبْسُه عند أبي
حنيفة، لا في الحرب، ولا في غيره.
وعندهما: يجوز في الحرب.
- وهذا إذا كان صفيقاً يحصل به اتقاء العدوِّ في الحرب، أما إذا كان
رقيقاً لا يحصل به الاتقاء: لا يحل لُبْسُه، بالإجماع؛ لعدم الفائدة.
* قوله: (ولا يجوز للرجال التحلِّي بالذهب والفضة).
- وكذا اللؤلؤ؛ لأنه من حُلِيِّ النساء.

٣٤٩
كتاب الحَظْر والإباحة
إلا الخائَمَ،
* قوله: (إلا الخاتمَ)، يعني من الفضة، لا غير.
- أما الذهب: فلا يجوز للرجال التختُّم به.
- ثم الخاتم من الفضة إنما يباح للرجل إذا ضُرُب على صفة ما يلبسُه
الرجال، أما إذا كان على صفة خواتم النساء: فمكروهٌ.
- قال في ((الذخيرة)): وينبغي أن يكون قدر فضة الخاتم مثقالاً(١)، ولا
یزاد علیه.
وقيل: لا يبلغ به المثقال.
- ولو اتخذ خاتماً من فضة، وفَصُّه من عقيق أو ياقوت أو زُبُرجد أو
فیروزج، أو نَقَشَ علیه اسمه أو اسماً من أسماء الله تعالی: لا بأس به.
وفي ((الجامع الصغير))(٢): لا يتختم إلا بالفضة.
- وهذا نصٌّ على أن التختُم بالصُّفْر والحَجَر والحديد حرامٌ.
وقد روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجلٍ خاتماً من
صُفْرٍ، فقال: ما لي أجدُ منك رائحة الأصنام))(٣).
(١) أي ما یزن نحو ٥ غرامات.
(٢) ص٢٣٢.
(٣) سنن أبي داود (٤٢٢٣)، سنن الترمذي (١٧٨٥)، مسند أحمد (٢٣٠٣٤)،
صحيح ابن حبان (الإحسان) (٥٤٨٨)، وللحديث طرق وشواهد.

٣٥٠
كتاب الحَظْر والإباحة
والمِنْطَقةَ، وحليةَ السيف من الفضة.
((ورأى على آخر خاتماً من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل
النار))(١).
- وفي ((الخُجَندي)): التختم بالحديد والصُّفْر والنحاس والرصاص
مكروهٌ للرجال والنساء؛ لأنه زِيُّ أهل النار.
- وأما العقيق: ففي التختم به اختلاف المشايخ، وصحَّح في ((الوجيز))
أنه لا يجوز.
وقال قاضي خان: الصحيح أنه يجوز.
- ويستحب أن يجعل فَصَّ الخاتم إلى باطن كفه، بخلاف النساء؛ لأنه
تزيُّنٌ في حقهن.
- وإنما يتختم القاضي والسلطان؛ لحاجتهما إلى الخَتْم، وأما غيرهما:
فالأفضل له تَرْكُه؛ لعدم الحاجة إليه. كذا في ((الهداية)) (٢).
- قال في ((الينابيع)): وينبغي أن يتختم في خِنصره اليسرى، لا في اليمين.
- ثم الحلقة في الخاتم هي المعتبرة؛ لأن قوام الخاتم بها، ولا معتبرَ
بالفَصِّ، حتى إنه يجوز أن يكون حجراً أو غيره.
: قوله: (والمنطقةَ، وحِليةَ السيف من الفضة)، فإن ذلك لا يكره،
بالإجماع.
(١) ينظر الحاشية التي قبلها.
(٢) ٤ / ٨٢.

٣٥١
كتاب الحَظْر والإباحة
ويجوز للنِّساء التحلِّي بالذهب، والفضة.
ويكره أن يُلبَسَ الصبيُّ الذهبَ، والحريرَ.
* قوله: (ويجوز للنساء التحلي بالذهب والفضة).
- إنما قيَّد بالتحلي؛ لأنهن في استعمال آنية الذهب والفضة، والأكل
فیھا، والادِهان منها: کالرجال.
* قوله: (ويكره أن يُلبَس الصبيُّ الذهبَ والفضةَ والحريرَ).
- قال الخُجَندي: والإثمُ على مَن ألبسه ذلك؛ لأنه لمَّا حَرُمُ اللُّبْسُ:
حَرُم الإلباس، كالخمر لمَّا حَرُم شُربه: حرُم سَقيه.
ولأنهم يُمنعون من ذلك؛ لئلا يألفوه، كما يُمنعون من شرب الخمر
وسائر المعاصي، ولهذا «أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بتعليمهم الصلاة،
وضَرْبهم على تركها))(١)؛ لكي يألفوها ويعتادوها.
- قال في ((العيون)): ويكره للإنسان أن يَخضب يديه ورجليه بالحَّاء،
و کذلك الصبي.
- ولا بأس به للنساء.
- وأما خَضْب الشيب بالحِنَّاء: فلا بأس به للرجال والنساء.
- ويكره تغيير الشيب بالسواد.
(١) سنن أبي داود (٤٩٥)، سنن الترمذي (٤٠٧)، وقال: صحيح، وبالأمر
بتعليمها كما ذكر المؤلف: ينظر البدر المنير ١٧٢/٦، وعزاه لتاريخ العقيلي.

٣٥٢
كتاب الحَظْر والإباحة
ولا يجوز الأكلُ، والشربُ، والادِّهانُ، والتطُّبُ في آنية الذهب
والفضة، للرجال، والنساء.
ولا بأس باستعمال آنية الزجاج، والبَُّّوْرِ، والعَقيق.
ويجوز الشربُ في الإناء المفضَّض عند أبي حنيفة، والركوبُ على
السَّرْج المفضَّض، والجلوسُ على السرير المفضَّض.
* قوله: (ولا يجوز الأكل والشرب والادِّهان والتطيبُ في آنية الذهب
والفضة للرجال والنساء).
((لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك))(١).
- وكذا لا يجوز الأكل بملعقة الذهب والفضة، والاكتحالُ بميل
الذهب والفضة.
- وكذلك المُكحُلة، والمجمَرة (٢)، والمرآة، وغير ذلك.
- وأما الآنية من غير الذهب والفضة: فلا بأس بالأكل والشرب فيها،
والادِّهانِ والتطيِّبِ منها، والانتفاعِ بها للرجال والنساء، كالحديد والصُّفْر
والنحاس والرصاص والخشب والطين.
* قوله: (ولا بأس باستعمال آنية الزجاج والرصاص والبَلَّوْر والعقيق)،
وكذا الياقوت.
* قوله: (ويجوز الشُّرب في الإناء المُفْضَّص عند أبي حنيفة، والركوبُ
علىُ السَّرْجِ المفضَّ، والجلوسُ على السرير المفضَّض).
(١) صحيح البخاري (٥٤٢٦)، صحيح مسلم (٢٠٦٧).
(٢) المجمرة: هي المِبْخَرة. المصباح المنير (جمر).

٣٥٣
كتاب الحَظْر والإباحة
ويُكره التعشير في المصحف، والنَّقْطُ.
- هذا إذا كان يتقي موضعَ الفضة، أي يتَّقي موضعَ الفم.
وقيل: موضع الفم وموضع اليد أيضاً في الأخذ.
وفي السرير والسرج: موضعَ الجلوس.
وقال أبو يوسف: یکره ذلك.
وقول محمد: يُروى مع أبي حنيفة، ویروی مع أبي يوسف.
- وعلى هذا الخلاف: الإناءَ المضبَّب بالذهب والفضة، والكرسيّ
المضبَّب بهما.
- وكذا إذا فعل ذلك في السقف والمسجد وحلقة المرآة، وجعله على
المصحف واللِّجام.
- وكذا الكتابةُ بالذهب والفضة على الثوب: على هذا الخلاف.
- والخلاف: فيما يَخلُص، أما التمويه: لا بأس به، إجماعاً.
* قوله: (ويكره التعشيرُ في المصحف)، وهو التعليم والفصل بين كل
عشر آياتٍ بعلامة، يقال: إن في القرآن ستَّمائة وثلاثاً وعشرين عاشرة.
قوله: (والنَّقْطُ): إنما كان النقط مكروهاً فيما تقدم؛ لأنهم كانوا
عَرَباً صريحاً، لا يَعتريهم اللَّحْنُ والتصحيف، أما الآن فقد اختلطت العجم
بالعرب: فالنَّقْط والشَّكْلِ مستحبٌّ؛ لأن تَرْك ذلك إخلالٌ بالحفظ.

٣٥٤
كتاب الحَظْر والإباحة
ولا بأس بتحلية المصحف، ونَقْشِ المسجد وزَخْرفته بماء الذهب.
ويكره استخدامُ الخِصْیان.
ولا بأس بخِصاء البهائم، وإنزاءِ الحمير على الخيل.
قوله: (ولا بأس بتحلية المصحف، ونَقْش المسجد وزخرفته بماء
الذهب)؛ لأن المقصود بذلك التعظيمُ والتشريفُ.
- ويكره فعل ذلك على طريق الرياء، وزينة الدنيا.
- وفي ((الخُجَندي)): لا بأس به إذا كان من غير غَلَّة وقف المسجد،
أما إذا كان من غلّة وقف المسجد: لم يجز، ويَضمن المتولي ذلك.
قوله: (ويكره استخدام الخِصْيان)؛ لأن الرغبة في استخدامهم حث
للناس على هذا الطبع، وهو مُثْلة محرَّمَةٌ.
A3
* قوله: (ولا بأس بخصاء البهائم)؛ لأنه يُفعل للنفع؛ لأن الدابة
تَسْمَنُ، ويَطِيبُ لحمُها بذلك.
* قوله: (وإنزاء الحمير على الخيل)؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام
كان يركب البَغلة، ويتَّخذُها))(١)، فلو كان هذا الفعل مكروهاً: لما اتخذها،
ولا رکبها.
والذي روى ((أنه عليه الصلاة والسلام كره ذلك لبني هاشم))(٢): فلأن
الخيل كانت عندهم قليلة، فأحبَّ تکثیرَها.
(١) كما في صحيح البخاري (٢٨٦٤)، صحيح مسلم (١٧٧٥).
(٢) صحيح البخاري (مع الفتح) ٦/ ٧٤ (٢٨٧٣).

٣٥٥
كتاب الحَظْر والإباحة
ويجوز أن يُقْبَلَ في الهديةِ والإذنِ قولُ الصبيِّ، والعبدِ .
ويُقبَلُ في المعاملات قولُ الفاسق.
* قوله: (ويجوز أن يُقَبَلَ في الهدية والإذنِ قولُ العبد والجارية
والصبيِّ).
- وهذا إذا غلب على رأيه صدقُهم وثقتُهم، أما إذا لم يغلب على ظنه
ذلك: لم يسعه قبوله منهم.
- قال في ((المبسوط)) (١): إذا أتى صغيرٌ بفلوس إلى سوقٍ ليشتريَ بها
شيئاً منه، وأخبر أن أُمَّه أَمَرَتْه بذلك، فإن طلب الصابونَ أو الأُشنان أو
نحو ذلك: فلا بأس أن یبیعه.
وإن طلب الزبيبَ أو الحلوى أو ما يأكله الصبيان: ينبغي أن لا يبيعه
منه؛ لأن الظاهر أنه كاذبٌ، وقد عَثَرَ على فلوس أُمِّه، فأخذها ليشتريَ بها
حاجةً نفسه.
- قال في ((الجامع الصغير))(٢): إذا قالت جاريةٌ لرجل: بعثني مولاي
إليكَ هديةً: وسعه أن يأخذها؛ لأنه لا فرق بين ما إذا أَخبرت بإهداء
المولى نفسها أو غيرها.
قوله: (ويُقبَلُ في المعاملات قولُ الفاسق)، مثل الوكالات
والمضاربات والإذن في التجارات.
(١) ١٠ / ١٧٥.
(٢) ص٢٣٤.

٣٥٦
كتاب الحَظْر والإباحة
ولا يُقبلُ في أخبار الديانات إلا قولُ العدل.
ولا يجوز للرجل أن ينظر من الأجنبيّة إلا إلى وجهِها و کفَّيْها،
....
- وهذا إذا غلب على الرأي صدقُه، أما إذا غلب عليه كذبُه: فلا يَعمل
علیه.
: قوله: (ولا يُقبل في أخبار الديانات إلا قولُ العدل).
- ويُقبل فيها قولُ الحرِّ والعبد والأمة إذا كانوا عدولاً.
- ومن الديانات: الإخبار بنجاسة الماء، حتى إذا أخبره مسلمٌ مرضيّ
بنجاسة الماء: لم يتوضأ به، ويتيمم.
وإن كان المخبر فاسقاً: تحرَّى، فإن كان أكثرُ رأيه أنه صادقٌ: یتیمم،
ولا يتوضأ به.
وإن أراق الماءَ، وتيمم: كان أحوط.
وإن كان أكثر رأيه أنه كاذبٌ: يتوضأ به، ولا يتيمم، وهذا جواب
الحكم، أما في الاحتياط: يتيمم بعد الوضوء.
[أحكام النظر : ]
قوله: (ولا يجوز أن ينظر الرجلُ من الأجنبية إلا إلى وجهها
وكفيها)؛ لأن في إبداء الوجه والكف ضرورةً؛ لحاجتها إلى المعاملة مع
الرجال أخذاً وإعطاءً، وقد يُضطر إلى كشف وجهها للشهادة لها، وعليها
عند الحاکم، فرُخِّص لها فيه.
- وفي كلام الشيخ دلالة على أنه لا يباح له النظر إلى قدمها.

٣٥٧
كتاب الحَظْر والإباحة
فإن كان لا يأمَن الشهوةَ: لم ينظر إلى وجهها إلا لحاجة.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يباح له ذلك؛ لأن المرأة تضطر إلى
المشي، فتبدو قدمُها، فصار كالكفِّ.
ولأن الوجه يُشتهىُ، والقدمَ لا تُشتهى، فإذا جاز النظر إلى وجهها:
فقدمها أولى.
قلنا: الضرورة لا تتحقق في كشف القدم، إذِ المرأة تمشي في الجوربين
والخفين، فتستغني عن إظهار القدمين، فلا يجوز النظر إليهما.
* قوله: (فإن كان لا يأمن الشهوةَ: لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجةٍ)؛
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن نظر إلى محاسن امرأة أجنبية بشهوة:
صُبَّ في عينيه الآنُك يومَ القيامة))(١).
الآنُك: هو الرصاص.
- وقوله: إلا لحاجة: هو أن يريد الشهادةَ عليها: فيجوز له النظر إلى
وجهها وإن خاف الشهوةَ؛ لأنه مضطرٌّ إليه في إقامة الشهادة.
أصله: شهودُ الزنا الذين لا بدَّ من نظرهم إلى العورة إذا أرادوا إقامة
الشهادة.
- ولا يحلّ له أن يمسَّ وجهها ولا كفيها وإن كان يأمن الشهوة؛ لقيام
المُحرِّم، وانعدام الضرورة، بخلاف النظر؛ لأن فيه ضرورةً.
(١) قال في نصب الراية ٢٤٠/٤: غريب، وفي الدراية ٢٢٥/٢: لم أجده،
وكذلك في البناية ١٤ / ٤٧٥.

٣٥٨
كتاب الحَظْر والإباحة
والمحرِّم: قولُه عليه الصلاة والسلام: ((مَن مسَّ كف امرأة ليس له منها
سبيلٌ: وُضع على كفه جمرةٌ يوم القيامة)) (١).
ولأن اللمس أغلظُ من النظر، ولأن الشهوة فيه أكثرُ.
- وهذا إذا كانت شابةً تُشتهى، أما إذا كانت عجوزاً لا تُشتهى: لا
بأس بمصافحتها، ومسِّ يدها؛ لانعدام خوف الفتنة.
وقد روي ((أن أبا بكر رضي الله عنه كان يصافح العجائز))(٢).
((وعبدَ الله بن الزبير استأجر عجوزاً لتُمرِّضه، فكانت تغمز رجليه،
وتَفلي رأسه))(٣).
وروي «أن امرأةً مدَّت يدَها إلى إبراهيم النخعي لتصافحه، فقال لها:
اكشفي عن وجهك، فكشفَتْه، فإذا هي عجوزٌ، فصافحها))(٤).
- وكذا إذا كان شيخاً يأمن على نفسه، وعليها، أما إذا كان لا يأمن:
لا يحل له مصافحتُها.
- وإن عَطَسَت امرأةٌ: إن كانت عجوزاً: شمّتَها، وإلا: فلا.
(١) قال في نصب الراية ٢٤٠/٤: غريب، وفي الدراية ٢٢٥/٢: لم أجده.
(٢) قال في نصب الراية ٢٤٠/٤: غريب، وفي الدراية ٢٢٥/٢: لم أجده،
وكذلك في التعريف والإخبار ٣٧٢/٣.
(٣) قال في نصب الراية ٢٤٠/٤: غريب، وفي الدراية ٢٢٥/٢: لم أجده.
(٤) لم أقف عليه.

٣٥٩
كتاب الحَظْر والإباحة
ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها، وللشاهد إذا أراد الشهادة
عليها : النظرُ إلى وجهها وإن خاف أن يَشتهيَ .
ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها.
- وکذا ردُّ السلام علیھا: على هذا.
* قوله: (ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها، وللشاهد إذا أراد
أن يشهد عليها: أن ينظر إلى وجهها وإن خاف أن يشتهي)؛ للحاجة إلى
إحياء حقوق الناس بواسطة القضاء، وأداء الشهادة، ولكن ينبغي أن يقصد
به أداء الشهادة، والحكمَ عليها، لا قضاءَ الشهوة.
- وأما النظر لتحمُّل الشهادة إذا اشتهى: قيل: مباحٌ، كما في حالة
الأداء، والأصح أنه لا یباح؛ لأنه يوجد مَن لا یشتهي، فلا ضرورة.
ـ ومَن أراد أن يتزوج امرأةً: فلا بأس أن ينظر إليها وإن علم أنه
يشتهي؛ لأن المقصود إقامةُ السُّنَّة، لا قضاء الشهوة.
* قوله: (ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها).
- أما إذا كان المرض في سائر بدنها، غير الفرج: فإنه يجوز له النظر
إليه عند الدواء؛ لأنه موضع ضرورةٍ.
- وإن كان في موضع الفرج: فينبغي أن يُعلِّم امرأةً تداويها، فإن لم
توجد امرأةٌ تداويها، وخافوا عليها أن تهلك، أو يصيبها بلاء، أو وَجَعٌ لا
يُحتمل: ستروا منها كلّ شيءٍ، إلا الموضع الذي فيه العلة، ثم يداويها
الرجلُ، ويغضُّ بصرَه ما استطاع، إلا من موضع الجرح.

٣٦٠
كتاب الحَظْر والإباحة
وينظر الرجلُ من الرجل إلی جمیع بدنه، إلا ما بین سُرّته إلى ركبته.
ويجوز للمرأة أن تنظرَ من الرجل إلىُ ما يَنظرُ الرجلُ إليه منه.
وتنظرُ المرأةُ من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل.
وينظرُ الرجلُ من أَمَته التي تَحِلُّ له، وزوجتِه إلىُ فَرْجها.
- وكذلك نظرُ القابلةِ، والخَتَّان: على هذا.
[حدود العورات : ]
* قوله: (وينظرُ الرجل من الرجل إلى جميع بدنه، إلا ما بين سُرَّته
إلىُ رُكبته)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: ((لا تنظر إلى
فخذِ حيِّ ولا ميتٍ))(١).
وما يباحُ النظر إليه للرجل من الرجل: يباح المسُّ فيه.
* قوله: (ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما يجوز أن ينظر
الرجل إليه من الرجل) إذا أُمنت الشهوة.
- وذكر في ((الأصل)): أن نظر المرأة إلى الرجل الأجنبيِّ: بمنزلة نظر
الرجل إلى محارمه؛ لأن النظر إلى خلاف الجنس أغلظ.
* قوله: (وتنظر المرأةُ من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من
الرجل)؛ لوجود المجانسة، وانعدام الشهوة غالباً.
قوله: (وينظر الرجل من أمته التي تحلُّ له، ومِن زوجته إلى
فرجها)؛ لأنه يباح له وطؤها، والاستمتاع بها، وهو فوق النظر، فلأن
(١) سنن أبي داود (٣١٣٢) قال: وفيه نكارة، سنن ابن ماجه (١٤٦٠).