Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة
وتوضع الجزيةُ على أهل الكتاب، والمَجُوسِ، وعَبَدَةِ الأوثان من
العجم .
ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب، ولا المرتدِّین.
المُعتَمِلُ هو: الذي يقدر على تحصيل الدراهم والدنانير بأيِّ وجه
کان، وإن كان لا يُحسن الحرفة أصلاً.
- قال في ((الهداية))(١): ولا بدَّ أن يكون المعتمل صحيحاً، ويُكتفى
بصحته في أكثر السنة.
- وأما الفقير الذي ليس بمعتمِل: فلا جزيةً عليه عندنا.
* قوله: (وتُوضع الجزيةُ على أهل الكتاب، والمجوس، وعَبَدَة
الأوثان من العجم، ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب، ولا على
المرتدِّين)؛ لأن كفرهما قد تغلّظ.
- أما مشركو العرب: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين
أظهرهم، والقرآنُ نزل بلغتهم، فالمعجزة في حقهم أظهر.
- وأما المرتد: فإنه كَفَرَ بعد ما هدي للإسلام، ووقف على محاسنه:
فلا يُقبل من الفريقين إلا الإسلام، أو السيف؛ زيادةً في العقوبة.
ولأنهم لا يُقَرُّون على الكفر بالرِّق، فلا يجوز إقرارُهم عليه بالجزية.
(١) ١٦١/٢.

٣٢٢
فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة
ولا جزيةَ على امرأةٍ، ولا صبيٍّ، ولا زَمِنٍ، ولا أعمىً، ولا فقيرٍ غير
مُعْتَمِل، ولا على الرُّهبان الذين لا يخالطون الناس.
ومَن أسلم وعليه جزيةٌ : سَقَطَت عنه.
* قوله: (ولا جزيةَ على امرأةٍ، ولا صبيٍّ)؛ لأن الجزية وجبت بدلاً
عن القتال، أو القتل، وهما لا يُقتَلان، ولا يقاتلان؛ لعدم الأهلية.
قوله: (ولا علىْ زَمِنٍ، ولا على أعمىَ).
- وكذا المفلوج، ولا الشيخ الكبير؛ لما بيّنَا.
وقال أبو يوسف: عليهم الجزية إذا كانوا أغنياء؛ لأنهم يُقْتَلون في
الجملة إذا کان لهم رأيٌ.
ولنا: أنهم ليسوا من أهل القتال، فأشبهوا النساء والصبيان.
* قوله: (ولا على فقيرٍ غيرِ معتمِلٍ).
- وكذا لا توضع على المملوك والمكاتب والمدبر وأم الولد، ولا
يؤدي عنهم مواليهم.
* قوله: (ولا على الرهبان الذين لا يخالطون الناس).
- هذا محمول على أنهم إذا كانوا لا يقدرون على العمل، أما إذا كانوا
يقدرون: فعليهم الجزية؛ لأن القدرة فيهم موجودة، وهم الذين ضيَّعوها،
فصار كتعطيل أرض الخراج.
* قوله: (ومَن أسلم وعليه جزيةٌ: سقطت عنه)؛ لأنها تجب على وجه
العقوبة، فتسقط بالإسلام، كالقتل، أو لأنها تجب على وجه الإذلال،

٣٢٣
فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة
وإن اجتمع عليه حولان : تداخلت الجزية .
وذلك يسقط عنه بالإسلام.
- وكذا إذا مات ذمياً وعليه جزيةٌ: سقطت عنه لما مضى، ولا تُؤخذ
من تَرِکته، وهذا کله عندنا.
وقال الشافعي(١): لا تسقط عنه في الوجهين، أعني إذا أسلم، أو مات كافراً.
* قوله: (وإن اجتمع عليه حولان: تداخلت الجزية)، يعني تدخل
إحداهما في الأخرى، ويُقتصر على جزيةٍ واحدة.
وهذا عند أبي حنيفة؛ لأنه لمَّا وجبت عليه الجزيةُ في السنة الأولىُ،
ولم تؤخذ حتى دخلت السنة الأخرى، ووجبت جزيةٌ أخرى: اجتمع عليه
عقوبتان من جنسٍ واحد، فيجب الاقتصار على أحدهما، كالحدود.
وقال أبو يوسف ومحمد: تؤخذ منه؛ لأنها حقٌّ في مال، فلا يتداخلان،
کالديون والخراج والأجرة.
- وإن مات عند تمام السنة: لا تؤخذ منه، في قولهم جميعاً.
- وكذا إن مات في بعض السنة.
وقيل: خراجُ الأرض: على هذا الخلاف، وقيل: لا تداخل فيه، بالاتفاق.
- قال في ((الينابيع)): الجزيةُ تجب في أول الحول عند أبي حنيفة، إلا
أنها تؤخذ في آخر الحول قبل تمامه، من حيث يبقى منه يومٌ أو یومان.
(١) مغني المحتاج ٢٤٩/٤.

٣٢٤
فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة
* ولا يجوز إحداثُ بِيْعةٍ، ولا كنيسةٍ في دار الإسلام.
وإِذا انهدمت الكنائسُ، والبِيَعُ القديمة : أعادوها.
وقال أبو يوسف: تُؤخذ الجزية حين تدخلُ السنةُ، ويمضيَ شهران
منها.
[التعامل مع أهل الذمة : ]
* قوله: (ولا يجوز إحداثُ بِيْعةٍ، ولا كنيسةٍ في دار الإسلام).
- فأما إذا كانت لهم بِيَعٌ وكنائسُ قديمة: لم يُتعرَّض لهم في ذلك؛ لأنا
أقررناهم على ما هم عليه، فلو أخذناهم بنَقْضها: كان فيه نقضٌ لعهدهم،
وذلك لا يجوز.
* قوله: (وإذا انهدمت الكنائسُ والبَيَعُ القديمةُ: أعادوها)، إلا أنهم
يُمنعون من الزيادة على البناء الأول.
- وكذا ليس لهم أن يُحوِّلوها من الموضع الذي هي فيه إلى موضعٍ
آخر من المصر.
- قال في ((الهداية))(١): والصومعة للتخلِّي فيها: بمنزلة البيعة.
وقال محمدٌ: لا ينبغي أن لا يُترك في أرض العرب كنيسةٌ، ولا بِيعةٌ.
- ولا يُباع فيها الخمر والخنزير، مصراً كان أو قريةً.
- ويُمنَع أهلُ الذمة أن يتخذوا أرضَ العرب مسكناً أو وطناً، قال عليه
(١) ٢/ ١٦٢.

٣٢٥
فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة
ويُؤخذُ أهلُ الذمَّة بالتميُّز عن المسلمين في زِيِّهم، ومراكِبِهِم،
وسُروچھم، وقَلانِسِھم.
الصلاة والسلام: ((لا يَجتمعُ دينان في جزيرة العرب))(١).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لئن عشتُ إلىُ قابِل لأَخرجنَّ النصارى
من نجران))(٢).
قوله: (ويُؤخذ أهلُ الذمة بالتميُّز عن المسلمين في زِيِّهم،
ومراكبهم، وسُروجهم، وملابسهم، وقَلانسهم).
(لأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد: أن يأمروا أهل الذمة
أن يَختِموا في رقابهم بالرصاص، وأن يُظهِروا مناطقَهم، وأن يُجِدَّفوا
براذينَهم، ولا يتشبَّهوا بالمسلمين في أثوابهم))(٣).
ولأن الكافر لا تجوز موالاته، ولا تعظيمُهُ، فإذا اختلط زِيُّهم، ولم
يتميزوا: لم نأمن أن نواليَهم ظّاً منا أنهم مسلمون.
- وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تبدؤوهم بالسلام، وألجئوهم إلى
أضيق الطريق))(٤).
(١) مصنف عبد الرزاق (١٩٣٦٧)، مرسلاً عن سعيد بن المسيب، موطأ
مالك ٨٩٢/٢ مرسلاً عن ابن شهاب، قال العلامة قاسم في تخريج الاختيار
ص٣٧٣: وصله ابن إسحاق في السيرة، وينظر نصب الراية ٤٥٤/٣.
(٢) ينظر لإخراج النصارى من نجران الأحاديث المختارة للضياء المقدسي
٣١٩/٣، سنن البيهقي ٢٠٨/٩، مجمع الزوائد ١٨٥/٥.
(٣) الأموال، لأبي عبيد (١٣٧)، سنن البيهقي ٢٠٢/٩.
(٤) صحيح مسلم (٢١٦٧).

٣٢٦
فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة
ولا يَركبون الخيلَ، ولا يَحْمِلون السِّلاحَ.
فإذا لم نعرفهم: لم نأمن أن نبدأهم بالسلام.
ـ ولأنه قد يموت أحدُهم وهو غيرُ متميِّزٍ بزِيِّه، فنصلي عليه، وندفنه
في مقابر المسلمين، ونستغفر له، وذلك لا يجوز.
- قال أبو حنيفة: لا ينبغي أن يُترك أحدٌ من أهل الذمة يتشبّه بالمسلم
في لباسه، ولا في مَركبه، وهيئته، ولا يلبسوا طَيَالسةً مثل طيالسة
المسلمين، ولا أرديةً مثل أرديتهم، ويُمنعون أن يلبسوا لباساً يختص به
أهل العلم والزهد والشرف.
- وينبغي أن يؤخذوا حتى يَجعل كلّ واحد منهم في وسطه زِنَّاراً،
وهو خيطٌ عظيمٌ من الصوف يَعقده على وسطه، ويكون في الغِلَظ بحيث
يَظهر للرائي.
- ويلبس قَلَنْسُوةً طويلةً سوداءَ من اللُّبَد، يُعرف بها، لا تُشِهِ قلانسَ
المسلمین.
- ويُجعل على بيوتهم علاماتٌ؛ كي لا يقف عليها سائلٌ يدعو لهم
بالمغفرة.
- ويجب أيضاً أن يتميز نساؤهم عن نسائنا في الزِّيِّ والهيئة.
* قوله: (ولا يركبون الخيلَ، ولا يحملون السلاحَ)؛ لأن في ذلك
توسعةً عليهم، وقد أُمرنا بالتضييق عليهم.
ولأنا لا نأمن إذا فعلوا ذلك: أن تقوی شوکتُهم، فيعودوا إلى حربنا.

٣٢٧
فصل في الجزية وأحكام أهل الذمة
ومَن امتنع من أداء الجزية، أو قَتَل مسلماً، أو سبَّ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم، أو زنى بمسلمةٍ : لم يُنْقَضْ عهدُه.
ولا يَنتقضُ العهدُ إلا بأن يَلْحَق بدار الحرب، أو يَغلبوا على موضع،
فیحاربونا .
- وليس لهم أن يبيعوا الخمرَ والخنزير بعضُهم على بعض في ديار
المسلمين علانيةَ، ولا يُدخلون ذلك في أمصار المسلمين ولا قُراهم؛ لأنه
فسقٌ، ولا يحلّ إظهارُ الفسق في بلاد المسلمين؛ لأنهم إذا أظهروه: لم
يُؤمَن أن يألفه المسلمون.
: قوله: (ومَن امتنع من أداء الجزية، أو قَتَلَ مسلماً، أو سبَّ النبيَّ
صلى الله عليه وسلم، أو زنى بمسلمةٍ: لم يُنقَض عهدُه).
أما إذا امتنع من أداء الجزية: أمكن الإمامُ أَخْذَها منه.
- وكذا إذا قَتَلَ مسلماً، أو زنى بمسلمة: أمكن الإمامُ استيفاء القصاص
منه، وإقامة الحدود علیه.
وأما سبُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: فلا يكون نَقْضاً للعهد عندنا؛
لأنه كفرٌ، والكفرُ المقارِن له لا يمنعه، فالطارئ لا يرفعُه.
ولأن سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم يجري مجرىُ سبِّ الله تعالى،
وهم يسبون الله تعالى، فيقولون: له ولدٌ.
* قوله: (ولا ينتقض العهدُ إلا أن يلحقوا بدار الحرب، أو يَغلبوا
على موضعٍ، فيحاربونا)؛ لأنهم إذا لحقوا بدار الحرب: صاروا حرباً
علينا، فَيَعرى عقدُ الذمة عن الفائدة، وهو دفع شرُّ الحِرَاب.

٣٢٨
فصل في أحكام المرتدِّين
[فصل في أحكام المرتدِّين]
وإذا ارتدَّ المسلمُ عن الإسلام: عُرِضَ عليه الإسلامُ، فإن كانت له
شبهةٌ : گُشِفَت له،
فصل في أحكام المرتدِّین
* قوله (وإذا ارتدَّ المسلمُ عن الإسلام، والعياذُ بالله: عُرِض عليه
الإسلامُ، فإن كانت له شبهةٌ: كُشفت له)؛ إلا أن العرض على ما قالوا غيرُ
واجبٍ؛ لأن الدعوة قد بلغَتْه. كذا في ((الهداية))(١).
- وفي ((الخُجَندي)): إذا ارتدَّ البالغُ عن الإسلام: فإنه يُستتاب، فإن
تاب وأسلم، وإلا: قُتل مكانَه.
- ومَن سبَّ الشيخين، أو طَعَنَ فيهما: يُكفَر، ويجب قتلُه.
- ثم إن رجع وتاب، وجدَّ الإسلامَ: هل تقبل توبته، أم لا؟
قال الصدر الشهيد: لا تُقبل توبتُه وإسلامُه، وبه أخذ الفقيه أبو الليث
السمرقندي، وأبو نصرٍ الدَّبوسيُّ، وهو المختار للفتوى، إلا إذا طلب أن
يؤجَّل: فإنه يؤجَّل ثلاثة أيام، ولا يُزاد عليها، ولا تُقبل منه جزيةٌ.
(١) ١٦٤/٢.

٣٢٩
فصل في أحكام المرتدِّین
ويُحْبَسُ ثلاثةَ أيام، فإن أسلم، وإلا : قُتِل.
فإن قَتَلَه قاتلٌ قبل عَرْض الإسلام عليه: كُره له ذلك، ولا شيءَ علىُ
القاتل.
وأما المرأة إذا ارتدَّت : فلا تُقْتُلُ، ولكن تُحبس حتى تُسْلِم.
: قوله: (ويُحبَس ثلاثةَ أيام، فإن أسلم، وإلا: قُتل).
هذا إذا استَمهَل، فأما إذا لم يَستمهِل: قُتل من ساعته.
- قال في ((الفوائد)): لا يجوز الإمهال بدون الاستمهال، في ظاهر الرواية.
وعن أبي يوسف: يُستحب الإمهالُ وإن لم يَستمهِل، وكذا روي عن
أبي حنيفة أيضاً.
- وفي ((الجامع الصغير)) (١): يُعرض عليه الإسلام، فإن أبىُ: قُتل، ولم
يَذكر الإمهالَ، فيُحمل على أنه لم يَستمهِل.
* قوله: (فإن قَتَلَه قاتلٌ قبل عَرْض الإسلام عليه: كره له ذلك، ولا
شيءَ على القاتل)؛ لأن القتل مستَحَقٌّ عليه بكفره، والكفرُ يُبيحُ الدمَ،
والعَرْضُ بعد بلوغ الدعوة: غیرُ واجب.
: قوله: (وأما المرتدةُ: فلا تُقتل، ولكن تُحبس حتى تُسلِم)، سواء
كانت حرةً أو أمةً، إلا أن الأمة يُجبرها مولاها على الإسلام، ويُفُوَّضُ
ضربُها وتأديبُها إليه، ولا يطؤها .
(١) ص١٥٨.

٣٣٠
فصل في أحكام المرتدِّین
ويزول ملْكُ المرتدِّ عن أمواله برِدَّته زوالاً مراعىّ، فإن أسلم: عادت
على حالها .
وإن مات، أو قُتِل على رِدَّته: انتقل ما كان اكتسبه في حال إسلامه
إلى ورثته المسلمين، وكان ما اكتسبه في حال رِدَّته : فَيْئاً.
- وكيفية حبس المرأة: أن يحبسها القاضي، ثم يُخرجها في كل يوم
يَعرِض عليها الإسلامَ، فإن أبت: ضَرَبَها أسواطاً، ثم يَعرض عليها الإسلامَ،
فإن أبت: ضربها أسواطاً، ثم يعرض عليها الإسلامَ، فإن أبت: حَبَسَها، يفعل
بها هكذا كلّ يوم أبداً حتى تُسلم، أو تموت.
- والعبدُ يُستتاب، فإن أسلم، وإلا : قُتل، وأكسابُه تكون لمولاه.
- وإذا ارتدَّ الصبيُّ عن الإسلام، وهو يعقل: فارتدادُه ارتدادٌ عندهما،
ويُجبر على الإسلام، ولا يُقتل، وإسلامُه إسلامٌ، حتى لا يرث أبويه
الکافرین، وإذا مات مرتداً: لم يُصلّ علیه.
وقال أبو يوسف: ارتداده ليس بارتدادٍ، وإسلامُه إسلامٌ.
والذي يعقل هو: الذي يَعرف أن الإسلام سببُ النجاة، ويميِّز الخبيثَ
من الطيب.
* قوله: (ويزولُ ملكُ المرتدِّ عن أملاكه برِدَّته زوالاً مراعى)، عند
أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول.
قوله: (فإن أسلم: عادت أملاكُه على حالها، وإن قُتل أو مات على
ردته: انتقل ما کان اكتسبه في حال إسلامه إلى ورثته المسلمين، وكان ما
اكتسبه في حال ردته: فيئاً)، يعني أنه يوضع في بيت المال.

٣٣١
فصل في أحكام المرتدِّين
- وكذا إذا لحق بدار الحرب مرتداً، وحُكم بلَحاقه، وهذا قول أبي
حنيفة، وقالا: كلا الكسبَيْن لورثته المسلمین.
وقال الشافعي(١): كلاهما فيءٌ؛ لأنه مات كافراً، والمسلم لا يرث
الكافرَ.
ولهما: أن ملكه في الكسبَيْن بعد الردة باقٍ، على ما بيَّنَّاه، فينتقل
بموته إلى ورثته، ويستند التوريثُ إلى ما قبل ردته، إذ الردة سببُ
الموت، فيكون توريثُ المسلم من المسلم.
ولأن الردة لما كانت سبباً للموت: جُعلت موتاً حُكماً، فكان آخرُ
جزء من أجزاء إسلامه: آخرَ جزءٍ من أجزاء حياته حُكماً، فيرث الوارثُ
المسلمُ ما كان ملكاً له في تلك الحال.
ولأبي حنيفة: أن کسبه في حال ردته کسبُ مباح الدم، وليس فيه حقِّ
لأحدٍ، فكان فيئاً، كمال الحربي.
- وإنما احترزنا بقولنا: ليس فيه حقٌّ لأحدٍ: عن المكاتب إذا ارتدَّ،
واكتسب مالاً في حال ردته: فإنه لا يكون فيئاً، ويكون لمولاه؛ لأن حقه
متعلِّقٌ به.
- وإذا ثبت أن ما اكتسبه في حال الإسلام لورثته المسلمين: قال أبو
حنيفة: يُعتبر حالُ ورثة المرتد بيوم ارتداده، لا بيوم موته ولا قبله، فإن
(١) مغني المحتاج ١٤٢/٤.

كان حراً مسلماً يومئذ: ورث، وإن كان عبداً، أو كافراً: لم يرث.
وإن أُعتق، أو أسلم قبل أن يُقتل المرتد أو يموت: لم يرث.
وقال أبو يوسف ومحمد: يُعتبر حاله يوم يموت، أو يُقتل، أو يُحكم
بلَحاقه بدار الحرب؛ لأن من أصلهما: أن ملك المرتد لم يَزْل بالردة،
وإنما يزول بالموت أو القتل أو الحكم باللَّحاق، فاعتُبر حال الوارث في
تلك الحال.
ومن أصل أبي حنيفة: أن ملك المرتد يزول في آخر جزءٍ من أجزاء
إسلامه، كما يزول ملكُ المسلم يوم الموت في آخر جزءٍ من أجزاء
حياته، فكما وجب اعتبارُ حال وارث المسلم يوم الموت: فكذا يُعتبر حالُ
وارث المرتد یومَ الردة. کذا في ((شرحه)).
- وفي ((الهداية)) (١): إنما يرثه مَن كان وارثاً له حالة الردة وبقيَ وارثاً
إلى وقت موته، في روايةٍ عن أبي حنيفة.
قالوا: وهي رواية الحسن عنه، حتى إن مَن مات قبل ذلك: لا يرث.
وفي رواية عنه: أنه يرثه مَن كان وارثاً له عند الردة، ولا يبطل
استحقاقه بموته، بل يخلُّفُه وارثُه؛ لأن الردة بمنزلة الموت.
قالوا: وهي رواية أبي يوسف عنه.
(١) ١٦٦/٢.

٣٣٣
فصل في أحكام المرتدِّین
وإن لَحِقَ بدار الحرب مرتدَّاً، وحَكَم الحاكمُ بلَحَاقه: عَتَقَ مُدَبَّروه،
وأمهاتُ أولاده، وحَلَّت الديونُ التي عليه، ونُقِلَ ما اكتسبه في حال
الإسلام إلى ورثته المسلمين.
- والمرتدة: كسبُها لورثتها؛ لأنه لا حِرَاب منها، فلم يوجد سببٌ
الفيء، بخلاف المرتد عند أبي حنيفة.
- ويرثها زوجُها المسلمُ إن ارتدت وهي مريضةٌ؛ لأنها فارَّةٌ.
وإن كانت صحيحةً: لا يَرِثُها؛ لأنها لا تُقتل، فلم يَتعلَّق حقَّه بمالها
بالردة، بخلاف المرتد، فإنه إذا ارتدَّ وهو صحيحٌ: فإنها ترث؛ لأن الزوج
يُقتل، فأشبه الطلاقَ في المرض.
* قوله: (وإن لَحِقَ بدار الحرب مرتداً، وحَكَمَ الحاكمُ بلَحَاقه: عَتَقَ
مدبّروه، وأمهاتُ أولاده)، يعني من الثلث، (وحلّت الديونُ التي عليه)،
وهذا قولهم جميعاً.
أما على أصل أبي حنيفة: فإن زوال ملكه بالردة مراعىّ، والحكم باللحاق:
بمنزلة موته، ولو مات: استقر زوال ملكه، وعتق مدبروه وأمهات أولاده.
وأما على أصلهما: فإن ملكه لم يَزُل بالردة، وإنما يزول بالموت أو
باللَّحاق إذا حكَمَ به حاكمٌ، فاتفق الجوابُ فيه.
وأما مکاتبُه: فيؤدِّي مال الكتابة إلى ورثته، ویکون ولاؤه للمرتد، كما
يكون ولاؤه للمولى الميت، وإذا استقرَّ زوالُ ملكه باللحاق: حلَّت دیونُه
المؤجلة، کما لو مات.
* قوله: (ونُقِلَ ما اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته من المسلمين)؛
لأنه باللَّحاق صار من أهل دار الحرب، وهم أمواتٌ في حق أحكام أهل

٣٣٤
فصل في أحكام المرتدِّین
وتُقْضى الديونُ التي لَزِمَتْه في حال الإسلام: مما اكتسبه في حال الإسلام.
وما لزمه من الدیون في حال رِدَّته : مما اكتسبه في حال ڕِدَّته.
وما باعه، أو اشتراه، أو تصرّف فيه من أمواله في حال ردَّته : موقوفٌ.
فإن أسلم: صحَّت عقودُه، وإن مات، أو قُتِل، أو لَحِقَ بدار
الحرب : بَطَلَت.
الإسلام؛ بانقطاع ولاية الإلزام، كما هي منقطعةً عن الموتى، فصار
كالموت، إلا أنه لا يَستقرُّ لَحاقُه إلا بقضاء القاضي؛ لاحتمال العَوْد إلينا،
فلا بدٍّ من القضاء.
* قوله: (وتُقضىُ الديونُ التي لزمَتْه في حال الإسلام مما اكتسبه في
حال الإسلام، وما لزمه من الديون في حال ردته: يُقضى مما اكتسبه في
حال ردته)، وهذه روايةً عن أبي حنيفة، وهي قولُ زفر.
وعن أبي حنيفة: أن ديونه كلّها: مما اكتسبه في حال الردة خاصة ،
فإن لم تفٍ: كان الباقي فيما اكتسبه في حال الإسلام؛ لأن كسبَ الإسلام
حقُّ الورثة، وكسبَ الردة: خالصُ حقّه، فكان قضاء الدين منه أَوْلى، إلا
إذا لم يفِ: فحينئذٍ تُقضى من كسب الإسلام.
[أحكام تصرفات المرتد : ]
* قوله: (وما باعه، أو اشتراه، أو تصرّف فيه من أمواله في حال
ردته: موقوفٌ، فإن أسلم: صحَّت عقودُه، وإن مات أو قُتل أو لَحِقَ بدار
الحرب: بطلت)، وهذا عند أبي حنيفة.
(١) أي تُقضى ديونه كلها مما اكتسبه في حال الردة. البناية ١٦٧/٢.

٣٣٥
فصل في أحكام المرتدِّين
وإن عاد المرتدُّ بعد الحكم بلَحَاقه إلى دار الإسلام مسلماً: فما وَجَدَه
في يد ورثته من ماله بعَيْنه : أَخَذه.
وعندهما: تصرفاته جائزة، إلا أن عند أبي يوسف هي كتصرفات
الصحیح، فلا تبطل بموته، ولا يُحكم بلحاقه.
وعند محمد: هي كتصرفات المريض، فتصح كما تصح من المريض؛
لأن الارتداد يُفضي إلى القتل ظاهراً، فإذا مات أو حُكم بلَحاقه: جاز عتقُه
وهبتُه وصدقتُه ومحاباته من الثلث عند محمد، کما یکون من المریض.
- بخلاف المرتدة: فإنها لا تُقتل، فتصرفاتها: كتصرفات الصحيح.
* قوله: (وإذا عاد المرتدُّ بعد الحكم بلَحاقه إلى دار الإسلام مسلماً،
فما وجده في يد ورثته من ماله بعينه: أَخَذَه)؛ لأن الوارث إنما يخلفه
لاستغنائه عنه، فإذا عاد مسلماً: احتاج إليه، فيُقدَّم عليه.
- وأما إذا باعه الوارثُ قبل الرجوع أو وَهَبَه أو أعتقه: فلا رجوعَ له
فيه؛ لأن الملك زال عمن يملكه، فصار كملك الموهوب له إذا زال، فإنه
يسقط حق الرجوع، كذلك هذا.
- ولا ضمانَ على الوارث فيما تصرف فيه قبل رجوعه مسلماً؛ لأنه
تصرف على ظاهر ملکه، کتصرف الموهوب له.
- وهذا كله إذا لَحِق وحُكم بلَحاقه، أما إذا رجع مسلماً قبل أن يُحكم
بلحاقه: فجميع أمواله على حالها، ولا يَعتق مدبروه ولا أمهات أولاده.

٣٣٦
فصل في أحكام المرتدِّين
والمرتدَّةُ إذا تصرَّفت في مالها في حال رِدَّتها : جاز تصرُّفها.
ونصارى بني تَغْلبَ يُؤْخَذُ من أموالهم ضِعْفُ ما يُؤْخَذُ من المسلمين
من الزكاة،
قوله: (والمرتدَّةُ إذا تصرَّفت في مالها في حال رِدَّتها: جاز
تصرُّفها)؛ لأن ملکها لا يزول بردتها.
- ثم هي لا تُقتل، ولكن تُحبس، وتُجبر على الإسلام، فإن ماتت في
الحبس أو لَحِقت: كان مالُها ميراثاً لورثتها.
- ولا يرث زوجُها منه شيئاً؛ لأن الفرقة وقعت بالردة، إلا إذا ارتدت وهي
مريضةٌ، فماتت من ذلك المرض: حينئذ يرث منها؛ لأنها قصدت الفرار.
- والزوجُ إذا ارتدَّ وهو صحيحٌ: فإنها ترث منه؛ لأنه يُقتل، فأشبه
الطلاقَ في مرض الموت.
* قوله: (ونصارى بني تَغْلِب يؤخذ من أموالهم ضِعفُ ما يُؤخذُ من
المسلمين من الزكاة).
وهم قومٌ من نصارى العرب، بقُرب الروم، ((طلب عمر رضي الله عنه
منهم الجزية، فقالوا: نحن قومٌ لنا شَوْكةٌ، نأنف من ذُلِّ الجزية، فإن أردتَ
أن تأخذ منا الجزيةَ: فإنا نلحق بأعدائك بأرض الروم، وإن أردتَ أن تأخذ منا
ضعفَ ما تأخذه من المسلمين: فلك ذلك، فصالحهم عمرُ رضي الله عنه
على الصدقة، والمضاعفة، وقال لهم: هذه جزيةٌ، فسمُّوها ما شئتم))(١).
(١) عزاه في نصب الراية ٢/ ٣٦٢ للبيهقي وأبي عبيد وغيرهما من عدة طرق.

٣٣٧
فصل في أحكام المرتدِّین
ويُؤخذ من نسائهم، ولا يُؤخذ من صبيانهم.
وكان ذلك بحضرة الصحابة رضي الله عنهم.
- وتُوضع علىُ موالي التغلبي الجزيةُ، وخراجُ الأرض.
وقال زفر: يضاعف عليهم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مولى القوم
منهم))(١).
ألا ترى أن مولى الهاشمي يلحق به في حق حرمان الصدقة.
ولنا: أن أَخْذ مضاعفة الزكاة تخفيفٌ؛ لأنه ليس فيه وصف الصَّغار،
فالمولى فيه لا يلحق بالأصل، ولهذا توضع الجزية على مولى المسلم إذا
كان نصرانياً.
* قوله: (ويؤخذ(٢) من نسائهم، ولا يؤخذ من صبيانهم)؛ لأن الصلح
على الزكاة: المضاعفةُ، والزكاةُ تجب على النساء، دون الصبيان، فكذا
المضاعَفُ.
وقال زفر: لا يؤخذ من نسائهم أيضاً؛ لأنه جزيةٌ في الحقيقة، كما قال
عمر رضي الله عنه: هذه جزيةٌ، فسمُّوها ما شئتم، ولهذا تُصرَف مصارفَ
الجزية، ولا جزيةَ على النساء.
ولنا: أن هذا مالٌ وجب بالصلح، والمرأةُ من أهل وجوب مثله عليها.
(١) سنن أبي داود (١٦٥٠)، سنن الترمذي (٦٥٧)، وقال: حسن صحيح،
وينظر البدر المنير ١٣٢/٢٦.
(٢) أي المضاعَف من الزكاة.

٣٣٨
فصل في أحكام المرتدِّین
وما جَبَاه الإمامُ من الخراج، ومن أموال بني تغلب، وما أهداه أهلُ
الحرب إلى الإمام، والجزيةُ : يُصْرَف في مصالح المسلمين .
فتُسَدُّ منه الثغور، وتُبنى القناطرُ والجسورُ.
- وفي أرض الصبيِّ والمرأة التغلبيين: ما في أرض الرجل منهم، يعني
العشرُ مضاعفاً في العُشر، والخراجُ الواجب في الخراجية.
- ثم على الصبي والمرأة إذا كانا من المسلمين: العشرُ، فكذا يُضعَّف
عليهما إذا كانا من بني تغلب.
- وإذا اشترى التغلبيُّ أرضَ عُشرٍ: فعليه عُشران عندهما.
وقال محمدٌ: عشرٌ واحدٌ.
- فإن أسلم التغلبيُّ، أو باعها من مسلم: لم يتغيّر العُشران عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: عُشرٌ واحدٌ.
* قوله: (وما جباه الإمامُ من الخراج، ومن أموال نصارى بني تغلب،
وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام، والجزيةُ: تُصرَف في مصالح المسلمين،
فتُسدُّ به الثغور).
الثَّغْرِ: موضعُ المَخافة ، وإمكانُ دخول العدوِّ منه.
* قوله: (وتُبنى به القناطرُ، والجسورُ).
وفائدة ذلك: أنه لا يُخمَّس، ولا يُقسم بين الغانمين.

٣٣٩
فصل في أحكام المرتدِین
ويُعطى قضاةُ المسلمين، وعُمَّالُهم، وعلماؤهم منه ما يكفيهم، وتُدْفَع
منه أرزاقُ المقاتلة، وذرارِيْهم.
قوله: (ويُعطى قُضاة المسلمين، وعمَّلُهم، وعلماؤهم منه ما
يكفيهم، وتُدفع منه أرزاق المقاتلة، وذراريهم)؛ لأنه مالٌ معدٌّ لمصالح
المسلمين، وهؤلاء عَمَلتُهم، ونفقةُ الذراري على الآباء، فلو لم يُعطَوْا
كفايتهم: لاحتاجوا إلى الاكتساب، فلم يتفرغوا إلى القتال.
- قال في ((الذخيرة)): إنما يَقبلُ الإمامُ هديةَ أهلِ الحرب إذا غلب على
الظن أن المشرِك وقع عنده أن المسلمين يقاتلون لإعلاء كلمة الله تعالى،
وإعزازِ الدين، لا لطلب الدنيا.
- أما مَن كان من المشركين يَغْلِب الظنُّ على أنه يَظْنُّ أن المسلمين
يقاتلون طمعاً: لا تُقبل هدیتُه.
وقيل: إنما تُقبل من شخصٍ لا يُطمَع في إيمانه لو رُدَّت هديتُه، أما
مَن يُطمَع في إيمانه إذا رُدَّت هديتُه: لا تُقبل منه.

٣٤٠
كتاب البُغَاة
كتاب البُغَاة
وإذا تغلَّبَ قومٌ من المسلمين على بلدٍ، وخَرَجوا عن طاعة الإمام :
دعاهم إلىُ العَوْد إلى الجماعة، وكَشَفَ عن شُبْهتهم.
ولا يبدؤهم بقتالٍ حتى ییدؤوه، .
كتاب البُغَاة
* قوله: (وإذا تغلّب قومٌ من المسلمين على بلدٍ، وخرجوا عن طاعة
الإمام: دعاهم إلى العَوْد إلى الجماعة، وكَشَفَ عن شُبْهتهم).
يعني يسألهم عن سبب خروجهم، إن كان لأجل ظلمٍ: أزاله عنهم،
وإن لم يكن خروجُهم لذلك، ولكنهم قالوا: الحقُّ معنا، وادَّعَوْا الولايةَ:
فهم بغاةً، وللسلطان أن يقاتلهم إذا كانت لهم شوكةٌ وقوةٌ.
- ويجب على الناس أن يعينوا السلطانَ، ويقاتلوهم معه؛ لقوله
تعالى: ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىَءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾. الحجرات/٩، أي حتى
ترجع عن البغي إلى كتاب الله، والصلح الذي أُمَرَ الله به.
والبغيُ هو: الاستطالةُ والعدولُ عن الحق، وعما عليه جماعة المسلمين.
: قوله: (ولا يبدؤهم بقتالٍ حتى يبدؤوه).