Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ کتاب السِّير ولم يَجُزْ لأحدٍ من المسلمين قتلُهم، إلا أن تكون في ذلك مفسدةٌ، فَيَنْبِذُ الإمامُ إليهم. وروي ((أن أمَّ هانئ بنتَ أبي طالب أجارت حَمُوَيْن لها من بني مخزوم، وهما: الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، فتلفَّت أخوها عليٌّ كرم الله وجهه عليهما ليقتلهما، وقال أتُجِيرين المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقالت: والله لا تقتلهما حتى تقتلني قبلهما، ثم أغلقت دونَه البابَ، ومَضَتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! ما لقيتُ من ابن أبي وأمي، وذكرت له القصة، فقال: ما كان له ذلك، قد أَجَرْنا مَن أجَرْتٍ، وأمَّا مَن أمَّنْتِ)) (١). : قوله: (ولا يجوز لأحدٍ من المسلمين قَتْلُهم، إلا أن تكون فيه مفسدةٌ: فَيَنِبِذُ إليهم الإمام)؛ لأنه إذا كان يلحق المسلمين بذلك وَهْنٌ ومذلةٌ: كان للإمام نقضُه، فينبذ إليهم، كما إذا أمَّنهم الإمامُ بنفسه. - قال في ((الكرخي)): والمراهق إذا كان يعقل الإسلامَ: لا يصح أمانُه عند أبي حنيفة حتى يبلغ. وقال محمد: يصح؛ لأنه من أهل القتال، كالبالغ. ولأبي حنيفة: أنه لا يملك العقودَ، والأمانُ عقدٌ من العقود. (١) صحيح البخاري (٣١٧١)، صحيح مسلم (٣٣٦)، وينظر البدر المنير ٢٩٥/٢٢. ٢٨٢ کتاب السِّير ولا يجوز أمانُ ذمِّي، ولا أسيرٍ، ولا تاجرٍ يَدخل عليهم . ولا يجوز أمانُ العبد عند أبي حنيفة، إلا أن يأذن له مولاه في القتال. وقال أبو يوسف ومحمد : يصحُّ أمانُه. وإِذا غلب التُّرْكُ على الرُّوم، فسَبَوْهم، وأخذوا أموالَهم: مَلَكُوها. قوله: (ولا يجوز أمانُ ذميٌّ)؛ لأنه مثَّهمٌ على المسلمين؛ لأنه يقصد تقوية الكفار، وإظهارَ كلمتهم؛ ولأنه لا ولاية له على المسلمين. * قوله: (ولا الأسيرِ، ولا التاجرِ الذي يدخل عليهم). - وكذا مَن أسلم هناك، ولم يهاجر إلينا: لا يجوز أمانُه؛ لأن هؤلاء يضطرون إلى ما يريده الكفار ليتخلَّصوا بذلك من الضرر. : قوله: (ولا يجوز أمانُ العبد عند أبي حنيفة، إلا أن يأذن له مولاه في القتال)؛ لأن العبد لا يملك القتالَ بنفسه، فهم آمنون منه، فلا يصح أمانه؛ ولأنه لا يملك الولاية، فصار كالصبي والمجنون. * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يصح أمانُه)، أَذِن له في القتال أو لم یأذن له. - قال في ((الينابيع)): إذا قال أهلُ الحرب: الأمانَ الأمانَ، فقال رجل حرٌّ من المسلمين، أو امرأةٌ حرةٌ: لا تخافوا، ولا تذهلوا، أو: عهدُ الله وذمتُه، أو: تعالَوْا واسمعوا الكلام: فهذا كله أمانٌ صحيحٌ. قوله: (وإذا غلب التُّرْكُ على الروم، فسَبَوْهم، وأخذوا أموالَهم: مَلَكوها)، يعني أخذوا أموالَهم، واسترقوا أولادَهم: فإنهم يملكون ذلك، ٢٨٣ کتاب السِّير فإن غَلَبنا على التُّرْك والرُّوم، فسَبَيْناهم، وأخذنا أموالَهم: حلَّ لنا ما نجده من ذلك. وإذا غلبوا على أموالنا، فأحرزوها بدارهم : مَلَكُوها. وانقطع حقُّ الأولين عنها، فصارت مالاً لهم. - وكذا إذا غلب الروم على الترك: فهو كذلك. والتُّرُكيُّ حربيٌّ مثلُ الرومي. * قوله: (فإن غلبنا على الترك والروم، فسبيناهم، وأخذنا أموالَهم: حلَّ لنا ما نأخذه من ذلك)، أي من أموالهم وأولادهم، ولا يمنع صلحُنا مع أحد الفريقين من ذلك؛ لأن الأخذ منهم بمنزلة الشراء، ولو اشتريناه منهم: ملكناه، فكذا إذا غلبناهم علیه. * قوله: (فإن غلبوا على أموالنا، وأحرزوها بدارهم: ملكوها). اعلم أن الكفار إذا غلبوا على أموال المسلمين، وأحرزوها بدارهم: ملكوها عندنا، خلافاً للشافعي(١). - ثم عندنا لا يخلو: إما أن يُسلِموا، أو يغلبهم المسلمون: فإن أسلموا: فلا سبيل لأصحابها عليها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن أسلم على مالٍ: فهو له))(٢). (١) المهذب ٢٤٢/٢، بجيرمي على المنهج ٢٥٩/٤. (٢) تقدم قريباً ص٢٧١. ٢٨٤ کتاب السِّير فإن ظَهَر عليها المسلمون، فوجدوها قبل القسمة : فهي لهم بغير شيءٍ . وإن وجدوها بعد القسمة : أخذوها بالقيمة إن أحبُّوا. وإن دخل إلى دار الحرب تاجرٌ، فاشترى ذلك، وأخرجه إلى دار الإسلام: فمالكُهُ الأولُ بالخيار: إن شاء أَخَذَه بالثمن الذي اشتراه به التاجرُ، وإن شاء تَركَه. وإن غلبهم المسلمون، واستنقذوها من أيديهم: فإن جاء أربابها، فوجدوها قبل القسمة: أخذوها، وهو: * قوله: (فإن ظهر عليها المسلمون، فوجدوها قبل القسمة: فهي لهم بغير شيءٍ، وإن وجدوها بعد القسمة: أخذوها بالقيمة إن أحبُّوا). - وأما إذا كان مثلياً: لا نأخذه؛ لعدم الفائدة؛ لأنهم إذا أخذوه: ردُّوا مثله. - ولو كان عبداً، فأعتقه مَن وقع في سهمه: نفذ عتقُهُ، وبطل حقُّ المالك. - وإن باعه من رجل: كان له أن يأخذه بالثمن الذي باعه به، وليس له أن ينقض البيعَ. قوله: (وإن دخل إلى دار الحرب تاجرٌ، فاشترىُ ذلك بثمنٍ، وأخرجه إلى دار الإسلام: فمالكُهُ الأولُ بالخيار: إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه التاجر به، وإن شاء تركه)؛ لأن التاجر يتضرَّر بأخذه منه مجاناً؛ لأنه دَفَعَ العوضَ فيه، فكان أعدلُ النظر فيما قلنا. ٢٨٥ کتاب السیر ولا يَملكُ علينا أهلُ الحرب بالغَلَبَة مُدَّبَّرِينا، وأمَّهاتِ أولادِنا، ومكاتبینا، وأحرارنا. ونَمْلِك عليهم جمیعَ ذلك. وإذا أَبَقَ عبدٌ لمسلمٍ، فدخل إليهم فأخذوه: لم يملكوه عند أبي حنيفة. وإن اشتراه بعَرْضٍ: أخذه بقيمة العَرْض. وإن اشتراه بخمر أو خنزير: أخذه بقيمة العبد، وإن شاء ترك. - وإن وهبوه لمسلم: يأخذه بقيمته. * قوله: (ولا يملك علينا أهلُ الحرب بالغلبة مدبَّرينا، وأمهاتٍ أولادنا ومكاتبينا وأحرارَنا، ونملك عليهم جمیعَ ذلك). لأن أحرارهم يجوز أن يملكوا بالبيع والشراء، فكذا بالسبي؛ لأن الشرع أسقط عصمتهم، وجعلهم أرقّاء. ومدبرونا ومكاتبونا وأمهاتُ أولادنا قد تعلق بهم حقُّ الحرية، ولهذا لا يجوز بيعهم، فكذا لا يجوز سبيهم، فلهذا لم يدخلوا تحت ملكهم. * قوله: (وإذا أَبَقَ عبدٌ لمسلم، فدخل إليهم، فأخذوه: لم يملكوه عند أبي حنيفة)؛ لأن العبد لمّا خرج من دار الإسلام: زالت يد مولاه عنه؛ لامتناع أن تبقى يده مع اختلاف الدارين، فحصل العبد في يد نفسه، وإذا ظهرت يده على نفسه: صارت معصومةً، فلم يبق محلاً للتملك، فإذا لم يملكوه: كان لصاحبه قبل القسمة وبعدها بغير شيءٍ عنده. ٢٨٦ کتاب السِّير وإن نَدَّ بعيرٌ إليهم، فأخذوه : مَلَكوه. وقال أبو يوسف ومحمد: يملكوه؛ لأن العصمة لِحَقِّ المالك؛ لقيام يده، وقد زالت، فصار كالبعير أو الفرس إذا ندَّ إليهم، فإنهم يملكونه. * قوله: (فإن ندَّ إليهم بعيرٌ، فأخذوه: ملكوه)؛ لتحقّق الاستيلاء، إذ لا يدَ للعجماء تظهر عند الخروج، فإذا أخذوه: صاروا آخذین له من ید صاحبه، فلذلك ملكوه، بخلاف العبد على ما ذكرنا. - وإن اشتراه رجلٌ، ودخل به دارَ الإسلام: فصاحبُه يأخذه بالثمن إن شاء. - وإن أبق عبدٌ إليهم، وذهب معه بفرس أو متاع، فأخذ المشركون ذلك كلَّه، واشترى رجلٌ ذلك كلّه، وأخرجه إلينا: فإن المولى يأخذ العبدَ بغير شيء، والفرسَ والمتاعَ بالثمن، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: يأخذ العبدَ وما معه بالثمن إن شاء. - وإذا دخل الحربيُّ دارَنا بأمانٍ، واشترى عبداً مسلماً، وأدخله دارَ الحرب: عَتَقَ عند أبي حنيفة؛ لأن تخليص المسلم عن ذُلِّ الكافر واجبٌ، فيُقام الشرط وهو تباين الدارين مقامَ العلة، وهي الإعتاق؛ تخليصاً له(١)، كما تُقام ثلاث حِيَض مقامَ التفريق فيما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الحرب. وقال أبو يوسف ومحمدٌ: لا يَعتقُ. (١) وفي نسخ: وهي العلة تخليصاً له، وفي نسخ أخرى: وهي تخليصنا له. ٢٨٧ کتاب السِّير وإذا لم يكن للإمام حَمُولةٌ يَحْمِلُ عليها الغنائمَ: قَسَمَها بين الغانمين قِسْمةً إيداع؛ ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يَرتجعُها منهم، فيَقسِمُها . قوله: (وإذا لم يكن للإمام حَمولةٌ يحملُ عليها الغنائم: قَسَمَها بين الغانمين قسمةَ إيداعٍ)، لا قسمة تمليك؛ (ليحملوها إلى دار الإسلام، ثم يرتجعها منهم، ويقسمها). هكذا ذكره الشيخ مطلقاً، ولم يشترط رضاهم، وهي في رواية ((السير الكبير))، وجُملتُه: أن الإمام إذا وجد في المَغنم حَمولةً حمل عليها الغنائم؛ لأن الحمولة والمحمول مالٌ لهم. - وكذا إذا كان في بيت المال حمولةً حملها عليها؛ لأنها مال المسلمين. - وإن كانت الدواب للغانمين أو لبعضهم: فإنه لا يُجبرهم على حملها على دوابهم، في رواية ((السير الصغير))، بل يستأجرها منهم لذلك، فإن لم يرض صاحبُها: لم يَحملها عليها. وفي ((السير الكبير)): يَحملُها عليها بالأجر وإن لم يرضَوْا؛ لأنه دَفَعَ الضررَ العامّ بتحمل ضررٍ خاص. - وإن كان بحال لو قسمها بينهم يقدر كل واحدٍ منهم على حِمله: قسمها بينهم قسمةَ إيداع. - وإن كانوا لا يقدرون على الحمل، ولا يجدون الدوابَّ بالإجارة: فإن ٢٨٨ کتاب السِّير ولا يجوز بيعُ الغنائم قبل القسمة. ومَن مات من الغانمين في دار الحرب : فلا حقَّ له في الغنيمة . ومَن مات منهم بعد إخراجها إلى دار الإسلام : فنصيبُه لورثته. ولا بأس بأن يُنَفَّلَ الإمامُ في حال القتال، ويُحرِّضَ بالنَّفَل على القتال، الإمام يقتل الرجالَ إذا كانوا لم يُسلِموا، ويترك النساءَ والذراري والشيوخ في الطريق ليموتوا جوعاً وعطشاً، ويذبح الحيوان، ويحرقها بالنار. * قوله: (ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة)؛ لأنه لا ملكَ لأحد فيها قبل ذلك. - وإنما أبيح لهم الانتفاع بالطعام والعلف؛ للحاجة، ومَن أبيح له تناول شيء: لم يجز له بيعُه، كمن أباح طعاماً لغيره. * قوله: (ومَن مات من الغانمين في دار الحرب قبل إخراجها: فلا حقَّ له في الغنيمة)؛ لأن حقَّ الغانمین لا یثبت فیھا ما لم يُحرِزوها بدار الإسلام، ولا يَملكونها إلا بالقسمة، فمَن مات منهم قبل ذلك: لا يستحق منها شيئاً. قوله: (ومَن مات منهم بعد إخراجها إلى دار الإسلام: فنصيبه لورثته)؛ لأنه مات بعد ثبوت حقه فيها. * قوله: (ولا بأس أن يُنفِّلَ الإمامُ في حال القتال، ويُحرِّضَ بِالنَّفَل على القتال). ٢٨٩ کتاب السير فيقول : مَن قَتَل قتيلاً : فله سَلَبُه، ذكره بلفظ: لا بأس به، وفي ((المبسوط)) (١): بلفظ الاستحباب. وفي ((الهداية)) (٢): التحريض مندوبٌ إليه. قال الله تعالى ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾. الأنفال/ ٦٥، أي رغُّبْهم، والتحريض: الترغيب في الشيء. والتنفیل: نوعُ تحریضٍ. ولأن في ذلك منفعةً للمسلمين؛ لأن الشجعان يرغبون في ذلك، فیخاطرون بأنفسهم، ويُقدِمون على القتال. · قوله: (فيقول مَن قتل) منكم (قتيلاً: فله سَلَبُه). - قال الخجندي: التنفیل علی وجھین: إما أن يكون قبل الفراغ من القتال، أو بعده: فإن كان بعده: لا يملك الإمامُ ذلك؛ لأنه إنما جاز لأجل التحريض على القتال، وبعد الفراغ منه: لا تحريض. - ثم إذا كان قبل الفراغ من القتال: فهو على أربعة أوجه: ١- إما أن يقول: مَن أخذ منكم شيئاً: فهو له. ٢- أو يقول: مَن أخذ شيئاً: فهو له، ولم يقل: منكم. (١) ٤٩/١٠. (٢) ١٤٩/٢. ٢٩٠ کتاب السِّير ٣- أو يقول: مَن قتل منكم قتيلاً: فله سَلَبُه. ٤- أو يقول: مَن قتل قتيلاً، ولم يقل: منكم. - أما إذا قال: مَن أخذ منكم: فإن الإمام لا يدخل تحت ذلك. - وإن قال: مَن أخذ شيئاً: دخل الإمام تحت ذلك. - وكذا إذا قال: مَن قتل قتيلاً: دخل هو، حتى لو قُتل هو أو غيرُهُ: فله سلبه. - وإن قال: مَن قتل منكم: فإن الإمام لا يدخل. - ثم إذا قال: مَن قتل منكم قتيلاً، فقَتَلَ رجلٌ رجلين أو أكثر: فله سلبُ الکل. - وإن كان رجلان أو ثلاثةٌ أو أكثرُ قتلوا رجلاً: فإنك تنظر: إن كان المقتول مبارِزاً، يُقاوِم كلاَّ منهم: كان له سلبُه. وإن كان لا يقاومهم: صار عاجزاً: فلا يستحقون سلبَه، ويكون غنيمةً لجميع الجيش؛ لأن الإمام إنما يقول هذا لإظهار الجلادة، فإذا كان عاجزاً: فلا جلادة في قتله. - وقوله: قتيلاً: سمَّاه قتيلاً، وهو حيٌّ؛ اعتباراً بما يؤول إليه، ومنه: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّّ أَرَبِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾. يوسف/٣٦، وإنما يَعْصِر عنباً، لكنه لمَّا كان يؤول إلى الخمر: سُمِّي خمراً. ٢٩١ کتاب السِّير أو يقول لسَرِيَّةٍ : قد جعلتُ لكم الرُّبْعَ بعد الخُمُس. - ولو قتله رجلان: اشتركا في سلبه. - فإن بدأ أحدهما، فضربه، ثم أجهزه الآخرُ: إن كان ضَرْبُ الأولِ أثخنه بحيث لا يمكنه أن يقاتل، ولا يعين بقول: فالسلب للأول؛ لأنه صار في حكم المقتول. وإن كان ضربُ الأولِ لم يصيِّره إلى هذه الحالة: فالسلب للثاني. وقد روي ((أن محمد بن مسلمة ضربَ مُرحباً، فقَطَعَ رِجْلیه، وضرب عليّ رضي الله عنه عنقه، فقال محمد بن مسلمة: والله يا رسول الله! لو أردتُ قتلَه: لقتلتُه، ولكني أردت أن أعذِّبه كما عذَّب أخي، فأعطىُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم سَلَبَه لمحمد بن مسلمة))(١). وهذا محمولٌ على أن ضَرْبَه جَعَلَه بحيث لا يُقاتِل، ولا يُعين على القتال. قال أبو حنيفة: وإذا لم يُجعل السلبُ للقاتل، فقَتَلَ رجلٌ قتيلاً: فسَلَبُه من جملة الغنيمة، والقاتلُ وغيرُه في ذلك سواء. * قوله: (أو يقول لسَرِيَّةٍ: قد جعلتُ لكم الرَّبْعَ بعد الخُمُس): أي بعد ما يُرفعُ الخُمُسَ. - وكذا إذا قال: الثلثُ بعد الخُمُس، أو النصف بعد الخُمُس: معناه: أنتم منفردون بالربع من جملة العسكر، يؤخذ منه خُمُسُ ذلك، ويكون (١) سنن البيهقي ٥٠٤/٦ (١٢٧٧٩). ٢٩٢ کتاب السِّير ولا يُنَفَّلُ بعد إحراز الغنيمة إلا من الخُمُس. وإذا لم يَجعلِ السَّلَبَ للقاتل: فهو من جملة الغنيمة، والقاتلُ وغيرُه فيه سواء. والسَّلَبُ: ما على المقتولِ من ثيابه، وسلاحه، ومَرْكَبه. لهم ما سُمِّي لهم من ذلك بعد الخُمُس، وما زاد على ما سُمِّي لهم: يشاركون العسكرَ فيه. - وإن قال: فلكم الربعُ، ولم يقل: بعد الخُمُس: لم يُخمِّس الربعَ، وصار لهم النَّفَل بخُمُسه. - وكذا إذا قال: مَن قتل قتيلاً فله سلبُه: لم يُخمِّس الأسلابَ. - وإن قال: مَن قتل قتيلاً فله سَلَبُه بعد الخُمُس: خَمَّس الأسلابَ. * قوله: (ولا يُنَفَّلُ بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام إلا من الخُمُس)؛ لأنها إذا أُحرزت: تعلَّق بها حقُّ جميع الجيش، وأما الخُمُس: فلا حقَّ للجیش فيه، فيجوز التنفیل منه. قوله: (وإذا لم يَجعلِ السَّلَب للقاتل: فهو من جملة الغنيمة، والقاتلُ وغيرُه فيه سواءً). وقال الشافعي(١): إذا قتل كافراً مُقْبِلاً، غير مُدْبِرٍ: فله سلبُه. * قوله: (والسَّلَبُ: ما على المقتول من ثيابه، وسلاحه، ومَرْكبه). (١) الفرس الآخر الذي يصحبه المقاتل ليركبه إن تعب الأول. ٢٩٣ کتاب السِّير وإذا خَرَجَ المسلمون من دار الحرب: لم يَجُزْ أن يَعْلِفُوا من الغنيمة، ولا يأكلوا منها. - وكذا ما على مَرَكبه من السَّرْج والآلة، وما معه علىُ مَركبه من ماله في حقيبته، أو على وسطه. - وأما جَنِيْبُه(١)، وغلامُه، وما كان مع غلامه على دابةٍ أخرى، وما كان على فرسٍ آخر: فليس ذلك بسَلَبٍ، وهو غنيمةً لجميع الجيش. وقد روي ((أن البراء بن مالك بارز المَرْزُبان، فقتله، وأخذ سَلَبَه، فكان عليه منطقةً من ذهبٍ، فيها جوهرٌ، فقُوِّم عليه: فبلغ ثلاثين ألفاً، فقال عمر رضي الله عنه: إنا كنا لا نُخَمِّس الأسلابَ، وإنّ هذا بلغ مالاً عظيماً، وإنا آخِذُوا خُمُسَه))(٢). * قوله: (وإذا خرج المسلمون من دار الحرب: لم يجز أن يَعلِفوا من الغنيمة، ولا يأكلوا منها شيئاً)؛ لأن الضرورة والحاجة إلى ذلك قد ارتفعت؛ لأن الغالب أنهم يجدون في دار الإسلام الطعامَ والعلفَ، فلا يباح لهم التناولُ من الغنيمة. (١) أي الفرس، يُقاد، ولا يُركب. المصباح المنير (جنب)، والمراد: ((أن الرَّجلَ قد يَحتاج إلى فرسين في الجهاد، أحدهما يَركبه، والآخر يكون جنيبَه، فإذا أعيا الذي تحته: ركب الآخرَ، فقاتل عليه)). اهـ من كلام الشارح الإمام الحداد، كما سيأتي قريباً. (٢) عزاه في نصب الراية ٤٣٤/٣ للطبراني في معجمه، وينظر مجمع الزوائد ٣٣١/٥. ٢٩٤ کتاب السِّير ومَن فَضَلَ معه عَلَفٌ، أو طعامٌ: ردَّه إلى الغنيمة. : ويَقْسِمُ الإمامُ الغنيمةَ، فيُخرِجُ خُمُسَها، ويَقْسِمُ أربعةَ أخماسها بين الغانمين: للفارس سهمان، وللرَّاجل سهمٌ عند أبي حنيفة، وقالا: للفارس ثلاثةُ أسهم . قوله: (ومَن فَضَلَ معه عَلَفٌ أو طعامٌ: ردَّ إلى الغنيمة)؛ لأن الضرورة قد ارتفعت. - فإن انتفعوا بشيءٍ من أكلٍ أو علفٍ، فينبغي لمن كان غنياً أن يتصدق بقيمته إن كان بعد القسمة، أو ردَّ قيمته في المَغنم إن كان قبل القسمة. وإن كان فقيراً: ردَّه قبل القسمة، ولم يلزمه بعد القسمة شيء. وإنما يرده الغني إذا كان قبل القسمة؛ لأنه يمكن ردُّه إلى الغنيمة، وأما بعد القسمة: فقد يتعذَّر إيصاله إلى مستحقّه؛ لتفرق الغانمين، فیتصدق به. وأما الفقير: فيردُّه قبل القسمة؛ لأنه حقُّ الغير، وأما بعدها: فموجَبُه التصدق، وهو محلّ للتصدق؛ لأنه فقير. [كيفية قسمة الغنيمة : ] ؛ قوله: (ويَقْسمُ الإمامُ الغنيمةَ، فيُخرِجُ خُمُسَها). قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾. الأنفال / ٤١. قوله: (ويَقسمُ أربعة أخماسها بين الغانمين: للفارس سهمان)، يعني سهماً له، وسهماً لفرسه، (وللراجل سهمٌ عند أبي حنيفة). وبه قال زفر والحسن بن زياد، وهو قول العراقيين والكوفيين والبصريين. * قوله (وقال أبو يوسف ومحمد: للفارس ثلاثةً أسهم)، معناه: سهمٌ ٢٩٥ کتاب السِّير له، وسهمان لفرسه، وللراجل سهمٌ، وهو قول أهل الحجاز؛ لأن مؤنة الفرس أكثر من مؤنة الآدمي، فوجب أن يكون سهمه أكثر. ولأبي حنيفة: أن القياس يمنع الاستحقاقَ بالفرس؛ لأنه آلةٌ للحرب، بمنزلة الآلات، كالقَوْس والرُّمح والسيف والنَّصْل(١)، وإنما تُرك القياس؛ للخبر. وقد اختلفت الأخبار: في بعضها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الفارسَ سهمين))، وروي ((أنه أعطاه ثلاثةً))(٢). فلما اختلفت الأخبارُ: أَسقط ما اختلف فيه، وأثبت ما اتُّفق عليه. ولأن الانتفاع بالفارس أعظم من الانتفاع بالفرس، ألا ترى أن الفرس بانفراده لا يقاتل، والفارسُ بانفراده يقاتل، فلم يجز أن يَستحقَّ بالفرس أكثر مما يستحقُّ بصاحبه. ولهذا قال أبو حنيفة: لا فضل لبهيمة على إنسان. وروي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قَسَمَ غنائم خيبر على أهل الحُدَيْبية على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، منها: ثلاثمائة فارس، وألفٌ ومائتا راجل، فأعطى الفارسَ سهمين: سهماً له، (١) النصل: حديدة السهم والرمح والسيف والسكين ما لم يكن له مقبض. القاموس المحيط، والمصباح المنير (نصل). (٢) ينظر نصب الراية ٤١٣/٣. ٢٩٦ کتاب السِّير ولا يُسْهِمُ إلا لفرسٍ واحد . وسهماً لفرسه، وأعطى الراجلَ سهماً واحداً))(١). - ووجه التخريج على ثمانية عشر: أنك تقول: الرَّجَّالة(٢) اثنا عشر مائة، فيجعلها اثني عشر سهماً، كل مائة سهماً. وتقول: الفرسان ثلاثمائة، فتجعلها ثلاثةً من العدد، كل مائة واحداً، ثم تُضعِّف هذه الثلاثة؛ لأن لكل واحدٍ منهم سهمين: فتكون ستة، وتضمها إلى اثني عشر: تكون ثمانية عشر، فيكون للفرسان في هذه القسمة: ثلث الجميع، وللرَّجَّالة الثلثان. * قوله: (ولا يُسهِم إلا لفرسٍ واحدٍ)، هذا قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن بن زیاد. وقال أبو يوسف: يُسهِم لفرسين، ولا يُسهِم لثلاثة؛ لأن الرجل قد يحتاج إلى فرسين، أحدهما يَركبه، والآخر يكون جنيبَه، فإذا أعيا الذي تحته: رکب الآخر، فقاتل علیه. - ولهم: ما روي «أن الزبير بن العوام حضر يومَ خيبر بأفراسٍ، فلم يُسهِم له النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلا لفرسٍ واحد))(٣). (١) ينظر نصب الراية ٤٢١/٣، التعريف والإخبار ٢٨٤/٣. (٢) جمع: راجل، وهو خلاف الفارس. المصباح المنير (رجل). (٣) معرفة السنن والآثار، للبيهقي (١٣٠٥٦)، وينظر نصب الراية ٤١٨/٣. ٢٩٧ کتاب السِّير والبَرَاذِينُ، والعَتاقُ: سواءٌ. ولا يُسْهِمُ لراحلةٍ، ولا بغلٍ . ولأن القتال لا يكون إلا على فرسٍ واحد، ولا يكون على فرسين دفعةً واحدة. * قوله: (والبراذينُ، والعَتاق: سواءٌ)؛ لأن اسم الخيل يشتمل على جميع ذلك، والإرهابُ مضافٌ إلى جميع جنس الخيل. قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. الأنفال/ ٦٠، واسم الخيل يطلق على: البراذين، والعِتاق، والهَجِين، والمُقْرِف إطلاقاً واحداً. ولأن العتيق إذا كان في الطلب والهرب أقوى، فالبِرْذونُ أصبر، وألين عطفاً، ففي كلّ منهم منفعةٌ، فاستوى البِرْذونُ الذي فيه الدناءة من قِبَل أبيه، والعتيقُ الذي لا دناءة فيه، لا من قِبَل أبيه ولا من قِبَل أُمِّه، بل کلاهما عربیان. والهَجِين: الذي فيه الدناءةُ من قِبَل أُمِّه. والمُقْرِف: دنيُ الأبوين جميعاً،، بأن يكونا أعجميين. وفي ((الصحاح)): المُقْرِف هو: الدنيء الهُجْنة من الفَرَس وغيره، وهو الذي أُمُّه عربيةٌ، وأبوه ليس كذلك، لأن الإقراف إنما هو من قِبَل الفحل. * قوله: (ولا يُسهِمُ لراحلةٍ، ولا بَغْلٍ)، يعني أن مَن له بعيرٌ أو بغلٌ أو حمارٌ: فهو والراجل سواءً؛ لأن المعنى الذي في الخيل معدومٌ فيهم. ٢٩٨ کتاب السِّير ومَنْ دَخَلَ دارَ الحرب فارساً، فَتَفَقَ فرسُهُ : استَحَقَّ سهمَ فارس. قوله: (ومَن دخل دارَ الحرب فارساً، فَنَفَقَ فرسُه: استَحَقَّ سهمَ فارسٍ)، وسواء استعاره أو استأجره للقتال، فحَضَرَ به: فإنه يُسهم له. - وإن غَصَبَه، وحضر به: استَحَقَّ سهمَه من وجهِ محظورٍ، فیتصدّق به. - وقوله: فَتَفَقَ: أي مات، يقال: نفقت الدابةُ، ومات الإنسان، وتنبل(١) البعير: کله بمعنى: هلك. وسواءً بقيَ فرسُه معه حتى حصلت الغنيمة، أو مات حين دخل به، أو أخذه العدوُّ، أو كُسِر أو عَرَج قبل حصول الغنيمة أو بعدها: فإنه يَستحقُّ سهمَ فارس. وقال الشافعي(٢): إذا مات فرسُه قبل القتال: فهو راجل. - والأصل: أن المعتبر عندنا: حالةُ المجاوزة، وعنده: حالة الحرب؛ لأنه هو السبب. وقلنا: المجاوزة نوعُ قتال؛ لأنه يلحقهم الخوفُ بها. - وإن دخل فارساً، ثم باع فرسه، أو رَهَنَه أو آجره أو وهبه أو أعاره: ففي ظاهر الرواية: يبطل سهمُ الفرس، ويأخذ سهمَ راجلٍ؛ لأن الإقدام على هذه التصرفات يدل على أنه لم يكن قصدُه بالمجاوزة القتالَ فارساً. (١) وفي نسخ: قنبل، وفي أخرى: ثنبل. (٢) مغني المحتاج ١٠٤/٣. ٢٩٩ کتاب السِّر ومَن دَخَلَ راجلاً، فاشترىُ فرساً : استَحَقَّ سهمَ راجلٍ . ولأن بيعه له: رضاً بإسقاط حقه، وليس كذلك إذا نفق فرسه؛ لأنه لم يوجد منه رضاً بإسقاط حقه. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يُضرَب له بسهم فارس؛ لأن سبب الاستحقاق قد حصل، وهو دخولُه فارساً، وبيع الفرس: كموته. - وأما إذا باعه بعد الفراغ من القتال: لم يسقط سهمُ الفرس. - وكذا إذا باعه في حالة القتال عند البعض، والأصح أنه يسقط؛ لأن بيعه في حالة القتال يدل على أن غرضه التجارةُ فيه، إلا أنه ينتظر عِزَّته. * قوله: (ومَن دخل راجلاً، فاشترى فرساً: استَحَقَّ سهمَ راجلٍ). ــ وكذا إذا استعاره أو استأجره أو وُهِب له: فله سهم راجلٍ؛ لأن المعتبر حالةُ الدخول. - وقال الحسن: إذا دخل راجلاً، واشترى فرساً، أو وُهِب له قبل أن يغنم العسكرُ شيئاً، ثم قاتل عليه معهم حتى غنموا: ضُرِب له بسهمٍ فارسٍ؛ لأن المقصود بالدخول القتالُ، والانتفاعُ بالفرس حالةَ القتال أكثر من الانتفاع به حالة الدخول. - قال في ((الهداية))(١): ولو دخل فارساً، فقاتل راجلاً؛ لضيق المكان: يَستحق سهم الفرسان، بالاتفاق. (١) ١٤٧/٢. ٣٠٠ کتاب السِّير ولا يُسْهِمُ لمملوكٍ، ولا امرأةٍ، ولا ذمِّيٍّ، ولا صبيٍّ، ولكن يَرْضَخُ لهم على حسب ما يراه الإمامُ. - وفي ((الخُجندي)): إذا باع فرسَه أو وهبه أو آجره أو أعاره بعد الدخول: سقط سهمُ فرسه، فإن اشتری مکانَه آخرَ: أُسهِم له سهمُ فارس. * قوله: (ولا يُسهِمُ لمملوكٍ، ولا امرأةٍ، ولا صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا ذميٍّ، ولكن يَرَضَخُ لهم الإمامُ علىُ قَدْر ما يرى)، ولا يَبلغ به السهمَ؛ لأن المرأة والصبيَّ عاجزان، والعبدَ لمولاه أن يمنعَه، إلا أنه يَرضخُ لهم تحريضاً على القتال. - والمكاتب: بمنزلة العبد؛ لقيام الرق فيه، وتوهُّم عجزه، فيمنعه المولى عن الخروج إلى القتال. - وإنما يَرضخُ للعبد إذا قاتل. - وكذا المرأة إنما يَرضخُ لها إذا كانت تداوي الجرحى، وتقوم على المرضى، أما إذا دخلت لخدمة زوجها، أو العبدُ لخدمة مولاه، ولم يحصل من العبد قتلٌ، ولا من المرأة مداواةٌ، ولا نفعٌ للمسلمين: فإنه لا یرضخُ لهم أصلاً. - وكذا الذميُّ إنما يَرضخُ له إذا قاتل، أو دلَّ على الطريق. - وينبغي للإمام أن لا يستعين بأهل الذمة على القتال؛ لأنه لا يُؤْمَن غدرُهم وخيانتهم بالمسلمين، إلا أنهم إذا حضروا وقاتلوا مع المسلمين بإذن الإمام: فإنه يَرضخُ لهم، ولا يبلغ لرجالتهم سهمَ الرَّجَّالة، ولا لفرسانهم سهمَ الفُرسان؛ لنقصان منزلتهم، وانحطاط رتبتهم.