Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
كتاب الإكراه
وإن كان قَبَضَ الثمنَ طوعاً : فقد أجاز البيع.
وإن كان قَبَضَه مكرَهاً : فليس بإجازة، وعليه ردُّ إن كان قائماً في
يده .
- بخلاف سائر البياعات الفاسدة، فإن تصرف المشتري فيها لا
يُفسخ؛ لأن الفساد فيها هناك لِحَقِّ الشرع، وقد تعلق بالبيع الثاني حقُّ
العبد، وحقّه مقدَّمٌ لحاجته، أما هنا: الردُّ لِحَقِّ العبد، وهما سواء، فلا
يبطل حق الأول لِحَقِّ الثاني.
- وقوله: أو على أن يُقرُّ لرجل بألفِ درهم: قال في ((شرحه)): إذا أُكره
على أن يُقرَّ له بألفٍ، فأقر بخمسمائة: فإقراره باطلٌ؛ لأنه مكرَهُ على
الألف، وعلى أبعاضها.
- وإن أُكره على أن يُقُرَّ بألفٍ، فأقرَّ بألفين: لزمته الألف؛ لأن الألف
الأولى أُكره عليها، فلم تلزمه، والألفَ الثانية لم تدخل تحت الإكراه،
وإنما ابتدأها باختياره، فلزمته.
- وكذا إذا أُكره على أن يُقرَّ بألف درهم، فأقرَّ بمائة دينار، أو بصنف
٠
آخر غير ما أُكره علیه: لزمه ذلك.
* قوله: (وإن كان قَبَضَ الثمنَ طوعاً: فقد أجاز البيع).
- وكذا إذا سلَّم المبيعَ طائعاً؛ لأنه دلالةُ الإجازة.
* قوله: (وإن كان قَبَضَه مكرَهاً: فليس بإجازةٍ، وعليه ردُّه إن كان
قائماً في يده)، يعني الثمن.

٢٤٢
كتاب الإكراه
وإن هَلَكَ المبيعُ في يد المشتري، وهو غيرُ مُكْرَه : ضَمِنَ قيمتَه.
وللمُكْرَه أن يُضمِّن المُكْرِهَ إن شاء.
ومَن أُكرِهِ على أن يأكلَ الميتةَ، أو يشربَ الخمرَ، وأُكره على ذلك
بحَبْسٍ، أو قَيْدٍ، أو ضَرْبٍ: لم يَحِلَّ له، إلا أن يُكْرَه بما يَخافُ منه علىُ
نفسِهِ، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا خاف ذلك: وَسِعَهُ أن يُقْدِمِ على ما
◌ُکړه علیه.
- وإن كان هالكاً: لا يؤخذ منه شيء؛ لأنه مكرَهُ على قبضه، فكان
أمانةً. كذا في ((المستصفى)).
* قوله: (وإن هلك المبيعُ في يد المشتري، وهو غيرُ مكرَهٍ: ضمن
قیمته للبائع)، وإن كان قائماً: ردّه عليه.
* قوله: (وللمكرَه أن يضمِّن المكرِهَ إن شاء)، فإن ضمَّن المكرِهَ: كان
له أن يرجع على المشتري بما ضَمِن، وهو القيمة.
وإن شاء ضمَّن المشتري، وهو لا يرجع على المكرِهِ.
* قوله: (ومَن أُكره على أن يأكل الميتةَ، أو يشربَ الخمرَ، فإذا أُكره
على ذلك بضربٍ أو حبسٍ أو قَيْدٍ: لم يَحِلّ له) أن يُقدِمِ على ذلك، (إلا
أن يُكرَه عليه بأمرٍ يَخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه، فإذا
خاف ذلك: وَسِعَه أن يُقدِمِ على ما أُكره عليه).
- وعلى هذا إذا أُكره على شُرْب الدم، أو أَكْلٍ لحم الخنزير.

٢٤٣
كتاب الإكراه
ولا يَسَعُهُ أَن يَصبرَ على ما تُوعِّد به، فإن صَبَرَ حتى أوقعوا به، ولم
يأكل : فهو آئِمٌ.
وإن أُكرِهِ على الكفر بالله، أو سَبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بقَيْدٍ، أو
حَبْسٍ، أو ضَرْبٍ: لم يكن ذلك إكراهاً حتَّى يُكرَه بأمرٍ يَخاف منه على
نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه.
فإذا خاف ذلك: وَسِعَه أن يُظْهِرَ ما أَمروه به، ويُوَرِّي، فإذا أظهر
ذلك، وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان : فلا إثم عليه .
- وهذا إذا كان أكثرُ رأيه أنهم يوقعون به ما تَوعَّدوه به، أو غَلَبَ على
ظنِّه ذلك، أما إذا لم يكن ذلك: لم يَسَعْه تناولُه.
* قوله: (ولا يَسَعُهُ أن يَصبر على ما تُوعِّد به، فإن صبر حتى أوقعوا
به (١)، ولم يأكل: فهو آثمٌ)؛ لأن الميتة في هذه الحالة: كالطعام المباح،
ومَن وجد طعاماً مباحاً، فامتنع من أكله حتى مات: كان آثماً.
* قوله: (وإن أُكره على الكفر بالله تعالى، أو سبِّ النبيِّ صلى الله
عليه وسلم بحبسٍ أو قيدٍ أو ضربٍ: لم يكن ذلك بإكراهٍ، حتى يُكرَه بأمرٍ
يخاف منه على نفسه، أو على عضوٍ من أعضائه).
- وكذا إذا أُكره على قذف مسلمٍ أو مسلمةٍ، أو شَتْمهما.
: قوله: (فإذا خاف ذلك: وَسِعَه أن يُظهِر ما أَمَروه به)، إذا غلب على
ظنه أنهم فاعلوه، (ویورِّي).
* قوله: (فإذا أظهر ذلك، وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان: فلا إثمَ عليه).
(١) وفي نسخ من الجوهرة: أوقعوا به ذلك.

٢٤٤
كتاب الإكراه
وإن صَبَرَ حتَّى قُتِل، ولم يُظْهِرِ الكفرَ : كان مأجوراً.
لما روي ((أن المشركين أخذوا عمارَ بنَ ياسر، وأكرهوه حتى قال في
آلهتهم خيراً، وقال في رسول الله صلى الله عليه وسلم شراً، فلما جاء إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ما وراءك؟
قال: شرٌّ، أكرهوني حتى قلتُ في آلهتهم خيراً، وقلتُ فيك شراً.
قال: كيف وجدتَ قلبَك؟ قال: مطمئنًاً بالإيمان.
قال: فإن عادوا: فعُدْ - أي إلى الطمأنينة، لا إلى الكفر - وفيه نزل قوله
تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيْنٌّ بِآلْإِيمَانِ﴾))(١). النحل / ١٠٦.
ولأن بهذا الإظهار لا يفوتُ الإيمانُ حقيقةً؛ لقيام التصديق، وفي
الامتناع فوات النفس حقيقة.
- وإن أجرى كلمةَ الكفر بحبسٍ أو قيدٍ، وقال: كنتُ مطمئناً بالإيمان:
لم يُصدَّق. كذا في ((الخُجندي)).
* قوله: (وإن صَبَرَ حتى قُتل، ولم يُظهِر الكفرَ: كان مأجوراً).
أي يكون أفضل من إقدامه عليه، لما روي ((أن المشركين أخذوا خُبَيْبَ
بن عَدِي، فقالوا له: لنقتلنّك أو لتذكرنَّ آلهتنا بخيرٍ، وتشتمَ محمداً، فكان
يشتم آلهتَهم، ويذكر محمداً صلى الله عليه وسلم بخير، فقتلوه، وصلبوه،
(١) المستدرك ٣٥٧/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه، سنن البيهقي ٢٠٨/٨،
وقال ابن حجر في الدراية ١٩٧/٢ : إسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمع من
أبيه، وينظر فتح الباري ٣١٢/١٢، وتفسير الطبري ١٤ / ١٨٢.

٢٤٥
كتاب الإكراه
وإن أُكرِهِ علىُ إتلاف مالِ مسلمٍ بأمرٍ يَخاف منه على نفسه، أو على
عضوٍ من أعضائه : وَسِعَه أن يفعل ذلك.
ولصاحب المال أن يضمِّن المكرِهِ.
وإن أُكرِه بقتلٍ علىْ قَتْل غيره: لم يَسَعْه أن يُقْدِمِ عليه، ويَصْبِرُ حتى
◌ُ
يُقتَل.
فإن قَتَلَه : كان آئماً.
والقصاصُ علىُ الذي أَكرهه إن كان القتلُ عمداً.
فقال عليه الصلاة والسلام: هو رفيقي في الجنة، وسمَّاه: سيدَ الشهداء))(١).
* قوله: (وإن أُكره على إتلاف مالِ مسلمٍ بأمرٍ يخاف منه على نفسه،
أو على عضوٍ من أعضائه: وَسِعَه أن يفعل ذلك)؛ لأن مال الغير يُستباح
عند الضرورة، كما في المجاعة، والإكراهُ ضرورةٌ.
* قوله: (ولصاحبِ المال أن يُضمِّن المكرِهِ)؛ لأن المكرَه آلةٌ له،
فكأن المكرِهَ فَعَلَ ذلك بنفسه.
؛ قوله: (وإن ◌ُكره بقتلٍ على قتلٍ غیره: لا يسعه قتلُه، بل یصبر حتى
يُقْتَل، فإن قَتَلَه: كان آثماً، ويُعزَّر)؛ لأن قتل المسلم لا يُستباح للضرورة،
فإن صبر حتى قُتِل: كان مأجوراً.
* قوله: (والقصاصُ على الذي أكرهه إن كان القتل عمداً)، وهذا
عندهما.
(١) قصة خبيب في صحيح البخاري (٣٠٤٥)، قال في نصب الراية ١٥٩/٤:
وليس في القصة أنه سماه: سيد الشهداء، ولا أنهم أكرهوه.

٢٤٦
كتاب الإكراه
وقال أبو يوسف: لا يجب عليهما القصاص، وعلىُ المكرِهِ الأمرِ الديةُ
في ماله، ولا شيءَ على المكرَه المأمور.
وقال زفر: على المكرَه القصاصُ؛ لأن الإكراه لا يبيح القتلَ، فحاله
بعد الإكراه: کحاله قبله.
ولأبي يوسف: أن المكرَه لم يباشر القتلَ، وإنما هو سببٌ فیه، کحافر
البئر، وواضع الحجر، وإنما وجبت الدية في ماله؛ لأن هذا قتلٌ عمدٌ
تحوَّل مالاً، والعاقلةُ لا تعقل العمد.
ولهما: قوله عليه الصلاة والسلام: ((رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه))(١).
وإنما وجب القصاص على المكرِهِ؛ لأن فِعْلَ المكرَه ينتقل إليه،
ويصير كالآلة له، فكأنه أَخَذَ بيد المكرَه، وفيها سيفٌ، فقَتَلَه به.
- وقيَّد بالعمد؛ لأنه إذا كان خطأً: تجب الدية على عاقلة المكرِهِ،
والكفارةُ على المكرِهِ، إجماعاً.
- وفي قتل العمد: لا يُحرَم المكرَه الميراثَ.
- وإن قيل له: لنقتلنَّك أو لتقتلنَّ فلاناً، فقال له فلانٌ: إن قَتَلْتَني فأنت
في حِلّ من دمي، فقَتَلَه عمداً: فهو آثمٌ، ولا شيءَ عليه، وتجب ديتُه في
(١) سنن ابن ماجه (٢٠٤٥)، صحيح ابن حبان (الإحسان) (٧١٧٥)، وحسنه
النووي في الروضة. ينظر التلخيص الحبير ٢٨١/١، البدر المنير ٢٦٤/٩.

٢٤٧
كتاب الإكراه
وإن أُكْرِهِ على طلاق امرأته، أو عِثْق عبده، ففعل : وَقَعَ ما أُكره عليه.
مال الآمر. كذا في ((الكرخي)).
- وإن أُكره بقتلٍ علىُ قَتْلِ مورِّته، مثل أبيه أو أخيه، فقَتَلَه: لم يكن
على المكرَه قَوَدٌ، ولا ديةٌ، ولا يُمنع الميراثَ.
- وللقاتل الوارثِ أن يقتل الذي أكرهه عندهما.
وقال أبو يوسف: عليه الدية.
- وإن كان المكرِهِ وارثاً للمقتول: مُنْعَ الميراث.
- وإن قال له رجل: لأقتلنَّك أو لتقطعنَّ يدَك: وَسِعَه قَطْعُ يده؛ لأنه
يصل بقطعها إلى إحياء نفسه.
* قوله: (وإن أُكره على طلاق امرأته، أو عِثْق عبده، ففعل ذلك:
وقع ما أُكره عليه)، هذا عندنا، خلافاً للشافعي(١).
- قال الخُجَندي: الإكراه لا يعمل في الطلاق والعتاق والنكاح
والرجعة والتدبير والعفو عن دم العمد واليمين والنذر والظهار والإيلاء
والفيء فيه والإسلام.
- أما إذا أُكره على العتق، فأعتق: صحَّ عِتقُه، ويرجع بقيمته عبده
على المکرِهِ.
- وفي الطلاق قبل الدخول: يرجعُ عليه بما لزمه من نصف الصداق،
أو المُتعة إن کان المھرُ غير مسمىً.
(١) مغني المحتاج ٣٣٢/٣.

٢٤٨
كتاب الإكراه
ويَرجِعُ على الذي أكرهه بقيمة العبد، وبنصف مهر المرأة إن كان قَبْل
الدخول .
- وإن كان بعد الدخول: لا يرجع بشيءٍ.
- وإن أُكره على النكاح: جاز العقد.
- فإن كان المسمىُ مثلَ مهر المثل، أو أقلّ: جاز، ولا يرجع على
المكرِه بشيء؛ لأنه عوَّضه مثل ما أخرجه عن ملكه.
- وإن كان أكثرَ من مهرِ المثل: فالزيادة باطلةٌ، ويجب مقدارُ مھرٍ
المثل، ويصير كأنهما سمَّيا ذلك المقدارَ، حتى إنه ينتصَّف بالطلاق قبل
الدخول.
* قوله: (ويرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد)، سواء كان المكره
موسراً أو معسراً، والولاء للمولى المعتق، ولا سعاية على العبد؛ لأن
العتق وقع من جهة المولىُ، ولا حقَّ لأحدٍ في ملكه مع تمام الملك.
- وليس هذا كعبد الرهن إذا أعتقه الراهن وهو معسرٌ؛ لأن تعلُّقَ حقٍّ
الغير بالملك هو الذي أوجب السعاية.
- وإن أُكره على شراء ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه: عَتَقَ، ولا ضمانَ على
المكرِه؛ لأنه أكرهه على الشراء، دون العتق.
* قوله: (ويرجعُ بنصف مهر المرأة إذا كان قبل الدخول).
- هذا إذا كان المهرُ مسمىَ، فإن لم يكن مسمىَّ: رجع على المكرِهِ
بما يلزمه من المتعة.

٢٤٩
كتاب الإكراه
وإن أُكْرِهِ على الزنا: وَجَبَ عليه الحدُّ عند أبي حنيفة، إلا أن يُكرِهَه
السلطانُ.
- وإنما وجب له الرجوعُ بذلك على المكرِهِ؛ لأنه قرَّر عليه ضماناً كان
يجوز أن يتخلَّص منه، إذ المهر قبل الدخول على شَرَف السقوط، ألا ترى
أن الفُرقة لو كانت بسببٍ من جهة المرأة، بأن ارتدت قبل الدخول، أو
قَبَّلت ابنَ زوجها: فإنه يسقط عنه المهرُ والمتعة.
- وإنما تأكد عليه ذلك بالطلاق، فكان إتلافاً للمال من هذا الوجه،
فيضاف إلى المكرِهِ؛ لأنه قرَّره عليه، فكأنه أَخَذَه من ماله، فأتلفه عليه.
- وأما إذا كان الزوج قد دخل بها: فلها المهرُ على الزوج كاملاً، ولا
ضمان على المكرِهِ؛ لأن المهر تقرر في ذمته بالدخول، لا بالطلاق، فلا
یرجعُ علیه.
· قوله: (وإن أكرهه على الزنا: وجب عليه الحدُّ عند أبي حنيفة، إلا
أن يُكرهه السلطان)؛ لأن الإكراه لا يتصور في الزنا؛ لأن الوطء لا يُمكن
إلا بالانتشار، وهو لا يكون مع الخوف، وإنما يكون مع اللذة، وسكونِ
النفس، والاختيارُ له، فكأنه زنی باختياره.
- وليس كذلك المرأة إذا أُكرهت على الزنا: فإنها لا تُحَدُّ؛ لأنه ليس
منها إلا التمكين، وذلك يحصل مع الإكراه.
- وأما إذا أكرهه السلطان: ففيه روايتان:
إحداهما: يجب عليه الحدُّ، وبه قال زفر، والوجه فيه ما ذكرنا.

٢٥٠
كتاب الإكراه
وقال أبو يوسف ومحمد : لا يلزمه الحدُّ.
وإذا أُكرِهِ علىُ الرِّدَّة: لم تَبِنِ امرأتُه منه.
والثانية: لا حدَّ عليه، ويُعزَّر، ويجب عليه المهرُ؛ لأن السلطان لا
تَمكُن مغالبتُه، ولا التظّم منه إلى غيره.
- وفي ((البزدوي الكبير)): إذا أكرهه السلطان على الزنا: لا يسعه
الإقدامُ عليه؛ لأن فيه فسادَ الفراش، وضياعَ النسل، وذلك بمنزلة القتل.
: قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلزمه الحدُّ)، ويعزَّر، سواء
أكرهه السلطان أو غيرُه؛ لأن الانتشار من طَبْع الإنسان، فيحصل بغير
اختياره، ثم يُكره على المواقعة، فيصح الإكراه، ويسقط الحدّ، ويجب
المهرُ؛ لأن الوطء في ملك الغير لا يخلو من حدٍّ أو مهرٍ، فإذا سقط
الحدّ: وجب المهر، ولا يرجع به على الذي أكرهه.
- وإن أُكره عليه بحبسٍ أو قيدٍ أو ضربٍ لا يخاف منه تلفاً: فليس له أن
يفعل، فإن فعل: فعليه الحدُّ؛ لأن الحبس والقيد إكراهٌ في الأموال والعقود،
فأما في المحظورات: فلا إكراه فيها، إلا بما يخاف منه تلف نفسٍ، أو عضوٍ.
: قوله: (وإذا أُكره على الردة: لم تَبِنْ منه امرأتُه)، يعني إذا كان قلبه
مطمئناً بالإيمان؛ لأن الردة تتعلق بالاعتقاد.
وروى الحسن: أنه يكون مرتداً في الظاهر، وفيما بينه وبين الله: يكون
مسلماً إن أخلص الإيمانَ، وتِبِيْنُ امرأتُه، ولا يُصلىُ عليه، ولا يُورَثُ،
ولا يرث من ابنِه المسلم.

٢٥١
كتاب الإكراه
لکن الأول هو المشهور.
- وإن أُكره كافرٌ على الإسلام، فأسلم: صحَّ إسلامه؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهًا﴾. آل عمران/ ٨٣.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله
إلا الله))(١)، وهذا إكراهٌ على الإسلام، والله أعلم.
(١) صحيح البخاري (٢٥)، صحيح مسلم (٣٦).

٢٥٢
کتاب السِّير
کتاب السیر
الجهادُ فرضٌ على الكفاية، إذا قام به فريقٌ من الناس : سَقَط عن
الباقين.
کتاب السیر
هو جَمْعُ: سِيْرة، وهي الطريقة في الأمور.
وفي الشرع: عبارةٌ عن الاقتداء بما يَختصُّ بسيرة النبيِّ صلى الله عليه
وسلم في مَغَازِیه.
والسِّيَر ها هنا: هو الجهادُ للعدوِّ، وهو ركنٌ من أركان الإسلام.
والأصل في وجوبه: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرَّهُ
لَّكُمْ﴾. البقرة / ٢١٦، أي فُرض عليكم القتالُ وهو شاقٌّ عليكم.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَقِّئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْأُمُوهُمْ﴾. التوبة/٥.
وقولُه تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي لا يكون
شِرْكٌ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. الأنفال/٣٩.
* قال رحمه الله: (الجهادُ فرضٌ على الكفاية، إذا قام به فريقٌ من
الناس: سقط عن الباقين)، يعني إذا كان بذلك الفريق كفايةً، أما إذا لم

٢٥٣
کتاب السِّير
وإن لم يَقُم به أحدٌ : أَثِمَ جميعُ الناس بتركه.
وقتالُ الكفّار واجبٌ وإن لم يبدؤونا.
ولا يجبُ الجهادُ علىُ صبيٍّ، ولا عبدٍ، ولا امرأةٍ، ولا أعمىُ، ولا
مُقْعَدٍ، ولا أقطعَ.
تكن بهم كفاية: فُرض على الأقرب فالأقرب من العدوِّ إلى أن تقع الكفاية.
* قوله: (فإن لم يقم به أحدٌ: أَثِمَ جميعُ الناس بتَرْكه)؛ لأن الوجوب
على الكل، إلا أن في اشتغال الكلّ به: قَطْعُ مصالح المسلمين، من بطلان
الزراعة، ومنافع المعيشة.
* قوله: (وقتالُ الكفار واجبٌ علينا وإن لم يبدؤونا)؛ لأن قتالهم لو
وَقَفَ على مبادأتهم لنا: لكان على وجه الدفع، وهذا المعنى يوجد في
المسلمين إذا حصل من بعضهم لبعضِ الأذيةُ، وقتالُ المشركين مخالفٌ
لقتال المسلمين.
* قوله: (ولا يجبُ الجهادُ على صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا عبدٍ، ولا
امرأةٍ، ولا أعمىَّ، ولا مقعدٍ، ولا أقطعَ).
لأن الصبيَّ والمجنونَ ليسا من أهل الوجوب؛ لأن القلم مرفوعٌ عنهما.
والعبد؛ لتقدُّم حقِّ المولىُ، ولأنه يسقط عنه فرض الحج والجمعة،
وهما من فروض الأعيان.
والمرأةُ يسقط عنها فرضُ الجمعة، فسقوط فرض الكفاية عنها أولى.
والأعمى والمقعدُ والأقطعُ عاجزون، ولهذا سقط عنهم فرض الحج.

٢٥٤
کتاب السِّير
فإن هَجَمَ العدوُّ على بلدٍ : وَجَبَ على جميع المسلمين الدَّفْعُ.
تَخرجُ المرأةُ بغير إذن زوجها، والعبدُ بغير إذن سيِّده.
وإذا دخل المسلمون دارَ الحرب، فحاصروا مدينةً، أو حِصْناً:
دَعَوْهم إلى الإسلام، فإن أجابوهم : كَفّوا عن قتالهم.
وإن امتنعوا: دَعَوْهم إلى أداء الجزية، ..
وسواء كان أقطعَ الأصابع، أو أشلّ، ولأنه يحتاج في القتال إلى يدِ
يضرب بها، ویدٍ یتقي بها.
- فإن أذن المولى لعبده في القتال: خرج إليه؛ لأن المنع لِحَقَّه، وقد
رضي بإسقاطه.
قوله: (فإن هجم العدوُّ على بلدٍ: وجب على جميع الناس(١) الدفعُ،
تخرجُ المرأةُ بغير إذن زوجها، والعبدُ بغير إذن سيده)؛ لأنه صار فرضَ
عينٍ، وملكُ اليمين، ورِقُّ النكاح لا تأثيرَ له في حقٍّ فروض الأعيان، كما
في الصلاة والصوم.
قوله: (وإذا دخل المسلمون دارَ الحرب، فحاصروا مدينةً أو
حصناً: دَعَوْهم إلى الإسلام، فإن أجابوهم: كَفّوا عن قتالهم)؛ لحصول
المقصود.
* قوله: (وإن امتنعوا: دَعَوْهم إلى أداء الجزية)، يعني في حق مَن
تُقبل منهم الجزيةُ؛ احترازاً عن عبدة الأوثان من العرب والمرتدين؛ لأنهم
(١) وفي نسخ من القدوري: المسلمين.

٢٥٥
کتاب السِّير
فإن بذلوها : فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم.
ولا يجوز أن يقاتِل مَن لم تَبْلُغْه دعوةُ الإسلام، إلا بعد أن يَدْعُوَهم
إلى الإسلام.
لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، قال الله تعالى: ﴿نُقَيِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُونَ﴾. الفتح / ١٦.
* قوله: (فإن بَذَلوها)، أي قَبِلوها: (فلهم: ما للمسلمين، وعليهم:
ما عليهم)، أي تكون دماؤهم وأموالهم كدماء المسلمين وأموالهم.
* قوله: (وإن امتنعوا: قاتلوهم)؛ لأنهم قد أَعذروا إليهم، فأبَوْا،
فوجب قتالهم.
* قوله: (ولا يجوز أن يُقاتِلَ مَن لم تبلُغْه دعوة الإسلام، إلا بعد أن
يدعوهم).
- فإن قاتلوهم قبل الدعوة: أثموا، ولا غرامةَ عليهم في ذلك.
قال في ((الينابيع)): إنما لا يجوز أن يُقاتِل مَن لم تبلُغْه الدعوة في ابتداء
الإسلام، أما في زماننا (١): فلا حاجة إلى الدعوة؛ لأن الإسلام قد فاض
واشتهر، فما مِن زمان أو مكانٍ إلا وقد بلغه بعثةُ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم، ودعاؤه إلى الإسلام، فيكون الإمامُ مخيّراً بين البعث إليهم،
وتَرْكِهِ، وله أن يقاتلهم جهراً وخُفيةً.
(١) قلت: انتهى تأليف كتاب الينابيع للشبلي سنة ٦١٦ هـ.

٢٥٦
کتاب السِّير
ويُستحبُّ أن يَدْعُوَ مَن بَلَغَتْه دعوةُ الإسلام، ولا يجب ذلك.
وإن أبَوْا : استعانوا بالله عليهم، وحاربوهم، ونَصَبوا عليهم المجانيق،
وحرَّقوهم، وأرسلوا عليهم الماءَ، وقَطَعوا شَجَرَهم، وأفسدوا زروعَهم.
قوله: (ويُستحب أن يَدعُوَ مَن بلَغَتْه دعوةُ الإسلام، ولا يجب
ذلك)؛ لأن الدعوة قد بلَغَتْهم، وقد صحَّ ((أن النبي صلى الله عليه وسلم
أغار على بني المُصطلِقِ وهم غارُّون))(١)، أي غافلون، ونَعَمُهم تستقي
على الماء.
وهذا يدل على جواز القتال من غير تجديد الدعوة.
* قوله: (فإن أبَوْا: استعانوا بالله تعالى عليهم، وحاربوهم(٢))؛ لأنه
هو الناصر لأوليائه، والمدمِّر لأعدائه.
قوله: (ونَصَبوا عليهم المجانيقَ)، أي ينصبونها على حصونهم،
ويهدمونها، كما ((نَصَبَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف))(٣).
قوله: (وحرَّقوهم)؛ ((لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرق
البُوَيْرة))(٤)، وهو موضعٌ بقُرْب المدينة فيه نخلٌ.
: قوله: (وأرسلوا عليهم الماءَ، وقَطَعوا شجرَهم، وأفسدوا زرعَهم)؛
(١) صحيح البخاري (٢٥٤١)، صحيح مسلم (١٧٣٠).
(٢) وفي نسخ من الجوهرة: استعانوا بالله تعالى على قتالهم.
(٣) المصنف لابن أبي شيبة (٣٦٩٥٨)، سنن البيهقي ٨٤/٩، مراسيل أبي داود
(٣٣٦)، وينظر التلخيص الحبير ١٠٤/٤.
(٤) صحيح البخاري (٤٠٣١)، صحيح مسلم (٢٩).

٢٥٧
کتاب السِّير
ولا بأس برَمْهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ، أو تاجرٌ.
وإن تترَّسوا بصبيان المسلمين، أو بالأُسَارى: لم يَكُفُّوا عن رَمْيهم،
ويَقْصِدون بالرمي الكفارَ.
ولا بأس بإخراج النساء، والمصاحفِ مع المسلمين إذا كان عَسْكَراً
عظيماً يُؤمَن عليه.
لأن في ذلك كَسْرَ شوكتِهم، وتفريقَ جمعهم، وقد صحَّ ((أن النبي صلى
الله عليه وسلم حاصر بني النَّضِير، وأمر بقطع نخيلهم، وحاصر أهلَ
الطائف، وأَمَرَ بقَطْع كُرومهم))(١) .
: قوله: (ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلمٌ أسيرٌ، أو تاجرٌ)، يعني
يرميهم بالنَّشَّاب والحجارة والمَنْجَنيق؛ لأن في الرمي دفعَ الضرر العامِّ
بالذبِّ عن جماعة المسلمين، وقتلُ التاجر والأسيرِ ضررٌ خاصٌّ.
* قوله: (فإن تترَّسوا بصبيان المسلمين، أو بالأَسارى: لم يكفّوا عن
و ۶
رميهم، ويقصدون بالرمي الكفارَ)؛ لأن المسلم لا يجوز اعتمادُ قتله.
- فإن أصابوا أحداً من الصبيان أو الأُسارى: فلا ضمان عليهم من
دية، ولا كفارة.
قوله: (ولا بأس بإخراج النساء والمصاحفِ مع المسلمين إذا كان
عسكرٌ عظيمٌ يؤمَن عليه معهم)؛ لأن الغالب هو السلامة، والغالب:
کالمتحقِّق.
(١) قال في التعريف والإخبار ٢٦٥/٣: أخرجه موسى بن عقبة في مغازيه.

٢٥٨
کتاب السِّير
ويُكره إخراجُ ذلك في سَرِيَّةٍ لا يُؤْمَن عليها.
- وكذلك كُتُب الفقه: بمنزلة المصاحف.
- قال في ((الهداية)) (١): والعجائزُ يخرجن في العسكر العظيم؛ لإقامة
عملٍ يليق بهنَّ، كالطبخ والسقي والمداواة، فأما الشوابُّ فمُقَامُهن في
البيوت؛ أدفع للفتنة.
93
- ولا يباشِرْن القتال؛ لأنه يُستدلّ به على ضعف المسلمين، إلا عند
الضرورة.
- ولا يُستحب إخراجهنَّ للمُباضعة والخدمة، فإن كانوا لا بدَّ
مُخرِجين: فالإماء، دون الحرائر، وقد كان النساء يخرجن مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم في الجهاد.
((قالت أم عطية: غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعَ
غزوات، كنتُ أُصلح لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم بالمرضىُ))(٢).
وكذلك ((أم سُلَيْم بنت ملحان أم أنس بن مالك قاتلتْ مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم يومَ حنين حين انهزم الناس عنه)(٣).
قوله: (ويكره إخراج ذلك في سَرِيَّة لا يُؤمن عليها)؛ لأن فيه
تعريضَ النساء للضياع والفضيحة، وخوفَ السبي والاسترقاق.
(١) ١٣٧/٢.
(٢) صحيح البخاري (٣٢٤).
(٣) صحيح مسلم (١٨٠٩).

٢٥٩
کتاب السِّير
ولا تقاتلُ المرأةُ إلا بإذن زوجها، ولا العبدُ إلا بإذن سيِّده، إلا أن
بهجُمَ العدوُّ.
وينبغي للمسلمين أن لا يَغْدِروا، ولا يَغُلُّوا، ولا يُمثِّلُوا.
- وكذلك المصاحفُ لا يُؤمَن عليها من أن تنالَها أيدي الكفار،
فيستخفُّون بها مغايظةً للمسلمين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا
تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو))(١).
* قوله: (ولا تقاتلُ المرأةُ إلا بإذن زوجها، ولا العبدُ إلا بإذن سيده،
إلا أن يهجمَ العدوُّ)؛ لأنه حينئذ يصير فرضَ عينٍ، كالصلاة والصوم.
* قوله: (وينبغي للمسلمين أن لا يَغْدِروا، ولا يَغُلُّوا).
الغَدْرُ: الخيانةُ، ونقضُ العهد، والخَفْرُ بالأمان.
والغُلولُ: السرقة من المغنم، والخيانةُ فيه، بأن يُمسك شيئاً لنفسه، ولا
یظهره.
قال عليه الصلاة والسلام: ((الغُلول من جَمْر جهنم))(٢)، والغُلول في
اللغة: أَخْذُ الشيء في الخفية.
* قوله: (ولا يُمثِّلوا)، وهو أن يُقطِّعوا أطرافَ الأُسارى، أو أعضاءهم،
كالأُذُن والأنف واللسان والأصبع، ثم يقتلوهم، أو يُخلُّوا سبيلَهم.
(١) صحيح البخاري (٢٩٩٠)، صحيح مسلم (١٨٦٩).
(٢) الدر المنثور ٢٢٥/٢.

٢٦٠
کتاب السِّير
ولا يَقتلوا امرأةً، ولا شيخاً فانياً، ولا صبيّاً، ولا أعمىَّ، ولا مُفْعَداً، .
وقيل: هو أن يُقطَّعوا رؤوسَهم، ويَشقَّوا أجوافَهم، ويُقطَّعوا مذاكيرَهم،
وهذا كله لا يجوز.
- وإنما تُكره المُثُلة: بعد الظَّفَر بهم، أما قبله: فلا بأس بها.
* قوله: (ولا يَقتلوا امرأةً، ولا صبياً، ولا مجنوناً، ولا شيخاً فانياً،
ولا أعمىّ، ولا مُقْعَداً)؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال، إلا إذا قاتلوا،
أو حرَّضوا على القتال، وكانوا ممن يُطاع: فلا بأس بقتلهم.
- وقوله: ولا شيخاً فانياً: يعني الذي لا رأيَ له في الحرب، أما إذا
كان يُستعان برأيه: قُتل.
- وقوله: ولا أعمىَّ: الأصل: أن كلَّ مَن كان مِن أهل القتال غالباً: فإنه
يُقْتَل إذا كان حربياً، قاتَل أو لم يُقاتِل، وإن لم يكن مِن أهل القتال غالباً،
كالنساء والصبيان: فإنهم لا يُقتَلون، إلا أن يقاتِلوا.
- ثم إذا قُتل أحدُ هؤلاء عمداً، أو خطأً: فلا ضمان عليه، ولم تكن
عليه ديةٌ ولا كفارةٌ، إلا أنه يُكره إذا كان عمداً، وعليه الاستغفار.
- وإذا لم يجز قتلُهم: ينبغي أن يؤسَروا، ويُحمَلوا إلى دار الإسلام إذا
قَدَر المسلمون على ذلك، ولا يتركونهم في دار الحرب؛ لأن النساء إذا
تُرِكنَ: تقوَّى بهم أهل الحرب.
- وكذا الصبيان يبلُغون، فيقاتلون.