Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل
فإن عَدَّلَ شهودَ الأصل شهودُ الفَرْع : جاز.
وإن سَكَتوا عن تعديلهم : جاز، ويَنْظُرُ القاضي في حالهم.
قوله: (فإن عدَّل شهودُ الأصل شهودَ الفرع: جاز)؛ لأنهم من أهل
ءِ
التزكية، معناه: أن الفروع هم المزكّون للأصول، وذلك لأن نَقْلهم
لشهادتهم لا يمنع صحةً تعديلهم، فلا فرق بين تعديلهم وتعديل غيرهم.
- ولا يجوز أن يقال: في ذلك تصحيحُ شهادتهم؛ لأن تصحيح شهادة
الشاهد لا تؤثر في شهادته، ألا ترى أنه يُظهِرُ من نفسه الصلاحَ والعدالةَ،
ولا يؤثر ذلك في شهادته.
- وكذا إذا شهد شاهدان، فعدَّل أحدُهما الآخرَ: صحَّ تعديله؛ لما
قلنا. كذا في ((الهداية))(١).
* قوله: (وإن سكتوا عن تعديلهم: جاز، وينظر القاضي في حالهم)؛
لأن التعديل لا يلزمهم، وهذا قول أبي يوسف؛ لأن المأخوذ عليهم
النقل، دون التعديل؛ لأنه قد تخفى عليهم عدالتُهم.
وقال محمد: إن لم تُعدِّل شهودُ الفرع شهودَ الأصل: لم يُلتفت إلى
شهادتهم؛ لأنه لا شهادة إلا بالعدالة، فإذا لم يعرفوها فيهم: لم يَنقلوا
الشهادة، فلا تُقبل.
- ثم إن عند أبي يوسف إذا شهدوا وهم عدول، وسكتوا عن تعديل
أصولهم: سأل الحاكمُ عن تعديلهم، فإن عُدِّلوا: حَكَمَ بشهادة الفروع،
وإلا : فلا.
(١) ١٣١/٣.

١٨٢
فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل
- وإن لم يعلم الحاكمُ بحال الأصول والفروع: سأل عن جميعهم في
السرِّ، وزكّاهم في العلانية. كذا في ((الينابيع)).
ــ وإذا كان شاهدُ الأصل محبوساً في المصر، فأشهَدَ على شهادته:
هل يجوز للفرع أن يشهد على شهادته؟
وإذا شهد عند القاضي: هل يحكم بها؟
قال في ((الذخيرة)): اختلف فيه مشايخُ زماننا:
قال بعضهم: إن كان محبوساً في سجن هذا القاضي: لا يجوز؛ لأن
القاضي يُخرِجه من سجنه حتى يشهد، ثم يُعيده إلى السجن.
وإن كان في سجن الوالي، ولا يمكنه الإخراج للشهادة: يجوز.
- وقوله: وينظر الحاكمُ في حالهم: يعني على ما تقدم من الخلاف في
تعديل الشاهد قبل طعن الخصم عليه.
- قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يُقبل الواحدُ في التعديل والجرح؛ لأن
التعديل ليس بشهادة، وإنما هو خبرٌ، ألا ترى أنه لا يحتاج إلى لفظ
الشهادة، ویثبت بالرسالة.
- ويُقبل تعديل الوالد لولده، والولد لوالده، ولا يُحتاج إلى حضور
خصم، ولا يفتقر تعديل الشهادة على الزنا إلى أربعة.
وقال محمد: لا يُقبل فيه أقلّ من اثنين.

١٨٣
فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل
- والخلاف في تعديل السرِّ، أما تعديل العلانية: فلا بدَّ فيه من اثنين،
ولفظ الشهادة، بالإجماع.
- وفي ((الهداية))(١): قالوا: يُشترط في تزكية شهود الزنا أربعة عند
محمد.
- وكذا اختلافهم في الترجمان إذا لم يفهم القاضي كلامَ الخصم.
- وعلى هذا يُقبل فيه عندهما قولُ الواحد، وعند محمد: لا بدَّ من
اثنین.
- وعلى هذا: يُقبل تعديلُ المرأة عندهما، وقال محمد: لا يجوز.
- ثم عند أبي حنيفة: إنما يُقبل تعديلها في غير العقوبات، أما في
العقوبات: فتُشترط الذكورة على أصله: أن التزكية علةُ العلة، والعلة هي
الشهادة، وعلة العلة التزكية.
- ويقول المزكِّي: هو عدلٌ رضاً، ولا يَحتاج إلى قوله: علي، ولي؛
لأنه إذا قال: هو عدلٌ رضاً: فهو عدلٌ علیه، وله.
- قال في ((الينابيع)): إذا احتاج المدعي إلى إخراج الشهود إلى
موضعٍ، فاستأجر لهم دوابَّ للركوب: لم تُقبل شهادتُهم عند أبي يوسف.
- وإن أكلوا من طعامه في الطريق: قُبلت.
(١) ١١٩/٣.

١٨٤
فصل مَن ◌ُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل
وإن أنكر شهودُ الأصل الشهادةَ : لم تُقبل شهادةُ شهودِ الفرع.
وقال محمد: لا أقبل شهادتَهم في الوجهين جميعاً.
وقال نصرُ بن يحيى: لا بأس للمشهود له أن يتكلف للشاهد دابةً إذا
كان شيخاً لا يقدر على المشي.
وقال الفقيه أبو الليث: إن كان لهم قوةً على المشي، أو ما يَسْتَكْرون
به دابةً: فهو كما قاله أبو يوسف.
قوله: (وإن أنكر شهودُ الأصلِ الشهادةَ: لم تُقبل شهادةُ شهود
الفروع)، بأن قالوا: ليس لنا في هذه الحادثة شهادةً، وغابوا، أو ماتوا، ثم
جاء الفروعُ يشهدون على شهادتهم في هذه الحادثة، أو قالوا: لم نُشهِد
الفروعَ على شهادتنا: فإن شهادة الفروع لا تُقبل؛ لأن التحمُّل لم يثبت،
وهو شرطٌ.
- مسائل: إذا شهد الفاسقان بشهادة، فرُدَّت شهادتُهما، ثم تابا وأنابا،
ثم جاءا فشهدا بها: لم تُقبل؛ لأنهما إنما رُدَّت شهادتهما للتهمة، وهي
باقيةٌ؛ لجواز أن يكونا توصَّلا بإظهار التوبة إلى تصحيح شهادتهما.
- وكذا إذا شهد الزوجُ الحرُّ لزوجته بشهادةٍ، فَرُدَّت، ثم أبانها،
وتزوجت غيرَه، ثم شهد لها بتلك الشهادة: لم تُقبل؛ لجواز أن يكون
توصّل بطلاقها إلى تصحیح شهادته.
۔ و کذا إذا شهدت لزوجها، ثم أبانها، ثم شهدت له.
- ولو شهد العبد أو الكافر أو المجنون أو الصبي بشهادةٍ، فَرُدَّت، ثم

١٨٥
فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل
وقال أبو حنيفة في شاهد الزُّور: أُشَهِّره في السوق، ولا أُعزِّره.
أُعتق العبد، أو أسلم الكافرُ، أو أفاق المجنونُ، أو بلغ الصبيُّ، ثم
عادوا، فشهدوا بها: قُبلت شهادتُهم؛ لأنهم لم يكونوا من أهل الشهادة
حال أدائها، ولا رُدَّت شهادتهم لأجل التهمة، وإنما رُدَّت لكونهم ليسوا
من أهل الشهادة، ثم صاروا من أهلها، فزال المعنى الذي لأجله رُدَّت
شهادتُهم، فلهذا قُبلوا.
* قوله: (وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أُشهِّره في السوق، ولا
◌ُعزِّره)، أي: ولا أضربه.
- وتفسير الشُّهْرة: ما ذكره في ((المبسوط))(١): أن شُرَيْحاً كان يبعث
بشاهد الزور إلى أهل سوقه إن كان سُوقياً، أو إلى قومه إن لم يكن سُوقياً
بعد العصر، أجمع ما يكون، ويقول: إن شريحاً يُقرئكم السلامَ، ويقول
لکم: إنا وجدنا هذا شاهد زورٍ فاحذروه، وحذروا الناسَ منه.
- والرجل والمرأة في شهادة الزور سواء.
- ثم إذا تاب شاهد الزور، فشهد بعد ذلك في حادثة: هل تُقبل
شهادته؟
الجواب فيه: على وجهين: إن كان فاسقاً، ثم تاب: قُبلت شهادته؛
لأن فسقَه زال بالتوبة.
(١) ١٦ / ١٤٥.

١٨٦
فصل مَن تُقبل شهادته، ومَن لا تُقبل
وقال أبو يوسف ومحمد : نوجِعُه ضرباً، ونَحْبِسُه.
- ولم يبيِّن في الكتاب مدةَ ظهور التوبة: فعند بعضهم: مقدَّرةٌ بستة
أشهر، وعند بعضهم: بسَنَةٍ، والصحيح أنه يُفوَّض إلى رأي القاضي.
والثاني: إن كان مستوراً: لا تُقبل شهادتُه أبداً في الحكم.
وعند أبي يوسف: تُقبل، وعليه الفتوى.
- وشاهد الزور هو: المقِرُّ على نفسه بذلك، إذ لا طريق إلى إثباته
بالبينة؛ لأنه نفيٌ للشهادة، والبينات: للإثبات.
وقيل: هو أن يشهد بقتل رجلٍ، ثم يجيء المشهود بقتله حياً، حتى
يثبت کذبُه بیقین.
- أما إذا قال: أخطأتُ في الشهادة، أو غلطتُ: لا يُعزَّر.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: نوجِعُه ضرباً، ونحبسُهُ)؛ لأن
عمر رضي الله عنه أَمَرَ بشاهد الزور حتى عُزِّر، وسُخِّم وجهه(١)، وطِيْف
به، وحُبس.
قلنا: هذا محمولٌ على أنه كان مُصِرَّاً على ذلك.
وعند أبي حنيفة: إذا كان بهذه الصفة: يُعزَّر، ولهذا جَمَعَ عمرُ عليه
التعزيرَ والتسخيمَ والشهرةَ والحبسَ.
(١) أي: سُوِّد. مختار الصحاح (سخم).

١٨٧
كتاب الرجوع عن الشهادات
كتاب الرجوع عن الشهادات
إذا رَجَعَ الشهودُ عن شهادتهم قَبْل الحكم بها : سَقَطَت.
وإن حُكِمَ بشهادتهم، ثم رجعوا: لم يُفْسَخِ الحكمُ، ووَجَبَ عليهم
ضمانُ ما أتلفوه بشهادتهم.
كتاب الرجوع عن الشهادات
هذا الباب له ركزٌ، وشرطٌ، وحكمٌ.
- فركنه: قول الشاهد: رجعتُ عما شهدتُ به، أو شهدتُ بزورٍ.
- وشرطه: أن يكون عند القاضي.
- وحُكمه: إيجاب التعزير على كلّ حال، سواءً رجع قبل القضاء
بشهادته، أو بعد القضاء بها، والضمانُ مع التعزير إن رجع بعد القضاء،
وكان المشهودُ به مالاً، وقد أزاله بغير عوض. كذا في ((المستصفى)).
* قال رحمه الله: (إذا رجع الشهودُ عن شهادتهم قبل الحكم بها:
سقطت، ولا ضمانَ عليهم)؛ لأنهم لم يُتلفوا بها شيئاً.
* قوله: (وإن حُكِم بشهادتهم، ثم رجعوا: لم يُفسخ الحكمُ، ووجب
عليهم ضمانُ ما أتلفوه بشهادتهم)؛ لأنهم اعترفوا بالتعدي، فلزمهم
الضمان.

١٨٨
كتاب الرجوع عن الشهادات
ولا يصحُّ الرجوعُ إلا بحضرة الحاكم.
وإذا شهد شاهدان بمالٍ، فحَكَم الحاكمُ به، ثم رجعا: ضمنا المالَ
للمشهود عليه .
وإِن رَجَعَ أحدُهما : ضَمِنَ النصفَ.
** قوله: (ولا يصحُّ الرجوعُ إلا بحضرة الحاكم)؛ لأنه فسخٌ للشهادة،
فيختص بما تختص به الشهادة من مجلس القاضي.
والمراد: أيَّ حاكمٍ كان، ولا يشترط الذي حكم.
- وفائدة قوله: لا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم: أنه لو ادعى
المشهودُ عليه رجوعَهما: لم تُقبل خصومته، وإن أراد يمينَهما: لا يُحلَّفان.
- وكذا لا تُقبل بينتُه عليهما؛ لأنه ادعى رجوعاً باطلاً.
* قوله: (وإذا شهد شاهدان بمالٍ، فحَكَمَ به الحاكم، ثم رجعا:
ضَمِنَا المالَ للمشهود عليه (١))؛ لأن التسبُّب على وجه التعدي سببٌ
للضمان، كما في اليد، وقد تسبَّيا للإتلاف تعدياً.
- وإنما يضمنان إذا قبض المدعي المالَ؛ لأن الإتلاف به يتحقق.
* قوله: (وإن رجع أحدُهما: ضَمِنَ النصف).
- والأصل: أن المعتبر بقاءَ مَن بقي، لا رجوع مَن رجع، وقد بقيَ مَن
يبقى بشهادته نصفُ الحق.
(١) وفي نسخ من الجوهرة: المالَ المشهود به.

١٨٩
کتاب الرجوع عن الشهادات
وإن شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فَرَجَعَ أحدُهم: فلا ضمان عليه، فإن رَجَعَ
آخرُ: ضَمِنَ الراجعان نصفَ المال.
وإن شهد رجلٌ وامرأتان، فرجعت امرأةٌ: ضَمِنتْ رُبُعَ الحقِّ، وإن
رَجَعَتّا : ضَمِنَتَا نصفَ الحقِّ.
وإن شَهِدَ رجلٌ، وعَشْرُ نِسوةٍ، ثم رجع ثمانٍ منهنَّ: فلا ضمان
علیهنَّ.
فإن رجعت أخرى: كان على النسوة رُبُعُ الحقِّ.
قوله: (وإن شهد بالمال ثلاثةٌ، فرجع أحدُهم: فلا ضمان عليه)؛
93
لأنه بقي مَن يبقى بشهادته كلّ الحق، فلا يُلتفت إلى الراجع.
قوله: (فإن رجع آخرُ: ضمن الراجعان نصفَ المال)؛ لأنه قد بقي
على الشهادة مَن يقطع بشهادته نصفَ الحق.
: قوله: (وإن شهد رجلٌ وامرأتان، فرجعتِ امرأةٌ: ضمنت ربعَ
الحقِّ)؛ لبقاء ثلاثة أرباع المال ببقاء مَن بقي.
* قوله: (وإن رجعتا: ضمنتا نصفَ الحقِّ)؛ لأن بشهادة الرجل يبقى
نصف الحق.
* قوله: (وإن شهد رجلٌ وعشرُ نسوة، فرجع ثمانٍ منهن: فلا ضمان
عليهن)؛ لأنه بقي مَن يَقطع بشهادته كل الحق.
: قوله: (فإن رجعت أخرى: كان على النسوة ربعُ الحق)؛ لأنه بقي
النصفُ بشهادة الرجل، والربع بشهادة الباقية.

١٩٠
كتاب الرجوع عن الشهادات
فإن رَجَعَ الرجلُ والنساءَ : فعلى الرجل سدسُ الحقِّ، وعلى النسوة
خمسةُ أسداس الحقِّ عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل النصفُ، وعلى النسوة
النصفُ.
قوله: (فإن رجع الرجلُ والنساء: كان على الرجل سدسُ الحقِّ،
وعلى النسوة خمسةُ أسداسه عند أبي حنيفة)؛ لأنه انقطع بشهادة كل
امرأتين مثل ما انقطع بشهادة رجل، فصار كما لو كانوا ستةً رجال،
فرجعوا: ضمنوا المالَ أسداساً.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل النصفُ، وعلىُ
النسوة النصف)؛ لأنهن وإن كثرن: بمنزلة واحدة.
- وإن رجع النسوة العشر، دون الرجل: فعليهن نصفُ الحق على
القولين؛ لما قلنا: إن الاعتبار ببقاء مَن بقي.
- وإن شهد رجلان وامرأةٌ، ثم رجعوا جميعاً: فالضمان على
الرجلين، دونها؛ لأنه لا تجوز شهادةُ امرأة واحدة، فوجودها وعدمها
سواءٌ؛ لأنها بعضُ شاهدٍ.
- ولو شهد رجلٌ وثلاثُ نسوة، فرجع الرجلُ وامرأةً: ضمن الرجل
النصفَ، ولم تضمن المرأة شيئاً عندهما.
وعلى قياس قول أبي حنيفة: يضمنان النصفَ أثلاثاً: عليه الثلثان،
وعليها الثلث.

١٩١
كتاب الرجوع عن الشهادات
وإن شهد شاهدان على امرأةٍ بالنكاح بمقدارِ مهرٍ مِثْلِها، ثم رجعا : فلا
ضمان عليهما .
- وإن رجعوا جميعاً: كان عليه النصفُ، وعليهن النصفُ عندهما.
وعند أبي حنيفة: عليه خُمُسا المال، وعليهن ثلاثةُ أخماسه.
- وإن شهد رجلان وامرأتان، فرجع المرأتان: فلا ضمان عليهما؛ لأن
الرجلين يحفظان المال.
- فإن رجع الرجلان، وبقي المرأتان: فالمرأتان قامتا بنصف المال،
وعلى الرجلين نصف المال.
۔ وإن رجع رجلٌ واحدٌ: لا ضمان علیه.
- فإن رجع رجلٌ وامرأةٌ، وبقي رجلٌ وامرأةٌ: فعلى الرجل والمرأة ربع
المال أثلاثاً.
- وإن رجعوا جميعاً: كان الضمان أثلاثاً: ثلثاه على الرجلين، والثلث
على المرأتين.
* قوله: (وإذا شهد شاهدان على امرأة بالنكاح بمقدار مهر مثلها، أو
أكثر، ثم رجعا: فلا ضمانَ عليهما)؛ لأنهما أتلفا عليه عينَ مالٍ بِعِوَضٍ،
لأن البُضع عند دخوله في ملكه متقوِّمٌ عند الإتلاف.
قوله: (وإن شهدا بأقلَّ من مهر المثل، ثم رجعا: لم يضمنا
النقصانَ(١))؛ لأن منافع البُضع غير متقوِّمة عند الإتلاف.
(١) هذه المقولة جعلها الشارح منفصلةً عن التي قبلها، مع أن الحكم واحد،

١٩٢
كتاب الرجوع عن الشهادات
وكذلك إن شَهِدا على رجلٍ بتزوَّج امرأةٍ بمقدارِ مهرٍ مثلها.
وصورته: أن يشهدا أنه تزوجها على خمسمائة، ومهرُ مثلها ألفٌ، ثم
يرجعان، فإنهما لا يضمنان شيئاً؛ لأنهما لم يَخرجا عن ملكها ما له قيمةٌ،
والمالُ يلزم بإقرار الزوج؛ لأنه لما ادعى ذلك: لزمه بإقراره.
- قال في ((المصفى)): إذا ادعى نكاحَ امرأةٍ على مائة، وقالت هي:
على ألفٍ، ومهرُ مثلها ألفٌ، فأقام شاهدين على مائة، وقُضيَ لها، ثم
رجعا بعد الدخول بها: لا يضمنان لها شيئاً عند أبي يوسف.
وعندهما: يضمنان لها تسعمائة؛ بناءً عندهما على أن القول قولُها إلى
تمام مهر مثلها، فكان يُقضى لها بألف لولا شهادتهما، فقد أتلفا عليها
تسعمائة.
وعند أبي يوسف: القول قول الزوج، فلم يُتلفا عليها شيئاً.
: قوله: (وكذلك إن شهدا على رجلٍ بتزوُّج امرأةٍ بمقدار مهر مثلها)،
أو أقلَّ، (ثم رجعا: لم يضمنا)؛ لأن هذا إتلافٌ بعوض؛ لأن البُضع متقوِّم
حال الدخول في الملك، والإتلافُ بعوض: كالإتلاف.
وهو عدم الضمان، سواء شَهِدَاً بمقدار مهر مثلها، أو أكثر، أو أقل، وقد جعل
الشارح: ((بمقدار مهر مثلها، أو أكثر)): مع المقولة الأولى التي قبلها، وأما نُسخ
القدوري فلم أقف فيها على زيادة: ((أو أكثر، أو أقل))، وقد جعلها الميداني في
اللباب ١٦٠/٥ من شرحه، لا من متن القدوري، موافقاً بذلك للنسخ الخطية من
القدوري التي عندي، والله أعلم.

١٩٣
کتاب الرجوع عن الشهادات
فإن شَهِدا بأكثرَ من مهر المثل، ثم رجعا : ضَمِنَا الزيادة.
وإن شَهِدا ببيعٍ بمثل القيمة، أو أكثرَ، ثم رَجَعا: لم يَضْمَنا، وإن كان
بأقلَّ من القيمة : ضَمِنا النقصانَ.
وإن شهدا على رجل أنه طلَّق امرأتَه قبل الدخول، ثم رَجَعا : ضَمِنا
نصفَ المهر.
* قوله: (وإن شهدا بأكثر من مهر المثل، ثم رجعا: ضمنا الزيادةَ)؛
لأنهما أتلفاها بغير عوض.
- ثم هذا النكاح جائزٌ عند أبي حنيفة في الظاهر والباطن.
وعندهما: يجوز في الظاهر، ولا يجوز في الباطن.
وفائدته: أنه يجوز وطؤها عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجوز.
* قوله: (وإن شهدا ببيع بمثل القيمة، أو أكثرَ، ثم رجعا: لم يضمنا)؛
لأنهما حَصَلا له بشهادتهما مثل ما أزالاه عن ملكه.
ــ وهذا إذا كان المشتري يدعي، والبائعُ يُنكر، أما إذا كان البائع
يدعي، والمشتري يُنكر: يضمنان الزيادةَ. كذا في ((المستصفى)).
* قوله: (وإن كان بأقل من القيمة: ضمنا النقصانَ)؛ لأنهما أتلفا هذا
الجزءَ بلا عوض.
* قوله: (وإن شهدا على رجلٍ أنه طلق امرأته قبل الدخول بها، ثم
رجعا: ضمنا نصفَ المهر)؛ لأنهما أكَّدا عليه ضماناً كان على شَرَف
الزوال والسقوط، ألا ترى أنها لو طاوعت ابنَ الزوج، أو ارتدَّت: يسقط
المھرُ أصلاً.

١٩٤
كتاب الرجوع عن الشهادات
وإن كان بعد الدُّخول : لم يضمنا.
وإن شَهِدا أنه أعتق عبدَه، ثم رَجَعا : ضمنا قيمتَه.
وإن شهدا بقصاص، ثم رَجَعا بعد القتل: ضَمِنا الديةَ، ولا يُقتصُّ
منهما .
- وإن كان لم يسمِّ لها مهراً، وضمن المتعةَ: رجع بها أيضاً عليهما.
* قوله: (وإن كان بعد الدخول: لم يضمنا)؛ لأن خروج البضع من
ملك الزوج لا قيمةً له، والمهرُ يلزمه بالدخول، فلم يُتْلِفا عليه شيئاً له
قيمةٌ.
* قوله: (وإن شهدا أنه أعتق عبدَه، ثم رجعا: ضمنا قيمتَه)؛ لأنهما
أتلفا مالية العبد علیه من غير عوض.
- والوَلاء للمُعتِق؛ لأن العتق لا يتحول إليهما بهذا الضمان، فلا
يتحول الولاء.
- وإن شهدا أنه استولد جاريته هذه، فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا:
ضمنا ما نقصها الاستیلادُ، والجارية باقیةٌ على ملکه.
- فإن مات المولى بعد ذلك: عتقت، وضمنا قيمتَها أمةً؛ لأنها تلفت
بشهادتهما المتقدمة، فيجب ضمانها للورثة.
: قوله: (وإن شهدا بقصاصٍ، ثم رجعا بعد القتل: ضمنا الديةَ، ولا
يُقْتَصُّ منهما)؛ لأنهما لم يباشرا القتلَ، ولم يحصلْ منهما إكراهٌ عليه.

١٩٥
كتاب الرجوع عن الشهادات
وإِذا رَجَعَ شهودُ الفرع : ضمنوا.
وإن رجع شهودُ الأصل، وقالوا: لم تُشْهِدْ شهودَ الفرع على
شهادتنا : فلا ضمان عليهم.
وإن قالوا : أشهَدْناهم، وغَلِطنا : ضَمِنوا.
وعند الشافعي(١) يُقتصُّ منهما.
- ثم عندنا يكون ضمانُ الدية في مالهما في ثلاث سنين؛ لأنهما
معترفان، والعاقلة لا تعقل الاعترافَ، ولا تجب عليهما الكفارة، ولا
يُحرمان الميراث بأن کانا ولديّ المشهود علیه، فإنهما يرثانه.
قوله: (وإذا رجع شهود الفرع: ضمنوا)؛ لأن الشهادة في مجلس
القضاء صدرت منهم، فكان التلف مضافاً إليهم.
قوله: (وإن رجع شهودُ الأصل)، يعني بعد ما قضى القاضي
بشهادة الفرعين، (وقالوا: لم نُشهِدْ شهودَ الفرع على شهادتنا: فلا ضمان
عليهم)، أي على الأصول؛ لأنهم أنكروا الإشهادَ، ولا يبطل القضاء.
* قوله: (وإن قالوا: أَشهدناهم، وغَلِطْنا: ضمنوا)، هذا عند محمد؛
لأن الفروع نقلوا شهادةَ الأصول، فصار كما لو حضروا.
وأما عندهما: فلا ضمانَ على الأصول إذا رجعوا؛ لأن القضاء وقع
بشهادة الفروع.
(١) مغني المحتاج ٤/ ٤٥٧.

١٩٦
كتاب الرجوع عن الشهادات
وإن قال شهودُ الفَرْعِ: كَذَبَ شهودُ الأصل، أو: غَلِطوا في
شهادتهم : لم يُلتفَت إلى ذلك.
وإذا شهد أربعةٌ بالزنا، وشاهدان بالإحصان، فرجع شهودُ الإحصان :
لم يَضْمَنوا.
- وإن رجع الأصول والفروعُ: فعندهما الضمان على الفروع؛ لأن
القضاء وقع بشهادتهم.
وعند محمد: هو بالخيار: إن شاء ضمَّن الفروعَ، أو الأصولَ.
* قوله: (وإن قال شهودُ الفرع: كَذَبَ شهودُ الأصل، أو غَلِطوا في
شهادتهم: لم يُلتفت إلى ذلك)؛ لأن ما أُمضيَ من القضاء: لا يُنقض
بقولهم.
- ولا يجب الضمانُ عليهم؛ لأنهم ما رجعوا عن شهادتهم، إنما
شهدوا على غیرهم بالرجوع.
* قوله: (وإن شهد أربعةٌ بالزنا، وشاهدان بالإحصان، فرجع شهود
الإحصان: لم يضمنوا)؛ لأن شهود الإحصان غيرُ موجبين للرجم، وإنما
الإحصانُ شرطٌ فيه، كالبلوغ والعقل، ولأن الرجم عقوبةٌ، والإحصانُ لا
يجوز العقاب عليه، إذ هو البلوغ والإسلام والتزويج والحرية، وهذه معان
لا يُعاقَب عليها، وإنما يستحق العقابَ بالزنا، لا بغيره.
ولأن الإحصان كان موجوداً فيه قبل الزنا غيرُ موجِبٍ للرَّجْم، فلما
وُجد الزنا بعد الإحصان: وجب الرجم، وإذا لم يجب بشهادة شهود
الإحصان رجمٌ: لم يضمنوا بالرجوع.

١٩٧
كتاب الرجوع عن الشهادات
93
وإذا رجع المزكّون عن التزكية : ضَمِنوا.
* قوله: (وإذا رجع المزكون عن التزكية: ضمنوا)، هذا عند أبي
حنيفة؛ لأنهم جعلوا شهادة الشهود شهادةً، ألا ترى أنها كانت قبل التزكية
لا يتعلق بها حکمٌ، وإنما يتعلق بالتزكية.
وعندهما: لا ضمانَ عليهم؛ لأنهم أثنوا على الشهود، فصاروا
کشهود الإحصان.
وصورته: أربعةُ شهدوا على رجلٍ بالزنا، فزُكّوا، فرُجم، فإذا الشهود
عبيدٌ: فالديةُ على المزكِّين عند أبي حنيفة.
ومعناه: إذا رجعوا عن التزكية، بأن قالوا: علمنا أنهم عبيدٌ، ومع ذلك
زكَّيناهم.
- أما إذا ثبتوا على التزكية، وزعموا أنهم أحرارٌ: فلا ضمان علیھم،
ولا على الشهود؛ لأنه لم يتبيَّن كذبُ الشهود؛ لجواز أن يكونوا صدقوا
في ذلك.
- ولا يُحدُّ الشهودُ حدَّ القذف؛ لأنهم قَذَفوا حياً وقد مات، فلا
یورٹ عندنا.
وقال أبو يوسف ومحمد: الدية على بيت المال.
وقيل: الخلاف فيما إذا أخبر المزكّون بالحرية، بأن قالوا: هم أحرارٌ،
أما إذا قالوا: هم عدولٌ، فبانوا عبيداً: لا يضمنون، إجماعاً؛ لأن العبد قد
یکون عدلاً.

١٩٨
كتاب الرجوع عن الشهادات
وإذا شَهِدَ شاهدان باليمين، وشاهدان بوجود الشرط، ثم رَجَعوا :
فالضمانُ على شهود اليمين خاصَّةً.
* قوله: (وإذا شهد شاهدان باليمين، وشاهدان بوجود الشرط، ثم
رجعوا: فالضمانُ على شهود اليمين خاصةً)؛ لأن الحكم يتعلّق باليمين،
ودخولُ الدار شرطٌ في ذلك، فهم کشهود الإحصان مع شهود الزنا.
ومعنى المسألة: يمين العتق، والطلاقُ قبل الدخول، أما بعده: فلا
تظهر فيه فائدة؛ لأن شهود الطلاق بعد الدخول إذا رجعوا: لا ضمان
علیھم.
وإنما تظهر الفائدة في الطلاق قبل الدخول، وفيما إذا شهد شاهدان
أنه حلف بعتق عبده لا يدخل هذه الدار، وشهد آخران أنه دخلها، فحُكِم
بعتق العبد، ثم رجعوا جميعاً: فالضمان على شاهدي اليمين بالعتق، دون
شاهدي الدخول؛ لأن العبد إذا دخل الدار: عَتَقَ باليمين، لا بالدخول.
- فإذا كان هكذا: فالضمان على شاهدي اليمين، ألا ترى أن رجلاً لو
قال لعبده: إن ضربك فلانٌ فأنتَ حرٌّ، فضَرَبَه فلانٌ: يعتق العبدُ، ولا يضمن
الضارب؛ لأنه عَتَقَ بيمين مولاه، لا بالضرب، فكذلك هذا، والله أعلم.

١٩٩
كتاب أدب القاضي
كتاب أدب القاضي
لا تصحُّ ولايةُ القاضي حتى تَجتمعَ في المُوَلَّى شرائطُ الشهادة، ويكونَ
من أهل الاجتهاد .
كتاب أدب القاضي
الأدبُ: اسمٌ يقع على كلِّ رياضةٍ محمودةٍ، يتخرَّجُ بها الإنسان في
فضيلةٍ من الفضائل.
واعلم أن القضاء أمرٌ من أمور الدين، ومصلحةٌ من مصالح
المسلمين، تجب العناية به؛ لأن بالناس إليه حاجةً عظيمة.
* قال رحمه الله: (لا تصحُّ ولايةُ القاضي حتى تجتمعَ في المولّى
شرائطُ الشهادة)، وهي: الحريةُ، والعقل، والبلوغ، والعدالة.
- وإنما ذَكَرَ المولَّى: بلفظ اسم المفعول، ولم يقل: المتولِّي: ليكون
فيه دلالة على تولية غيره له، بدون طلبه، وهو الأَوْلى للقاضي.
- وإنما اعتُبر فيه شرائط الشهادة؛ لأن الحكم لمَّا كان فيه نفوذُ الحكم
على الغير: أشبه الشهادةَ التي توجب الحقَّ على الغير.
- قال في ((شرحه)): لا ينبغي أن يولّى القضاءَ إلا الموثوق بعَفافه،
وصلاحه، و دینه.
* قوله: (ويكونَ من أهل الاجتهاد)، وهو أن يكون عارفاً بالسُنَّة

٢٠٠
كتاب أدب القاضي
ولا بأس بالدخول في القضاء لمَن يَثْقُ بنفسه أنه يؤدِّي فرضَه.
ويكره الدخولُ فيه لمَن يَخاف العجزَ عنه، أو لا يأمن على نفسه
الحَيْفَ فیه.
ولا ينبغي أن يَطلبَ الولاية، ولا يسألَها.
والأحاديث، ويعرفَ ناسخَها ومنسوخَها، وعامَّها وخاصَّها، وما أجمع
عليه المسلمون من ذلك.
* قوله: (ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثقُ من نفسه أن يؤدِّيَ
فرضه).
وقد دخل في القضاء قومٌ صالحون، واجتنبه قومٌ صالحون، وتَرْكُ
الدخول فيه أحوطُ وأسلمُ للدين والدنيا؛ لِمَا فيه من الخطر العظيم،
والأمر المخوف.
: قوله: (ويكره الدخول فيه لمَن يخاف العجزَ عنه، ولا يأمنُ علىُ
نفسه الحیف فیه).
قال عليه الصلاة والسلام: ((قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة: رجلٌ
عَلِمَ علماً فقضى بما عَلِم: فهو في الجنة، ورجلٌ جَهِلَ، فقضى بما جهل:
فهو في النار، ورجلٌ عَلِمَ، فقضى بغير ما علم: فهو في النار))(١).
* قوله: (ولا ينبغي أن يطلبَ الولايةَ، ولا يَسأَلَها): أي لا يطلبها
بقلبه، ولا يسألها بلسانه.
(١) سنن أبي داود (٣٥٧٣)، سنن الترمذي (١٣٢٢)، المستدرك للحاكم
٩٠/٤، وهو حديث صحيح، ينظر البدر المنير ٤٣٢/٢٤، وللحافظ ابن حجر جزء
مفرد جمع فيه طرق هذا الحديث، كما في التلخيص الحبير ١٨٥/٤.