Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
كتاب الصيد والذبائح
.
- وهذا إذا تمكّن من ذبحه، أما إذا لم يتمكن، وفيه من الحياة فوقَ ما
يكون من المذبوح: لم يُؤكل أيضاً، في ظاهر الرواية.
وعن أبي حنيفة: يَحلّ.
وذكر بعضُهم فيه تفصيلاً، وهو أنه إذا لم يتمكن لفقد السِّكَّين: لم
يؤكل، وإن لم يتمكن لضيق الوقت: فكذا أيضاً لا يؤكل عندنا؛ لأنه إذا
وقع في يده: لم يبق صيداً، فبطل حكم ذكاة الاضطرار.
- وما عَقَرَه السَّبْعُ، أو جَرَحَه السهمُ من الأنعام: فإن كان الجرح مما
لا یعیش منه إلا قدر ما یعیش المذبوح، فذكَّاه: لم يؤكل.
- وإن كان يعيش مَن مثله يوماً أو يومين لو بقيَ: فهو كالموقوذة
والمتردية: فعند أبي حنيفة: يحل بالذبح.
وعند أبي يوسف: إن كانت الجراحةُ يعيش من مثلها أكثرَ اليوم: يحل
بالذبح.
وقال محمد: إن كان يبقى أكثرَ من بقاء المذبوح، فذُبح: أُكل.
قال في ((المنظومة))(١):
حياتُه يوماً لو الذبحُ عُدِمِ
لو ذُبِحَ المجروحُ حَلَّ إن عُلِم
قولِ الأخير فوق ما يَحيَا الذِّكِي
وأكثرُ اليوم لدى الثاني وفي
(١) ص ٥١٨.

٤٤٢
کتاب الصيد والذبائح
وإن خَتَقَه الكلبُ ولم يجرحه : لم يُؤْكَل.
وإن شاركه كلبٌ غيرُ مُعَلَّم، أو كلبُ مجوسيٍّ، أو كلبٌ لم يُذكَر
اسمُ الله عليه عند إرساله : لم يُؤْكَل.
وفسَّر حافظُ الدين الجرحَ في هذا: بأن بَقَرَ الذئبُ بطنَه.
- ولو قَطَعَ شاةً نصفين، ثم ذبحها آخرُ والرأسُ يتحرك، أو شَقَّ جوفَها
وأخرج ما فيه، ثم ذبحها آخرُ: لم تُؤكل؛ لأن الأولَ قَتَلَها.
* قوله: (وإن خَنَقَه الكلبُ، ولم يَجرَحْه: لم يؤكل).
ــ وكذا لو صَدَمَه بصدره أو بجبهته، فقَتَلَه، ولم يجرحه بنابٍ ولا
بمخلبٍ؛ لأن الجرح شرطٌ، في ظاهر الرواية.
وفي هذا دليلٌ على أنه لا يحلّ بالكسر؛ لأنه لا ينهرُ الدمَ، فصار
کالخنق.
وعن أبي حنيفة: إذا كَسَرَ عضواً منه: أُكل؛ لأنه جراحةٌ باطنة.
- ولو أصاب السهمُ ظَلْفَ الصيد أو قَرْنَه: فإن وصل إلى اللحم،
فأدماه: أُكل، وإلا : فلا.
قوله: (وإن شاركه كلبٌ غيرُ معلَّمٍ، أو كلبُ مجوسيٍّ، أو كلبٌ لم
يُذكر اسمُ الله تعالى عليه عند إرساله)، يعني عمداً: (لم يُؤكل)؛ لقوله
عليه الصلاة والسلام لعَدِيِّ بن حاتم: ((إذا أرسلتَ كلبَكَ المعلِّم، وذكرتَ
اسمَ الله تعالى عليه فكُلْ، وإن شاركه كلبٌ آخرُ: فلا تأكل، فإنك إنما

٤٤٣
كتاب الصيد والذبائح
سمَّيتَ على كلبك))(١).
- ولو أرسل كلبَه إلى ظبيٍ مُؤْتَقٍ، فأصاب صيداً: لم يؤكل؛ لأن
الموثَقَ لا يجوز صيدُه بالكلب، فهو كالشاة.
- ولو أرسل كلبَه على فيلٍ، فأصاب صيداً: لم يُؤكل. كذا في ((الكرخي)).
- وإن سمع حِسَّاً، فظنَّه صيداً، فأرسل كلبَه أو بازيَه، أو رمى إليه
سهماً، فأصاب صيداً، ثم عَلِمَ أنه كان حِسَّ شاةٍ أو آدمي: لم يؤكل.
وإن عَلِمَ أنه حِسُّ صيدٍ مأكول أو غير مأكول: حَلَّ ما اصطاده.
وقال زفر: إن كان حِسَّ صيدٍ لا يؤكل، كالسباع ونحوها: لم يؤكل؛
لأن رميها لا تتعلق به إباحة الأكل، فإن أصاب غيرها: لم يؤكل، كما لو
كان حِسَّ آدمي.
وعن أبي يوسف: إن كان حِسَّ خنزيرٍ: لا يؤكل؛ لأنه متغلَّظُ التحريم،
وإن كان حِسَّ سَبُعٍ: أُكل الصيد؛ لأن السباع وإن كانت محرمةَ الأكل فإنه
يجوز الانتفاع بها، بخلاف الخنزير: فإنه لا يحل الانتفاع به بحالٍ.
- وأما إذا لم يعلم أن الحِسَّ حِسُّ صيدٍ أو غيره: لم يؤكل ما أصاب؛
لأن الحظر والإباحة تساويا، فكان الحكم للحظر.
- قال في ((الينابيع)): إذا أرسل كلبَه إلى بعيرٍ، فأصاب صيداً: لم
(١) صحيح البخاري (٧٣٩٧)، صحيح مسلم (١٩٢٩).

٤٤٤
كتاب الصيد والذبائح
وإذا رمى الرجلُ سهماً إلى صيدٍ، فسمَّى عند الرمي : أُكِلَ ما أصاب
إذا جَرَحه السهمُ، فمات.
وإن أدركه حيَّاً: ذكَّاه، وإن تَرَكَ تذكيتَه حتى مات: لم يُؤْكَل.
وإذا وقع السهمُ بالصيد، فتحامَل حتى غابَ عنه، ولم يزل في طَلَبِهِ
حتى أصابه ميتاً : أُكِلَ.
يؤكل، وإن أرسله إلى ذئبٍ أو خنزيرٍ، فأصاب ظَبْياً: أُكل.
* قوله: (وإذا رمى الرجلُ سهماً إلى صيدٍ، فسمَّى اللهَ تعالى عند
الرمي: أُكل ما أصابه إذا جَرَحَه السهمُ، فمات، وإن أدركه حياً: ذكَّاه،
وإن ترك تذكيتَه حتى مات: لم يؤكل)؛ لأنه قَدَرَ على الأصل قبل حصول
المقصود بالبدل، فبطل حکمُ البدل.
- وهذا إذا تمكّن من ذبحه، أما إذا وقع في يده، ولم يتمكن وفيه من
الحياة فوقَ ما يكون من المذبوح: لم يُؤكل. في ظاهر الرواية.
* قوله: (وإذا وقع السهمُ بالصيد، فتحامَلَ حتى غاب عنه، ولم يزل
في طلبه حتى أصابه ميتاً: أُكل).
هذا استحسانٌ، والقياسُ: لا يؤكل، لأنه يجوز أن يكون مات مِن
رَمْيْتِه، ويجوز أن يكون مات من غيرها.
وجه الاستحسان: ((أن النبي عليه الصلاة والسلام مرَّ بالرَّوْحاء بحمارِ
وحشٍ عَقِيْرٍ، فبادر إليه أصحابُه، فقال: دَعُوه حتى يأتيَ صاحبُه، فجاء
رجلٌ من بَهْز، فقال: هذه رَميتي، وأنا في طلبها، وقد جعلتُها لك يا رسول

٤٤٥
کتاب الصيد والذبائح
وإن كان قَعَدَ عن طلبه، ثم أصابه ميتاً: لم يُؤكل.
الله، فأمر النبيُّ عليه الصلاة والسلام أبا بكرٍ أن يَقسِمها بين الرِّفاق))(١).
- وقوله: ولم يزل في طلبه حتى أصابه ميتاً أُكل: هذا إذا لم يجد به
جراحةً أخرى سوى جراحةٍ سهمه، أما إذا وَجَدَ به ذلك: لا يؤكل؛ لأنه
موهومٌ، فلعله مات منها.
* قوله: (وإن قَعَدَ عن طلبه، ثم أصابه ميتاً: لم يؤكل).
لما روي ((أن رجلاً أهدى للنبي عليه الصلاة والسلام صيداً، فقال له:
من أين لك هذا؟ قال: رَمَيْتُه بالأمس، فكنتُ في طلبه حتى هجم عليَّ الليلُ،
فقطعني عنه، ثم وجدتُه اليومَ، ومَرماتي فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: إنه
غاب عنك، ولا أدري لعل هوامَّ الأرض أعانتْكَ عليه، فقتَلَتْه، لا حاجةً لي
فيه))(٢).
وقد روي ((عن ابن عباس أنه قال: كُلْ ما أَصْمَيْتَ، ودَعْ ما أَنْمَيْتَ))(٣).
و
الإصماءَ: ما عاينتَه، والإنماء: ما توارى عنك.
(١) موطأ مالك ٣٥١/١، سنن النسائي ١٨٣/٥ (٢٨١٨)، مسند أحمد
٤١٨/٣.
(٢) قال في نصب الراية ٣١٤/٤: روي مسنداً ومرسلاً، مصنف ابن أبي شيبة
(٢٠٠٣٣)، سنن البيهقي ٢٤١/٩.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٣٩٧/١٠ (٢٠٠٣٧،) سنن البيهقي ٢٤١/٩، وفي
إسناده رجل مستور أو مجهول، ينظر البدر المنير ٥٣/٢٣.

٤٤٦
کتاب الصيد والذبائح
وإذا رمى صيداً، فوقع في الماء، فمات: لم يؤكَل.
وكذلك إن وَقَعَ على سطحِ، أو سَفْحِ جبلٍ، ثم تردّى منه إلى
الأرض : لم يُؤكَل.
وإن وقع على الأرض ابتداءً : أُكِلَ.
وما أصاب المِعراضُ بعَرْضه: لم يُؤْكَل، وإن جَرَحه : أُكِل.
وفي ((المصفَّى)): الإصماء: أن يرميَه فيموت بين يديه سريعاً،
والإنماء: أن يغيب عنه بعد وقوع السهم فيه، ثم يموت.
* قوله: (وإن رمى صيداً، فوقع في الماء، فمات: لم يُؤكل)؛ لأنه
يَحتمل أنه مات من الغرق.
؛ قوله: (و کذلك إذا وقع على سطحِ أو سفح جبلٍ، ثم تردئ منه إلى
الأرض، فمات: لم يؤكل)؛ لأنه يَحتمل الموتَ من السقوط.
* قوله: (وإن وقع على الأرض ابتداءً: أُكل)؛ لأنه لا يمكن الاحترازُ
عنه، وفي اعتباره: سدُّ بابِ الاصطياد، بخلاف ما تقدم، فإنه يمكن
الاحتراز عنه.
- ولو وقع على صخرةٍ، فانفلق رأسُه: لم يُؤكل؛ لاحتمال الموت
بذلك. كذا في ((المنتقى)).
قال الحاكم الشهيد: وهذا خلافُ جوابِ الأصل، فيحتمل أن يكون
فيه روایتان.
* قوله: (وما أصاب المِعراضُ بعَرْضه: لم يؤكل، وإن جرحه: أُكل)؛
لأنه لا بدَّ من الجرح؛ لتحقق معنى الذكاة.

٤٤٧
كتاب الصيد والذبائح
ولا يُؤْكَلِ ما أصابته البُنْدُقَةُ إذا مات منها .
والمِعْراضُ: عصاً محددة الرأس، وقيل: هو السهم المنحوت من الطرفين.
* قوله: (ولا يؤكل ما أصابتِ البُنْدُقةُ إذا مات منها)؛ لأنها تَدُقُّ
وتَكسِر، ولا تجرح.
- وكذا لو رماه بحجرٍ ولو جرحه إذا كان ثقيلاً؛ لاحتمال أنه قتله بثقله.
وإن كان الحجر خفيفاً وبه حدَّةٌ: يحلُّ أَكْلُه.
- ثم البُنْدُقة إذا كان لها حِدَّةٌ تجرح بها: أُكل.
- قال في ((الينابيع)): ولو رمى طائراً بحَجَرٍ أو عُودٍ، فكَسَرَ جناحَه،
ولم يَخرِقْه: لم يؤكل، وإن خَرَقه: أُكل.
- وإن أصاب رأسَه، فقطعه وأبانه: لم يؤكل؛ لأنه أبانه بالثّقَل والقوة،
وإن أبانه بمحدَّدٍ: ◌ُكل.
- وإن رماه بسيفٍ أو سكينٍ، فأصابه بحَدِّه، فجرحه: أُكل، وإِن
أصابه بقفا السكين، أو بمقبض السيف: لا يؤكل؛ لأنه قتله دقّاً.
- والحديد وغيرُهُ فيه سواء. كذا في ((الهداية))(١).
- ولو رماه، فجرحه، فمات بالجرح: إن كان الجرح مُدْمِياً: أُكل، بالاتفاق.
وإن لم يكن مُدمياً: فكذلك أيضاً عند بعض المتأخرين، سواء كانت
الجراحة صغيرةً أو كبيرةً؛ لأن الدم قد يُنْحَبِس لضيق المَنْفَذ، أو غِلَظِ الدم.
(١) ٤ / ١٢٣.

٤٤٨
کتاب الصيد والذبائح
وإذا رمى إلى صيدٍ، فقَطَعَ عضواً منه: أُكِل الصيدُ، ولا يؤكل
العضو .
وإن قَطَعَه أثلاثاً، والأكثرُ مما يلي العَجُزْ: أُكِل.
وإن كان الأكثرُ مما يلي الرأسَ : أُكِلَ الأكثرُ، ولا يؤكل الأقلّ.
وعند بعضهم: يُشترط الإدماء.
وعند بعضهم: إن كانت كبيرةً: حَلّ بدون الإدماء، وإن كانت صغيرةً:
لا بدَّ من الإدماء.
: قوله: (وإذا رمى صيداً، فقَطَعَ عضواً منه: أُكل الصيدُ، ولا يؤكل
العضو)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أُبِينَ من الحي: فهو ميتٌ)(١).
والعضو بهذه الصفة؛ لأن المُبَان منه حيٌّ حقيقةً؛ لقيام الحياة فيه،
وكذا حُكماً؛ لأنه تُتوهَّم سلامتُه بعد هذه الجراحة.
* قوله: (وإن قَطَعَه أثلاثاً، والأكثرُ مما يلي العَجُزُ: أُكل الجميعُ)؛
لأن الأوداج متصلةٌ بالقلب إلى الدماغ، فإذا قُطع الثلث مما يلي الرأسَ:
صار قاطعاً للعروق، کما لو ذبحه.
- (وإن كان الأكثرُ مما يلي الرأسَ: لا يُؤكل ما صادفَ العجزَ)؛ لأن
الجَرحِ لم يصادف العروقَ، فصار مباناً من الحي، فلا يؤكل، (ويُؤْكَلُ
وُ
المبان منه).
(١) سنن الترمذي (١٤٨٠)، وقال: حسن غريب، وقال: ابن الملقن في البدر
المنير ١٨٢/٢: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، وهو مروي من
طرق، ثم ساقها وبين حالها.

٤٤٩
كتاب الصيد والذبائح
ولا يُؤْكَلُ صيدُ المجوسيِّ، والمرتَدِّ، والوثنيِّ.
ومَن رمى صيداً، فأصابه، ولم يُتْخِنْه، ولم يُخْرِجْه من حَيِّز الامتناعِ،
فرماه آخرُ، فقتله : فهو للثاني، ويُؤكل.
وإن كان الأولُ أثخنه، فرماه الثاني، فقتله: لم يؤكل.
- وإن قطعه نصفين: أُكل الجميع.
- ولو ضرب عنقَ شاةٍ، فأبان رأسَها: تحلّ لقطع الأوداج، ويكره.
* قوله: (ولا يؤكل صيدُ المجوسيِّ، والمرتدِّ، والوثنيِّ، والمُحرِمِ).
- وأما الصبي إذا كان يعقلُ الذبحَ والتسميةَ: فلا بأس بصيده وذَبْحِه،
وُ
وإن كان لا يَعقل: لا يحلّ صيدُه، ولا ذَبْحُه.
- والمجنون: كذلك.
* قوله: (ومَن رمى صيداً، فأصابه، ولم يُثْخِنْه، ولم يُخرِجْه من حيِّز
الامتناع، فرماه آخرُ، فقتله: فهو للثاني، ويؤكل)؛ لأن الثاني هو الذي
صاده، وأَخَذَه.
: قوله: (وإن كان الأولُ أثخنه، فرماه الثاني، فقتله، فهو للأول،
ولم يؤكل)؛ لاحتمال الموت بالثاني، وهو ليس بذكاة؛ للقدرة على ذكاة
الاختيار، بخلاف الأول.
- وهذا إذا كانت الرمية الأَولى بحيث ينجو منها الصيدُ؛ لأنه حينئذ

٤٥٠
كتاب الصيد والذبائح
والثاني ضامنٌ لقيمته للأول غيرَ ما نَقَصَتْه جراحتُه.
يكون الموت مضافاً إلى رمي الثاني، أما إذا كان الرميُ الأول بحيث لا
يَسلَم منه الصيدُ، بأن لا يبقى فيه من الحياة إلا بقدر ما يبقى في المذبوح،
كما إذا أبان منه رأسَه: يحلّ؛ لأن الموت لا يُضاف إلى الرمي الثاني؛ لأن
وجوده وعدمه سواء.
: قوله: (والثاني ضامِنٌ لقيمته للأول غيرَ ما نقصته جراحتُه)؛ لأنه
بالرمي أتلف صيداً مملوكاً له؛ لأنه مَلَكَه بالرمي المثخِن، وهو منقوصٌ
بجراحته.
- وقيمةُ المتلَف تُعتبر يومَ الإتلاف، وهذه المسألة على وجوه:
إن مات من رمية الأول بعد رمية الثاني: أُكل، وعلىُ الثاني ضمانُ ما
نقصته جراحتُه؛ لأن جنايته صادفته مجروحاً.
وإن مات من الجراحة الثانية: لم يؤكل؛ لأن الثاني رمى إليه وهو غيرُ
ممتنعٍ، فصار كمَن رمى إلى شاةٍ، ويَضمن الثاني أيضاً ما نقصته جراحته؛
لأنه قَتَلَ حيواناً مملوكاً للأول منقوصاً بالجراحة، كما إذا قَتَلَ عبداً مريضاً.
وإن مات من الجراحتين جميعاً: لم يؤكل؛ لأنه تعلَّق به الحَظْر
والإباحة، فكان الحكم للحظر، والصيدُ للأول؛ لأنه هو الذي أخرجه عن
حيِّز الامتناع، وعلى الثاني للأول نصفُ قيمته مجروحاً بجراحتين، وما
نقصته الجراحة الثانية، لأنه مات بفعلهما، فسقط عنه نصف الضمان، وثبت
نصفُه.

٤٥١
كتاب الصيد والذبائح
ويجوز اصطياد ما يُؤْكَل لحمُه من الحيوان، وما لا يؤكل.
* وذبيحةُ المسلم، والكتابيِّ حلالٌ.
- وإنما ضَمِنَ ما نقصتْه الجراحةُ الثانية؛ لأنه حصل في ملك غيره.
- قال في ((الزيادات)): يَضمن ما نقصته الجراحة، ثم يضمن نصفَ
قيمته مجروحاً بجراحتين، ثم يضمن نصفَ قيمةٍ لحمه لحماً.
أما الضمان الأول؛ فلأنه جَرَحَ حيواناً مملوكاً للغير، وقد نَقَصَه،
فيضمن ما نقصه أوَّلاً.
وأما الثاني؛ فلأن الموت أيضاً حصل بالجراحتين، فيكون هو مُتْلِفٌ
نصفَه وهو مملوكُ غيرِه، فيضمن نصفَ قيمته مجروحاً بالجراحتين؛ لأن
الأُولى لم تكن بصنيعه، والثانية ضمنها مرةً، فلا يضمنها ثانياً.
وأما الثالث؛ فلأن بالرمية الأُولى صار بحالٍ يَحلّ بذكاة الاختيار لولا
رمي الثاني، فهذا الرمي الثاني أفسد عليه نصفَ اللحم، فيضمنه.
* قوله: (ويجوز اصطيادُ ما يُؤكل لحمُه من الحيوان، وما لا يُؤكل)؛
لأن له غَرَضاً في غير المأكول، بأن يَنتفع بجلده أو بشعره أو ريشه أو
قَرْنه، أو لاستدفاع شرِّه.
* قوله: (وذبيحةُ المسلمِ والكتابيِّ: حلالٌ).
قال في ((المستصفى)): هذا إذا كان الكتابيُّ لا يعتقد المسيحَ إلهاً، أما
إذا اعتقده إلهاً: فهو كالمجوسيِّ لا تحلّ ذبيحتُه.

٤٥٢
کتاب الصيد والذبائح
ولا تؤكل ذبيحةُ المجوسيِّ، والمُرتدِّ، والوثنيِّ،.
- ومِن شَرْطه: أن يكون الذابحُ صاحبَ ملةِ التوحيد، إما اعتقاداً،
کالمسلم، أو دعوىً، کالکتابي.
- وأن يكون حلالاً، خارجَ الحرم، وهذا الشرط في حقِّ الصيد، لا
في حق الأنعام.
- وإطلاق ذبيحة المسلم والكتابيِّ: يريد به إذا كان الذابحُ يعقل
التسميةَ، ويَضبطُها، ذَكَرَاً كان أو أنثى، صغيراً كان أو كبيراً.
وإن كان لا يقدر على الذبح، ولا يضبط التسميةَ: فذبيحته ميتةٌ، لا
تؤكل.
- ولا تؤكل ذبيحةُ الصبيِّ الذي لا يعقل، والمجنونِ، والسكرانِ الذي
لا يعقل.
- وتجوز ذبيحة الأخرس.
* قوله: (ولا تُؤكلُ ذبيحةُ المجوسيِّ، والمرتدِّ، والوثنيِّ)؛ لأن
المرتدَّ لا مِلَّةَ له، والوثنيَّ مثلُه.
وأما المجوسيُّ؛ فلقوله عليه الصلاة والسلام في المجوس: ((سُنُّوا بهم
سُنَّةَ أهلِ الكتاب، غيرَ ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحَهم)»(١).
(١) الشطر الأول من الحديث أخرجه مالك في الموطأ ٢٧٨/١، وعبد الرزاق
في المصنَّف ٦٩/٦، وأما الشطر الثاني، وهو الاستثناء فأخرجه عبد الرزاق في
المصنف ٣٢٦/١٠، وغيره، والحديث فيه كلام طويل، وله طرق وأسانيد عديدة،

٤٥٣
كتاب الصيد والذبائح
والمُحْرِمِ.
وإن تَرَكَ الذابحُ التسميةَ عمداً: فذبيحتُه ميتةٌ لا تُؤكل.
وإن تركها ناسياً : أُكِلت.
- وأما ذبيحة الصابئين، وهم فِرقةٌ من النصارى: فعند أبي حنيفة:
تُؤكل إذا كانوا يؤمنون بنبيِّ، ويُقِرُّون بكتابٍ، وإن كانوا يعبدون
الكواكبَ، ولا يُقِرُّون بنبوة عيسى عليه السلام: لم تُؤكل.
* قوله: (والمُحْرِمِ)، يعني من الصيد خاصةً.
- وإطلاق: المُحرِمِ: ينتظم حُرمةَ ذبحِه في الحِلِّ والحرم.
- وكذا لا يجوز ما ذُبح في الحرم من الصيد، سواء ذَبَحَه حلالٌ أو مُحرِمٌ.
- وتجوز ذبيحة مَن يَعقلُ الذبحَ والتسميةَ، ويضبطُ ذلك وإن كانت
امرأةً أو صبياً.
ومعنى ضبط الذبح: أن يقدر علىُ فَرْيِ الأوداج.
- والأقلفُ، والمجبوبُ، والخصيُّ، والخنثى، والمُخَنَّثُ: تجوز
ذبیحتهم، على ما ذكرنا.
قوله: (وإن تَرَكَ الذابحُ التسميةَ عمداً: فالذبيحة ميتةٌ، لا يحل
أكلها، وإِن تركها ناسياً: أُكلت).
منها الضعيف، ومنها المرسل جيد الإسناد، ومنها ما سنده حسن، ينظر نصب الراية
١٧٠/٣، ٤٢٨، ١٨١/٤، التلخيص الحبير ١٧٢/٣، مجمع الزوائد ١٣/٦.

٤٥٤
کتاب الصيد والذبائح
وقال الشافعي(١): تؤكل في الوجهين.
وقال مالكُ(٢): لا تُؤكل في الوجهين.
- والمسلمُ والذميُّ في تَرْك التسمية سواء.
- وعلى هذا الخلاف: إذا ترك التسميةَ عند إرسال الكلب، والبازي،
والرمي.
- ثم التسمية في ذكاة الاختيار تُشترط عند الذبح، وهي على المذبوح.
- وفي الصيد تُشترط عند الإرسال والرمي.
- وهي على الآلة، حتى لو أضجع شاةً، وسمَّى، فذبح غيرَها بتلك
التسمية: لا يجوز.
- ولو رمىُ إلى صيدٍ، وسمى، وأصاب غيرَه: حلّ.
- وكذا في الإرسال.
- ولو أضجع شاةً، وسمىُ، وكلَّمه إنسانٌ، أو استسقى ماءَ، فشرب،
أو شَحَذَ السكينَ قليلاً، ثم ذبح على تلك التسمية الأولى: أجزأه.
وأما إذا طال الحديثُ، أو أخذ في عملٍ آخر، واشتغل به، ثم ذبح
(١) مغني المحتاج ٢٧٢/٤.
(٢) بل مذهب المالكية كمذهب الحنفية، فتؤكل مع النسيان. جواهر الإكليل
٢١٢/١، الشرح الصغير ٣١٩/١.

٤٥٥
كتاب الصيد والذبائح
بتلك التسمية الأُولى: لم تُؤکل.
- وأما استقبال القبلة بالذبيحة: فليس بواجب، بالاتفاق، وإنما هو سُنَّةٌ.
- وصورة التسمية: بسم الله، والله أكبر.
وقال الحَلْواني: بسم الله، الله أكبر: بدون الواو.
- وإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم: فهو حسنٌ.
- والشرط هو: الذَّكْر الخالص المجرد، على ما قال ابن مسعود:
((جرِّدوا التسمية))(١)، حتى لو قال مكان التسمية: اللهم اغفر لي: لم تؤكل؛
لأنه دعاءٌ وسؤالٌ.
- ولو قال: سبحان الله، أو: الحمد لله، أو: لا إله إلا الله: يريد
التسمية: أجزأه؛ لأن المأمور به ذكرُ الله تعالى على وجه التعظيم.
- ولو عطس عند الذبح، فقال: الحمد لله: لا يجزئه عن التسمية.
- وكذا إذا قال: الحمد لله: يريد الشكرَ، دون التسمية: لا تؤكل.
- ولا ينبغي أن يَذكر مع اسم الله تعالى شيئاً غيرَه، مثل أن يقول: بسم
الله محمدٌ رسولُ الله، والكلام فيه على ثلاثة أوجه:
- أحدها: أن يذكره موصولاً به، لا معطوفاً، كما ذكرنا: فهذا يُكره،
ولا تَحرم الذبيحة.
(١) قال فى نصب الراية ١٨٤/٤ : غريب.

٤٥٦
كتاب الصيد والذبائح
والذبحُ في الحَلْقِ، واللَّبَّةِ.
- والثاني: أن يذكره معطوفاً، مثل أن يقول: بسم الله ومحمدٍ رسول
الله: بكسر الدال: فتَحرُم الذبيحةُ؛ لأنه أهلَّ بها لغير الله تعالى.
- والثالث: أن يقول مفصولاً عنه صورةً ومعنىً، بأن يقول قبل التسمية
أو بعدها، وقبل أن يُضجع الذبيحةَ: فإنه لا بأس به، وقد قال عليه الصلاة
والسلام: ((موضعان لا ذِكْرَ فيهما: عند الذبيحة، وعند العطاس))(١).
- وإن قال: بسم الله، وصلى الله على محمد: تُؤكل، والأَوْلى أن لا
يقول ذلك.
- وفي ((المشكل)): الذبح عند مرأى الضيف؛ تعظيماً له: لا يُحِلّ
أكلَها، وكذا عند قدوم الأمير، أو غيره؛ تعظيماً؛ لأنه أهلِّ به لغير الله.
- وأما إذا ذَبح عند غيبة الضيف؛ لأجل الضيافة: فإنه لا بأس به.
- ولو سمى بالفارسية أو الرومية، وهو يُحسِن العربيةَ أوْ لا يُحسنها: أجزأه.
* قوله: (والذبحُ: بين الحَلْقِ واللَّبَّة).
اللَّبَّة: على الصدر، وهي نُقْرة النَّحْرِ.
- وفي ((الكرخي)): الذكاة: في اللَّبَّة فما فوق ذلك إلىُ اللَّحْيَيْن.
- وفي ((الجامع الصغير)) (٢): لا بأس بالذبح في الحلق كله: وَسَطه وأعلاه
وأسفله.
(١) لم أقف عليه.
(٢) وهكذا جاء فيما لدي من نسخ القدوري: ((في)).

٤٥٧
كتاب الصيد والذبائح
والعُروقُ التي تُقْطَع في الذكاة أربعةٌ: الحُلْقُومُ، والمَرِيءُ،
والوَدَجَان، فإن قَطَعها: حَلَّ الأكلُ.
وإن قَطَعَ أكثرَها : فكذلك عند أبي حنيفة .
وقالا: لا بُدَّ من قَطْعِ الحُلْقوم، والمريء، وأحدِ الوَدَجَيْن.
ـ ومعنى كلام الشيخ: بين: بمعنى: في، أي والذبح في الحلق واللبة.
و
* قوله: (والعروقُ التي تُقطع في الذكاة أربعةٌ: الحُلقوم، والمَريء،
والوَدَجان).
الحُلقوم: مجرىُ النَّفَس، والمَريء: مجرى الطعام، والوَدَجَان:
مجرى الدم، وهما العِرْقان اللذان بينهما الحُلقوم والمريء.
* قوله: (فإذا قطعها: حلَّ الأكل)؛ لأنه أكمل الذكاةَ، ووُجد شرطُها
في محلِّها.
* قوله: (وإن قَطَعَ أكثرَها: فكذلك عند أبي حنيفة)؛ لأن الأكثرَ يقوم
مقامَ الكل في كثيرٍ من الأحكام.
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا بدَّ من قطع الحُلقوم،
والمريء، وأحدِ الودجين).
قال في ((الهداية))(١): والمشهورُ أن هذا قول أبي يوسف وحدَه.
(١) ٤ / ٦٥.

٤٥٨
كتاب الصيد والذبائح
ويجوز الذَّبح باللَّيْطة، والمَرْوةِ، وبكلِّ شيءٍ أَنْهَرَ الدَّمَ، إلا السِّنَّ
القائمَ، والظّفُرَ القائمَ.
ومعناه: إذا قطع ثلاثةً، وتَرَك واحداً: جاز، أيَّ الثلاثة كانت عند أبي
حنيفة.
وعند أبي يوسف: إن قطع الحُلقومَ، والمريءَ، وأحدَ الودجين: جاز،
وإلا: فلا، حتى لو قطع الحُلقومَ، والمريءَ، أو اقتصر على أحدهما مع
الودجين: لم يجز عند أبي يوسف.
وقال محمد: لا يجوز حتى يقطع من كل واحدٍ من العروق الأربعة
أکثره.
* قوله: (ويجوز الذبح باللَّيطة، والمَرْوة، وبكل شيءٍ أنهر الدمَ، إلا
السنَّ القائمةَ، والظُّفُرَ القائم).
اللّيْطة: قشرةُ القَصَبِ، والمَرْوةُ: واحدةُ: المَرْو، وهي حجارةٌ بيضٌ
برَّاقةٌ، تُقدَح منها النار.
- وقيَّد بالظفر القائم، والسن القائمة؛ لأنها إذا كانت منزوعةً: جاز
الذبح بها، ولا بأس بأكله.
وقال الشافعي(١): المذبوح بهما ميتةٌ، لا يجوز أكلُها.
- وأما الذبح بالسن القائمة، والظفرِ القائمٍ: فإنه لا يجوز، بالإجماع،
فإن ذبح بهما: كان ميتةً؛ لأنه يَقتل بالثقل؛ لأنه يعتمد عليه.
(١) مغني المحتاج ٢٤٣/٤.

٤٥٩
كتاب الصيد والذبائح
ويُستحب أن يُحِدَّ الذَّابِحُ شَفْرَتَه.
- ولو ذبح الشاةَ، ولم يَسِلْ منها دمٌّ:
قال أبو القاسم الصفار: لا تؤكل.
وقال أبو بكر الإسكاف، والهُنْدُواني: تُؤكل؛ لأن فَرْي الأوداج قد
حصل، وهذا إنما يكون في الشاة إذا عُلفت العُنَّاب.
* قوله: (ويُستحب أن يُحِدَّ الذابحُ شَفْرتَه)؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((إذا ذبحتُم: فأحسنوا الذُّبحة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرتَه))(١).
ولأن تحديدَها أسرعُ للذبح، وأسهلُ على الحيوان.
- ويكره الذبح بالسكين الكليلة؛ لما فيه من تعذيب الحيوان، وهو
منهيٌّ عنه(٢).
- ويكره أن يُضجِعَ الشاة، ثم يُحِدَّ الشفرةَ بعد ما أضجعها.
((وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد أضجع شاةً وهو
يُحدُّ شفرته، فقال له: لقد أردتَ أن تُميتَها مِيتتين، ألا حَدَدْتَها قبل أن
تُضجعها))(٣).
((ورأى عمر رضي الله عنه رجلاً قد أضجع شاةً، وجعل رجلَه على
صفحة وجهها، وهو يُحِدُّ الشفرةَ، فضربه بالدِّرَّة، فهرب، وشردت
(١) صحيح مسلم (١٩٥٥).
(٢) ينظر نصب الراية ١٨٨/٤.
(٣) المستدرك للحاكم ٢٣١/٤، وينظر نصب الراية ١٨٨/٤.

٤٦٠
کتاب الصيد والذبائح
ومَن بَلَغَ بالسِّكين النُّخَاعَ، أو قَطَعَ الرأسَ كلَّه: كُرِه له ذلك، وتُؤكل
ذبیحتُه.
وإن ذَبَحَ الشاةَ من قفاها: فإن بقيت حيةً حتى قَطَعَ العروقَ : جاز،
ویکره.
الشاة، فقال عمر: هلّ حددتَها قبل أن تضع رِجلَك موضعٍ وضعتَها)) (١).
ولأن البهائم تُحِسُّ بما تَجزَع منه، فإذا فعل ذلك: زاد في ألمها،
وذلك لا يجوز.
- ويكره أيضاً أن يَجُرَّ برِجلها إذا أراد ذبحَها.
- ويستحب أن يسوقها برفقٍ، ويُضجِعها برِفق.
* قوله: (ومَن بلغ بالسكين النُّخاعَ، أو قَطَعَ الرأسَ كلَّه: كره له
ذلك، وتؤکل ذبیحتُه).
النخاع: عِرْقٌ أبيضُ في عظم الرقبة.
- ويكره له أيضاً أن يكسر العنق قبل أن تموت، وأن يخلع جلدَها قبل
أن تبرُد.
* قوله: (فإن ذبح الشاةَ من قفاها: فإن بقيت حيَّةً حتى قَطَعَ العروقَ:
جاز، ويكره)؛ لأنه خلافُ المسنون.
(١) عزاه في نصب الراية ١٨٨/٤ للموطأ (رواية أبي مصعب الزهري ٢١٦٥)،
سنن البيهقي ٢٨٠/٢.