Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
كتاب السرقة
فمَنِ سَرَقَ شيئاً من حِرْزٍ، أو غير حِرْز، وصاحبُه عنده يحفظُه : وَجَبَ
علیه القطعُ.
ولا قَطْعَ علىْ مَن سَرَقَ من حَمَّامٍ، أو من بيتٍ أُذِنَ للناس في دخوله.
ومَن سرق من المسجد متاعاً وصاحبُه عنده: قُطع.
ولا قَطْعَ على الضيف إذا سَرَقَ ممن أضافه.
- وكذا إذا سرق الجُوَالق بعينها، أما إذا شقَّ الجوالق فأخرج ما فيها:
إن کان صاحبها هناك: قُطع، وإلا: فلا.
- ولو سرق من القطار بعيراً أو حِمْلاً: لم يُقطع.
* قوله: (فمَن سرق شيئاً من حِرزٍ أو غير حرزٍ، وصاحبُه عنده
يحفظُه: وجب عليه القطع).
يعني من حرزٍ واحدٍ، حتى لو سرق من حرزٍ لرجلٍ تسعةَ دراهم، ثم
أتى منزلاً آخرَ، فسرق منه درهماً آخر: لم يُقطع.
* قوله: (ولا قطعَ علىُ مَن سرق من حَمَّامٍ، أو من بيتٍ أُذن للناس
في دخوله).
- ويدخل في ذلك حوانيتُ التجار والخانات، إلا إذا سرق منها ليلاً:
فإنه يُقطع؛ لأنها بُنيت لإحراز الأموال، وإنما الإذن يختصُّ بالنهار.
* قوله: (ومَن سرق من المسجد متاعاً وصاحبُه عنده: قُطع)؛ لأنه
محرزٌ بالحافظ.
* قوله: (ولا قَطْعَ على الضيف إذا سرق ممن أضافه)؛ لأن البيت لم
يبقَ حِرزاً في حقه؛ لكونه مأذوناً له في دخوله، فيكون فعلُه خيانةً، لا
سرقةً.

٤٠٢
كتاب السرقة
- وكذا لا قطعَ على خادمِ القومِ إذا سرق متاعَهم، ولا أجيرٍ سرق من
موضع أُذن له في دخوله.
- وإذا آجر دارَه على رجل، فسرق المؤجِرُ من المستأجر، أو
ءُ
المستأجرُ من المؤجر، وكلّ واحدٍ منهما في منزلٍ من الدار على حدةٍ:
قُطع السارق منهما عند أبي حنيفة؛ لأن المستأجر قد صار أخص بالحرز
من المالك، ألا ترى أن له أن يمنعه من دخوله.
وعندهما: إذا سرق المؤجِرُ من المستأجر: لا يُقطع؛ لأن الدار ملكُه،
فصار ذلك شبهة في سقوط القطع.
وإن سرق المستأجرُ من المؤجر: قُطع، بالإجماع إذا كان في بيتٍ
مفرَدٍ؛ لأنه لا شبهة له في الحرز، ولا في المال.
- وإن سرق من بيت الأصهار(١)، أو الأختان(٢): لم يُقطع عند أبي
حنيفة، وعندهما: يُقطع.
- والخلاف فيما إذا كان البيت للخَتَن، أما إذا كان للبنت: لا يُقطع،
إجماعاً.
- وكذا في مسألة الصهر إذا كان البيتُ للزوجة: لا يقطع، إجماعاً.
(١) الصهر: مَن كان مِن قِبَل الزوج من ذوي قرابته المحارم. المصباح المنير
(صهر)، وينظر للختن والصهر: المغرب ٢٤٥/١.
(٢) الخَتَن: كل من كان من قِبَل المرأة، كالأب والأخ. المصباح المنير (ختن).

٤٠٣
كتاب السرقة
وإذا نَقَبَ اللصُّ البيتَ، ودخل، فأخذ المالَ، وناوله آخرَ خارجَ
البيت : فلا قَطْعَ عليهما.
وإن ألقاه في الطريق، ثم خرجَ، فأخذه: قُطِع.
- ولو سرق الراهن رهنَه من بيت المرتهن، أو من بيت العدل: لم
يُقطع؛ لأنه ملکه.
ــ وكذا إذا سرقه المرتهنُ من بيت العدل: لم يُقطع؛ لأن يده قائمةً
مقامَ یده.
* قوله: (وإذا نَقَبَ اللصُّ البيتَ، ودخل، فأخذ المالَ، وناوله آخرَ
خارجَ البيت: فلا قطعَ على واحدٍ منهما عند أبي حنيفة)؛ لأن الأول لم
يوجد منه الإخراج، وكذا الخارج لم يوجد منه هَتْك الحرز.
وعندهما: يُقطع الداخلُ؛ لأنه لما ناوله: قامت يدُ الثاني مقامَ يده،
و
فكأنه خرج والشيء في يده.
وعن أبي يوسف: إن أدخل الخارجُ يدَه، فتناوله من يد الداخل: قُطْعا
جميعاً.
- ولو أن الداخل رمى به إلى صاحبٍ له خارجَ الحرز من غير مناولةِ،
فأخذه الخارج: فلا قطع علی واحدٍ منهما.
والأصل: أن مَن سرق سرقةً، ولم يُخرِجْها من الدار: لم يُقطع.
* قوله: (وإن ألقاه في الطريق، ثم خرج، فأخذه: قُطع).
- وهذا إذا رمى به في الطريق بحيث يراه، أما إذا رمى به بحيث لا

٤٠٤
كتاب السرقة
وكذلك إِن حمَلَه على حمارٍ، فسَاقَه، فأخرجه.
يراه: فلا قطعَ عليه وإن خرج وأَخَذَه؛ لأنه صار مستهلكاً له قبل خروجه؛
بدليل وجوب الضمان عليه، فإذا وجب عليه الضمان باستهلاكه قبل
خروجه: لم یجب علیه قطعٌ، كما لو ذبح الشاةَ في الحرز.
- وليس كذلك إذا رمى به بحيث يراه؛ لأنه باقٍ في يده، فإذا خرج
وأَخَذَه: صار کأنه خرج وهو معه.
- وقيَّد بقوله: فأخذه: لأنه إذا خرج ولم يأخذه: لم يُقطع؛ لأنه لما لم
يأخذه، وعُلم أنه قَصَدَ التضييعَ، لا السرقةَ: فكان مضيِّعاً، لا سارقاً.
* قوله: (وكذلك إن حمله على حِمَارٍ، وساقه فأخرجه).
يعني أنه يُقطع؛ لأن ما على البهيمة يده ثابتةٌ عليه، ولأن سير الدابة
مضافٌ إليه؛ لِسَوْقه.
- وقَيَّد بقوله: وساقه: إذ لو لم يَسُقْه حتى خرج الحمار بنفسه: لا يُقطع.
- وكذا لو جعل لؤلؤاً على جناحٍ طائرٍ، وطيّره: قُطع، وإن طار بنفسه:
لا قطع علیه.
- ولو أتلف المالَ في الحرز بأكلٍ أو إحراقٍ قبل إخراجه: لم يُقطع.
- ولو سرق دراهمَ أو دنانيرَ أو لؤلؤاً، فابتلعه في الحرز، ثم خرج: لم
يُقطع، ويَضمن مثلَه، أو قيمتَه إن لم يكن مثلياً، ولا يُنتظَر حتى يضعَها مع
الغائط.

٤٠٥
كتاب السرقة
•
- ولو نَقَبَ البيتَ، ثم خرج ولم يأخذ شيئاً، ثم جاء في ليلةٍ أخرى،
فدخل وأخذ شيئاً: إن كان صاحبُ البيت قد عَلِمٍ بالنقب، ولم يَسُدَّه، أو
كان النقب ظاهراً يراه المارُّون، وبقي كذلك: فلا قطعَ عليه، وإلا: قُطع.
- وإن أخرج شاةً من الحرز، فتبعثها أخرى، ولم تكن الأُولىُ نصاباً:
لم يُقطع.
- وإن كان في الحرز نهرٌ جارٍ، فوضع المتاعَ فيه حتى خرج به الماء
بقوة نفسه: لم يُقطع، وإن لم تكن له قوةٌ، ولكن أخرجه بتحريكه: قُطع.
- ولو سرق مالاً من حرزٍ، فدخل آخرُ وحمل السارقَ والمالُ مع
السارق: قُطع المحمولُ خاصةً؛ لأنه لا عبرةَ للحامل، ألا ترى أن مَن
حلف لا يحمل طَبَقاً، فحمل رجلاً حاملاً لطبقٍ: لم يحنث.
- ولو أخرج نصاباً من الحِرز دفعتين فصاعداً: إن تخلَّل بينهما اطلاعُ
المالك، فأغلق البابَ، أو سدَّ النَّقْب: فالإخراج الثاني يكون سرقةً
أخرى، فلا يجب القطع إذا كان المخرَج في كل دفعة دون النصاب، وإن
لم يتخلل ذلك: قُطع.
- ولو شَقَّ الثوبَ في الحِرز، ثم أخرجه: إن شقَّه نصفين عرضاً: قُطع
إذا كان بعد الشق يساوي نصاباً، وإن شقَّه طولاً: فكذا يقطع عندهما
أيضاً.
وقال أبو يوسف: لا يُقطع؛ لأن الشَّقَّ بالطول: استهلاكٌ، فيكون

٤٠٦
كتاب السرقة
وإذا دخل الحرزَ جماعةٌ، فتولىُ بعضُهم الأخذَ : قُطِعوا جميعاً.
ومَن نَقَبَ البيتَ، وأدخَلَ يدَه فيه، فأخذَ شيئاً: لم يُقْطَع.
لصاحبه الخيار: إن شاء ضمَّنْه قيمته، وإن شاء أخذه وضمَّنه النقصان،
فلما كان له خيار الترك عليه: كان له فيه شبهةُ الملك بالضمان: فلا يُقطع.
- ثم على قولهما: إنما يجب القطع إذا أراد المالكُ أَخْذَ الثوبَ، فإنه
إذا أخذه: قُطع، وليس له أن يُضمِّنْه النقصانَ، وأما إذا ترك الثوبَ له،
وضمَّنْه قيمته صحيحاً: سقط القطع.
- هذا كلُّه إذا كان الخَرْق فاحشاً، أما إذا كان يسيراً: قُطع، إجماعاً؛
لانعدام سبب الملك، إذ ليس له اختيارُ تضمين كلِّ القيمة.
قوله: (وإذا دخل الحِرزَ جماعةٌ، فتولىُ بعضُهم الأخذَ: قُطعوا
جميعاً)، يعني إذا أصاب كلّ واحدٍ منهم عشرةُ دراهم، أو ما قيمتُه عشرةٌ.
وقال زفر: يُقطع الآخذُ وحدَه.
* قوله: (ومَن نَقَبَ البيتَ، وأدخل يدَه فيه، فأخذ شيئاً: لم يُقطع)،
هذا عندهما.
وقال أبو يوسف: يُقطع؛ لأنه أَخَذَ المالَ من الحرز، فلا يُشترط
الدخولُ فيه، كما إذا أدخل يده في صندوق الصيرفي.
ولهما: أن هَتْكَ الحِرز يُشترط فيه الكمالُ، والكمالُ في الدخول،
والدخولُ هو المعتاد، بخلاف الصندوق، فإن الممكن فيه إدخالُ الید.

٤٠٧
كتاب السرقة
وإن أَدْخَلَ يدَه في صندوقِ الصَّيْرَفيِّ، أو في كُمِّ غيره، فأخذ المالَ :
و
قُطع.
وتُقْطَعُ يمينُ السارق من الزَّنْد، وتُحْسَم.
قوله: (وإن أدخل يدَه في صندوق الصيرفي، أو في كُمِّ غيره،
فأخذ المالَ: قُطع)؛ لأنه لا يمكن هَتْكُ الصندوق والكُمِّ إلا على هذه
الصفة.
- ولو أن السارق أُخذ في الحِرز: لم يُقطع؛ لأن السرقة لم تتممَّ إلا
بالإخراج.
[كيفية قطع يد السارق : ]
قوله: (وتُقطع يمينُ السارق من الزَّنْد)؛ وهو المِعْصَم، وكان
القياسُ يتناول اليدَ كلَّها إلىُ المَنْكِب؛ لقوله تعالى: ﴿فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾.
المائدة/٣٨، إلا ((أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بقطع يد السارق من
الزَّنْد))(١)، وفِعْلُه بيانٌ.
* قوله: (وتُحسَمُ)؛ لأنها إذا لم تُحسم: أدى إلى التلف.
وصورة الحسم: أن تُجعل يدُه بعد القطع في دُهنٍ قد أُغلي بالنار؛
لينقطع الدمُ.
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٢٨٦٠١)، وهو مرسل، سنن الدار قطني ٢٠٤/٣،
وضعَّفه ابن القطان، سنن البيهقي ٢٧١/٨، وينظر نصب الراية ٣٧٠/٣، البدر المنير
٣٧٣/٢٠، التلخيص الحبير ٢٩/٤.

٤٠٨
كتاب السرقة
فإن سرقَ ثانياً : قُطِعت رِجْلُه اليسرىُ.
فإن سرق ثالثاً : لم يُقْطَع، وخُلِّد في السجن حتى يتوب.
وإذا كان السارقُ أشلّ اليد اليسرى، أو أقطعَ، أو مقطوعَ الرِّجْل
اليمنىُ : لم يُقْطَع.
- قال في ((الذخيرة)): وأجرةُ القاطع، وثمنُ الدهن على السارق؛ لأن
منه سببَ ذلك، وهو السرقة.
- قالوا: ولا يُقطع في الحرِّ الشديد، ولا في البرد الشديد، بل يُحبس
حتى يتوسط الأمرُ في ذلك.
* قوله: (فإن سرق ثانياً: قُطعت رِجْلُه اليسرىُ)؛ لأنه لو قُطعت يدُه
اليسرى: ذهبت منفعةُ الجنس.
قوله: (فإن سرق ثالثاً: لم يُقُطع، وخُلِّد في السجن حتى يتوب)،
أو يموت، ويُعزَّر أيضاً.
- وإن كان للسارق كفَّان في مِعْصَم واحدٍ :
قال بعضُهم: يُقطعان جميعاً.
وقال بعضُهم: إن تميّزت الأصليةُ، وأمكن الاقتصارُ على قطعها: لم
تُقطع الزائدة، وإن لم يُمكن: قُطِعا جميعاً، وهذا هو المختار.
- فإن كان يَبطِش بأحدهما: قُطعت الباطشة.
- فإن سرق ثانياً: قُطعت رِجله اليسرى، ولا تُقطع هذه الزائدة.
قوله: (وإن كان السارقُ أشلّ اليدِ اليسرىُ، أو أقطعَ، أو مقطوعَ
الرِّجل اليمنى: لم يُقطع).

٤٠٩
كتاب السرقة
- وكذا إذا كانت رجلُه اليمنى شلاَّءَ، ويَضمن المالَ كلَّه.
ــ وإن كانت اليد اليمنى شلاَءَ، أو مقطوعةَ الأصابع، أو مقطوعةً
الإبهام، أو أصبعين سوى الإبهام: فإنها تُقطع من الزَّنْد؛ لأنها إذا كانت
صحيحةً: قُطعت، فكذا إذا كانت شلاء.
- وإن كانت اليمنى مقطوعةً قبل ذلك: قُطعت رِجْله اليسرىُ من
المفصل.
- فإن كانت رجله اليسرى مقطوعةً قبل ذلك: لم يُقطع، ويَضمن
السرقةَ، ويُحبس حتى يتوب.
- وإذا قال الحاكم للحدَّاد: اقطع يمينَ هذا في سرقةٍ، فقطع يسارَه
عمداً: لا شيءَ عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه أتلفها ببدلٍ، وهي اليمنىُ،
فأتلف وأخلف من جنسه ما هو خيرٌ منه، فلا يُعدُّ إتلافاً.
وعندهما: يَضمن القاطعُ في العمد، ولا شيءَ عليه في الخطأ.
وقال زفر: يضمن في الخطأ أيضاً؛ لأنه قَطَعَ يداً معصومةً، والخطأ في
حق العباد غيرُ موضوعٍ، أي غيرَ معفوٍّ عنه.
قلنا: إنه أخطأ في اجتهاده، إذ ليس في النص تعيينُ اليمين، والخطأ
في الاجتهاد معفوٌّ عنه.
ولهما: أنه قَطَعَ طرفاً معصوماً بغير حقٍّ ولا تأويلٍ؛ لأنه تعمَّد الظلمَ،
فلا يُعفى، وكان ينبغي أن يجب القصاص، إلا أنه سقط للشبهة.

٤١٠
كتاب السرقة
ولا يُقطعُ السارقُ إلا أن يَحْضُرَ المسروقُ منه، فيطالِبَ بالسرقة.
- ثم عند أبي حنيفة: هل يكون هذا القطع للسرقة أم لا؟
قال بعضهم: يكون عنها، حتى لا يجبُ القصاص على القاطع.
وقال الطحاوي: لا يكون عنها، حتى إذا كان عمداً: يجب القصاص،
وإن كان خطأ: تجب الدية.
- وإن كان الحدَّاد قطع يدَه خطأً: لم يضمن عندنا، خلافاً لزفر.
والمراد بالخطأ: الخطأُ في الاجتهاد، بأن اجتهد، وقال: القطع مطلقٌ
في النص، أما الخطأ: في معرفة اليمين واليسار: فلا يُجعل عفواً.
- وفي ((المصفى)): إذا قَطَعَها خطأ: لا يضمن، سواء أخطأ في
الاجتهاد أو في معرفة اليمين من الشمال. قال: وهو الصحيح.
- ولو أخرج السارقُ يسارَه، فقال: هذه يميني، فقطعها: لم يضمن،
بالاتفاق؛ لأنه قطعها بأمره.
- وإن قطع أحدٌ يدَ السارق اليسرى بغير إذن الحاكم: ففي الخطأ:
تجب الدية، وفي العمد: يجب القصاص، ويسقط عنه القطع في اليمنى،
ويضمن السارقُ المالَ.
قوله: (ولا يُقطع السارقُ إلا أن يَحضُرَ المسروقُ منه، فيطالبَ
بالسرقة)؛ لأن الخصومة شرطٌ في ذلك.
ــ وإنما قال: إلا أن يحضر المسروقُ منه: ولم يقل: إلا أن يحضر
المالك: لأن عندنا يُقطع بخصومة المستودَع، والمستعيرِ، والمستأجرِ،

٤١١
كتاب السرقة
والمرتهنٍ، والمضاربِ المستبضع، وكلَّ مَن كانت له يدٌ حافظةٌ، سوى
المالك، سواء كان المالك حاضراً أو غائباً.
- وكذا بخصومة ممن كانت يده يدَ ضمان، كما إذا سرق من
الغاصب.
وقال زفر والشافعي(١): لا يُقطع إلا بخصومةِ المالك.
- وإن حضر المالكُ، وغاب المؤتمَنُ: فإنه يُقطع بخصومته، في ظاهر
الرواية.
- وإن سرق من السارق سارقٌ آخرُ بعد ما قُطعت يمينُه، أو قبل: فإنه
لا يُقطع؛ لأن يده ليست بيدٍ صحيحةٍ؛ لأنها ليست بيدِ مالكٍ، ولا أمينٍ،
ولا ضمينٍ، وإنما هي يدٌ ضائعةٌ، لا حافظةٌ، فصار الأخذ منه: كالأخذ
من الطريق.
- ولا يُقطع بخصومة المالك أيضاً؛ لأن السارق لم تكن له يدٌ
صحیحةٌ على المال.
- ولو دُرىء القطعُ عن السارق، ثم سَرَقَ منه سارقٌ: قُطع؛ لأن
القاطع إذا دُرى عنه: تعلَّق بأخذه الضمان، ويدُ الضامن يدٌ صحيحةٌ،
فإزالتُها توجب القطع، ويصير السارق الأولُ كالغاصب.
- وقد قالوا: هل للسارق أن يطالب بردِّ العين المسروقة إلى يده؟
(١) مغني المحتاج ١٧٦/٤.

٤١٢
كتاب السرقة
فإن وهبها من السارق، أو باعها إياه، أو نَقَصَت قيمتُها عن النصاب:
لم يُقْطَع .
ففي رواية: ليس له ذلك؛ لأن يده ليست بيدٍ صحيحةٍ.
وفي رواية: له ذلك؛ لأنه يجوز أن يختار المالكُ الضمانَ، ويتركَ
القطعَ، فيتخلص السارقُ بردِّ العين من الضمان، أما بعد القطع: فلا يلزمه
ضمانٌ، فلا حقَّ له في المطالبة.
- ويجوز أن يقال: تثبت له أيضاً المطالبةُ بعد القطع؛ لأنه يتخلَّص بردِّ
العين من الضمان الواجب عليه فيما بينه وبين الله تعالى. كذا في ((الكرخي)).
- وإذا هلك الرهن في يد السارق من المرتهن: فللمرتهن أن يقطع
السارقَ، ولا سبيلَ للراهن عليه؛ لأنه لم تبق له يدٌ ولا حقٌّ في العين؛
لأنه يسقط عنه الدينُ بهلاكها، فلم تثبت له المطالبة.
* قوله: (فإن وَهَبَها من السارق، أو باعها منه، أو نقصت قيمتُها عن
النصاب: لم يُقطع).
- وكذا إذا مَلَكَها بميراثٍ: سقط القطع.
والمعنى في الهبة: بعد ما سُلِّمت.
وسواء كان ذلك کله قبل الترافع أو بعده.
وقال أبو يوسف: إذا وهبها له، أو باعها منه، أو نقصت قيمتُها بعد
الترافع: لم يسقط القطع.

٤١٣
كتاب السرقة
ومَن سَرَقَ عيناً، فقُطْعَ فيها، وردّها، ثم عاد فسرقها، وهي بحالها :
لم يُقْطَع .
- ولو ردَّ السارقُ السرقةَ قبل الترافع إلى الحاكم: فلا قطعَ عليه، وإن
ردَّها بعد ذلك: قُطع.
- ولو أمر الحاكمُ بقطع السارق، فعفا عنه المسروق منه: كان عفوه
باطلاً؛ لأن القطع حقُّ الله، فلا يصح العفوُ عنه.
- وإن قال: شَهِدَتْ شهودي بزورٍ، أو لم يَسرق مني، أو العينُ
المسروقة له: لم يُقطع.
- وإن سرق من رجلٍ مالاً، ثم ردَّه إليه قبل المرافعة، ثم أقام عليه
البينةَ: لم يُقطع؛ لأنه إذا ردَّ المالَ: سقطت الخصومةُ والمطالبة.
- فإن لم يرده إلى المالك، ولكن دفعه إلى أبيه أو أخيه أو عمه أو
خاله: إن كانوا في عياله: لم يُقطع؛ لأن يدَهم يدُه، وإن لم يكونوا في
عیاله: قُطع.
وقيل: إن دفعه إلى والديه أو جَدَّيْه: لم يُقطع وإن لم يكونوا في عياله.
- وفي ((الينابيع)): وكذا إلى امرأته أو عبده، سواء كانوا في عياله أم لا.
- وإن دفعها إلى مكاتبه: لم يُقطع أيضاً.
- وإن دفعها إلى مَن في عيالِ أبيه: لم يسقط عنه القطع.
* قوله: (ومَن سرق عيناً، فقُطع فيها، وردّها، ثم عاد فسَرَقَها، وهي
بحالها: لم يُقطع).

٤١٤
كتاب السرقة
فإن تغيّرت عن حالها، مثلُ أن كان غَزْلاً، فسَرَقَه، فقُطْعَ فيه، فردَّ،
ثم نُسجَ، فعادَ فسرقه : قُطعَ.
وقال زفر: يُقطع.
- وإذا لم يُقطع عندنا: وجب الضمان.
- بخلاف ما إذا زنى بامرأةٍ، فحُدَّ، ثم عاد فزنى بها: حُدَّ أيضاً ثانياً.
والفرق: أن في السرقة إذا سقط القطعُ: وجب ضمانُ المال عوضاً
عنه، وفي الزنا إذا سقط الحدُّ: لم يضمن عينَ المرأة.
* قوله: (وإن تغيّرت عن حالها، مثل إن كانت غَزْلاً، فسرقه، فقُطع
فيه، فردَّه، ثم نُسج، فعاد فسَرَقَه: قُطع).
- وهذا لا خلاف فيه؛ لأن العين قد تبدلت، ولهذا إذا غصب غزلاً،
فنسجه ثوباً: انقطع حقٌّ صاحبه عنه، ومَلَكَه الغاصبُ، ولزمه قيمةُ الغزل.
- ولو سرق ثُقْرَةَ فضةٍ، فضربها دراهمَ أو دنانير: فإنه يُقطع، والدراهمُ
والدنانير إلى صاحبها عند أبي حنيفة.
- ولو سرق ثوباً، فقطعه، وخاطه: يكون للسارق بعد أن قُطعت يده،
ولا ضمانَ عليه؛ لأن العين زالت عن ملك المسروق منه، والتضمين
متعذّرٌ؛ لأجل قطع يده، إذ القطع والضمان لا يجتمعان.
- ولو سرق ثوباً، فصبغه أحمرَ أو أصفرَ، فقُطعت يدُه: فعندهما:
یکون للسارق، وينقطع حقُّ صاحبه عنه.

٤١٥
كتاب السرقة
وإذا قُطْعَ السارقُ، والعينُ قائمةٌ في يده: ردَّها، وإن كانت هالكةً : لم
يضمن.
وقال محمدٌ: يؤخذ الثوب منه، ويُعطى ما زاد الصَّبْغ فيه؛ اعتباراً
بالغصب.
- ولو صَبَغَه أسودَ: أُخذ منه ناقصاً عند أبي حنيفة؛ لأن السواد عنده
نقصانٌ.
وعند أبي يوسف: لا يؤخذ منه، مثل العُصفُر.
وعند محمد: يؤخذ منه، ويُعطىُ ما زاد الصَّبْغ فيه.
- وإن سرق فضةً أو ذهباً، فقُطع فيها، ثم ردَّها على صاحبها،
فجعلها آنيةً، أو كانت آنيةً فضربها دراهمَ، ثم عاد فسرقها: لم يُقطع عند
أبي حنيفة؛ لأن العين لم تتغير عنده.
وقالا: يُقطع؛ لأنها تغيّرت عندهما.
** قوله: (وإذا قُطع السارق والعينُ قائمةٌ في يده: رُدَّت على صاحبها).
- وكذا إذا كان السارق قد باعها أو وهبها أو تزوج عليها وهي قائمة
في يد مَن هي في يده، فإنها تُردُّ إلى صاحبها؛ لأنها علىُ ملكه، وتصرُّفُ
السارق فيها باطلٌ.
- وكذا إذا فعل هذا بعد القطع؛ لأن القطع لا يزيل ملكَ الغير.
* قوله: (وإن كانت هالكةً: لم يضمَنْها).

٤١٦
كتاب السرقة
وإذا ادَّعى السارقُ أن العينَ المسروقةَ مِلْكُه: سَقَطَ القطعُ عنه وإن لم
يُقِمْ بينةً.
ــ وكذا إذا كانت مستهلكةً، في المشهور؛ لأنه لا يجتمع الضمان
والقطع عندنا.
وعن أبي حنيفة: يضمن بالاستهلاك.
وقال الشافعي(١): يضمن في الوجهين.
وعن محمد أنه قال: يلزمه الضمان فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يلزمه
في القضاء.
- ولو قُطعت يد السارق، ثم استهلك المالَ غيرُه: كان لصاحبه أن
يُضمِّن المستهلكَ.
- وإن أودعه السارقُ عند غيره، فهلك في يده: لا يَضمنه المودَعُ.
ـ ومَن سرق سرقاتٍ، فقُطع لأحدها: فهو لجميعها، ولا يضمن شيئاً
عند أبي حنيفة؛ لأن الواجب بالكل: قطعٌ واحدٌ؛ لأن مبنى الحدود على
التداخل.
وعندهما: يضمن كلَّها، إلا التي قُطع لها.
ومعنى المسألة: إذا حضر أحدهم، فإن حضروا جميعاً، وقُطعت يده
بحضرتهم: لا يضمن شيئاً، إجماعاً في السرقات كلها.
* قوله: (وإن ادعىُ السارقُ أن العين المسروقةَ مِلْكه: سقط القطعُ عنه
وإن لم يُقِم بينةَ)، معناه بعد ما شهدا عليه بالسرقة.
(١) روضة الطالبين ١٤٩/١٠.

٤١٧
كتاب السرقة
وقال الشافعي(١): لا يسقط بمجرد الدعوى؛ لأنه لا يعجز عنه سارقٌ،
فيؤدي إلى سدٍّ باب الحد.
ولنا: أن الشبهة دارئةً، وهي تتحقق بمجرد الدعوى؛ للاحتمال،
ولأنه لا يصح الرجوع بعد الإقرار.
- وإن ادعى على رجل سرقةً، فأنكر: يُستحلف، فإن أبى أن يحلف: لم
يُقطع، ويضمن المالَ؛ لأن المال يُستحلف فيه، والقطعَ لا يُستحلف فيه.
- ولو أقرَّ بذلك إقراراً، ثم رجع عن إقراره، وأنكر: لم يُقطع،
ويضمن المالَ؛ لأن الرجوع يُقبل في الحدود، ولا يُقبل في المال الذي
هو حقُّ الآدمي.
- ولو قال: سَرقتُ هذه الدراهمَ، ولا أدري لمَن هي: لم يُقطع؛ لأن
الإقرار لغیر معيَّنٍ لا يتعلق به حكمٌ، فبقيت الدراهم علی حکم ملكه.
- ولو شهدوا على رجلٍ بسرقةٍ بعد حين: لم يُقطع، وضَمِنَ المالَ،
وقد بيًَّّا هذا.
(١) مغني المحتاج ٤ /٤٦٢.

٤١٨
باب قُطَّاع الطريق
باب قُطَّاع الطريق
وإذا خَرَجَ جماعةٌ مُمْتَنِعِين، أو واحدٌ يَقدرُ على الامتناع، فقَصَدُوا
قَطْعَ الطريق، فأُخِذوا قبل أن يأخذوا مالاً، ولا قَتَلُوا نفساً: حَبَسَهمُ الإمامُ
حتى يُحْدِثُوا توبةً.
باب قُطَّاع الطريق
* قوله: (وإذا خرج جماعةٌ مُمْتَنِعين، أو واحدٌ يَقدِرُ على الامتناع،
فَقَصَدوا قَطْعَ الطريقِ، فأُخذوا قبلَ أن يأخذوا مالاً، ولا قَتَلوا نفساً:
حَبَسَهمُ الإمامُ حتى يُحدِثوا توبةً)، ويُعزَّرون أيضاً؛ لمباشرتهم منكراً.
- ولو اشترك الرجالُ والنساءُ في قطع الطريق:
ذكر الطحاويُّ أن الحكم في النساء: كالحكم في الرجال؛ قياساً على
السرقة، إلا أن في ظاهر الرواية: لا قطعَ على النساء؛ لأن هذا القطع إنما
شُرع فيهم لكونهم حرباً، والنساء ليسوا من أهل الحرب، ألا ترى أنهن في
الحرب لا يُقتلن: فكذا هنا.
- ثم إذا لم تُقطع أيديهن ولا أرجلهن: هل يسقط القطع عن الرجال؟
فيه روايتان: في روايةٍ: يسقط، وفي رواية: لا يسقط.

٤١٩
باب قُطَّاع الطريق
وإن أَخَذُوا مالَ مسلمٍ، أو ذميٍّ، والمأخوذُ إذا قُسِمَ على جماعتهم :
أصابَ كلَّ واحدٍ منهم عشرةُ دراهم، فصاعداً، أو ما قيمتُه ذلك: قَطَعَ
الإمامُ أيديَهم، وأرجُلَهم من خلافٍ.
وإن قَتَلوا نفساً، ولم يأخذوا مالاً : قَتَلَهمُ الإمامُ حَدَّاً.
قوله: (فإن أَخذوا مالَ مسلمٍ أو ذميِّ، والمأخوذُ إذا قُسم على
جماعتهم: أصاب كلّ واحدٍ منهم عشرةُ دراهم فصاعداً، أو ما قيمتُه ذلك:
قَطَعَ الإِمامُ أيديَهم وأرجلهم من خلافٍ).
- وإنما وجب قطع اليد والرِّجل؛ لأنه ضمَّ إلى أَخْذ المال إخافةَ
الطريق، فتَغلَّظ حكمُه بزيادة قطع رِجله.
- وإنما قُطع من خلافٍ؛ لأن القطع من جانبٍ واحدٍ يؤدي إلى تفويت
جنس المنفعة.
والمراد: قطعُ اليد اليمنىُ، والرِّجالِ اليسرى.
ـ ومِن شَرْط قطع الطريق: أن يكون في موضعٍ لا يَلحقه الغَوْثُ، أما
إذا كان يلحقُه فيه الغوث: لم يكن قطعاً، إلا أنهم يُؤخذون بردِّ المال إلى
صاحبه، ويؤدّبون، ويُحبَسون؛ لارتكابهم الجناية.
- وإن قَتَلوا: فالأمر فيه إلى الأولياء.
* قوله: (وإن قَتَلوا نفساً، ولم يأخذوا مالاً: قَتَلَهم الإمامُ حَدًّاً): أي
سياسةً، لا قصاصاً.

٤٢٠
باب قُطَّاع الطريق
فإن عفا الأولياءَ عنهم: لم يُلْتَفَت إلىُ عَفْوِهم.
وإن قَتَلوا، وأَخَذُوا المالَ : فالإمامُ بالخيار: إن شاءَ قَطَعَ أيديَهم،
وأرجلَهم من خلافٍ، وقَتَلَهم، وصَلَبهم.
وإن شاء قَتَلَهم.
- وإنما كان القتل حداً؛ لأنهم أضافوا إلى القتل إخافةَ الطريق،
فانحتم القتل عليهم.
* قوله: (حتى لو عفا عنهم الأولياء: لم يُلتفت إلى عفوهم)؛ لأن
ما
ذلك حقُّ الله تعالى، وحدود الله لا يجوز العفو عنها.
- وقوله: وإن قَتَلوا: سواءً كان القتل بعصاً أو بحجرٍ أو بخشبٍ أو
بسیف.
* قوله: (وإن قَتَلوا وأَخَذوا المالَ: فالإمامُ بالخيار: إن شاء قَطَعَ
أيديهم وأرجلهم من خلافٍ وقَتَلَهم صلباً، وإن شاء قَتَلَهم)، وهذا قول
أبي حنيفة.
وعندهما: يُقتصر على الصلب وحدَه، ولا تُقطع الأيدي والأرجل؛
لأن ما دون النفس: يدخل في النفس.
وعن أبي يوسف أنه قال: لا أُعفيه من الصلب؛ لأنه منصوصٌ عليه
في القرآن، فلا يجوز إسقاطه.
وفي ((الكرخي)): أبو يوسف مع أبي حنيفة.