Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب القَسَامة
- ومَن شَهَرَ على رجلٍ سلاحاً، ليلاً أو نهاراً، أو شَهَرَ عليه عصاً ليلاً
في المصر، أو نهاراً في الطريق في غير المصر، فقتَلَه المشهورُ عليه عمداً:
فلا شيءَ عليه، لأن السلاح لا يَلْبَثُ، فَيَحتاج إلى دفعه بالقتل، والعصا
وإن كانت تلبث لكن في الليل لا يلحقه الغَوْث، فيضطر إلى دفعه.
- وكذا في النهار في الطريق، لأنه لا يَلحقه الغوث، فإذا قتله كان دمه
هدراً، والله تعالى أعلم.

٣٠٢
كتاب المَعَاقِل
كتاب المَعَاقِل
الديةُ : في شِبْه العمد، والخطأ.
وكلَّ ديةٍ وجبت بنفس القتل : على العاقلة.
والعاقلةُ: أهلُ الديوان إن كان القاتلُ من أهلِ الديوان.
كتاب المَعَاقِل
هو جَمْعٍ: مَعْقُلَة، وهي الدية، وسميت الدية: عَقْلاً؛ لأنها تَعقل
الدماء من أن تُسفك.
- والعاقلة: هم القوم الذين يقومون بنصرة القاتل.
* قال رحمه الله: (الديةُ: في شبه العمد، والخطأ.
وكلّ ديةٍ وجبت بنفس القتل: على العاقلة).
احتَرز بقوله: بنفس القتل: عما تجب بالصلح.
* قوله: (والعاقلةُ: أهلُ الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان)،
وهو الجيش الذين كُتِب أسماؤهم في الديوان.
وقال الشافعي(١): هم العشيرة.
(١) كنز الراغبين ١٥٤/٤، مغني المحتاج ٤ /٩٦.

٣٠٣
كتاب المَعَاقِل
تُؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين،
* قوله: (تُؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين).
- العَطاء: يَخرج في كل سنة مرة أو مرتين.
- ويُعتبر مدة ثلاث سنين من وقت القضاء بالدية، لا من يوم القتل.
- والعَطاء: اسمٌ لما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرةً أو
مرتین.
والرَّزْق: ما يَخرج له في كل شهر، وقيل: يوماً بيوم.
- وإذا كان الواجب ثُلث دية النفس (١)، أو أقل: كان في سنةٍ واحدة،
وما زاد على الثلث إلى تمام الثلثين: في السنة الثانية، وما زاد على ذلك
إلى تمام الدية: في السنة الثالثة.
يعني إذا كان الواجب كلَّ الدية: كان ذلك على كلِّ واحدٍ في ثلاث
سنين، وإن كان الواجب النصفَ أو الثلثين: كان في سنتين، وإن كان
الثلث أو أقل: ففي سنة.
- وعلى هذا: كل ما كان الواجب في كله نصفاً، ثم وجب في بعضه
أقل من ذلك: فهو بمنزلة النصف.
طا
مثاله: ديةُ اليد في سنتين، وما يجب في الأنملة: فهو على العاقلة في
سنتين. كذا في ((شرحه))، في باب الرجوع عن الشهادة.
(١) وفي نسخ: دية القتيل.

٣٠٤
كتاب المَعَاقِل
فإن خَرَجَت العطايا في أكثرَ من ثلاث سنين، أو أقلَّ : أُخِذت منها.
ومَن لم يكن من أهل الديوان : فعاقلتُه قبيلتُه.
تُقَسَّط عليهم في ثلاثِ سنين، لا يُزاد الواحدُ على أربعة دراهم، في
كل سنةٍ دِرهمٌ ودانِقان، ويُنقَص منها.
· قوله: (فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث سنين، أو أقل:
أُخذت منها).
معناه: إذا كانت العطايا بالسنين المستقبلة بعد القضاء بالدية، حتى لو
اجتمعت في السنين الماضية قبل القضاء، ثم خرجت بعد القضاء: لا
يؤخذ منها؛ لأن الوجوب بالقضاء.
- ولو خرج للعاقلة ثلاث عطايا في سنةٍ واحدة في المستقبل: يؤخذ
013
منها كلّ الدية.
- ثم إذا كان جميع الدية في ثلاث سنين: فكل ثلث منها في سنة.
- وإذا كان الواجب ثلثُ دية النفس، أو أقل: كان في سنة واحدة.
- ولو قتل عشرةٌ رجلاً خطأً: فعلى كل واحدٍ عُشر الدية، في ثلاث
سنين؛ اعتباراً للجزء بالكل.
* قوله: (ومَن لم يكن من أهل الديوان: فعاقلتُه قبيلتُه.
وتُقسَّط عليهم في ثلاث سنين، لا يُزاد الواحد منهم على أربعة
دراهم، في كل سنة درهمٌ ودانقان، ويُنقص منها).
في هذا إشارةٌ إلى أنه لا يُزاد على أربعةٍ من جميع الدية.

٣٠٥
كتاب المَعَاقِل
فإن لم تتسع القبيلةُ لذلك : ضُمَّ إليهم أقربُ القبائل إليهم من غيرهم.
ويَدخلُ القائلُ مع العاقلة، فيكون فيما يؤدي مثلَ أحدهم.
وعاقلةُ العبدِ المعتَق : قبيلةُ مولاه.
وقد نصَّ محمدٌ على أنه لا يُزاد كلّ واحدٍ من جميع الدية في ثلاث
سنين على ثلاثة دراهم أو أربعة، فلا يؤخذ من كل واحدٍ في سنة إلا
درهم، أو درهم وثلث، وهو الأصح.
* قوله: (فإن لم تتسع القبيلةُ لذلك: ضُمَّ إليها أقربُ القبائل إليها).
يعني نسباً، ويُضم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات: الإخوة،
ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم.
وأما الآباء، والبنون: فقد قيل: يدخلون؛ لقُربهم، وقيل: لا يدخلون.
* قوله: (ويَدخل في العاقلة القاتلُ، فيكون فيما يؤدي: كأحدهم)؛
لأنه هو القاتل، فلا معنىّ لإخراجه، ومؤاخذة غيره.
وقال الشافعي(١): لا يجب على القاتل شيء من الدية.
- وليس على النساء، والذرية شيء؛ لأنها إنما تجب على أهل
النُّصرة؛ لتركهم مراقبته، والناس لا يتناصرون بالنساء والصبيان.
- وعلى هذا لو كان القاتل صبياً أو امرأةً: لا شيء عليهما من الدية.
* قوله: (وعاقلة العبدِ المعتَق: قبيلةُ مولاه) من أهل نصرته، فكانوا
من أهل عقله، قال عليه الصلاة والسلام: ((مولى القوم منهم)) (٢).
(١) مغني المحتاج ٤ /٩٥.
(٢) سنن أبي داود (١٦٥٠)، سنن الترمذي (٦٥٧)، وقال: حسن صحيح.

ومولىُ الموالاة : يَعْقِلُ عنه مولاهُ، وقبيلتُه.
ولا تتحمَّلُ العاقلةُ أقلَّ من نصف عُشْر الدية.
وتتحمَّل نصفَ عُشرِ الدية، فصاعداً.
* قوله: (ومولى الموالاة يَعقل عنه مولاه وقبيلتُه)؛ لأنهم يرثونه بعد
موته.
* قوله: (ولا تتحمَّل العاقلةُ أقلّ من نصف عشر الدية، وتتحمّل نصفَ
العُشر، فصاعداً)؛ لأن الحمل على العاقلة؛ للتحرز عن الإجحاف، ولا
إجحاف في القليل.
- ثم العاقلة إذا حملت نصفَ العشر: كان ذلك في سَنَّةٍ.
- وإذا لم يكن للقاتل قبيلةٌ، ولا هو من أهل الديوان: فعاقلتُه أنصارُه.
- فإن كانت نُصرته بالحِرفة: فعلى المحترفين الذين هم أنصاره،
كالقصَّارين والصفَّارين بسمرقند، والأساكفة بإسبيجاب.
وفي ((الهداية))(١): إذا لم تكن له عاقلة: فالدية في بيت المال، ولهذا إذا
مات: كان ميراثُه لبيت المال، فكذا ما لزمه من الغرامة: يلزم بيت المال.
- وابن الملاعنة: تعقله قبيلةُ أمه.
فإن عقلوا عنه، ثم ادعاه الأب: رجعت عاقلة الأم بما أدت على عاقلة
(١) ٤ /٢٣٠.

٣٠٧
كتاب المَعَاقِل
وما نَقَصَ من ذلك : فهو في مال الجاني.
ولا تَعْقِلُ العاقلةُ جنايةَ العمدِ ، والعبدِ .
ولا تَعقلُ الجنايةَ التي اعترف بها الجاني إلا أن يُصدِّقوه.
الأب، في ثلاث سنين من يوم يقضي القاضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب.
* قوله: (وما نقص من ذلك: ففي مال الجاني)، يعني ما نقص أرشه
عن نصف عُشر الدية: كان على الجاني، دون عاقلته.
* قوله: (ولا تعقل العاقلةُ جنايةَ العبد (١))، يعني إذا جنى العبد على
الحرِّ، أو على غير الحر.
* قوله: (ولا تَعقلُ الجنايةَ التي اعترف بها الجاني، إلا أن يُصدِّقوه).
- فإن قلت: قد ذَكَرَ هذا في الديات، فلمَ أعاده هنا؟
قلتُ: ذكر هناك: كلّ أرشٍ وجب بالإقرار والصلح: فهو في مال
القاتل، وهنا قال: ولا تعقِلُ ما لزم بالصلح أو باعتراف الجاني: فلا تكرار.
مع أن في هذا فائدةً زائدةً؛ لأنه ذَكَرَ التصديق هنا بقوله: إلا أن
يُصدِّقوه، ولم يذكره هناك.
* قوله(٢): (ومَن أقرَّ بقتلٍ خطأ، ولم يرتفعوا إلى القاضي إلا بعد
سنين: قُضيَ عليه بالدية في ماله، في ثلاث سنين من يوم يُقضى عليه)؛
(١) هكذا في الجوهرة، وفي نسخ القدوري اختلافٌ، فمنها: العبد، ومنها:
العمد، ومنها: العمد، والعبد.
(٢) هذه المقولة لم أقف عليها فيما عندي من نسخ القدوري.

٣٠٨
كتاب المعَاقِل
ولا تعقلُ ما لزم بالصلح.
وإذا جنى الحرُّ على العبد جنايةً خطأ : كانت على عاقلته.
وإذا لم تكن للقاتل عاقلةٌ : فالديةُ في بيت المال.
لأن التأجيل من وقت القضاء في الثابت بالبينة، ففي الثابت بالإقرار أولى.
* قوله: (ولا تَعقل العاقلةُ ما لزم بالصلح)، وقد بيَّنَاه.
قوله: (وإذا جنى الحرُّ على العبد، فقتله خطأً: كانت جنايته على
عاقلته)، يعني عاقلة الجاني.
وما دون النفس على العبد: لا تتحمله العاقلةُ؛ لأنه يُسلك به مَسلَك
الأموال(١)، والله أعلم.
(١) وفي نسخة القدوري ١٣٠٩ هـ زيادة: ((وإذا لم تكن للقاتل عاقلة: فالدية في
بیت المال)). اهـ.

٣٠٩
كتاب الحدود
كتاب الحدود
الزنا يثبتُ بالبينة، والإقرار.
كتاب الحدود
الحدُّ في اللغة: هو المنع، ومنه سُمِّي البوَّاب حداداً؛ لأنه يمنع الناس
عن الدخول.
وكذا سُمِّ حدُّ الدار الذي تنتهي إليه: حدّاً؛ لأنه يمنع من دخول ما
حُدَّ إليه في البيع.
فلمَّا أُريد بهذه العقوبة المنعُ من الفعل: سُمِّي ذلك حدًّاً.
- وفي الشرع: هو كل عقوبة مقدَّرةٍ، تُستوفى حقّاً لله تعالى.
ولهذا لا يسمى القصاص: حداً وإن كان عقوبةً؛ لأنه حقُّ آدمي يملك
إسقاطَه والاعتياضَ عنه، وكذا التعزير لا يسمى حداً؛ لعدم التقدير فيه.
* قال رحمه الله: (الزنا يثبتُ بالبينة، والإقرارِ).
المراد: ثبوتُه عند الإمام(١).
- وصفة الزنا: هو الوطء في فرج المرأة العاري عن نكاحٍ، أو ملكٍ،
(١) أي عند الحاكم.

٣١٠
كتاب الحدود
أو شُبهتهما، ويتجاوز الختانُ الختانَ.
- هذا هو الزنا الموجِب للحدِّ، وما سواه ليس بزناً.
- وإنما شرط مجاوزة الختان؛ لأن ما دونه (١): ملامسة، لا تتعلق به
أحكام الوطء، من الغُسل، وفساد الحج، وكفارة رمضان.
وفي ((الينابيع)): الزنا الموجِب للحد: الوطءَ الحرامُ، الخالي عن حقيقة
الملك، وحقيقةِ النكاح، وعن شُبهة الملك، وشُبهة النكاح، وشُبهة الاشتباه(٢).
- وأما الوطء في الملك: كوطء جاريته المجوسية، وجاريته التي هي
أخته من الرضاع، ووطء المملوكةِ بعضُها وإن كان حراماً: فليس بزناً.
- وكذا وطء امرأته الحائض، والنفساء، والمتزوجة بغير شهود، أو
تزوج أمةً بغير إذن مولاها، أو تزوج العبدُ بغير إذن سيده، أو وطءَ جاريةٍ
ابنه أو مكاتبه، والجاريةِ من المَغنم في دار الحرب بعد ما أُحرزت قبل
القسمة، أو تزوَّج أمةً على حرة، أو تزوج بمجوسيةٍ، أو خمساً في عقد
واحدٍ، أو جَمَعَ بين أختين، أو تزوج بمحارمه، فوطئها، وقال: علمت أنها
عليَّ حرامٌ: فإنه لا يُحدُّ عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يُحدُّفي كل وطءٍ حرام على التأبيد، كوطء
محارمه، والتزويجُ لا يوجب شبهة فيه.
(١) أي دون الختان.
(٢) سيأتي بعد قليل شرحها في كلام المصنف.

٣١١
کتاب الحدود
فالبينةُ : أن يَشهدَ أربعةٌ من الشهود على رجلٍ، أو امرأةٍ بالزنا.
وما ليس بحرامٍ على التأبيد: فعقد النكاح يوجب شبهة فيه، كالنكاح
بغير شهود، أو في عدة الغير، وشبْه ذلك.
- وشُبهة الاشتباه: أن يقول: ظننتُ أنها تحلّ لي: فإنه لا يُحدُّ.
* قوله: (فالبينةُ: أن يَشْهَدَ أربعةٌ من الشهود على رجلٍ أو امرأةٍ
بالزنا).
- فإن قيل: القتل أعظم من الزنا، ولم يُشترط فيه أربعةٌ.
قلنا: لأن الزنا لا يتمُّ إلا باثنين، وفعلُ كلّ واحدٍ لا يَثبت إلا بشاهدين،
والقتلُ يكون من واحدٍ.
- ويُشترط في الأربعة أن يكونوا ذكوراً، أحراراً، عدولاً، مسلمين.
- ولا تُقبل فيه شهادةُ النساء مع الرجال، ولا الشهادةُ على الشهادة،
ولا كتابُ القاضي إلى القاضي.
ءِ
- وإن شهد أقلّ من أربعةٍ: لا تُقبل شهادتهم، وهم قَذَفَةٌ يُحدُّون
جميعاً حدَّ القذف إذا طلب المشهودُ عليه ذلك.
لما روي ((أن أبا بكرة وشِبْلَ بن معبد ونافعَ بن الحارث شهدوا على
المغيرة بن شعبة بالزنا عند عمر رضي الله عنه، فقام زيادٌ وكان الرابعَ،
فقال: رأيتُ أقداماً باديةً، ونَفَسَاً عالياً، وأمراً مُنكراً، ورأيت رِجليها على
عاتقه كأُذُني حمارٍ، ولا أدري ما وراء ذلك.

٣١٢
كتاب الحدود
فقال عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي لم يَفضحْ أحداً من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحَدَّ الثلاثةَ))(١).
- وكذا إذا جاؤوا متفرِّقين، فشهدوا واحداً بعد واحدٍ: لم تُقبل
شهادتهم، وهم قَذَفَةٌ يُحدُّون حدَّ القذف.
- وأما إذا حضروا في مجلسٍ واحدٍ، وجلسوا مجلسَ الشهود، وقاموا
إلى القاضي واحداً بعد واحدٍ، فشهدوا: قُبلت شهادتُهم؛ لأنه لا يُمكن
الشهادة دفعةً واحدة.
وقد روي ((أن عمر رضي الله عنه قَبِلَ الشهادةَ على هذا الوجه؛ لأنه
أجلس المغيرةَ، فلما شهد عليه الأول: قال: ذَهَبَ رُبُعُك يا مغيرة، فلما شهد
الثاني: قال: ذهب نصفُك، فلما شهد الثالث: قال: ذهب ثلاثةُ أرباعك،
وكان عمرُ رضي الله عنه في كلِّ مرة يَقتلُ شاربَه من شدة الغضب، فلما قام
زيادٌ، وكان الرابعَ: قال له عمر: قم يا سَلْحَ العُقَّب.
وإنما قال ذلك: لأن لونه كان يَضرب إلى السواد، فشبَّهه به.
وقيل: وَصَفَه بالشجاعة؛ لأن العُقَّاب إذا سَلَحَ على طائر: أحرق
جناحه، وأعجزه عن الطيران، فكذلك كان زيادٌ في مقابلة أقرانه، وهذا
مدحٌ، والأول ذمٌّ، وهو على وجه الإنكار عليه في هَتْك سِتْر صاحبه،
وتحريضٍ له على الإخفاء.
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٥٤٦/١٤ (٢٩٤٢١)، شرح معاني الآثار ٢٨٦/٢،
المستدرك للحاكم ٤٤٨/٣، سنن البيهقي ٢٣٤/٨، وينظر نصب الراية ٣٤٥/٣.

٣١٣
كتاب الحدود
•
فقال زياد: لا أدري ما قالوا، لكني رأيتُهما يضطربان في لحاف واحدٍ
كاضطراب الأمواج، ورأيت نَفَسَاً عالياً، وأمراً منكراً، ولا أدري ما وراء ذلك.
فدرأ عنه عمرُ الحدَّ؛ لأنه لم يصرِّح بالقذف، وضرب الثلاثةَ حدَّ
القذف))(١).
- ولو شهدوا أنه زنى بامرأةٍ، وقالوا: لا نعرفها: لم تجزْ شهادتهم.
- قال في ((الكرخي)): إذا شهد على المرأة أربعةٌ بالزنا، أحدُهم
الزوجُ، ولم يكن من الزوج قذفٌ قبل ذلك: أُقيم عليها الحدُّ.
وقال الشافعي(٢): لا تُقبل شهادة الزوج عليها.
- وإن قَذَفَها الزوجُ، وجاء بثلاثةِ سواه يشهدون: فهم قَذَفةٌ يُحدُّون،
ويلاعِن الزوجُ.
- وإن جاء هو وثلاثةً، فشهدوا أنها قد زنت، ولم يُعدَّلوا: دُرئ عنها
وعنهم الحد، ودُرئ عن الزوج اللعان؛ لأنه شاهِدٌ، وليس بقاذف.
- وذكر في الجزء الخامس من ((الكرخي))، في القذف، في باب رجوع
الشهود: أن الزوج يلاعِن، ويُحَدُّ الثلاثة.
(١) وذَكَرَ هذه الخبر ابن قدامة في المغني ٣٦٧/١٢، وقال عند ذكره: روى
صالحٌ في مسائله بإسناده عن أبي عثمان النهدي، وذكر القصة.
(٢) مغني المحتاج ٤٣٥/٤.

٣١٤
كتاب الحدود
فيسألُهم الإمامُ عن الزنا: ما هو؟ وكيف هو؟ وأين زَنَى؟ وبمَن زنى؟
ومتی زنى؟
- ولو جاء بأربعةٍ، فلم يُعدَّلوا: فهو قاذِفٌ، فعليه اللعان؛ لأن الشهادة
إذا سقطت: تعلَّق بقذفه اللعان.
* قوله: (فيسألهم القاضي عن الزنا، ما هو؟ وكيف هو؟)؛ لأنه
يختلف، وفيه الحقيقةُ والمجاز.
قال عليه الصلاة والسلام: ((العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرِّجْلان
تزنيان، والفرجُ يُصدِّق ذلك أو يُكذِّبه))(١).
- وإنما يسألهم كيف زنى؟؛ لأنه قد يكون مكرَهاً، فلا يجب عليه
الحدّ.
* قوله: (وأين زنى؟)؛ لاحتمال أن يكون زنى في دار الحرب، أو في
عساكر البغاة، وذلك لا يوجب الحدَّ؛ لأنه لم يكن للإمام عليه يدٌ، فصار
ذلك شُبهةً فیه.
* قوله: (وبمَن زنى؟)؛ لجواز أن تكون امرأتَه أو أمتَه، وربما إذا
سئلوا: قالوا: لا نعرفها، فيصير ذلك شبهةً، وقد تكون جاريةَ ابنه.
· قوله: (ومتى زنى؟)؛ لجواز أن يكونوا شهدوا عليه بزناً متقادم،
فلا تُقبل شهادتهم، ولجواز أن يكون زنى وهو صبيٌّ أو مجنونٌ.
- واختلفوا في حدِّ التقادم الذي يُسقِط الحدَّ:
(١) صحيح البخاري (٦٣٤٣)، صحيح مسلم (٢٦٥٧).

٣١٥
كتاب الحدود
فإذا بيَّنوا ذلك، وقالوا: رأيناه وطئها في فَرْجِها كالمِيْل في المُكْحُلَة،
وسأل القاضي عنهم، فعُدِّلوا في السِّرِّ والعلانية: حَكَمَ بشهادَتهم.
فكان أبو حنيفة لا يقدِّر فيه وقتاً، وفوَّضه إلى رأي القاضي.
وعندهما: إذا شهدوا بعد مضيِّ شهرٍ من وقتِ عاينوا: لا تُقبل
شهادتُهم؛ لأن الشهر: في حكم البعيد، وما دونه: قريبٌ، فتُقبل شهادتُهم
فیما دون الشهر.
وفي ((الجامع الصغير))(١) قدَّره بستة أشهر.
* قوله: (فإذا بَيَّنوا ذلك، وقالوا: رأيناه وطئها في فَرْجِها كالمِيْل في
المُكْحُلَة)، أو كالقلم في المَحْبَرة، أو كالرِّشاء في البئر: صحَّ ذلك.
- فإن قالوا: تعمَّدنا النظرَ: لا تَبطل الشهادة، إلا إذا قالوا: تعمَّدناه
تَلذُّذاً: فحينئذٍ تبطل.
قوله: (وسأل القاضي عنهم، فإن عُدِّلوا في السِّرِّ والعلانية: حكَمَ
بشهادتهم)، ولم يكتفِ بظاهر العدالة؛ احتياطاً؛ للدرء.
قال عليه الصلاة والسلام: ((ادرؤوا الحدودَ ما استطعتم))(٢).
(١) الجامع الصغير مع شرحه النافع الكبير ص٢٢٦.
(٢) سنن الترمذي (١٤٢٤)، سنن البيهقي ٢٣٨/٨، وله طرق عدة، ينظر نصب
الراية ٣٠٩/٣، و٣٣٣، وقد رواه الإمام أبو حنيفة في مسند الحارثي، كما في منية
الألمعي ص٣٩٢، وهو إسناد صحيح، وقد تلقته الأمة بالقبول، ينظر فتح القدير
لابن الهمام ٣٢/٥، أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء ص ٢١٣.

٣١٦
كتاب الحدود
قال في ((الأصل)): يحبسه الإمامُ حتى يسأل عن الشهود.
- فإن قيل: كيف يحبسُه وقد قيل: ادرؤوا الحدود، وليس في حبسه
ذلك؟
قيل: إنما يحبسه تعزيراً؛ لأنه صار متَّهماً؛ لارتكاب الفاحشة.
- فإن شهد أربعةٌ، فوجدوا فُسَّاقاً، وهم أحرارٌ، مسلمون: فلا حدّ
على الرجل؛ لأن شهادتهم لم تُقبل.
- ولا حدَّ عليهم؛ لجواز أن يكونوا صادقين.
- فإن بانوا عبيداً، أو محدودِين في قذفٍ، أو عُمياناً: فعليهم حدٌّ
القذف؛ لأن العُميان لا يَرون ما شهدوا عليه، فتحققنا كَذِبَهم، فكانوا قَذَفَةً.
- وأما العبيد، والمحدودون: فليسوا من أهل الشهادة، فكانوا قَذَفةً،
فوجب عليهم حد القذف.
- وقوله: في السرِّ والعلانية: التزكية نوعان:
فالعلانيةُ: أن يجمع القاضي بين المعدِّل والشاهد، فيقول المعدِّلُ:
هذا الذي عدَّلتُه.
والسِّرُّ: أن يبعث القاضي رسولاً إلى المزكِّي، ويكتب إليه كتاباً فيه
أسماء الشهود، وأنسابُهم، حتى يَعرِفَهم المزكي، فمن عرفه بالعدالة: كُتب
تحت اسمه: عدلٌ جائزُ الشهادة، ومَن عرفه بالفسق: لم يكتب تحت اسمه
شيئاً؛ احترازاً عن هَتْك الستر، أو يقول: الله أعلم، إلا إذا كان عدَّله غيرُه،
وخاف إن لم يصرِّح بذلك: قضی القاضي بشهادته: فحينئذ يصرح بذلك.

٣١٧
كتاب الحدود
والإقرارُ: أن يُقِرَّ البالغُ العاقِلُ على نفسه بالزنا أربعَ مراتٍ .
في أربعةِ مجالسَ من مجالسِ المِقِرِّ.
كلَّما أقرَّ : ردَّه القاضي.
۔ ومَن لم يعرفه بعدالةٍ ولا فسق: يُكتب تحت اسمه: مستور.
- قال أبو حنيفة: أَقبل في تزكية السرِّ المرأةَ، والعبدَ، والمحدودَ في
القذف إذا كانوا عدولاً، ولا أقبلُ في تزكية العلانية إلا مَن أقبل شهادتَه؛
لأن تزكية السر من باب الإخبار، والمخبَرُ به أمرٌ دينيٌّ، وقولُ هؤلاء في
الأمور الدينية مقبولٌ إذا كانوا عدولاً.
ألا ترى أنه يُقبل روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجب
الصوم بقولهم: رأينا الهلالَ، وتزكيةُ العلانية نظير الشهادة.
- وعلى هذا تزكية الوالد لولده في السِّرِّ: جائزةً؛ لأنها من باب
الإخبار. ذَكَرَه في ((النهاية))، وعزاه إلى ((الذخيرة)).
* قوله: (والإقرارُ: أن يُقرَّ البالغُ العاقلُ على نفسه بالزنا أربعَ مراتٍ،
في أربعة مجالس من مجالس المُقِرِّ، كلَّما أقرَّ: ردَّ القاضي).
يعني أنه لا يؤاخِذُه بإقراره حتى يقرَّ أربعَ مراتٍ في مجالسَ مختلفةٍ،
كلَّما أقرَّ: ردَّه حتى يتوارى منه.
- وينبغي للقاضي أن يزجره عن الإقرار، ويُظهِر له كراهةَ ذلك، ويأمر
بتنحيته عنه، فإن عاد ثانياً: فعل به كذلك، فإن عاد ثالثاً: فعل به كذلك.
- فإن أقرَّ أربعَ مراتٍ في مجلس واحدٍ: فهو بمنزلة إقرارٍ واحدٍ.

- وإن أقرَّ بالزنا، ثم رجع: صحَّ رجوعُه.
- وكذا في السرقة، وشُرْب الخمر، إلا أنه في السرقة يصح رجوعه
في حق القطع، ولا يصح في حق المال.
- ولا يصح رجوعه عن الإقرار بالقذف، والقصاص؛ لأنهما من
حقوق العباد.
- ولو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، وهو يُنكِر، ثم أقرَّ: بطلت شهادتُهم
بنفس الإقرار، ویؤخذ فیه بحكم الإقرار.
وقال محمد: ما لم يقرَّ أربعَ مرات: لا تَبطل الشهادة.
- فإذا أقرَّ أربعاً: بطلت، إجماعاً، ويُؤخذ بحكم الإقرار، حتى لو
رجع : صحّ رجوعُه.
- ولو أقرَّ أنه زنى بامرأةٍ، فجَحَدتْ: لا حدَّ عليه عند أبي حنيفة.
وعندهما: يُحَدُّ؛ لما ((رُوي أن رجلاً أقرَّ أنه زنىُ بامرأةٍ، فبعث النبيّ
صلى الله عليه وسلم إليها، فجَحَدتْ: فحُدَّ الرجل وهو محمولٌ)(١).
عند أبي حنيفة: أنه حَدَّ حَدَّ القذف للمرأة.
ولأبي حنيفة: أن الفعل لا يُتُصوَّر بدون مَحلِّه، والزنا لا يُتصوَّر بدون
المرأة، وإنكارُها حجةٌ لنفي المَحلِية في حقها، فاقتضى النفي عن الرجل
(١) سنن أبي داود (٤٤٦١)، وسكت عنه.

٣١٩
كتاب الحدود
فإذا تمّ إقرارُهُ أربعَ مراتٍ : سأله القاضي عن الزنا : ما هو؟ وكيف
هو؟ وأين زنى؟ وبمَن زنى؟ ومتى زنى؟
ضرورةً، فعارض النفيُ الإقرارَ: فسقط الحد.
ولأنَّا صدَّقناها حين جحدت، وحكمنا ببطلان قوله في سقوط الحد
عنها، وأن الفعل الذي وُجد منه: لم يوجد منها، وهو فعلٌ واحدٌ، فإذا
بطل أن يكون زناً في حقُّها: كان ذلك شبهةً في سقوط الحد عنه.
- وإن كانت المرأةُ التي أقرَّ بالزنا بها غائبةً: فالقياس أن لا يُحدَّ؛
لجواز أن تحضر، فتجحدَ، فتدعي حدَّ القذف، أو تدعي نكاحاً، فتطلب
المهر، وفي حدِّه: إيطالُ حقها.
والاستحسان: أن يُحدَّ؛ لحديث ماعزٍ(١)؛ لأنه حُدَّ مع غيبة المرأة.
- فإن جاءت المرأة بعد ما أُقيم عليه الحدُّ، فادعت التزويج، وطلبت
المهر: لم يكن لها مهرٌ؛ لأنا قد حكمنا بأن هذا الفعل زناً، وفي إيجاب
المهر: جمعٌ بين الحدِّ والمهر، وذلك لا يجوز عندنا.
قوله: (فإذا تمّ إقرارُه أربعَ مراتٍ: سأله القاضي عن الزنا، ما هو؟
وكيف هو؟ وأين زنى؟ وبمَن زنى؟)
ولم يذكر الشيخُ: متى زنى؟؛ لأن تقادم الزمان: لا يمنع من قبول
(٢)
الإقرار (٢).
(١) صحيح البخاري (٧١٧٠)، صحيح مسلم (١٦٩٥).
(٢) هذا كلام صاحب الهداية ٩٦/٢، قلتُ: لكن ذُكر: ومتىُ زنى؟: في نُسخ

٣٢٠
کتاب الحدود
فإذا بيَّنَ ذلك : لزمه الحدُّ.
فإن كان الزاني محصَناً : رَجَمَه بالحجارة حتى يموت.
* قوله: (فإذا بيَّن ذلك: لزمه الحدُّ، فإن كان الزاني محصَناً: رَجَمَه
بالحجارة حتى يموت).
والمُحصَن: مَن اجتمع فيه شرائط الإحصان، وهي سبعة:
البلوغُ، والعقل، والإسلام، والحرية، والنكاح الصحيح، والدخول
بها، وهما على صفة الإحصان.
- والمعتبر في الدخول: الإيلاجُ في القُبُل على وجهِ يوجب الغُسل،
ولا يشترط فيه الإنزالُ.
- ولا اعتبارَ بالوطء في الدُّبْر.
- وعن أبي يوسف: أن الإسلام، والدخولَ بها، وهما على صفة
الإحصان: ليس بشرطِ.
لنا: قولُه: عليه الصلاة والسلام: ((مَن أشرك بالله: فليس بمحصن))(١).
- وأما الدخول بها، وهما على صفة الإحصان: فهو شرطٌ عندهما.
قديمة من القدوري، كما هو في نسخة ٦١١هـ، و ٦٤٩هـ، وفي نُسخِ عددٍ من شروح
القدوري، وشروح الكنز، وهو المصحَّح، ينظر ما علَّقتُه على اللباب ٤٥٧/٤، ولهذا
أثبتُّه في طبعتي لمختصر القدوري.
(١) أخرجه مرفوعاً إسحاق بن راهويه في مسنده، كما في نصب الراية
٣٢٧/٣، وروي موقوفاً، ينظر شرح مشكل الآثار ٤٤٦/١١.