Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب النفقة ولا يَمنعُهم من النظر إليها، ولا من كلامهم معها في أيِّ وقتٍ اختاروا ذلك. ومَن أَعسر بنفقة امرأته: لم يُفرَّق بينهما، ويقال لها : استديني عليه. وقيل: لا يَمنع والديها من الدخول عليها في الأسبوع مرة. - وفي غيرهما من المحارم: التقدير بسَنَّةٍ، وهو الصحيح. * قوله: (ولا يَمنعهم من النظر إليها، وكلامِها في كل وقتٍ شاؤوا)؛ لِمَا في ذلك من قطيعة الرحم، ولأن أهلها لا بدَّ لهم من افتقادها، والعلمِ بحالها. - ولا يمنعها من الخروج إلى الوالدين. * قوله: (ومَن أعسر بنفقة زوجته: لم يُفرَّق بينهما، ويقال لها: استديني عليه). - فائدةٌ: الإذن في الاستدانة: أنها تُحيل الغريمَ على الزوج، فيطالبه بالدَّيْن وإن لم يرض الزوجُ. - وإن استدانت بغير إذنه: كانت المطالَبة عليها خاصةً. - وإن استدانت قبل أن يأمرها الحاكمُ: فهي متطوِّعةً، ولا شيء من ذلك على الزوج، يعني إذا كانت النفقةُ لم تُفرض لها عليه قبل ذلك. - أما إذا كانت قد فُرضت: لم تكن متطوِّعةً، بل يكون دَيْناً على الزوج. ٦٢ كتاب النفقة وإذا غاب الرجلُ، وله مالٌ في يدِ رجلٍ، وهو يعترفُ به، وبالزوجية : فَرَضَ القاضي في ذلك المال نفقةَ زوجة الغائب، ووُلْدِهِ الصغار، ووالدَيْه، ويأخذُ منها كفيلاً بها. ولا يُقضَى بنفقةٍ في مالِ الغائب إلا لهؤلاء. * قوله: (وإذا غاب الرجلُ وله مالٌ في يد رجلٍ معترِفٍ به وبالزوجية: فَرَضَ القاضي في ذلك المال نفقةَ زوجةِ الغائب، وأولادِه الصغار، ووالديه). - وكذا إذا عَلِمَ القاضي بذلك، ولم يعترف به: فإنه يقضي فيه بذلك، سواء كان المالُ أمانةً في يده، أو ديناً، أو مضاربةً. - وأما إذا جَحَدَ أحدَ الأمرين: فإنه لا يقضي عليه. * قوله: (ويأخذ منهم كفيلاً بذلك)؛ لأن القاضي ناظرٌ محتاطٌ، وفي أخذ الكفيل نظرٌ للغائب؛ لأنه إذا وصل: ربما يقيم البينة على طلاقها، أو على استيفائها نفقتَها، فيضمن الكفيل. - وكذا أيضاً يُحلِّفها القاضي بالله: ما أعطاها النفقة، أو لم يكن بينكما سببٌ يُسقِط النفقةَ من نشوزٍ، أو غيره. * قوله: (ولا يَقضي بنفقةٍ في مال الغائب، إلا لهؤلاء). يعني الزوجة، والأولاد الصغار، والوالدين؛ لأن نفقة هؤلاء واجبةٌ قبل قضاء القاضي، ولهذا كان لهم أن يأخذوا بأنفسهم، فكان قضاء القاضي إعانةً لهم. ٦٣ كتاب النفقة وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار، ثم أيسر، فخاصَمَتْه: تمَّم لها نفقةً الموسر . وإذا مضت مدةٌ لم يُنفِقِ الزوجُ عليها، فطالبته بذلك: فلا شيء لها، إلا أن يكون القاضي فَرَضَ لها النفقةَ، أو صالحت الزوجَ على مقدارها، فيقضي لها بنفقة ما مضى. - أما غيرُهم من المحارم: إنما تجب نفقتُهم بالقضاء، والقضاء على الغائب لا يجوز. - وقال أبو حنيفة: يجوز للأبوين أن يبيعا على الولد إذا كان غائباً العروضَ في نفقتهما، بقدر حاجتهما، ولا يبيعان العقارَ. - وليس للقاضي أن يعترض عليهما في ذلك. - والذي يتولى البيعَ الأبُ، دون الأم. وقال أبو يوسف ومحمد: ليس لهما ذلك. * قوله: (وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار، ثم أيسر، فخاصمَتْه إلى القاضي: تمّم لها نفقةَ الموسر)؛ لأنه تجدّد لها حقٌّ بيساره. * قوله: (وإذا مضت مدةٌ لم يُنفِق عليها الزوجُ فيها، وطالبته بذلك: فلا شيء لها، إلا أن يكون القاضي فَرَضَ لها النفقةَ، أو صالحت الزوجَ على مقدارها: فيقضي لها بنفقة ما مضى). لأن النفقة صلةٌ، وليست بعوضٍ عندنا، فلا يَستحكم الوجوب فيها إلا بالقضاء. ٦٤ كتاب النفقة وإذا مات الزوجُ بعد ما قُضِي عليه بالنفقة، ومَضَت شهورٌ: سقطت و النفقةُ. وإن أَسلفها نفقةَ السَّنَة، ثم مات: لم يُستَرجع منها شيءٍ. - أما إذا فرض القاضي لها النفقةَ، فلم يُنفِق عليها حتى مضت مدةً: كان لها المطالبةُ بذلك؛ لأنها تصير ديناً في ذمته. - وكذا إذا فرضها الزوج على نفسه باصطلاحهما؛ لأن فرضَه آكدُ من فرض الحاكم؛ لأن ولايته على نفسه أقوى من ولاية القاضي عليه. - وإذا صارت ديناً بالقضاء، أو بالاصطلاح: لم تسقط بطول الزمان، إلا إذا مات أحدُهما، أو وقعتِ الفُرقة حينئذ: تسقط. * قوله: (وإذا مات الزوجُ بعد ما قُضيَ عليه بالنفقة، ومضت شهورٌ: سقطت). - وكذا إذا ماتت الزوجة ؛ لأن النفقة صلةٌ، والصلة تَبطل بالموت، كالهبة تبطل بالموت قبل القبض. - ولو أبرأت زوجَها من نفقتها في الأوقات المستقبلة: لم تصح البراءةُ؛ لأنها براءةٌ عما سيجب، فلا تصح. - ولو فرض القاضي لها النفقةَ على الزوج، وأنفقت من مالها: فلها الرجوعُ في مال الزوج ما داما حيَّيْن، وتسقط بموت أحدهما، إلا أن يكون ما أنفقتْه ديناً بأمر القاضي: فإنه لا يسقط. قوله: (وإن أسلَفَها نفقةَ سنةٍ): أي عجَّلها، (ثم ماتت قبل مضيِّها: لم يُسترجع منها شيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف). ٦٥ كتاب النفقة وقال محمد : يُحتَسَبُ لها بنفقة ما مضى، وما بقي : للزوج. - وكذا إذا أعطاها نفقةَ شهرٍ، وتكون النفقةُ ملكاً لها، وتُورَث عنها. * قوله: (وقال محمدٌ: تُحسَب لها نفقةُ ما مضى، وما بقيَ للزوج). أي ما مضى من المدة، ويُرَدُّ ما بقيَ إلى الزوج، أو إلى ورثته إن كانت قائمةً، أو مستهلكةً، أما إذا كانت هالكةً: فلا شيءَ عليها، بالاتفاق. - وعلى هذا الخلاف: الكسوةُ عند محمد، يُرَدُّ الباقي منها. - وكذا إذا مات الزوج قبل مضيِّ الوقت: لم يكن لورثته الرجوعُ عليها بشيءٍ عندهما؛ لأن النفقة صلةٌ اتصل بها القبضُ، ولا رجوعَ في الصلة بعد الموت، كما في الهبة. - ولهذا لو هلكت من غير استهلاكٍ: لم يرجع عليها بشيء، بالإجماع. ولمحمدٍ: أنها إذا قبضت قبضاً مضموناً لا تستحقّه على الزوج في المستقبل: فیجب ردُّە کالدین. - قال في ((المنظومة))(١): لمحمد رحمه الله: وموتُه أو موتُها في المُدَّ يوجِب فيما استعجلْه رَدَّه - وروى ابن سماعة عن محمدٍ: أنها إذا قبضت نفقةَ شهرٍ، فما دونه: لم يرجع عليها بشيءٍ؛ لأنه في حُكم اليسير. - وإن قبضت أكثرَ من ذلك: دَفَعَ عنها نفقةَ شهر، وردّت ما بقي؛ لأن (١) للنسفي ص٣٥١. ٦٦ كتاب النفقة وإذا تزوَّج العبدُ حرةً : فنفقتُها دَيْنٌ عليه، يُباع فيها. ما زاد على الشهر: في حُكم الكثير. * قوله: (وإذا تزوج العبدُ حرةً: فنفقتُها دينٌ عليه، يباع فيها). - قيَّد بالحرة؛ لأنه إذا تزوج أمةً: فليس على مولاها أن يبوِّتها معه، وبدون التبوئة: لا نفقةً لها. وإنما يُباع فيها إذا تزوج بإذن مولاه، وللمولى أن يفديَه؛ لأن حقَّها في عين النفقة، لا في عين الرقبة. فلو مات العبد: سقطت؛ لأنها صلةٌ. - وكذا إذا قُتل، في الصحيح. - وأما إذا لم يأذن له المولى في التزويج: فلا نفقةً لها؛ لأن النكاح فاسدٌ، ولا نفقةَ في النكاح الفاسد. - ولو بِيع في مهرها، ولم يفِ بالثمن: يطالب بالباقي بعد العتق. - قال في ((الوجيز)): نفقةُ امرأة العبد والمكاتب والمدبّرِ، حرةً كانت أو أمةً: علیه، لا على المولى، کالمهر. - فإن كان عبداً: يُباع في ذلك، إلا أن يفديَه السيدُ. - وأما المدبر والمكاتب: فلا يباعان، بل يُستسعيان. - ولا يجب على العبد نفقةُ ولده، سواء كان من امرأة حرة أو أمة، بل إن كانت أمة: فعلى مولاها، وإن كانت حرةً: فنفقتُه على أمه إن كان لها مال، فإن لم يكن لها مالٌ: فعلى مَن يرثُ الولدَ من القرابة. ٦٧ كتاب النفقة وإذا تزوَّج الرجلُ أمَةً، فبوَّأها مولاها معه منزلاً: فعليه النفقةُ. وإن لم يُبَوِّئُها : فلا نفقةً لها عليه. ونفقةُ الأولاد الصغارِ على الأب، لا يُشاركُه فيها أحدٌ، كما لا يشاركُهُ في نفقة الزوجة أحدٌ. - وولد المكاتبة والمستسعاة داخل في كتابة أمه، فتكون نفقته عليها، وهو مكاتبٌ مثلُها. - وأم الولد والمدبرة نفقةُ أولادهما على مولاهما. - والمكاتبُ إذا استولد جاريةً: فعليه نفقتُها. - وإذا كان الأبوان مكاتبَيْن: فولدُهما يدخل في كتابة الأم، ونفقته على أبيه. قوله: (وإذا تزوج الرجلُ أمةً، فبوَّأها مولاها معه منزلاً: فنفقتُها عليه، وإن لم يبوِّتُها معه: فلا نفقةً لها). والتبوئة: التخلية بينه وبينها في منزل الزوج، ولا يستخدمها المولى، فإن استخدمها بعد التبوئة: سقطت النفقة؛ لفوات الاحتباس. - وإن خدمته أحياناً من غير أن يستخدمها: لا تسقط نفقتُها. - والمدبرة وأم الولد في هذا: كالأمة. * قوله: (ونفقة الأولاد الصغار على الأب، لا يشاركه فيها أحدٌ، كما لا يشاركُه في نفقة زوجته أحدٌ). ٦٨ كتاب النفقة فإن كان الصغيرُ رضيعاً: فليس على أمه أن تُرضعه. ويجب عليه ذلك موسراً كان أو معسراً، إلا أنه يُعتبر فيه أن يكون الولد حراً، والأب كذلك، وأن يكون الولد فقيراً؛ لأنه إذا كان له مالٌ: فنفقتُه في ماله. - وكذا تجب على الأب نفقةُ أولاده الإناثِ إذا كنَّ فقراء، والذكورِ إذا كانوا زمناءَ، أو عمياناً أو مجانين؛ لأنهم لا يقدرون على الكسب. - فإن كان مال الصغير غائباً: أُمِر الأبُ بالإنفاق عليه، ويرجع به في ماله. - فإن أنفق عليه بغير أمرٍ: لم يرجع، إلا أن يكون أشهد أنه يرجع. - ويَسَعُهُ فيما بينه وبين الله تعالى أن يرجع وإن لم يُشهِد إذا كانت نيتُه أن يرجع، فأما في القضاء: فلا يرجع، إلا أن يُشهد. - وإذا كان الصغير معسراً، وله أبوان: فنفقتُه على الأب، دون الأم. - فإن كان الأب معسراً، والأم موسرةً: فإن القاضي يأمر الأمَّ بالإنفاق عليه، ويكون دَيْناً على الأب، ترجع به عليه. * قوله: (وإن كان الولد رضيعاً: فليس على أمه أن تُرضعه). لأن إرضاعه يجري مجرى نفقته، ونفقتُه على الأب. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. البقرة/ ٢٣٣، أي بإلزامها إرضاعه مع کراهتها. ٦٩ كتاب النفقة ويَستأجرُ له الأبُ مَن تُرضعُه عندها. فإن استأجرها وهي زوجتُه، أو معتدَّتُه لترضع ولدَها: لم يَجُزْ. - وهذا إذا كان يوجد في الموضع مَن تُرضعُه غيرُها، أما إذا كان لا يوجد سواها: فإنها تُجبر على إرضاعه؛ صيانةً له عن الهلاك، فعلى هذا لا أجرةَ لها. * قوله: (ويستأجر الأبُ مَن تُرضعه عندها)، يعني إذا أرادت ذلك. - ثم إذا أرضعته الظئرُ عندها، وأرادت أن تعود الظئرُ إلى منزلها: فلها ذلك، ولا يجب عليها أن تمكث في بيت الأم إذا لم يُشرَط ذلك عليها عند العقد. - فإن اشتُرط عليها أن يكون الإرضاع في بيت الأم: لزمها الوفاء بالشرط. - قال في ((الحسامية)): إذا لم يُشترط على الظئر الإرضاعُ عند الأم: كان لها أن تحمل الصبيَّ إلى منزلها، أو تقول: أخرِجوه فتُرضعه عند فِناء دار الأم، ثم يُدخَل الولدُ إلى أمه. * قوله: (فإن استأجرها وهي زوجتُه، أو معتدَّتُه لترضعَ ولدَها منه: لم يجز)؛ لأن الإرضاع مستَحَقٌّ عليها ديانةً، وإن لم يجب في الحكم، قال الله تعالى: ﴿وَاُلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ البقرة/ ٢٣٣، إلا أنها عُذرت؛ لاحتمال عجزها، فإذا أقدمت عليه بالأجرة: ظهرتْ قدرتُها، فكان الفعل واجباً عليها، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه. ٧٠ كتاب النفقة وإن انقضت عدتها، فاستأجرها على إرضاعه : جاز. وإن قال الأبُ: لا أستأجرها، وجاء بغيرها، فرضيت الأمُّ بمثل أجرة الأجنبية : كانت الأمُّ أحقَّ به. فإن التمست زيادةً : لم يُجبَر الزوجُ عليها . - قوله: أو معتدته: يعني من الطلاق الرجعي، رواية واحدة؛ لأن النكاح قائمٌ. - وأما المعتدة من البائن: ففيه روايتان، والصحيحةُ منهما: أنه يجوز؛ لأن النكاح قد زال، فهي كالأجنبية. - فإن استأجرها وهي منكوحتُه، أو معتدَّته من الرجعي لإرضاع ابنه من غيرها: جاز، سواء وجد غيرَها أم لا؛ لأنه غير مستَحَقِّ عليها. * قوله: (وإن انقضت عدتُها، فاستأجرها على إرضاعه: جاز)؛ لأن النكاح زال بالكلية، وصارت أجنبيةً. - وقد قالوا: إن الأب إذا التمس مَن يُرضعُه، فأرادت الأمُّ أن تُرضعه: فهي أَوْلى؛ لأنها أقوم به، وأشفقُ عليه. - فإن أرادت أن تأخذ أجرةً مع بقاء النكاح: لم يجز. * قوله: (وإن قال الأبُ: لا أستأجرها، وجاء بغيرها، فرضيتِ الأمُّ بمثل أجرة الأجنبية: كانت الامُّ أحقَّ به. وإن التمست زيادةً: لم يُجبر الزوجُ عليها)؛ دفعاً للضرر عنه، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾. ٧١ كتاب النفقة ونفقةُ الصغير واجبةٌ على أبيه وجدِّه وإن خالفه في دِينه، كما تجب نفقةُ الزوجة على الزوج وإن خالفته في دينه. البقرة/ ٢٣٣، أي بإلزامه لها أكثر من أجرة الأجنبية. * قوله: (ونفقةُ الصغير واجبةٌ على أبيه(١))، يعني إذا لم يكن له مال. * قوله: (وإن خالفه في دِيْنه، كما تجب نفقةُ الزوجة على الزوج وإن خالفَتْه في دينه). صورتُه: ذميٌّ تزوج ذميةً، ثم أسلمت، ولها منه ولدٌ: يُحكم بإسلام الولد تبعاً لها، ونفقتُه على الأب الكافر. - وكذا الصبيُّ إذا ارتدَّ، فارتداده صحيحٌ عند أبي حنيفة ومحمد، ونفقتُه على الأب. - وكذا تجب عليه نفقة الأبوين وإن خالفاه في الدِّين، لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبُهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾. لقمان/ ١٥، يعني الكافرين. - وحُسْن المصاحبة: أن يُطعِمَهما إذا جاعا، ويكسُوَهما إذا عَرِيَا، ويعاشرَهما معاشرةً جميلةً، وليس من المعروف أن يعيشَ بنعمة الله، ويتركَهما يموتان جوعاً. (١) وفي نسخة القدوري ٨٤٠هـ زيادة: وجدّه. ٧٢ باب الحضانة كتاب الحَضَانة وإِذا وقعت الفُرْقةُ بين الزوجين : فالأمُّ أحقُّ بالولد. باب الحضانة قوله(١): (وإذا وقعت الفُرقة بين الزوجين، وبينهما ولدٌ صغيرٌ: فالأمُّ أحقُّ به ما لم تتزوج). لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أنتِ أحقُّ به ما لم تَنكِحِي))(٢). ولأنها أشفقُ وأقدرُ على الحضانة من الأب. وإليه الإشارة ((بقول أبي بكر الصديق لعمر رضي الله عنهما حين وقعت الفرقة بينه وبين امرأته أمّ ابنه عاصم، ونازعها فيه: ريقُها خيرٌ له مِن شَهْدٍ وعسلٍ عندكَ يا عمر))(٣). (١) ثبت عنوان: ((باب الحضانة)): في بعض نسخ الجوهرة، كما ثبت في نسخة القدوري، ١٣١٢ هـ، و ١٣٢٤هـ، والبابي، بلفظ: ((كتاب الحضانة)). وأنبه هنا إلى أنه ستأتي تتمةٌ لأحكام النفقات بعد كلام المؤلف عن أحكام الحضانة. (٢) سنن أبي داود (٢٢٧٦)، مسند أحمد (٦٧٠٧)، وإسناده صحيح، ينظر البدر المنير ٢٤٣/٢٠. (٣) قال في نصب الراية ٢٦٦/٣: غريب بهذا اللفظ، وينظر مصنف عبد الرزاق ٧٣ باب الحضانة فإن لم تكن أمّ : فأمُّ الأُمِّ أَوْلِىُ من أمِّ الأب. فإن لم تكن أمُّ الأمِّ : فأمُّ الأب أَوْلىُ من الأخوات. فإن لم تكن جدَّةٌ: فالأخواتُ أَوْلَى من العمَّات، والخالات. قاله والصحابةُ حاضرون ومتوافرون، ولم يُنكِرِ عليه أحدٌ منهم. وروي ((أن امرأةً قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحِجري له حواء، وثديي له سقاءً، وزعم أبوه أنه يَنزِعه مني، فقال صلى الله عليه وسلم: أنتِ أحقُّ به ما لم تتزوجي))(١). - ولا تُجبر الأم على الحضانة؛ لأنها قد تعجز عنها. * قوله: (فإن لم تكن أمِّ)، أو كانت إلا أنها تزوجت: (فأمُّ الأمِّ أَوْلى من أمِّ الأب). يعني أن أمَّ الأَمِّ وإن بعُدت أَوْلى من أمِّ الأب؛ لأنها من قِبَل الأم، وهذه الولاية مستفادة منها، فمن أدلى بها: أَوْلى. * قوله: (فإن لم تكن: فأمُّ الأب) وإن بعُدت (أَوْلى من الأخوات)؛ لأن لها ولاداً، فهي أدخل في الولاية، وأكثر شفقةً. قوله: (فإن لم تكن له جدةٌ: فالأخواتُ أَوْلى من العمَّات والخالات)؛ لأنهن أقرب؛ لأنهن أولاد الأبوين، ولهذا قُدِّمنَ في الميراث. (١٢٦٠١)، سنن البيهقي ٥/٨. (١) ينظر الحاشية قبل السابقة. ٧٤ باب الحضانة - وأَوْلاهن: مَن كانت لأبٍ وأم. - ثم الأخت من الأم: أَوْلى من الأخت للأب. - واختلفت الرواية في الأخت من الأب، والخالة: فروى محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الخالة أَوْلى، وهو قول محمد وزفر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الخالة والدة)) (١). وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن الأخت أَوْلى؛ لأنها بنت الأب، والخالةُ بنت الجد، والقُربى أَوْلى. - وأولاد الأخوات للأب والأم، أو للأم: أَوْلى من الخالات والعمات، في الروايات كلها. - وأما أولاد الأخوات للأب: فالصحيح أن الخالات أوْلى منهن. - والأختُ من الأم: أَوْلى من ولد الأخت للأب والأم. - وبناتُ الأخ: أَوْلى من العمات والخالات. - وبنات الأخت: أَوْلى من بنات الأخ. - فأما بنات العم وبنات الخال وبنات العمة وبنات الخالة: فلا حقَّ لهن في الحضانة؛ لأنهن رَحِمٌ بلا مَحْرَم. (١) صحيح البخاري (٢٦٩٩). ٧٥ باب الحضانة وتُقَدَّم الأختُ من الأب والأم، ثم الأختُ من الأم، ثم الأختُ من الأب. ثم الخالات أَوْلىُ من العمات، يُنَزَّلْن كما يُنَزَّلْن الأخوات. ثم العماتُ يُنَزَّلنَ كذلك. * قوله: (وتُقَدَّم الأختُ من الأبِ والأُمِّ، ثم الأختُ من الأم، ثم الأختُ من الأب، ثم الخالات أَوْلى من العمَّات)؛ ترجيحاً بقرابة الأم. * قوله: (وينزَّلْن كما تُنزَّل الأخوات)، أي تُرجَّح ذوات قرابتَيْن، (ثم العَمَّاتِ يُنزَّلْن كذلك). مسألةٌ : إذا قيل لكَ: ما الحكمةُ في أن الأمَّ أشفقُ على الولد من الأب، وهو خُلِقٍ من مائهما جميعاً؟ فالجواب: إن ماء الأم من قُدَّامها من بين ترائبها، قريباً من القلب الذي هو موضع الشفقة، ومحلّ المحبة، والأبُ يخرج ماؤه من وراء ظهره من الصلب، وهو بعيدٌ من القلب الذي هو موضع الشفقة والرحمة. - فإن قيل: وما الحكمةُ في أن الولد يُنسب إلى الأب، دون الأم؟ قيل: لأن ماء الأم يُخلَق منه الحُسْن في الولد، والسِّمَن والهُزال، والشعرُ واللحمُ، وهذه الأشياء لا تدوم في الولد، بل تزول، وتتغير، وُ وتذهب، وماءَ الرجل يُخلَق منه العظمُ والعَصَب والعروق والمفاصل، وهذه الأشياء لا تزول، ولا تُفارقه إلى أن يموت. ٧٦ باب الحضانة وكلّ مَنْ تزوجت من هؤلاء: سقط حقَّها إلا الجدَّةَ إذا كان زوجَها الجدُّ . فإن لم تكن للصبيِّ امرأةٌ من أهله، فاختصم فيه الرجالُ: فَأَوْلاهم به : أقربُهم تعصيباً. قوله: (وكلُّ مَن تزوجت من هؤلاء: سقط حقُّها): أي تزوجت بأجنبيٍّ من الصبي: فإنها تسقط حضانتُها، وتصير كالميتة؛ لأن الصبي يلحقه الجَفاء من زوج أمه إذا كان أجنبياً؛ لأنه يَنظر إليه شَزْراً، ويعطيه نَزْراً. الشَّزْر: نَظَرُ الغضبان بمؤخَّر العَيْن، والنَّزْر: الشيء القليل جداً. - وكلُّ مَن سقط حقُّها من هؤلاء بالتزويج، فمات عنها زوجها، أو ٩ أبانها: عاد حقّها؛ لزوال المانع. * قوله: (إلا الجدة إذا كان زوجَها الجدُّ). وصورتُه: أن يتزوج مَن له أبٌّ بمَن لها أمُّ، فتأتي بولدٍ، فتموت الزوجةُ: فحضانتها لأمها، فإذا تزوجت: سقط حقّها، إلا أن تتزوج جدًّ وِ الطفل الذي هو أبو زوج بنتها. - وكذا إذا تزوجت الأمُّ عمَّ الطفل، أو ذا رحم مَحرم منه ممن له حضانتُه: لم يسقط حقها؛ لقيام الشفقة. قوله: (فإن لم تكن للصبي امرأةٌ من أهله، واختصم فيه الرجال: فَأَوْلاهم به: أقربُهم تعصيباً). - وكذا إذا استغنى الصبيُّ بنفسه، أو بلغتِ الجارية: فالعصبات أوْلى ٧٧ باب الحضانة والأمُّ، والجدةُ أحقُّ بالغلام حتى يأكلَ وحدَه، ويَشربَ وحده، ويلبسَ وحدَه، ويستنجيَ وحدَه. بهما على الترتيب في القرابة. والأقرب: الأبُ، ثم الجدُّ أبو الأب، ثم الأخُ للأبوين، ثم الأخ للأب، كما في الميراث. - وإذا اجتمع مستحقّو الحضانة في درجةٍ واحدة: فأورعهم أوْلى، ثم أكبرهم سِنَّاً. - ولا حقَّ لابن العمِّ، وابن الخال في كفالة الجارية، ولهما حقٌّ في كفالة الغلام؛ لأنهما ليسا بمَحرَمٍ لها، فلا يُؤْمَنان عليها. * قوله: (والأمُّ والجَدَّةُ أحقُّ بالغلام حتى يأكل وحدَه، ويشربَ وحدَه، ويلبسَ وحدَه، ويستنجيَ وحده). - وقدَّره الخصَّاف بسبع سنين؛ اعتباراً للغالب. - والمراد بالاستنجاء: أن يُطهِّر نفسه من النجاسات؛ لأنه يؤمر بالصلاة لسبع سنین. - وفي ((الخُجندي)) قال: والأمُّ والجدَّات: بلفظ الجمع: أحق بالغلام، وهنا: بلفظ الواحد؛ لأنهن جنسٌ واحد. وفي ((الكرخي)): والأمُّ والجدَّتان. ولأن الولد إذا بلغ هذا المبلغ: استغنى عن قيام النساء، واحتاج إلى التأديب والتخلَّق بأخلاق الرجال، والأبُ أقدر على التأديب والتثقيف. ٧٨ باب الحضانة وبالجارية حتى تحيضَ. * قوله: (وبالجارية حتى تحيض). وعند محمد: حتى تبلغ حدَّ الشهوة. - قال أبو الليث: لا تُشتَهى ما لم تبلغ سبع سنين، وعليه الفتوى. ـ ومَن بلغ معتوهاً: كان عند الأم، سواء كان ابناً أو بنتاً. - قال الخُجَندي: إذا كان للرجل بنتٌ بالغةٌ، وطلبت الانفرادَ منه: إن كانت ثيباً، وهي مأمونةٌ على نفسها، ولها رأيٌّ: فليس له منعُها. - وإن كانت غيرَ مأمونة: ضَمَّها إلى نفسه وإن كرهت. - وأما إذا كانت بكراً: فله منعُها من الانفراد وإن كانت مأمونة. - وإذا اختلفت الأمُّ والأب في الولد: لم يُخَيَّر قبل البلوغ عندنا. وقال الشافعي(١): يُخيّر الغلام والجارية إذا عقلا التخييرَ. لنا: أن مَصالح الصغير لا يُرجع فيها إلى اختياره، كمَصالح ماله، ولأنه يَختار مَن يُخلِّي بينه وبين اللعب، ويَترك تأديبَه، فلا يتحقق النظر. وأما ما روي ((أن امرأةً أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن هذا يريد أن يَنزِعِ ابنَه مني، وإنه قد نفعني وسقاني من بئر أبي عِنَبَة، فقال: استَهما عليه، فقال الرجل: مَن يُشاقّني في ابني؟! (١) مغني المحتاج ٤٥٦/٣. ٧٩ باب الحضانة ومَن سِوىُ الأَمِّ، والجدة : أحقُّ بالجارية حتى تَبلُغَ حدَّاً تُشْتَهى. والأمةُ إذا أعتقها مولاها، وأمُّ الولد إذا أُعتقت : في الولد كالحرة. فقال عليه الصلاة والسلام للغلام: اختَرْ أيَّهما شئتَ، فاختارها، فأعطاها إياه))(١). فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اهده، فوُفِّق لاختياره الأنظر بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. أو يُحمَل على أنه بالغٌّ؛ لأنها قالت: نفعني: أي اكتسب علي. وقيل: إن بئر أبي عنبة لا يمكن للصغير الاستسقاء منها. - قال أصحابنا: وليس للأب أن يأخذ الصغيرَ من أمه، ويسافر به قبل بلوغ الحد الذي يجوز له أخذه فیه. وعند الشافعي(٢) : له ذلك. * قوله: (ومَن سوى الأمِّ والجدة أحقُّ بالجارية حتى تبلغ حداً تُشتهى)؛ لأن حق هؤلاء لا يُستحق بالولادة، وإنما يثبت لهم ما دام الصغیرُ یحتاج إلى الحضانة، فإذا استغنى عنها: زال ذلك المعنى. * قوله: (والأمةُ إذا أعتقها مولاها، وأمُّ الولد إذا أُعتقت: فهي في الولد كالحرة)، يعني في الحضانة. (١) سنن الترمذي (١٣٥٧)، وقال: حسن، وينظر البدر المنير ٢٥٩/٢٠. (٢) ((مغني المحتاج)) ٤٥٨/٣. ٨٠ باب الحضانة وليس للأمة، وأمّ الولد، والمدبَّرة قبل العتق حقٌّ في الولد. والذمِّيةُ أحقُّ بولدها المسلم ما لم يَعقِلِ الأديانَ، ويُخافُ عليه أن يَألفَ الكفرَ. وإذا أرادت المطلّقةُ أن تَخرِجَ بولدها من المصر: فليس لها ذلك، إلا أن تُخرجه إلى وطنها، وقد كان الزوجُ تزوجها فيه. * قوله: (وليس للأمة وأمّ الولد قبل العتق حقٌّ في الولد). لأن الحضانة ضربٌ من الولاية، ولا حقَّ للإماء في الولاية. ولأن منافعهما على ملك المولى، وبالاشتغال بالحضانة: تنقطع خدمة المولى. - ثم المولى إذا أعتق أمَّ ولده، ولها منه ولدٌ: فهي أَوْلى بحضانته. * قوله: (والذميةُ أحقُّ بولدها من زوجِها المسلم ما لم يَعقِل الأديانَ، ويُخافُ عليه أن يَألفَ الكفرَ)، سواء كان الولدُ ذكراً أو أنثى. 913 وصورته: أن يُسلم الزوجُ، فتقع الفرقةُ بينهما، وكلّ واحدٍ منهما يريد أن يكون الولد عنده: فهي أحقُّ به ما لم يَعقل الأديانَ؛ لأنه متىُ عَقَلَ: عوَّدته أخلاق الكفر، وفي ذلك ضررٌ عليه. * قوله: (وإذا أرادت المطلِّقةُ أن تَخرجَ بولدها من المصر: فليس لها ذلك، إلا أن تُخرجه إلى وطنها، وقد كان الزوجُ تزوَّجها فيه). لأن الرجل إذا تزوج في بلدٍ: فالظاهر أنه يقيم فيه، فقد التزم لها المُقَامَ في بلدها.