Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الطلاق
- وإن قال: طلقةً ونصفها: لم يقع إلا واحدةً؛ لأنه أضاف النصف إلى
المُوقَعَة، وقد وقعت جملتُها، فلم تقع ثانياً.
وهذا قول بعضهم، والمختار: أنه يقع ثنتان.
- وإن قال: أنت طالقُ نصفَ طلقةٍ ثُلُثَ طلقة سدس طلقةٍ: طلقت
واحدةً.
وإن أثبت الواو: طلقت ثلاثاً؛ لأن العطف غير المعطوف عليه.
- ولو كان له أربعُ نسوة، فقال: بينكنَّ تطليقة: طلقت كلّ واحدة
تطليقةً كاملةً.
- وكذا إذا أوقع بينهن اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً: وقع على كل واحدة
تطليقة.
- فإن نوى أن تكون كل طلقة بينهن جميعاً: وقع عليهن ثلاثٌ؛ لأنه
شدّد على نفسه.
- وإن قال: بينكن خمسُ تطليقات: طلُقت كل واحدة اثنتين.
- وكذا إلى الثمان.
- وإن قال: بينكن تسع تطليقات: وقع على كل واحدة ثلاث.
- وإن قال لامرأته: أنت طالقُ ثلاثةَ أنصاف تطليقتين: طلقت ثلاثاً؛
لأن نصفَ تطليقة: طلقةٌ.

٤٢٢
كتاب الطلاق
وطلاقُ المُكرَهِ، والسكرانِ : واقعٌ.
- فإذا قال: ثلاثةُ أنصاف: كنَّ ثلاثاً.
- وإن قال: ثلاثة أنصاف طلقة: قيل: يقع ثنتان؛ لأنها طلقة ونصف،
فتتكامل، وقيل: يقع ثلاثٌ؛ لأن نصف كل تطليقة تتكامل في نفسها.
- وإن قال: نصفَ طلقة وثلثَ طلقة وربعَ طلقة: يقع ثلاثٌ؛ لأنه
أضاف كلَّ جزءٍ إلى طلقةٍ نَكِرةٍ، والنكرة إذا أُعيدت: كان الثاني غيرَ الأول.
- وإن قال: نصفَ طلقة وثلثَها وسدسها: فهي واحدة؛ لأنه أضاف كل
جزءٍ إلى تطليقة معرَّفة بالكناية، والمعرفة إذا أعيدت: كان الثاني هو
الأول.
* قوله: (وطلاق المُكرَه والسَّكران: واقعٌ).
أما المكرَه: فطلاقُه واقعٌ عندنا.
وقال الشافعي(١): لا يقع.
- والخلافُ فيما إذا أُكره على لفظ الطلاق، أما إذا أُكره على الإقرار
به، فأقرَّ به: لا يقع، إجماعاً؛ لأنه لم يقصد به إيقاعَ الطلاق، بل قَصَدَ
الإقرارَ، والإقرارُ يحتمل الصدقَ والكذبَ، وقيامُ السیف على رأسه يدل
على أنه كاذبٌ.
(١) كنز الراغبين ٣٣٢/٣.

٤٢٣
كتاب الطلاق
- والهازلُ بالطلاق يقع طلاقُه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ثلاث
جدُّهنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهنُّ جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والعتاق))(١).
- وقوله: والسَّكران: هذا إذا سكِرَ من الخمر والنبيذ، أما من البَنْجِ
والدواء: لا يقع، کالمغمى عليه.
وفي ((شاهان): هذا إذا لم يَعلم أنه بَنْجٌ، أما إذا عَلِمَ: يقع.
وفي ((المحيط)): السُّكْر من البنج حرامٌ، وطلاقُه واقعٌ.
- وإن ارتدَّ السكران: لا تبِيْن امرأتُه منه؛ لأن الكفر من باب الاعتقاد،
فلا يتحقق مع السُّكْر.
- وإن أُكره علىُ شُرب الخمر، أو شَرِبِه عند الضرورة، فسَكِرَ، فطلَّق
أو أعتق:
قال في ((الكرخي)): يقع، وفي ((البزدوي)): لا يقع، وهو الصحيح.
- وفي ((الينابيع)): الطلاق من السكران واقعٌ، سواء شرب الخمر
طوعاً، أو كرهاً، أو مضطراً.
مسألةٌ : عشرة أشياء تصح مع الإكراه:
و
النكاحُ، والطلاقُ، والعَتاق، والرجعة، والإيلاء، والفيء فيه،
والظِّهار، واليمينُ، والنذر، والعفو عن القصاص.
(١) سنن أبي داود (٢١٩٩)، سنن الترمذي (١١٨٤)، وقال: حسن غريب،
وينظر البدر المنير ١٩/ ٥٣٣.

٤٢٤
كتاب الطلاق
- وأما السكران: فجميع تصرفاته نافذةٌ؛ لأنه زال عقلُه بما هو
معصية، فلا يُعتبر زواله؛ زجراً له، ولأنه مكلّفٌ؛ بدلالة أنه يلزمه الحدّ
بالقذف، والقَوَدُ بالقتل.
ولأنه مخاطَبٌ بالشرائع، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوْةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى﴾. النساء / ٤٣.
واختار الكرخِيُّ والطحاويُّ أن طلاق السكران لا يقع؛ لأنه زائلُ العقل.
قلنا: زال بسببٍ هو معصيةٌ، فجعل باقياً حكماً؛ زجراً له.
وقد قالوا: إن الطلاق يقع من الإنسان وإن لم يقصده، مثل أن يريد أن
يقول لامرأته: اسقني، فسَبَقَ لسانُه، فقال: أنتِ طالقٌ: طلقت.
وكذا العتاق، في الصحيح.
وروى هشامٌ عن محمد: أنه إذا أراد أن يقول لعبده: اسقني، فقال:
أنتَ حرٌّ: لا يعتق، بخلاف الطلاق.
والصحيح أنه يقع فيهما.
* قوله: (ويقع الطلاقُ إذا قال: نويتُ به الطلاقَ(١).
يعني المكره والسكران؛ لأن الإكراه والسُّكْرَ لا يؤثِّران في الطلاق،
(١) سيأتي في كلام المصنف ما يبيِّن أن هذه الجملة مثبتةٌ في نُسَخٍ من
القدوري، دون نسخ، وسیناقش ذلك.

٤٢٥
كتاب الطلاق
فإذا أخبر أنه كان قاصداً لذلك: فقد أكَّده، فوقع.
وهذا اختيار الكرخي والطحاوي.
ويحتمل أن الشيخ ترجَّح قولُهما عنده.
- فإذا أفاق السكرانُ، وأقرَّ على نفسه أنه نوى الطلاقَ: صُدِّق عند
الكرخي والطحاوي، ويقع الطلاق حينئذ، بالإجماع.
وقال عامة أصحابنا: إن صريح الطلاق من السكران من الخمر والنبيذ
يوقعُ الطلاقَ من غير نية.
- فعلى هذا القول: يحتمل أن يكون قوله: (ويقع الطلاق إذا قال:
نويت به الطلاق): وقع سهواً من الكاتب.
وفي بعض النُّسَخ: (ويقع الطلاق بالكنايات إذا قال: نويتُ به
الطلاق): وهو صوابٌ؛ لأن الكنايات هي التي تفتقرُ إلى النية.
وفي بعض النُّسَخ: (ويقع الطلاق بالكتاب)(١).
- فإن كان كذا: فالمراد به: إذا كَتَبَ طلاقَ امرأته كتاباً مستبيناً على
لوحٍ أو حائطٍ أو رملٍ أو ورقِ الأشجار أو غير ذلك، وهو مستبينٌ: إن
نوی الطلاق: وقع، وإِن لم ینوٍ: لا يقع.
وقيل: المستبين: كالصريح.
(١) جاء في نسخة القدوري ٦١١ هـ: ((وطلاق المكره والسكران واقعٌ بالكتاب)).

٤٢٦
كتاب الطلاق
ويقع طلاقُ الأخرس بالإشارة.
وإذا أضاف الطلاقَ إلى النكاح: وَقَعَ عَقِيبَ النكاح، مثلُ أن يقولَ :
إن تزوجتُكِ فأنتِ طالقٌ، أو يقولَ : كلَّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ.
- وأما إذا كان لا يستبين، بأن كتب في الهواء، أو على الماء، أو على
الحديد، أو على صخرةٍ صمَّاء: لا يقع، نوى أو لم ينو، بالإجماع.
- وأما إذا كَتَبَ على وجه الكتابة والرسالة والخطاب، مثلُ أن يكتب:
يا فلانة إذا أتاك كتابي هذا فأنتِ طالقُ: فإنها تطلق بوصول الكتاب إليها،
ولا يُصدَّق أنه لم ينو الطلاقَ.
* قوله: (ويقع طلاقُ الأخرسِ بالإشارة).
هذا على وجهين: إن كانت الإشارةُ يُعرَف بها كلامُه: وقع، وإن كانت
لا يُعرف بها كلامُه: لا يقع؛ لأنا تيقُّنا بقاءَ نكاحه، وشكَكْنا في زواله، ولا
يزولُ بالشك.
- ثم طلاقُه المفهومُ بالإشارة إذا كان دون الثلاث: فهو رجعي.
* قوله: (وإذا أضاف الطلاقَ إلى النكاح: وقع عَقِيبَ النكاح، مثل أن
يقول الأجنبيةٍ: إن تزوجتُك فأنتِ طالقٌ، أو كلُّ امرأةٍ أَتزوجها فهي طالقٌ).
فإنه إذا تزوجها: طلُّقت عندنا، ثم إذا طلُقت: وجب لها نصف
الصداق، وإن دخل بها: وجب لها مهرُ مثلها، ولا يجب الحد.
- ثم إذا تزوَّجها مرةً أخرى: لا تطلق؛ لأن لفظ: إنْ: لا توجِبُ
التكرارَ.

٤٢٧
كتاب الطلاق
وإذا أضاف الطلاقَ إلىْ شَرْطٍ : وَقَعَ عَقِيبَ الشرط، مثلُ أن يقول
لامرأته : إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ.
- وأما لفظ: كلُّ: فإنها تُكرِّر الأسماءَ، ولا تُكرِّرِ الأفعالَ، حتى لو
تزوج امرأةً أخرى: طلقت.
- قال الإمام ظهير الدين: إنما يقع الطلاق في قوله: إن تزوجتك فأنت
طالق: إذا كان وقت التعليق وهي غير مطلّقة بالثلاث، أما إذا طلقها ثلاثاً،
ثم قال لها: إن تزوجتُك فأنتِ طالق، ثم تزوجها بعد زوجٍ آخر: لم تطلق.
قال في ((المنتقىُ)): رجلٌ قال: إن تزوجتُ امرأةً فهي طالقٌ، وكلما
حلَّت: حرمت، فتزوجها، فبانت بثلاث، ثم تزوجها بعد زوجٍ: فإنه يجوز.
- فإن عنى بقوله: كلما حلَّت حرمت: الطلاقَ: فليس بشيء، وإن لم
يُرد به طلاقاً: فهو یمینٌ.
* قوله: (وإذا أضاف الطلاقَ إلى شرطٍ: وقع عَقِيب الشرط، مثل أن
يقول لامرأته: إن دخلت الدارَ فأنتِ طالقٌ).
هذا بالاتفاق؛ لأن الملك قائمٌ في الحال، والظاهر بقاؤه إلى وقت
الشرط، ولأنه إذا علّقه بالشرط: صار عند وجود الشرط كالمتكلُّم بالطلاق
في ذلك الوقت، فإذا وُجد الشرطُ والمرأةُ في ملكه: وقع الطلاق، كأنه
قال لها في ذلك الوقت: أنتِ طالقٌ.
وإن كانت خرجت من ملكه بعد هذا القول، ثم وُجد الشرطُ، وهي
في غير ملكه: لم تطلق، وانحلَّت اليمين؛ لِمَا بيًّّا أنه يصير عند وجود

٤٢٨
كتاب الطلاق
ولا يصحُّ إضافة الطلاقِ إلا أن يكون الحالفُ مالكاً، أو يُضيفَه إلى
ملكه.
الشرط كالمتكلِّم بالطلاق.
- ولو قال لها وقد خرجت من ملكه: أنت طالق: لم تطلق.
حاصله: إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ، ثم أبانها، وانقضت
عدتها، ودخلت الدار: انحلَّت اليمينُ؛ لوجود الشرط، ولم يقع عليها
طلاقٌ؛ لأن المعلَّق عند وجود الشرط: كالمتكلّم بالجواب في ذلك الوقت
من طريق الحكم.
- فإن قيل: أليس إذا قال الصحيحُ لامرأته: إن دخلت الدار فأنت
طالقٌ، ثم جُنَّ، فدخلت: فإنها تطلق، وإن كان لو ابتدأه: لم يقع؟
قلنا: إنما اعتبرنا الوقوعَ حكماً، والمجنونُ إنما يقع طلاقه من طريق
الحكم، ألا ترى أن العنِّين إذا أُجِّل، فمضت المدةُ وقد جُنَّ: فإن القاضي
يُفرِّق بينهما، ويكون ذلك طلاقاً، في الصحيح.
- ولو قال المجنونُ لامرأته: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، فدخلت
وهو صحيحٌ: لم تطلق؛ لِمَا قلنا، ولو قال ذلك الصحيحُ، فدخلت وهو
مجنونٌ: طلقت.
قوله: (ولا يصح إضافةُ الطلاق إلا أن يكون الحالف مالكاً، أو
يُضيفه إلى ملکه.

٤٢٩
كتاب الطلاق
وإن قال لأجنبية: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، ثم تزوجها، فدخلتِ
الدارَ : لم تَطْلُقْ.
وألفاظُ الشرط: إن، و: إذا، و: إذا ما، و: كلَّ، و: كلَّما، و:
متى، و: متى ما.
فإن قال لأجنبيةٍ: إن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ، ثم تزوَّجها، فدخلتِ
الدار: لم تطلُق)؛ لأنه لم یوقع الطلاق في نكاحٍ، ولا أضافه إلى نكاحٍ.
* قوله: (وألفاظُ الشرط: إن، و: إذا، و: إذا ما، و: كل، و: كلما،
و: متى، و: متى ما).
- إنما قال: وألفاظ الشرط، ولم يقل: وحروف الشرط؛ لأن بعضها
أسماء، وبعضها حروفٌ، فالأسماء مثل: كل، وإذا، ولهذا يَدخلهما
التنوين، فيقال: كلَّ، وإذاً، والتنوين علامةُ الاسمية.
- وكذا: متىُ: اسمٌ للوقت المبهم.
والألفاظ تتناول الحروفَ والأسماء؛ لأن كل واحدٍ منهما لفظٌ، فلهذا
قال: وألفاظ: ليشمل الحروفَ والأسماء.
- وإنما بدأ بـ: إن: لأنها صِرْفٌ للشرط، ليس فيها معنى الوقت، وما
وراءها ملحَقٌ بها.
- وإذاً: تصلح للوقت والشرط، فيُجازى بها تارةً، ولا يجازى بها
تارةً.

٤٣٠
كتاب الطلاق
ففي كل هذه الشروط إذا وُجِدَ الشرطُ في ملكه: انحلَّت اليمينُ،
ووقع الطلاقُ، إلا في: كلَّما: فإن الطلاق يتكرَّرُ بتكرار الشرط حتى تقع
ثلاث تطلیقات.
- ومتىُ: اسمٌ للوقت المبهم، ولزم في باب المجازاة، مثل: إن، لكن
مع قيام الوقت.
- وكل: للإحاطة على سبيل الإفراد، وهي تعمَّ الأسماءَ؛ لأنها
تُلازمها، فإذا وُصلت بـ: ما: أوجبتْ عمومَ الأفعال.
- وإنما جُعلت هذه شروطاً؛ لأن الأفعال تليها، والشرطُ إنما جُعل
شرطاً للفعل، ولهذا قالوا: إنَّ كلمة: كل: ليست بشرط على الحقيقة؛ لأن
الذي يليها الاسمُ، دون الفعل، إلا أنها جُعلت في معنى الشرط؛ لأن
الأفعال المذكورةَ بعدها تعود على الأسماء التي وقعت عليها: كل، فيكون
ذلك الفعل بمعنى الشرط، مثل: كلّ عبدِ اشتريتُه فهو حرُّ.
* قوله: (وكلّ هذه الشروط إذا وُجدت: انحلَّت اليمين): أي انتهت؛
لأنها غير مقتضية للعموم والتكرار، فبوجود الفعل مرةً: يتمُّ الشرط، ولا
بقاء لليمين بدونه، (ووقع الطلاقُ).
* قوله: (إلا في: كلَّما: فإن الطلاقَ يتكرّر بتكرار الشرط، حتى تقع
ثلاثُ تطليقات)؛ لأن: كلَّما: تقتضي تعميم الأفعال.
قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِحَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾. النساء/٥٦.
و: ﴿كُلَّمَا أَرَدُوْ أَنْ يَخْرُوْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا﴾. السجدة/ ٢٠، فكرَّرت
النضجَ، وإرادةَ الخروج، وذلك أفعال.

٤٣١
كتاب الطلاق
فإن تزوجها بعد ذلك، وتكرر الشرطُ: لم يقع شيء.
وزوالُ الملك بعد اليمين : لا يُبْطِلها.
* قوله: (فإن تزوجها بعد ذلك، وتكرَّر الشرطُ: لم يقع شيءٌ).
أي فإن تزوجها بعد زوجٍ آخر، وتكرَّر الشرطُ: لم يقع شيء عندنا.
وقال زفر: تطلق.
لنا: أن الملك قد انقضى، والتطليقات التي استأنفها في الثاني لم تكن
في ملكه حالةَ اليمين، ولا شيءَ منها، ولا كانت مضافةً إلى ملكه، فلم
يقع شيء.
- واعلم أن: كلَّما: إذا دخلت على نفس التزويج، بأن قال: كلما تزوجت
امرأةً فهي طالقٌ: يحنث بكل امرأة تزوجها وإن كان بعد زوجٍ آخر؛ لأن
انعقادها باعتبار ما يملك عليها من الطلاق بالتزويج، وذلك غيرُ محصور.
بيانُه: إذا قال: كلَّما تزوجتُك فأنت طالق ثلاثاً: طلقت كلما تزوجها
أبداً؛ لأنها تكرار الفعل، وقد أضاف الطلاق إلى تزوجها، فمتى وُجد
الشرط: وقع الطلاق.
ولا يُشبه ذلك قولَه: كلَّما دخلت الدار، وكلَّما كلمت فلاناً: فإن
الطلاق يتكرر عليها ما دامت في ملكه في ذلك النكاح، فإذا زال طلاق
ذلك الملك: لم ينصرف التكرارُ إلى غيره. كذا في ((شرحه)).
* قوله: (وزوالُ الملك بعد اليمين: لا يُبطلها).

٤٣٢
كتاب الطلاق
صورتُه: أن يقول لها: إن دخلتِ الدارَ فأنت طالقٌ، فطلَّقها، وانقضت
عدتُها، ثم تزوجها، ودخلت الدارَ: طلقت؛ لأن اليمين انعقدت وهي في
ملکه، وانحلّت وهي في ملكه.
وهذا معنى قوله: فإن وُجد الشرطُ في ملكه: انحلَّت اليمين، ووقع
الطلاق.
- وإن كانت دخلتِ الدارَ بعد انقضاء عدتها، ثم تزوَّجها، ودخلت
الدارَ: لم تطلق؛ لأن اليمين انحلَّت وهي في غير ملكه.
وهذا معنى قوله: وإن وُجد في غير ملكه: انحلَّت اليمين، ولم يقع
شيء.
- وكان شيخنا موفق الدين رحمه الله يقول في معنى قوله: وزوال
الملك بعد اليمين لا يُبطلها: يعني زوالَ حِلُّ المَحلِية، لا زوالَ الحلِّ،
حتى لو طلقها ثلاثاً بعد التعليق، وتزوجها بعد زوج، ودخلت: لا يقع
شيء؛ لأنه إذا وُجد الشرطُ في ملكه: انحلَّت اليمين، ووقع الطلاق؛ لأنه
وُجُد الشرطُ، والمحلِّ قابلٌ.
وإن وُجد في غير الملك: انحلَّت اليمينُ؛ لوجود الشرط، ولم يقع
شيء؛ لانعدام المحلية.
- وإن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ ثلاثاً، فطلَّقها اثنتين،
وتزوجتْ غيرَه، ثم عادت إليه، ودخلت الدارَ: طلقت ثلاثاً عندهما.

٤٣٣
كتاب الطلاق
٠
وقال محمدٌ: تطلق ما بقي، وهو قول زفر.
وأصله: أن الثاني يهدم ما دون الثلاث عندهما، فتعود إليه بالثلاث.
وعند محمد وزفر: لا يهدِم، فتعود بما بقي.
- وإن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ ثلاثاً، ثم طلقها ثلاثاً، فتزوجت
غيرَه، ثم رجعت إليه، ودخلت الدارَ: لم يقع شيء. كذا في ((الهداية)) (١).
- وإن قال: أنت طالقٌ أَنْ دخلت الدار: بفتح: أن: طلقت في الحال؛
لأن: أن: المفتوحة: ليست بشرط؛ لأنها تتناول الماضي، فكأنه قال: أنت
طالق؛ لأنك دخلت الدار.
- وكذا إذا قال: إذا دخلت الدار: يقع في الحال أيضاً؛ لأنه يفيد
الماضي، وحروفُ الشرط: ما وقع على المستقبل.
- ولو قال: إن دخلت الدار أنت طالقٌ: طلقت في الحال، في القضاء.
- فإن قال: أردتُ أنها طالقٌ بالدخول: دُیِّن فيما بينه وبين الله تعالى.
- وإن قال: أنت طالقٌ وإن دخلت الدار: طلقت في الحال، في
القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن معناه: أنت طالقٌ دخلت الدارَ أو
لم تدخلي.
- وإن قال: أنت طالقُ الساعةَ وإن دخلت الدار: كانت طالقاً الساعةَ
(١) ٢٥١/١.

٤٣٤
كتاب الطلاق
فإن وُجد الشرطُ في ملكه : انحلَّت اليمينُ، ووقَعَ الطلاقُ، وإن وُجد
في غير ملكه: انحلَّت اليمينُ، ولم يقع شيءٍ.
وإذا اختلفا في وجود الشرط : فالقولُ قولُ الزوج فيه، إلا أن تُقيم
المرأةُ البينةَ.
واحدةً، وإن دخلت الدارَ: أخرى.
- وإن قال: أنت طالقٌ لو دخلت الدارَ: لم تطلق، وهو بمنزلة: قوله: إن
دخلت الدار؛ لأنه جعل طلاقَها معلَّقاً بدخول الدار لو وُجد، ولم يوجد.
- وكذلك إذا قال: أنت طالقٌ لولا دخولك الدار: لم تطلق أيضاً.
- وكذا إذا قال: أنت طالقٌ لا دخلتِ الدارَ: لا يقع شيء حتى تدخل.
- وإن قال: أنت طالقٌ دخلت الدار: طلقت الساعةَ.
· قوله: (فإن وُجد الشرط وهي في ملكه: انحلَّت اليمين، ووقع
الطلاق)؛ لأنه وُجد الشرط، والمحلّ قابلٌ للجزاء، فيَنزلُ الجزاءُ، ولا
تبقى الیمین.
* قوله: (وإن وُجد في غير ملكه: انحلَّت اليمين)؛ لوجود الشرط،
(ولم يقع شيء)؛ لانعدام المحلية.
مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ، ثم طلقها قبل دخول
الدار، فدخلت بعد الطلاق، وانقضاء العدة، ثم يستأنف العقدَ عليها،
وتدخل: لا يقع شيء؛ لانحلال اليمين.
* قوله: (وإذا اختلفا في وجود الشرط: فالقولُ قولُ الزوج فيه، إلا
أن تقيمَ المرأةُ البينةَ)؛ لأن الأصلَ بقاءُ النكاح، وهي تدَّعي عليه زوالَه

٤٣٥
كتاب الطلاق
فإن كان الشرطُ لا يُعلَم إلا من جهتها : فالقولُ قولُها في حق نفسها،
مثلُ أن يقول : إن حِضْتِ : فأنتِ طالقٌ، فقالت: قد حِضْتُ: طلقت.
وإذا قال لها: إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ وفلانةٌ معك، فقالت: قد
حِضْتُ: طلقت هي، ولم تطلق فلانةٌ.
بالحنث في شرطٍ يجوز أن يطَّلع عليه غيرُها، فلا يُقبل قولها إلا ببينة.
: قوله: (فإن كان الشرطُ لا يُعلَم إلا من جهتها: فالقول قولها في حق
نفسها، مثل أن يقول: إن حِضْتِ فأنت طالقٌ، فقالت: قد حضْتُ:
طلقت)؛ لأنها أمينةٌ في حقِّ نفسها، إذ لا يُعلم ذلك إلا من جهتها.
- قال في ((الذخيرة)): إنما يُقبل قولُها في الحيض إذا أخبرت، وشَرْطُ
وقوع الطلاق باقٍ، أما إذا أخبرت بعد فواته: لا يُقبل، حتى لو قالت:
حِضْتُ، وطهرتُ: لا يُقبل.
- وإذا قال: إذا حِضْتِ حيضةً فأنت طالقٌ، فقالت: حِضتُ: يُقبل
قولها ما لم تر حيضةً أخرى؛ لأن شرط الطلاق وجودُ الطهر، فيُقبل قولها
ما بقيَ الطهرُ، حتى لو قالت: حِضتُ وطهرت، ثم الآن أنا حائضٌ، أو
طهرتُ منها، أي في الثانية: لا يُقبل قولُها.
* قوله: (وإن قال لها: إن حِضْتِ فأنت طالقٌ وفلانةٌ معك، فقالت:
حضْتُ: طلقت هي، ولم تطلق فلانةٌ).
لأنها شاهدةٌ في حقِّ ضَرَّتِها، وهي مثَّهمةٌ، فلا يُقبل قولُها في حق
ضَرَّتَها.

٤٣٦
كتاب الطلاق
.
- وهذا إذا كذَّبها: فإنه يقع عليها خاصةً، أما إذا صدَّقها: وقع عليهما
جميعاً.
- وهذا أيضاً إذا لم يُعلم وجودُ الحيض منها، أما إذا عُلم: طلقت
فلانةٌ أيضاً.
ءِ
- وعلى هذا: كلّ ما لم يُعلم إلا من جهتها، مثل قوله: إن كنتِ
تُحبِّيني، أو تُبغضيني فأنت طالقٌ: فالقولُ قولها؛ لأن المحبةَ والبغضَ لا
يُعلم إلا من جهتها.
- وكذا إذا قال: إن كنتِ تُحبِّين أن يعذبك الله بالنار، أو إن كنت
تُبغضين الجنة فأنت طالقٌ، فقالت: أنا أُحب أن يعذبني الله بالنار، أو
أُبغض الجنة: فالقولُ قولُها، ويقع عليها الطلاق.
- والجواب في هذا: على المجلس؛ لأنه علَّق الطلاق بلفظها، فوقف
على المجلس، كأنه قال لها: إن قلت: أنا أحبُّ أن يعذبني الله بالنار، أو
أبغض الجنة.
- وإن قال لها: إن كنتِ تحبين أن يعذبك الله بالنار فأنت طالقٌ،
وعبدي حرٌّ، فقالت: أنا أحب ذلك.
أو قال: إن كنت تحبيني فأنت طالقٌ، وهذه معك، فقالت: أنا أحبك:
طلقت، ولم يعتق العبد، ولم تطلق صاحبتُها.

٤٣٧
كتاب الطلاق
.
- وإن قال: إذا وَلَدتِ فأنت طالق، فقالت: قد وَلَدتُ: لا تطلق ما لم
يصدِّقها، أو يَشهد بولادتها رجلان، أو رجلٌ وامرأتان عند أبي حنيفة.
وعندهما: يقع الطلاق إذا شهدت القابلةُ.
- وإن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالقٌ، أو إن كلَّمت فلاناً فأنت
طالقٌ، فقالت: دخلتُ، أو كلَّمتُ: لم تطلق ما لم يُصدِّقها، أو يشهد
رجلان، أو رجلٌ وامرأتان، بالاتفاق.
- وإن قال لامرأتيه: إذا حضْتما فأنتما طالقتان، فقالتا جميعاً: حضنا:
إن صدَّقهما: طلقتا جميعاً، وإن كذَّبهما: لم يطلقا.
وإن صدَّق واحدةً، وكذَّب الأخرى: طلقت المكذَّبة، ولم تطلق
المصدَّقة؛ لوجود كمال الشرط في المكذَّبة؛ لأن اليمين إذا عُلِّقت
بشرطين: لم يحنث بوجود أحدهما، وهنا قد عَلَّق الطلاقَ بحيضهما
جميعاً، فإذا قالتا: حِضْنا: فكل واحدةٍ مخبرةٌ عن نفسها، شاهدة على
غيرها، وهي مصدَّقةٌ على نفسها، مكذَّبة في حق غيرها.
فإذا صدَّق إحداهما: وُجد الشرطان في حق المكذَّبة، وهو إخبارها
عن نفسها أنها حاضت، وتصديقه لصاحبتها بحيضها، فلهذا طلقت.
وأما المصدَّقة: فوُجد فيها أحدُ الشرطين، وهو إخبارُها عن نفسها،
ولم يوجد الشرطُ الآخر من جهة صاحبتها؛ لأنه كذَّبها، وهي غير مصدَّقةٍ
في حق غيرها، فلهذا لم تَطلُق.

٤٣٨
كتاب الطلاق
وإذا قال لها: إن حِضْتِ فأنتِ طالقٌ، فرأت الدمَ: لم يقع الطلاقُ
حتى يستمرَّ بها الدمُ ثلاثةَ أيام، فإذا تمَّت لها ثلاثةُ أيام: حَكَمْنا بوقوع
الطلاق من حین حاضت.
وإذا قال لها : إذا حِضْتِ حيضةً فأنتِ طالق : لم تطلق حتى تطهرَ من
حيضها .
* قوله: (وإذا قال لها: إذا حِضْتِ فأنت طالقٌ، فرأت الدمَ: لم تطلق
حتى يستمر ثلاثة أيام)؛ لأن ما ينقطع دونه: لا يكون حيضاً.
* قوله: (فإذا تمَّت ثلاثةُ أيام: حكمنا بالطلاق من حين حاضت).
وفائدته: أن الطلاق بدعيّ.
- ولو عَلَّق عِثْقَ عبده بذلك: كان في الثلاث حُكمه حكمَ الأحرار.
- ولو خالعها في الثلاث: بطل الخلع؛ لكونها مطلَّقة.
- ولو كانت غيرَ مدخولٍ بها، فتزوجت حين رأت الدمَ: صح التزويج.
* قوله: (وإذا قال لها: إذا حِضْتِ حيضةً فأنت طالقٌ: لم تطلق حتى
تَطْهُر من حيضتها).
لأن الحيضة: بالهاء هي: الكامل منها، وكمالُها: بانتهائها، وذلك
بالطهر.
- ثم إذا كانت أيامها دون العشرة: لم يحكم بطهارتها بالانقطاع ما لم
تغتسل، أو يَمضيَ عليها وقتُ صلاةٍ كاملٍ؛ لجواز أن يعاوِدها الدم في
المدة، فتكون حائضاً.

٤٣٩
كتاب الطلاق
- وإن كانت أيامُها عشرة: وقع عليها الطلاق بمضيِّها وإن لم تغتسل.
- وقوله: حتى تطهر من حيضتها: فائدتُه: أن الطلاق سُنِّيٌّ.
- ولو علَّق عتقَ عبده بذلك: كان في الثلاث حكمُهُ حكمَ العبيد.
- وإن خالعها: صح الخلع؛ لكونها زوجته.
- وإن كانت غيرَ مدخولِ بها، فتزوجت حين رأتِ الدمَ: لم يصح
النكاح.
- وإن قال: إن حِضْتِ نصفَ حيضة فأنت طالقٌ: لم تطلُق حتى تحيض
وتطهُرَ.
- وكذا إذا قال: ثلث حيضة، أو سدس حيضة.
- وإن قال: إذا حِضتِ نصفَ حيضة فأنت طالقٌ، وإذا حضت نصفها
الآخر فأنت طالقٌ: لا يقع شيء ما لم تحض وتطهر، فإذا حاضت وطهرت:
وقع طلقتان.
- وإن قال لها: أنت طالقٌ في حيضك، أو مع حيضك: فحينما رأتِ
الدمَ تطلق بشرط أن يستمرَّ ثلاثاً.
- وإن قال: في حيضتك، أو مع حيضتك: فما لم تحض وتطهر: لا
تطلق، ولا تَعتَدُّ بتلك الحيضة من العدة.
- ولو قال لها وهي حائضٌ: إذا حضتِ فأنت طالقٌ، أو قال وهو مريضٌ:
إذا مرضتُ فأنت طالقٌ: فهذا على حيضٍ مستقبَلٍ، ومرضٍ مستقبَل.

٤٤٠
كتاب الطلاق
- فإن قال: عنيتُ ما يحدث من هذا الحيض، أو ما يزيد من هذا
المرض: فهو كما نوى ؛ لأن الحيض ذو أجزاء، فیحدث حالاً فحالاً،
وكذا المرض.
- فإذا نوى جزءاً حادثاً من ذلك: صُدِّق.
- وكذا صاحب الرُّعاف إذا قال: إن رَعَفْتُ فأنت طالقٌ: فهو على هذا.
- وكذا إذا قال للحُبْلى: إذا حبلتِ: فهو على حَبَلٍ مستقبَلٍ، إلا أنه إذا
نوىُ الحَبَلَ الذي هي فيه: لا يحنث؛ لأنه ليس له أجزاء متعددة، وإنما هو
معنى واحدٌ.
- وإن قال: أنت طالقٌ إذا صمتٍ يوماً: طلقت حين تغيب الشمس في
اليوم الذي تصوم فيه.
- بخلاف ما إذا قال: إذا صمتُ: فإنها تطلق إذا أصبح صائماً؛ لأنه لم
يقدِّره بمعيار، وقد وُجد الصومُ برکنه وشرطه.
ـ ومَن قال لامرأته: إذا ولدتِ غلاماً فأنت طالقٌ واحدةً، وإذا ولدت
جاريةً فأنت طالقٌ اثنتين، فولدت غلاماً وجاريةً، ولا يدري أيهما أولاً:
لزمه في القضاء: طلقةٌ، وفي التنزَّه: اثنتان، وانقضت العدة؛ لأنها إن
ولدت الغلامَ أولاً: وقعت الواحدةُ، وتنقضي عدتُها بوضع الجارية، ثم لا
يقع شيء آخرُ؛ لأنه حال انقضاء العدة.