Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب اللَّقيط
فإن التقطه رجلٌ: لم يكن لغيره أن يأخذه من يده.
فإن ادَّعى مدَّع أنه ابنُه : فالقولُ قولُه، مع يمينه.
- ولا يكفي مجرد الأمر من القاضي، في الأصح؛ لأن مطلقه قد
يكون للحثُّ والترغيب، وإنما يزول هذا الاحتمال: إذا شَرَطَ أن يكون ديناً
علیه.
- ولو لم يأمره القاضي، ولكن صدَّقه اللقيطُ بعد البلوغ: فله الرجوع.
- فإن أبى الملتقطُ أن يُنفق عليه، وسأل القاضي أن يَنقله عنه:
فللقاضي أن ينقله عنه إلى يدِ عدلٍ إِذا أقام البينةَ أنه لقيطٌ.
- وإنما شُرطت البينة: لجواز أن يكون ممن تلزمه نفقتُه، كابنه وعبده.
- فإن رجع بعد ذلك إلى القاضي يطلب ردَّه إلى يده: فالقاضي
بالخيار: إن شاء ردَّ إليه، وإن شاء أبقاه على يد العدل.
* قوله: (فإن التقطه رجلٌ: لم يكن لغيره أن يأخذه من يده)؛ لأن يده
قد سُبقت إليه، فلم يكن لأحدٍ أن ينتزعه، إلا ليدٍ هي أولى من يده.
* قوله: (فإن ادعى مدَّعِ أنه ابنُه: فالقولُ قوله(١)).
معناه: إذا لم يدع الملتقطُ نسبه، أما إذا ادعاه: فهو أَوْلى به.
- وإن ادعاه غيرُ الملتقط أنه ابنُه: فهو للمدعي، صدَّقه الملتقط أو
كذَّبه؛ لأنه إقرارٌ للصبي بما ينفعُه؛ لأنه يَشرُف بالنسب، ويُعيَّر بعدمه.
(١) وفي نسخة القدوري ١٣٠٩ هـ زيادة كما يلي: ((فالقول قوله، مع يمينه)).

١٨١
كتاب اللَّقِيط
وإن ادَّعاه اثنان، ووَصَفَ أحدُهما علامةً في جسده: فهو أَوْلى به.
* قوله: (فإن ادعاه اثنان، ووصف أحدُهما علامةً في جسده: فهو
أَوْلى به)؛ لأن العلامة تدلّ على سَبْق اليد؛ لأن الظاهر أن الإنسان يَعرف
علامةً ولده.
- وإن لم يصف أحدُهما علامةً: فهو ابنُهما؛ لاستوائهما في النسب.
- وإن سَبقت دعوةُ أحدهما: فهو ابنُه؛ لأنه ثبت حقّه في زمانٍ لا
منازعَ له فيه، إلا إذا أقام الآخرُ البينةَ؛ لأن البينة أقوى.
- قال الخُجَندي: إذا ادعاه رجلان أحدُهما مسلمٌ، والآخر ذميٌّ:
قُضي به للمسلم.
- وإن كانا مسلمين: قُضي به لمن أقام البينةَ.
- وإن أقاماها جميعاً: قُضي به لهما.
- ولو كان المدعي أكثرَ من اثنين: فعن أبي حنيفة: أنه جوَّزه إلى
خمسة.
وقال أبو يوسف: يثبت من اثنين، ولا يثبت من أكثرَ من ذلك.
وعند محمد: يثبت من ثلاثة، ولا يثبتُ من أكثر من ذلك.
- وإن ادَّعته امرأةً: لا يصح إلا بتصديق الزوج، أو بإقامة البينة؛ لأن
فيه حملَ النسب على الغير.
- وإن ادعاه امرأتان، وأقامت كلّ واحدة منهما البينة:

١٨٣
كتاب اللَّقيط
وإذا وُجِدَ في مصرٍ من أمصار المسلمين، أو في قريةٍ من قراهم،
فادَّعىُ ذمِّيٌّ أنه ابنُه : ثبت نسبُهُ منه، وكان مسلماً.
وإن وُجِد في قريةٍ من قرى أهل الذمة، أو في بِيْعَةٍ، أو في كنيسةٍ :
كان ذمياً.
قال أبو حنيفة: يُجعل ابنُهما، وعندهما: لا يكون ابنُ واحدة منهما؛
لاستحالة أن تلد امرأتان ولداً واحداً.
ولأبي حنيفة: أن إثبات النسب لا يقتضي إثباتَ الولادة، وإنما تتعلق
به أحكامٌ أُخَر، من تحريم المصاهرة، وحق الحضانة، ووجوب الإرث.
* قوله: (وإذا وُجد في مصرٍ من أمصار المسلمين، أو في قريةٍ من
قُراهم، فادعى ذميٌّ أنه ابنُه: ثبت نسبُه منه، وكان مسلماً)؛ لأن في إثبات
نسبه نفعاً له.
وإنما جعلناه مسلماً؛ لأن الكفر إلحاقُ ضررٍ به، فما يُكسبه الضررَ: لا
يجوز عليه، وما يحصل له فيه النفعُ: فهو جائزٌ، فصحت دعوتُه فيما
ینفعه، دون ما يضرُّه.
قوله: (وإن وُجد في قرية من قرى أهلِ الذمة، أو في بِيْعةٍ أو
كنيسةٍ: كان ذمياً).
البِيعة: لليهود، والكنيسة: للنصارى.
وهذا الجواب فيما إذا كان الواجد ذمياً، روايةً واحدةً.

١٨٤
كتاب اللَّقيط
ومَن ادعى أن اللقيط عبدُه، أو أمتُه: لم يُقْبَل منه، وكان حرَّاً.
وإن ادَّعى عبدٌ أنه ابنُه : ثَبَت نَسَبُه منه، وكان حرَّاً.
- وإن كان الواجدُ مسلماً في هذا المكان، أو ذمياً في مكان
المسلمین:
اختلفت فيه الرواية: ففي رواية كتاب اللقيط: اعتبر المكانَ.
وفي رواية كتاب الدعوى: اعتبر الإسلامَ.
وفي رواية: أيهما كان الواجد، وهي روايةَ ابنِ سماعة عن محمد؛
لقوة الید.
* قوله: (ومَن ادعى أن اللقيط عبدُه أو أمتُه: لم يُقبل منه، وكان
حراً)؛ لأنا قد بيَّنَا أنه حرٌّ بالظاهر، فلا ينتقلُ عنه بنفس الدعوى، إلا أن
يقيم البينةَ أنه عبده.
- وفي ((الينابيع)) إذا ادعى رجلٌ أنه عبده، وصدَّقه بعد الإدراك: ينظر:
إن جرى عليه أحكام الأحرار، من قبول شهادته، أو حُدَّ قاذفه، وما
أشبه ذلك من الأحكام: لا يصير عبداً بتصديقه إياه.
وإن لم يجر عليه شيءٌ من أحكام الأحرار: فهو عبدٌ للذي ادعاه.
* قوله: (وإن ادعى عبدٌ أنه ابنُه: ثبت نسبُه منه، وكان حرًّاً)؛ لأنا
نراعي حصول المنفعة له، وثبوتُ النسب أنفع له، وكونه رقيقاً: ضررٌ
علیه، فصح ما فيه نفعه، وبطل ما فيه ضرره.

١٨٥
كتاب اللَّقيط
وإن وُجد مع اللقيط مالٌ مشدودٌ عليه: فهو له.
.
ولا يجوز تزويجُ الملتقِطِ،
ولأن المملوك قد تلد له الحرةُ، فلا تبطل الحريةُ الظاهرة بالشك.
- وإن ادعاه مملوكان: فهو ابنُهما.
ويكون عبداً عند أبي حنيفة.
وقال محمد: هو ابنُهما، ويكون حراً.
- ولو قال المسلمُ: هو عبدي، وقال النصراني: هو ابني: فهو ابن
النصراني، ويكون حرًّاً.
: قوله: (وإن وُجد مع اللقيط مالٌ مشدودٌ عليه: فهو له)؛ اعتباراً
للظاهر.
- وكذا إذا كان مشدوداً على دابة، وهو عليها.
وأما إذا كان موضوعاً بقُربه: لم يُحكَم له به، ويكون لقطةً.
- وإن وُجد اللقيطُ على دابة: فهي له.
وحُكي أن لقيطةً وُجدتْ ببغداد، وعند صدرها رَقُّ منشورٌ فيه: هذه
بنت شقيٍّ وشقيَّةٍ، بنتُ الطباهجة والقلية، ومعها ألفُ دينار جعفرية،
يُشترىُ بها جاريةٌ هندية، وهذا جزاءَ مَن لم يُزُوِّج بنتَه وهي كبيرة.
وفي رواية: وهي صغيرة.
* قوله: (ولا يجوز تزويجُ الملتقط اللقيطَ)؛ لأنه لا ولايةَ له عليه من

١٨٦
كتاب اللَّقيط
ولا تصرُّفُه في مال اللقيط.
ويجوز أن يَقِضَ له الهبةَ، ويُسْلِمَه في صناعةٍ، ويؤاجرَه.
المُلك والقرابة، والسلطنةُ والتصرفُ على الصغير إنما هو بالولاية.
ولا يزوِّجه إلا الحاكم.
* قوله: (ولا تصرُّفُه في مال اللقيط)؛ اعتباراً بالأم.
* قوله: (ويجوز أن يقبضَ له الهبةَ)؛ لأنه نفعٌ محضٌ.
* قوله: (ويُسلِمَه في صناعةٍ)؛ لأنه من بابُ تثقيفِه، واستجلابِ
المنافع له.
* قوله: (ويُؤَاجِرَه). هذه روايةُ القدوري.
- وفي ((الجامع الصغير))(١): لا يجوز أن يؤاجِرَه، وهو الأصح؛ لأنه لا
يملك إتلافَ منافعه، فأشبه العمَّ.
- بخلاف الأم: فإنها تملكها.
- وجناية اللقيط: في بيت المال.
- وميراثُه: لبيت المال، لا للذي التقطه.
- فإذا قُتل اللقيط خطأً: فالدية على عاقلة القاتل لبيت المال.
وإنما وجبت الدية؛ لأنه حرٌّ.
وإنما كان لبيت المال؛ لأنه لا وارثَ له إلا المسلمون.
(١) صفحة ٢٣٥.

١٨٧
كتاب اللَّقِيط
- وإن قُتل عمداً: فالإمام بالخيار: إن شاء قَتَل القاتلَ، وإن شاء
صالحه على الدیة عندهما.
وقال أبو يوسف: ليس له أن يَقتله، ولكن يأخذ منه الديةَ؛ لأن ولاية
الإمام تثبت بالعقد، فهو كالوصي، والوصيُّ ليس له أن يقتل.
وليس للإمام أن يعفوَ في قولهم جميعاً؛ لأن في ذلك إسقاطَ حق
المسلمين من غير بدل، والله أعلم.

١٨٨
كتاب الُّقَطة
كتاب الُّقَطة
اللُّقَطةُ أمانةٌ في يد الملتقِط إذا أشهد الملتقِطُ أنه يأخذُها ليحفظَها،
ويردّها على صاحبها.
كتاب اللُّقَطة
هي بإسكان القاف، وتحريكِها.
وهي اسمٌ لما يُلتَقَط من المال.
- وأخْذُها أفضلُ من تَرْكها.
وهذا في غير الإبل والبقر؛ لأن ما سواهما: يُخاف عليه الضياعُ
والتلفُ، ففي أخذه صيانةٌ له.
* قال رحمه الله: (اللقطةُ أمانةٌ في يد الملتقط إذا أَشهد الملتقطُ أنه
يأخذُها ليحفظَها، ويُردَّها على صاحبها).
لأن الأخذ على هذا الوجه مأذونٌ فيه شرعاً، بل هو الأفضلُ عند عامة
العلماء.
وهو واجبٌ إذا خاف الضياعَ.
- وإذا كان كذلك: لا تكون مضمونةً عليه.

١٨٩
كتاب اللُّقَطة
.
- وكذا إذا تصادقا أنه أخذها للمالك؛ لأن تصادقهما كالبينة.
- وإن أقرَّ أنه أخذها لنفسه: وجب عليه ضمانُها.
- وإن أخذها، ولم يُشهد، وقال: أخذتُها للمالك، وكذَّبه المالك،
فتلفت في يده: ضمنها عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يضمنها، والقول قوله؛ لأن صاحب اللقطة
يدعي عليه أخذاً مضموناً، وهو يُنكِر، فكان القولُ قولَه.
ولهما: أنه أقرَّ بسبب الضمان، وهو الأخذ، وادعى ما يُبرئه، وهو
الأخذ لمالكه: فلا يبرأ.
- وإن أخذ لقطةً ليأكلها، أو ليُمسكها لنفسه: لم يبرأ من ضمانها حتى
يؤديها إلى ید صاحبها.
وقال زفر: إذا ردَّها إلى الموضع الذي أخذها منه: برئ؛ لأنه قد
ردَّها إلى الموضع الذي أخذها منه، فأشبه ما إذا أخذها ليردها على
صاحبها، ثم ردَّها إلى ذلك الموضع.
ولنا: أن الأخذ وقع لنفسه، فصار غاصباً، والغاصب لا يبرأ إلا بالرد
إلى المالك، أو إلی و کیله.
- وكذا الغاصب إذا ركب الدابةَ ليردها إلى صاحبها، فتلفت في ذلك
الركوب: فهو ضامنٌ؛ لأن الأخذ مضمونٌ عليه، فلا يبرأ إلا بالرد إلى يد
صاحبها، أو إلی ید و کیله.

١٩٠
كتاب اللُّقَطة
فإن كانت أقلّ من عشرة دراهمَ: عَرَّفها أياماً.
وإن كانت عشرةً، فصاعداً: عرَّفها حولاً.
- فإن أخذ اللقطةَ ليردَّها على صاحبها، وأشهد على ذلك، ثم ردَّها
إلى موضعها:
إن كان لم يبرح من مكانه حتى ردها فيه: لم يضمن، وإن ذهب بها
عنه، ثم رجع إليه، فردّها: ضمن.
- ويكفي في الإشهاد أن يقول: مَن سمعتموه يُنشدُ لقطةً فدلَّوه علىَّ.
- سواء كانت اللقطة واحدةً أو أكثر، يعني سواء كانت جنساً واحداً،
أو أجناساً مختلفة.
- ثم إذا أشهد، فجاء صاحبُها يطلبها، فقال: قد هلكتْ: فهو مصدَّقٌ،
لأنه أمينٌ حين أشهد، والأمينُ لا يضمن من غير تعدٍّ.
- وقوله: إذا أشهد: الإشهاد حتمٌ عندهما.
وقال أبو يوسف: لا يُشترط الإشهاد.
- والخلافُ فيما إذا أمكنه أن يُشهِد، أما إذا لم يجد مَن يُشهده، أو
خاف إذا أشهد أن يأخذه الظلمةُ، فَتَرَك الإشهادَ: لم يضمن، إجماعاً.
* قوله: (فإن كانت أقلّ من عشرة دراهم: عرَّفَها أياماً، وإن كانت
عشرةً فصاعداً: عرَّفها حولاً كاملاً).
وهذه روايةٌ عن أبي حنيفة.

١٩١
كتاب اللُّقَطة
.
- وقوله: أياماً: معناه: على حسب ما يرىُ، وقدَّره محمدٌ في ((الأصل))
بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو قول مالك(١).
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن التعريف على قدر خطر المال:
إن كان مائةَ درهمٍ فصاعداً: عرَّفها حولاً.
وإن كان عشرةَ دراهم: فشهراً.
وإن كانت ثلاثةَ دراهم: فثلاثة أيام.
- وفي ((الخُجَندي)): إذا كانت ثلاثةَ دراهم ونحوها: عرَّفها جمعةً،
وإن كانت درهماً: فثلاثة أيام، وإن كانت دانقاً: فيوماً.
يعني إذا كان الدانق فضة، أما إذا كان ذهباً: فثلاثة أيام.
وإن كانت كِسْرةً أو تمرةً أو نحوها: تصدق بها مكانها، وإن كان
محتاجاً أَكَلَها.
وقيل: إن هذه المقادير كلها ليست بلازمة، وإنما يعرِّفها مدةً يقع بها
التعريف، وعليه الفتوى.
- ثم التعريف إنما يكون جهراً في الأسواق، وأبواب المساجد، وفي
الموضع الذي وُجد فيه، وفي المجامع.
- وإن وجد اللقطةَ رجلان: عرَّفاها جميعاً، واشتركا في حُكمها.
(١) جواهر الإكليل ٢١٨/٢.

١٩٢
كتاب اللُّقَطة
فإن جاء صاحبُها : دَفَعَها، وإلا : تصدَّق بها.
فإن جاء صاحبُها وهو قد تصدَّق بها : فهو بالخيار : إن شاء أمضى
الصدقةَ، وإن شاء ضَمَّن الملتقِطَ.
- ولو ضاعت اللقطةُ من يد ملتقطها، فوجدها في يد آخر: فلا
خصومةً بينه وبينه؛ لأن الأول قد ارتفعت یدُه.
- ولو كانا يمشيان، فرأى أحدُهما لقطةً، فقال صاحبه: هاتها،
فأخذها لنفسه: فهي للآخذ، دون الآمر.
- وإذا كانت اللقطةُ شيئاً يُعلَم أن صاحبها لا يَطلبُها، كالنَّوى المبدَّد:
فإنه يكون إباحة، يجوز أخذه من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه.
- قال بعض المشايخ: التقاطُ السنابل في أيام الحصاد: إن كان قليلاً
يغلب على الظن أنه لا يَشق على صاحبه: لا بأس أن يأخذه، من غير
تعريف، وإلا: فلا يأخذُه.
* قوله: (فإن جاء صاحبُها دفعها(١)، وإلا: تصدَّق بها).
أما إذا جاء صاحبها، وأقام البينة: سلَّمها إليه؛ إيصالاً للحق إلى
مستَحقُّه، وذلك واجبٌ.
وأما إذا لم يجئ: يتصدق بها؛ ليصل خَلَفُها إليه، وهو الثواب، على
اعتبار إجازته التصدقَ بها، وإن شاء أمسكها؛ رجاءَ الظفر بصاحبها.
* قوله: (فإن جاء صاحبُها)، يعني (بعد التصدُّقِ بها، فهو بالخيار:
إن شاء أمضىُ الصدقةَ)، وله ثوابُها، (وإن شاء ضمَّن الملتقطَ).
(١) دفعها: ثبتت هذه الكلمة في نسخة القدوري ٧٦٨هـ، و ١٣٠٩هـ.

١٩٣
كتاب الُّقَطة
ويجوز الالتقاطُ في الشاة، والبقرِ، والبعير.
فإن أنفق الملتقِطُ عليها بغير إذن الحاكم : فهو متبرِّعٌ.
وإن أنفق بأمره : كان ذلك دَيْناً على صاحبها .
فإن ضمَّنه: لم يرجع بها على المسكين؛ لأنه بالتضمين: مَلَكَها، فظهر
أنه تصدق بملك نفسه، فله ثوابها.
وإن ضمَّن المتصدَّقَ عليه: لم يرجع به أيضاً على الملتقط؛ لأن
الصدقة عقدُ تبرُّعٍ، فإذا ضمنها الذي تبرَّع عليه: لم يرجع به على المتبرع.
* قوله: (ويجوز الالتقاطُ في الشاة والبقرة والبعير).
- هذا إذا خاف عليهم التلفَ والضياعَ، مثل أن يكون البلد فيها الأسد
واللصوص، أما إذا كانت مأمونةَ التلف: لا يأخذها.
أما الشاة: فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((خُذْها، فإنما هي لك، أو
لأخيك، أو للذئب))(١).
وأما الإبل: فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما لَك ولها، معها حذاؤها
وسِقاؤها، تَرِدُ الماءَ، وترعى الشجرَ، حتى يأتيَها صاحبُها، فيأخذها))(٢).
قوله: (فإن أنفق الملتقطُ عليها بغير إذن الحاكم: فهو متبرِّعٌ)؛
لقصور ولایته.
* قوله: (وإن أنفق بأمره: كان ذلك دَيْناً على صاحبها)؛ لأن للقاضي
(١) صحيح البخاري (٢٣٧٢)، صحيح مسلم (١٧٢٢).
(٢) هو الحديث نفسه المتقدم تخريجه في الحاشية السابقة.

١٩٤
كتاب اللُّقَطة
وإذا رَفَعَ ذلك إلى الحاكم: نَظَرَ فيه، فإن كان للبهيمة منفعةٌ : آجَرَها،
وأنفق عليها من أجرتها .
وإن لم تكن لها منفعةٌ، وخاف أن تستغرق النفقةُ قيمتَها : باعها
الحاكمُ، وأَمَرَ بحفظ ثمنها.
وإن كان الأصلحُ الإنفاقَ عليها : أَذِن في ذلك، وجعل النفقةَ دَيْناً على
مالكها .
ولايةً في مال الغائب؛ نظراً له، وقد يكون النظر في الإنفاق.
* قوله: (وإذا رفع ذلك إلى الحاكم: نَظَرَ فيه: فإن كان للبهيمة منفعةٌ:
آجرها، وأنفق عليها من أجرتها)؛ لأن فيه إبقاءَ العين على ملكه، من غير
إلزام الدين عليه.
* قوله: (وإن لم تكن لها منفعةٌ، وخاف أن تستغرق النفقةُ قيمتَها:
باعها، وأمر بحفظ ثمنها)؛ لأن القاضي ناظرٌ محتاطٌ، فله أن يختار أصلحَ
الأمرین.
قوله: (وإن كان الأصلحُ الإنفاقَ عليها: أَذِنَ الحاكم في ذلك،
وجعل النفقة ديناً على مالكها)؛ لأنه نُصِب ناظراً، وفي هذا نظرٌ من
الجانبين.
- وإنما يأمره بالإنفاق يومين أو ثلاثةً على قدر ما يرى؛ رجاء أن يظهر
مالكُها، فإذا لم يظهر: يأمر ببيعها؛ لأن استدامةً(١) النفقة مستأصلةٌ، فلا
(١) وفي نسخ: لأن دارة النفقة.

١٩٥
كتاب اللُّقَطة
وإذا حضر مالكُها : فللملتقِطِ أن يمنعه منها حتى يأخذ النفقة.
ولقطةُ الحِلِّ والحرم سواءٌ.
نظرَ في الإنفاق مدةَ مدِّ يده.
- قال في ((الهداية))(١): شَرَطَ في ((الأصل)) إقامةَ البينة، وهو الصحيح؛
لأنه يحتمل أن يكون غصباً في يده، فلا يأمر فيه بالإنفاق، وإنما يُؤمر في
الوديعة: فلا بدَّ من البينة؛ لكشف الحال.
- وإن قال: لا بينة لي: يقول له القاضي: أنفق عليها إن كنتَ صادقاً
فيما قلتَ، حتى يرجع على المالك إن كان صادقاً، ولا يرجع إن كان
غاصباً.
* قوله: (فإذا حضر المالك: فللملتقط أن يمنعه منها حتى يأخذَ النفقةَ
منه)؛ لأنه أحيا ملكَه بنفقته، فصار كأنه استفاد الملك من جهته، فأشبه
البيع.
- ثم لا يسقط دينُ النفقة بهلاكه في يد الملتقط قبل الحبس، ويسقط
إذا هلك بعد الحبس؛ لأنه يصير بالحبس يُشبِه الرهن.
* قوله: (ولقطةُ الحِلِّ والحرم: سواءٌ).
هذا احترازٌ عن قول الشافعي(٢)، فإن عنده: ما يُلتقط في الحرم:
يعرِّفه أبداً إلى أن يجيء صاحبُه.
(١) ٢/ ١٧٧.
(٢) مغني المحتاج ٢ /٤١٧.

١٩٦
كتاب اللُّقَطة
وإذا حضر رجلٌ، فادَّعى أن اللقطة له: لم تُدفَع إليه حتى يقيم البينةَ.
فإن أعطى علامتَها : حلَّ للملتقِط أن يدفعها إليه، ولا يُجْبَر على ذلك
في القضاء.
ولا يَتصدَّقُ باللقطة على غنيٌّ.
* قوله: (وإذا حضر رجلٌ وادعى أن اللقطةَ له: لم تُدفع إليه حتى
يقيم البينة)؛ لأنه (١) مدَّعٍ، فلا يُصدَّق بغير بينة، إلا أنه إذا دفعها إليه:
جاز؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فإن جاء صاحبُها، فعَرَفَ عِفَاصها))(٢).
* قوله: (فإن أعطى علامتَها: حَلّ للملتقط أن يدفعها إليه، ولا يُجَبَر
على ذلك في القضاء).
وقال مالكُ(٣) والشافعيُ(٤): يُجَبَر.
- والعلامة: أن يُسمِّيَ وزنَ الدراهم، وعددَها، ووِكاءَها، ووعاءَها.
- ولو صدَّقه: قيل: لا يُجبر على الدفع، كالوكيل بقبض الوديعة.
وقيل: يُجبر؛ لأن الملك ها هنا غير ظاهر، والمودَع مالكٌ ظاهراً.
قوله: (ولا يَتصدَّق باللقطة على غنيٍّ)؛ لأن الأغنياء ليسوا بمحلٌ
للصدقة.
(١) شرح هذه الجملة من مختصر القدوري لم أجده في نسخ الجوهرة المتوفرة
لدي، لكنه مثبتٌ في طبعتي الجوهرة، ولذا أثبتُّه احتياطاً، مع هذا التنبيه.
(٢) صحيح البخاري (٢٣٧٢).
(٣) الشرح الكبير ١١٨/٤.
(٤) بل لا يجب، على المذهب، ينظر مغني المحتاج ٤١٦/٢، نهاية المحتاج
٥/ ٤٤٢.

١٩٧
كتاب الُّقَطة
وإن كان الملتقِطُ غنياً: لم يجز له أن ينتفع بها.
وإن كان فقيراً : فلا بأس أن ينتفع بها .
ويجوز أن يتصدَّقَ بها إذا كان غنياً على أبيه، وابنه، وأُمِّه، وزوجته
إذا كانوا فقراء.
قوله: (وإن كان الملتقط غنياً: لم يجز له أن ينتفع بها)؛ لأنها مالُ
الغير، فلا يباح له الانتفاع به إلا برضاه، والإباحةِ للفقير؛ لأنه محلّ
للصدقة بالإجماع.
* قوله: (وإن كان فقيراً: فلا بأس أن ينتفع بها)؛ لأنه ذو حاجة.
قوله: (ويجوز أن يتصدق بها إذا كان غنياً على أبيه وابنِه وزوجته
إذا كانوا فقراء)؛ لأنه لمَّا جاز له أن ينتفع بها إذا كان فقيراً: جاز أن
يتصدق بها على هؤلاء، والله أعلم.

١٩٨
کتاب الخُنْتی
کتاب الخنثى
إذا كان للمولود فَرْجٌ، وذَكَرٌ: فهو خُنْفَى.
فإن كان يبولُ من الذَّكَر : فهو غلامٌ.
وإن کان یپولُ من الفرج : فهو أنثى.
وإن كان يبولُ منهما، والبولُ يَسبقُ من أحدهما: نُسِب إلى الأسبق.
كتاب الخُنْثى
هو اسمٌ لمولودٍ له فَرْجٌ وذَكَرٌ.
یُوَرَّث من حيث مَبَاله.
فإذا اشتبه حالُهُ: وُرِّث بالأحوط، حتى يَنكشفَ حالُه.
وكذا إذا لم يكن له فَرْجٌ ولا ذَكَرٌ، ويَخرجُ الحدثُ من دُبُره، أو من
سُرَّته. كذا في ((الينابيع)).
* قال رحمه الله: (إذا كان للمولود فَرْجٌ وذكرٌ: فهو خُنثى، فإن كان
يبول من الذكر: فهو غلامٌ، وإن كان يبول من الفرج: فهو أنثى، وإن كان
يبول منهما، والبولُ يَسبقُ من أحدهما: نُسِبَ إلى الأسبق).
لأن السَّبْق من أحد الموضعين يدلُّ على أنه هو الأصل، وأنه عَدَلَ

١٩٩
كتاب الخُنْثِی
وإن كانا في السبق سواءً : فلا عبرةَ بالكثرة عند أبي حنيفة، وقال أبو
يوسف ومحمد : يُنْسَب إلى أكثرهما.
وإذا بلغ الخنثى، وخرجت له لحيةٌ، أو وَصَلَ إلىُ النساء : فهو رجلٌ.
وإن ظهر له ثديٌ كثدي المرأة، أو نَزَّلَ له لبنٌّ في ثديه، أو حاضَ، أو
حَبِل، أو أمكن الوصولُ إليه من الفرج: فهو امرأةٌ.
إلى المجرى الآخر لعِلةٍ، أو عارض.
قوله: (وإن كانا في السَّبْق سواءً: فلا مُعتبر بالكثرة عند أبي حنيفة)؛
لأن البول يقلّ ويكثر لأجل ضيق المخرج وسعته، فلا دلالة لقلَّته، ولا
لكثرته.
* قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يُنسب إلى أكثرهما) بولاً؛ لأن
كثرته تدل على أنه هو المجرى في الأصل؛ لأن للأكثر حكمَ الكل،
فيترجح بالكثرة.
- فإن استويا في الكثرة: قالوا جميعاً: لا علمَ لنا بذلك، وهو مُشكِلَ،
يُنتظر به إلى أن يبلُغ.
قوله: (فإذا بَلَغَ الخنثى، وخرجتْ له لحيةٌ، أو وَصَلَ إلى النساء:
فهو رجلٌ).
- وكذا إذا احتلم كما يحتلم الرجال، أو كان له ثديٌّ مستوٍ.
: قوله: (وإن ظَهَرَ له ثديٌ كثدي المرأة، أو نَزَلَ له لبنٌ فِي ثديه، أو
حاض، أو حَبِل، أو أمكن الوصول إليه من الفرج: فهو امرأةٌ)؛ لأن هذا
من علامات النساء.

٢٠٠
كتاب الخُنْثِى
فإن لم تظهر له إحدى هذه العلامات : فهو خنثىُ مُشْكِلٌ.
وإذا وقف خلفَ الإمام : قام بين صَفِّ الرجال والنساء.
- وأما خروج المني: فلا اعتبار به؛ لأنه يَخرج من المرأة كما يخرج
من الرجل. کذا في ((شرحه)).
وصورةُ الحَبَل: بأن يتمسَّح بخرقة فيها مني.
- فإن قيل: ظهورُ الثديين علامةٌ مستقلّةٌ، فلا حاجةَ إلى ذِكر اللبن.
قيل: لأن اللبن قد ينزل ولا ثديَ، أو يظهر له ثديٌّ بحيث لا يتميز من
ثدي الرجل، فإذا نزل اللبنُ: وقع التمييز.
* قوله: (فإن لم تظهر له إحدى هذه العلامات: فهو خنثى مشكلٌ).
- إنما قال: فهو، ولم يقل: فهي: لأنه لو أنَّثَه: يكون تعييناً لأحد
الأمریْن.
وقيل: إنما ذكَّرَه؛ لأن التذكير هو الأصل، لا على التعيين.
* قوله: (فإذا وقف خلفَ الإمام: قام بين صفِّ الرجال والنساء).
- والأصل في ذلك: أن الخنثى المشكل يؤخذ له في جميع أموره
بالأحوط في أمور الدين.
فإذا ثبت هذا: قلنا: يقف بين صفِّ الرجال والنساء؛ لأنه يحتمل أن
يكون امرأةً، فإذا وقف في صفِ الرجال: أفسد عليهم، ويحتمل أن يكون
رجلاً، فإذا وقف في صفِّ النساء: أفسَدْنَ عليه، فأُمِر بالوقوف بين ذلك؛
ليأمن الأمرَیْن.