Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب الوديعة وإذا قال صاحبُ الوديعة للمودَع: لا تسلِّمْها إلى زوجتك، فسلَّمَها إليها : لم يَضمَن. وإن قال له : احفَظْها في هذا البيت، فحفظها في بيتٍ آخر من الدار : لم یضمن. وهذا قول أبي حنيفة. وعندهما: لأحدهما أن يحفظ بإذن الآخر في الوجهين جميعاً؛ لأنه رضيَ بأمانتهما، فكان لكل واحدٍ منهما أن يسلّم إلى الآخر، كما في ما لا يُقسم. ولأبي حنيفة: أنه رضيَ بحفظهما، ولم يرضَ بحفظ أحدهما، فوقع التسليم إلى الآخر بغير رضا المالك، فَيَضمن الدافع، ولا يَضمن القابض؛ لأن مودع المودع عنده لا یضمن. * قوله: (وإذا قال صاحب الوديعة للمودَع: لا تسلُّمْها إلى زوجتك، فسلَّمها إليها: لم يضمن). لأنه لا بدَّ له من التسليم إليها، فنهيُه لا يؤثّر، كما إذا قال: لا تحفظها بنفسك، ولا في صندوقك. - وهذا إذا لم تكن له امرأةً سوى التي نهاه عن الدفع إليها، والوديعة مما يُحفظ على أيدي النساء. كذا في ((المستصفى)). * قوله: (وإن قال له: احفَظْها في هذا البيت، فحَفِظَها في بيتٍ آخر من تلك الدار: لم يضمن)؛ لأن البيتين في دارٍ واحدة لا يتفاوتان في الحِرْز. ١٦٢ كتاب الوديعة وإن حفظها في دارٍ أخرى : ضمن. - وهذا إذا لم يكن البيتُ الذي حَفِظَها فيه أنقصَ حِرْزاً من البيت الذي أَمَرَه بالحفظ فيه، أما إذا كان البيتُ الثاني أنقصَ حِرْزاً: ضمن. كذا في ((الینابیع)). قوله: (وإن حَفَظَها في دارٍ أخرى: ضَمِنَ)؛ لأن حُكْم الدارين مختلفٌ في الحِرز والحفظ، وأما إذا تساويا في الحِرز، أو كانت الثانيةُ أحرزَ: لا يضمن. * مسائل: - المودَعُ إذا وَضَعَ الوديعةَ في الدار، فخرج والبابُ مفتوحٌ، فجاء سارقٌ، فأخذها: إن لم يكن في الدار أحدٌ: ضمن؛ لأن هذا تضييعٌ. - الدابةُ الوديعةُ إذا أصابها مرضٌ أو جرحٌ، فَأَمَرَ المودَعُ إنساناً يعالجُها، فعطبت: فصاحبُها بالخيار: إن شاء ضمَّن المودَعَ، أو المعالِجَ. فإن ضمَّن المودَعَ: لا يرجع على أحد. وإن ضمَّن المعالِجَ: إن عَلِم أنها ليست له: لا يرجع عليه، وإن لم يعلم أنها لغيره، أو ظنَّها له: رجع عليه. - المودَعُ إذا خاف على الوديعة الفسادَ: إن كان في البلد قاضٍ: رفع أمرَها إليه، واستأذنه في بيعها، وإن لم يكن في البلد قاضٍ: باعها، وحَفِظَ ثمنَها لصاحبها. - وعلى هذا اللقطة. ١٦٣ كتاب الوديعة - رجلٌ غاب عن منزله، وتَرَكَ امرأتَه فيه، وفيه وديعةٌ، فلمَّا رجع: لم يجد الوديعةَ: إن كانت امرأتُه أمينةً: لم يضمن، وإن كانت غيرَ أمينة: ضمن. - قال في ((الواقعات)): سُوْقيٌّ قام من حانوته إلى الصلاة، وفيه ودائعُ للناس، فضاعت: لا ضمانَ عليه؛ لأنه غيرُ مضيِّع لما في حانوته؛ لأن جیرانَه يحفظونه. - رجلٌ دفع إلى آخر شيئاً لَيَنْتُره في عُرسٍ: إن كان دراهمَ: ليس له أن يَحبِس منها شيئاً لنفسه. ولا له أن يدفعه إلى غيره لینثره. ولو نَثَرَ بنفسه: ليس له أن يلتقط منه. - وإن كان سُكَّراً: له أن يدفعه إلى غيره لينثره. وله أن يلتقط منه. وليس له أن يَحبِس منه شيئاً لنفسه. كذا في ((الواقعات)). - رجلٌ أودع رجلاً زِئْبِيلاً فيه آلاتُ النجَّارين، ثم جاء يستردُّه، وادعى أنه كان فيه قَدُوماً، فذهبتْ منه، وقال المودَع: قبضتُ منك الزنبيلَ ولا أدري ما فیه: لا ضمان علیه. - وهل تجب عليه اليمين؟ قالوا: لا تجب عليه؛ لأنه لم يدَّع عليه صُنْعاً. ١٦٤ كتاب الوديعة - وكذا إذا أُودع دراهمَ في كِيْسٍ، ولم يزنها على المودَع، ثم ادعى أنها كانت أكثر من ذلك: فلا يمين عليه، إلا أن يدعيَ عليه الفعل، وهو التضييع، أو الخيانة. - المودَعُ إذا قال: ذهبتِ الوديعةُ من منزلي، ولم يذهبْ من مالي شيءٌ: يُقبل قولُه مع يمينه، خلافاً لمالكٍ (١)؛ لأنه أمينٌ. - غريبٌ مات في دار رجلٍ، وليس له وارثٌ معروف، وخلّف شيئاً يسيراً يساوي خمسة دراهم ونحوها، وصاحب الدار فقيرٌ: فله أن يأخذها لنفسه؛ لأنه في معنى اللقطة، والله أعلم. (١) جواهر الإكليل ١٤٠/٢. ١٦٥ كتاب العارية كتاب العارِيَّة كتاب العارية هي مشتَّقَةٌ من: العَرِيَّة، وهي العَطِيَّة. وقيل: منسوبةٌ إلى العار؛ لأن طلبَها عارٌ وشَنَارٌ. فعلى هذا: يقال: العاريَّة: بالتشديد؛ لأن ياءَ النسب مشددة، والعارَةُ: لغةٌ في العارية. قال الحريريُّ: حتى إن بَزَّي هذه عارَةٌ وبيتي لا تطوف به فارَةٌ أي لا تدور. - وفي الشرع: عبارةٌ عن تمليك المنافع بغير عوض. - وسُمِّيت عارية: لتعرِّيها عن العوض. - ومن شرطها: أن تكون العين قابلةً للانتفاع بها، مع بقاء عينها، حتى لا تكون عاريةُ الدراهم والدنانير والفلوس إلا قرضاً. - والعاريةُ: غيرُ لازمة، حتى إن للمعير أن يرجع فيها متى شاء، وتبطل بموت أحدهما. ١٦٦ كتاب العارية العاريَّةُ جائزةٌ، وهي تمليكُ المنافع بغير عِوَض. وتصحُّ بقوله: أعرتُكَ، و: أطعمتُكَ هذه الأرضَ، و: منحتُكَ هذا الثوبَ، و: حَمَلْتُكَ على هذه الدابة إذا لم يُرِدْ به الهبةَ، و: أخدمتُكَ هذا العبدَ، و: داري لكَ سُكنى، و: داري لكَ عُمُري سُكنى. * قال رحمه الله: (العاريةُ: جائزةٌ): أي مفيدةٌ لملك المنفعة؛ لأنها نوعُ إحسانٍ، وفعلُ خیرٍ. * قوله: (وهي: تمليكُ المنافع بغير عوض). وهذا قول أبي بكرٍ الرازي، وعامة أصحابنا. وقال الكرخي: هي إياحةُ المنافع بملك الغير. والأول أصح، ووجهُه: أن المستعير يَملك أن يُعير، ولو كانت إباحةً: لم يجز له أن يعيرها، كمَن أُبيح له طعامٌ: لم يجز له أن يُبيحَه لغيره. وجه قول الكرخي: أنها لو كانت تمليكاً: لجاز له أن يؤجرها، كما قلنا في الإجارة، لمَّا كانت تمليكاً للمنافع: جاز للمستأجر أن يؤجرها. قلنا: امتناع إجارة العارية ليس لأنه لا يملك المنفعة، لكنَّ المعنى: أن المعير ملَّكه المنافعَ على وجهٍ لا يَنقطع حقّه عنها متى شاء، فلو جاز له أن ءِ يؤجِّر: لتعلَّق بالإجارة الاستحقاقُ، فقَطَعَ حقَّ المعير منها، فلهذا المعنى لم تجز إجارتُها. * قوله: (وتصح بقوله: أعرتُك، و: أطعمتُك هذه الأرض، و: منحتُك هذا الثوبَ، و: حملتُك على هذه الدابة إذا لم يُرِد به الهبةَ، و: أخدمتُك هذا العبدَ، و: داري لك سُكنىُ، و: داري لك عُمُري سُكْنى). ١٦٧ كتاب العارية - أما قوله: أعرتُك: فهو صريحُ العارية. وأطعمتُك هذه الأرض عاريةً: أيضاً؛ لأنها لا تُطعم، فعلم أنه أراد المنفعةَ، ولهذا لو قال: أطعمتُك هذا الطعام: كان إباحةً للعين. - وقوله: منحتُك هذا الثوب: عبارةٌ عن العارية، قال عليه الصلاة والسلام: ((المِنْحةُ مردودة))(١). ولو كانت تقتضي ملكَ العين: لم يجب ردُّها. المنحة: بكسر الميم: العطية، يقال: مَنَحَه: يَمِنِحُه، ويَمنَحُه: بكسر النون وفتحها: إذا أعطاه شيئاً. كذا في ((الصِّحَاح)). - وقوله: عُمُري سُكنىُ: بيانٌ للمنفعة، وتوقيتها بعُمُره؛ لأنه جعل له سکناها مدةَ عمره. - وقوله: إذا لم يُرِد به الهبة: راجعٌ إلى: منحتك، وحملتك. فإذا كان كذلك: كان ينبغي أن يقول: بهما، إلا أنه أراد كلّ واحدٍ منهما، كما في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. البقرة/٦٨، ولم يقل: بین ذلکما. - وقوله: وأخدمتُك هذا العبد: صريحٌ في تمليك المنفعة؛ لأنه أَذنَ له (١) سنن أبي داود (٣٥٦٢)، سنن الترمذي (١٢٦٥)، وقال: حديث حسن، وينظر نصب الراية ١١٨/٤. ١٦٨ كتاب العارية وللمُعِير أن يرجع في العارية متى شاء. والعاريةُ أمانةٌ في يد المستعير، إن هلكت من غير تَعدُّ: لم يضمن. في استخدامه. - وقوله: وداري لك سكنى: أي سكناها لك. * قوله: (وللمعير أن يَرجع في العارية متى شاء)؛ لأنها تمليكُ المنافع، وهي تحدث حالاً فحالاً، فما لم يوجد منها شيء: لم يتصل به قبضٌ، فللمعیر أن يرجع فيه. * قوله: (والعارية أمانةٌ، إن هلكتْ من غير تعدٍّ: لم يضمن). (١) قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس على المستعير غيرِ المُغِلِّ ضمانٌ)(٢). - فإن شُرِطَ فيها الضمانُ: كانت مضمونةً بالشرط؛ ((لقوله عليه الصلاة والسلام لصفوان بن أمية حين استعار منه أَدْرُعاً، وقال له صفوان: أغَصْباً (١) المُغِلُّ: من: الإغلال، وهو الخيانة، أي غير الخائن. البناية ٤٣٦/١٢. (٢) سنن الدارقطني ٤١/٣، وقال: عمرو وعبيدة: ضعيفان، وإنما يُروى عن شريح القاضي غير مرفوع. اهـ، ونقل كلامَه الزيلعي في نصب الراية ١١٥/٤، وسكت، ، وكذلك العلامة قاسم في التعريف والإخبار ٤٢٥/٢، وينظر لقول شريح مصنف عبد الرزاق (١٤٧٨٢)، وسنن البيهقي ١٤٩/٦، في حين أن العيني في البناية ٤٣٥/١٢ دافع عن الحديث، وردّ على الدار قطني بأن تضعيفه للراويين جرحٌ مبهمٌ، فلا يُقبل، وأتى له بشاهد يقوِيِّه، وقال: والعجبُ من شرَّاح الهداية كيف سكتوا عن بيان حال هذا الحدیث. اهـ ١٦٩ كتاب العارية تأخذُها يا محمد؟ فقال: بل عاريةٌ مضمونةٌ))(١)، فأخذها بشرط الضمان. وفي ((الينابيع)): لو قال: أعِرْني دابتَك أو ثوبَك، فإن ضاع فأنا ضامنٌ له: فالشرط لغوٌ، ولا يضمن. - وأما الوديعةُ والإجارة: لا يُضمنان أبداً ولو شُرِط فيهما الضمان، وإنما يُضمنان بالتعدي. كذا في ((الكرخي)). - وقوله: من غير تعدّ: إنما قال ذلك؛ لأنه إذا تعدى: ضمن؛ لأن للتعدي تأثيراً؛ بدليل أنه لو حصل في الوديعة: ضمنها. - فعلى هذا: إذا استعار دابةً إلى موضع سمَّاه، فجاوز بها ذلك الموضعَ، فعطبت: ضمن قيمتَها؛ لأن الإذنَ لم يتناول ذلك الموضع، فصار برکوبه فیه غاصباً، فلهذا ضمن. فإذا رجع بها إلى الموضع الذي استعارها إليه، فعطبت: لم يبرأ من الضمان. وقال زفر: يبرأ، اعتباراً بالوديعة إذا تعدى فيها المودَعُ، ثم أزال التعدي. (١) سنن أبي داود (٣٥٥٧)، سنن النسائي الكبرى (٥٧٤٧)، المستدرك للحاكم ٤٧/٢، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وينظر نصب الراية ١١٦/٤، التلخيص الحبير ٥٢/٣، البدر المنير ٢٦٩/١٧ تحفة المحتاج لابن الملقن ٢٧٧/٢، فقد قوّوه بطرقه. ١٧٠ كتاب العارية وليس للمستعير أن يؤآجر ما استعاره، ولا أن يَرْهنَه. فإن آجره، فهلك : ضمن. وله أن يُعيره إن كان المستعار مما لا يختلف باختلاف المستعمِل. ولنا: أنه قد لزمه الضمان بالتعدي، فلا يبرأ من ذلك إلا بالردِّ على صاحبها، کالغاصب. * قوله: (وليس للمستعير أن يُؤجِّر ما استعاره، فإن آجرَه، فعَطِب: ضمن)؛ لأن الإعارة دون الإجارة، والشيء لا يتضمن ما فوقه، ولأن مقتضى العارية: الرجوعُ، وتعلَّقُ حقِّ المستأجر بها يمنع ذلك، فلهذا لم يجز. - فإن آجرها: ضَمِنَ حين سلَّمها، وإن شاء المعيرُ ضمَّن المستأجرَ؛ لأنه قَبَضَها بغير إذن المالك. ثم إن ضمَّن المستعيرَ: لا يرجع على المستأجر؛ لأنه ظَهَرَ أنه آجر ملكه. وإن ضمَّن المستأجرَ: رجع على المؤجر إذا لم يَعلم أنه عاريةٌ في يده؛ دفعاً لضرر الغرور، بخلاف ما إذا عَلِمَ. * قوله: (وله أن يُعيره إذا كان المُستعار مما لا يختلف باختلاف المستعمِل)؛ لأن العارية تمليكُ المنافع، وإذا كانت تمليكاً: فمَن مَلَكَ شيئاً: جاز له أن يُملِّكَه على حسب ما مَلَكَ. ١٧١ كتاب العارية وعاريةُ الدراهمِ، والدنانيرِ، والمكيلِ، والموزونِ: قَرْضٌ. - وإنما شَرَطَ أن لا يختلف باختلاف المستعمِل؛ دفعاً لمزيد الضرر عن المعير؛ لأنه رضيَ باستعماله، لا باستعمال غيره. - وإنما يجوز له أن يُعير إذا صدرت مطلَقةً، بأن استعار دابةً، ولم يُسمّ له شيئاً، فإن له أن يَحمل، ويُعيرَ غيرَه للحمل، وله أن يركب، ويُركِب غيرَه؛ لأنه لمَّا أطلق: فله أن يُعير. - حتى لو ركب بنفسه: ليس له أن يُركِبَ غيرَه؛ لأنه تعيَّن رکوبُه. - ولو أركب غيرَه: ليس له أن يَركب بنفسه، حتى لو فَعَلَه: ضمن؛ لأنه قد تعيَّن الإركاب. - فأما إذا استعارها ليركبها هو، أو استعار ثوباً ليلبسَه هو، فأركبها غيرَه، أو ألبسه غيرَه، فتلف: ضمن؛ لأنها مقيّدةٌ هنا بركوبه ولُبْسه. - وإن استعار داراً ليسكنَها هو، فأعارها غيرَه، فسكنها: لم يضمن؛ لأن الدُّور لا تختلف باختلاف المستعمِل. قوله: (وعاريةُ الدراهم والدنانيرِ والمكيلِ والموزونِ: قَرْضٌ). لأن الإعارة تمليكُ المنافع، وهذه الأشياء لا يُنتفع بها إلا باستهلاك أعيانها. - وكذا المعدودُ الذي لا يَتفاوت، كالجَوْز والبيض؛ لأنه لا يُنتفع به إلا باستهلاك عينه. ١٧٢ كتاب العارية وإذا استعار أرضاً ليبنيَ فيها، أو يغرس نخلاً: جاز. وللمعير أن يرجع فيها، ويكلِّفَه قَلْعَ البناء، والغرس. فإن لم يكن وقَّت العاريةَ : فلا ضمان عليه. وإن كان وقَّت العاريةَ، فرجع قبل الوقت : ضمن المعيرُ للمستعير ما نَقَصَ البناءُ والغرسُ بالقلع. - وإنما تكون عاريةُ الدراهم والدنانير قرضاً: إذا أطلق العاريةَ، أما إذا استعارها ليعاير بها ميزاناً، أو يُزيِّن بها دكاناً: كانت عاريةً، لا قرضاً، فإن هلکت من غیر تعدٍّ: لا ضمان علیه. * قوله: (وإذا استعار أرضاً ليبنيَ فيها، أو ليغرس فيها نخلاً: جاز، وللمعير أن يرجع فيها، ويُكلّفَه قلعَ البناء والغرس)؛ لأن العارية توجب الاسترجاع، فيُكلّف بتفريغها. * قوله: (فإن لم يوقّت العاريةَ: فلا ضمانَ عليه). يعني في نقصان البناء والغرس ؛ لأن المستعير مُغْتَرٌّ، غيرُ مغرور، حيث اغترَّ بإطلاق العقد من غير أن يستوثِق منه بالوعد؛ لأنه رضيَ بالعارية من غير توقيت، فلم يكن مغروراً، والرجوعُ إنما يجب بالغرور. قوله: (وإن وقَّت العاريةَ، فرجع قبل الوقت: ضمن المعيرُ و للمستعير ما نقص البناءَ والغرسُ بالقلع)؛ لأنه غرَّه بتوقيت المدة. - قال في ((الهداية))(١): إذا وقَّت العاريةَ، ورجع قبل الوقت: صح (١) ٢٢/٣. ١٧٣ كتاب العارية وأجرةُ ردِّ العارية على المستعير. رجوعه، ولكنه يُكره؛ لما فيه من خُلْف الوعد. و ويَضمن المعيرُ ما نقص البناءَ والغرس بالقلع؛ لأنه غرَّه؛ حيث وقَّت له، والظاهرُ هو الوفاء بالوعد، فيرجع علیه. - وقال الحاكم الشهيد: إنه يَضمن صاحبُ الأرض للمستعير قيمةَ غرسه وبنائه، ويكونان له، إلا أن يشاء المستعيرُ أن يرفعَهما، ولا يضمنه قيمتَهما، فيكون له ذلك؛ لأنه ملكُه. وقالوا: إذا كان في القلع ضررٌ بالأرض: فالخيار إلى صاحب الأرض؛ لأنه صاحبُ أصلٍ، والمستعير صاحبُ تَبَعِ، والترجيحُ بالأصل. - وإن استعارها ليزرعها: لم تؤخذ منه حتى يحصدَ الزرعَ، وقَّت أو لم يوقّت؛ لأن للزرع نهايةً معلومة، فيُترك إلى أن يَستحصد. - وإنما يُترك بأجرة المثل؛ حتى لا يتضرَّر المعيرُ؛ مراعاةً للحقَّيْن، وليس كذلك الغرسُ؛ لأنه لا نهاية له. قوله: (وأجرةُ ردِّ العاريةِ على المستعير)؛ لأن الردَّ واجبٌ عليه؛ لأنه قَبَضَه لمنفعة نفسه. وفي الوديعة: مؤنةُ الردِّ على صاحبها. وفي الرهن: مؤنةُ ردِّ الرهن على المرتهن. - ونفقة المستعار على المستعير، وعَلَفُ الدابة المستعارَة: على المستعير، والكسوةُ: على المعير. ١٧٤ كتاب العارية وأجرةُ ردِّ العين المستأجرة على المُؤْجِر. وأجرةُ ردِّ العين المغصوبة على الغاصب. وأجرةُ ردِّ العين المودَعة على المودع. وإذا استعار دابةً، فردَّها إلى إصطبلِ مالكها، فهلكت: لم يضمن. - ولو استعار عبداً للخدمة: فعليه نفقتُه. - وإن أعاره مولاه: فنفقتُه على المولىُ. - فالاستعارة أن يقول: أعِرْني عبدَك، والإعارةُ أن يقول المولى: خذ عبدي، واستخدِمْه، من غير طلبٍ من المستعير. قوله: (وأجرةُ ردِّ العين المستأجرة على المؤجر)؛ لأن الواجب على المستأجر التمكينُ والتخليةُ، دون الرد، فإن منفعةَ قبضه سالمةً: (١) للمؤجر معنىً. قوله: (وأجرة ردِّ العين المغصوبة على الغاصب)؛ لأن الواجب عليه الردُّ والإعادةُ إلى يد المالك؛ لأنه نَقَلَها من مالكها غصباً. * قوله: (وأجرةُ ردِّ العين المودَعة على المودع، وإذا استعار دابةً، فردَّها إلى إصطبل مالكها، فهلكت: لم يضمن)، وهذا استحسانٌ؛ لأن إصطبله: يدُ .. - ولو ردَّها إلى المالك: فالمالك يردُّها إلى الإصطبل، ولأنه أتى بالتسليم المتعارَف. (١) هكذا في نسخ الجوهرة، لكن جاء في السراج الوهاج: لأنه قَبَضَ منفعةً سالمةً للمؤجر معنىً، فلا یکون علیه مؤنة رده. اهـ ١٧٥ كتاب العارية وإن استعار عيناً فردَّها إلى دار المالك، ولم يسلِّمها إليه : ضَمِن. وفي القياس: يضمن؛ لأنه لم يردّها إلى مالكها، ولا إلى وكيله، فكان مضيِّعاً لها. ـ ومَن استعار دابةً، فردّها مع عبده أو أجيره: لم يضمن. والمراد بالأجير: أن يكون مسانَهةً أو مشاهرةً، بخلاف الأجير میاومةً؛ لأنه ليس في عياله. - وكذا إذا ردَّها مع عبد صاحب الدابة، أو أجيره: لم يضمن؛ لأن المالك يرضى به، ألا ترى أنه إذا ردَّها إليه: فهو يرده إلى عبده. وقيل: هذا في العبد الذي يقوم على الدواب. وقيل: فيه، وفي غيره، وهو الأصح. - فإن ردَّها مع أجنبيٌّ: ضمن، وهذا دليلٌ على أن المستعير لا يملك الإيداعَ، وقال بعضُهم: يملك الإيداع؛ لأنه دون الإعارة. * قوله: (وإن استعار عيناً، فردَّها إلى دار المالك، ولم يسلِّمها إليه: ضمن). وفي نسخة: لم يضمن. وكذا هو في ((شرحه)): لم يضمن، غير أنه بعد ذلك أشار إلى أنه في آلات المنزل. ١٧٦ كتاب العارية وإن ردَّ الوديعةَ إلى دار المالك، ولم يسلمها إليه : ضمن. - وفي ((الهداية))(١): إن استعار عبداً، وردّه إلى دار المالك، ولم يسلِّمْه إليه: لم يضمن. اهـ فإن كانت العارية عبداً أو ثوباً: لا يبرأ حتى يردّه إلى يد المعير، وهو معنى ما في متن ((الكتاب)). * قوله: (وإن ردَّ الوديعةَ إلى دار المالك، ولم يسلِّمْها إليه: ضمن). ــ وكذا المغصوب؛ لأن الواجب على الغاصب فَسْخُ فعله، وذلك بالرد إلى المالك، دون غيره، والوديعةُ لا يرضى المالك بردها إلى الدار، ولا إلى يد مَن في عياله؛ لأنه لو ارتضى ذلك: لما أودعها، بخلاف العواري؛ لأن فيها عُرفاً، حتى لو كانت العارية عِقْدَ جوهرٍ: لم يردّها إلا إلى المعير؛ لعدم العُرف فيه. ـ ومَن أعار أرضاً للزراعة يكتب المُعار: إنك قد أطعمتَني، عند أبي حنيفة. وعندهما: يكتب: إنك قد أعرتَني؛ لأن لفظة الإعارة موضوعةٌ له، والكتابة بالموضوع أوْلى، كما في إعارة الدار. وله: أن لفظ الإطعام أدلَّ على المراد؛ لأنها تخصَّ الزراعة، والإعارة تنتظم الزراعةَ وغيرها، كالبناء ونحوه، فكانت الكتابة بها أَوْلى، بخلاف الدار، فإنها لا تُعار إلا للسكنى. (١) ٢٢٣/٣، وينظر اللباب للميداني ٣/ ٥٠٥ لنص العيني ونَقْلُه لاختلاف النسخ. ١٧٧ كتاب العارية مسائل : - قال في ((الواقعات)): رجلٌ استعار دابةً، فنام المستعير في المفازة، ومِقْودها في يده، فجاء إنسان فقطع المقودَ، وذهب بها: لا ضمان عليه. - ولو مدَّ المقودَ، فانتزعه من يده، ولم يَشعر بذلك: ضمن؛ لأنه في الوجه الأول: غيرُ مضيِّعٍ، وها هنا مضِّعٌ. - وهذا إذا نام مضطجعاً، أما إذا نام قاعداً: لا يضمنُ ولو كان المقودُ ليس في يده؛ لأنه غير مضيِّع؛ لأن المودَع إذا نام قاعداً، فسُرقت الوديعة: لا ضمان عليه، والمودَعُ والمستعيرُ في هذا سواء، نصَّ على التسوية بينهما السرخسيُ (١). - رجلٌ استعار كتاباً ليقرأ فيه، فوجد فيه خطأً: إن علم أن صاحب الكتاب يكره إصلاحَه: ينبغي أن لا يُصلحه؛ لأنه تصرُّفٌ في ملك الغير بغير إذنه. وإن لم يعلم أنه لا يكره إصلاحَه: جاز؛ لأنه مأذونٌ له دلالةً. ولو لم يفعل: لا إثمَ عليه؛ لأن الإصلاحَ غيرُ واجب عليه. - رجلٌ استعار ثوراً، فاستعمله، ثم تركه في المرعى، فضاع: إن علم أن المعيرَ يرضى بكونه هناك يرعى وحده، كما هو العادة: لا (١) المبسوط ١٣٥/١١. ١٧٨ كتاب العارية . يضمن، وإلا: ضمن؛ لأنه تَركَه بغير إذنه. - رجلٌ طلب من آخر ثوراً عاريةً، فقال له: غداً أُعطيك، فلما كان من الغد: أخذه المستعير بغير إذن صاحبه، واستعمله، ومات في يده: ضمن؛ لأنه أخذه بغير إذنه. وإن ردّه، فمات عند صاحبه: لا ضمان عليه. - امرأةٌ أعارت شيئاً بغير إذن الزوج: إن أعارت من متاع البيت مما یکون على أيدي النساء عادةً، فضاع: لا تضمن. - ولو زَلَقَ مستعيرُ السراويل، فتخرَّق: لا يضمن. - رجلٌ دخل الحمَّم، فاستعمل آنيةَ الحمَّام، فانكسرت: لا ضمان عليه. - وكذا إذا أعطاه صاحب الفُقَّاعِ كُوزَ الفُقَّاع ليشربه، فسقط من يده، وانكسر: لا ضمان عليه؛ لأنه أخذه بإذنه. - ولو أتى إلى سوقيٌّ يبيع الآنيةَ، وأخذ إناءً بغير إذنه لينظر إليه، فسقط من يده، فانكسر: ضمن؛ لأنه غير مأذون فيه، والله أعلم. ١٧٩ كتاب اللَّقيط كتاب اللَّقِيط اللَّقيطُ : حُرٌّ، مسلمٌ. كتاب اللَّقِيط اللقيطُ: اسمٌ لمَنبوذٍ من بني آدم، نُبِذ خوفاً من العَيْلة، أو فراراً من التهمة. - مُضَيِّعُه آثمٌ، ومُحرِزه غانمٌ، وأَخْذُه أفضلُ من تركه. - وسُمِّي لقيطاً؛ باعتبار مآله، لِمَا أنه يُلقَط. - والالتقاطُ مندوبٌ إليه فيما إذا كان في المصر، وواجبٌ إذا كان في برِيَّة؛ لما فيه من إحيائه. * قال رحمه الله: (اللقيطُ: حرٌّ، مسلمٌ): أي في جميع أحكامه، حتى إن قاذفه يُحدُّ؛ لأن الأصل في بني آدم الحريةُ، والدارُ دار الإسلام، وهي دار الأحرار. - وإن ادعى الملتقطُ أو غيرُه أنه عبدُه: لا يصح إلا بالبينة. - وتجوز شهادتُه بعد البلوغ إذا كان عدلاً. - ولا يصح منه العتق والتدبير والكتابة. ١٨٠ كتاب اللَّقيط ونفقتُه من بيت المال. - والجناية عليه، ومنه: کالجناية على الأحرار. - ويُحكم له بالإسلام؛ لأنه وُجد بين المسلمين، فكان مثلَ أولادهم. وروي أن رجلاً التقط لقيطاً، فجاء به إلى عليٍّ كرم الله وجهه، فقال: هو حرّ(١). * قوله: (ونفقتُه من بيت المال)، يعني إذا لم يكن له مالٌ، ولا قرابةٌ؛ لأن ميراثه للمسلمين، وعَقْلَه عليهم، فكانت نفقتُه في بيت مالهم. وروي ((أن رجلاً جاء إلى عمر رضي الله عنه بمَنبوذٍ، فقال: وجدتُه على بابي، فقال عمر: عسىُ الغُوَيْرُ أَبْؤْساً، نفقتُه علينا، وهو حرٌّ)(٢). فقوله: عسىُ الغُوَيْرُ أبؤساً: يدل على أن عمر اتهمه أن يكون ابنُه، وأن البأسَ جاء من قِبَله. والغُوَيْرِ: بلدٌ، والبؤسُ: القحط(٣)، والمنبوذُ: الطفلُ المرميُّ به. - فإن أنفق عليه الملتقطُ من ماله: فهو متطوِّعٌ، ولا يرجع به على اللقيط؛ لعدم ولايته عليه، إلا أن يأمره القاضي؛ ليكون ديناً عليه. (١) عزاه العيني في البناية ٤٤٤/٩ إلى مصنف عبد الرزاق ٤٥٠/٧. (٢) ذكره البخاري معلّقاً قبل حديث (٢٦٦٢)، ووصله مالك في الموطأ ٧٣٨/٢، وعبد الرزاق في مصنفه (١٣٨٤٠)، وينظر فتح الباري ٢٧٤/٥. (٣) وينظر لمعناه بأوسع، وأنه مَثَلٌ عربي: في فتح الباري ٢٧٤/٥.