Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ کتاب الغصب وإذا استَهلك المسلمُ خمرَ الذِّيِّ، أو خِنزيرَه : ضَمِن قيمتَهما. - وينبغي على قول أبي يوسف ومحمد أنه إذا غصب حنطةً، فطحنها، وأطعمها المغصوبَ منه: أنه لا يبرأ؛ لأنه قد مَلَكَها بالطحن، فبان أنه أطعم ملكَ نفسه، فيكون متبرِّعاً بذلك. - وفي ((البزدوي الكبير))(١): مَن غصب طعاماً، فأطعمه المالكَ من غير أن يَعلمه: برئ منه عندنا؛ لأنه أداءٌ حقيقةً، فإن عَيْنَ مالِه وَصَلَ إليه، فجَهْلُه به لا يُبطل قبضَه له. أي جهلُه بأنه ملكُه لا يُبطل حكماً شرعياً، ألا ترى أن مَن اشترى عبداً، فقال البائعُ للمشتري: أعتق عبدي هذا، وأشار إلى المبيع، فأعتقه المشتري ولم يعلم أنه عبده: صحَّ إعتاقه، ويُجعل قبضاً، ويَلزمه الثمن؛ لأنه أعتق مِلْكَه، وجَهْلُه بأنه ملكه: لا يمنع صحةَ ما وُجد منه، كذا هذا. وقال الشافعي(٢): لا يبرأ؛ لأنه ليس بأداءٍ مأمورٍ به؛ لأنه غُرورٌ، والشرعُ لم يأمر بالغُرور، فبطل الأداء؛ نفياً للغُرور. * قوله: (وإذا استهلك المسلمُ خمرَ الذميِّ، أو خنزيرَه: ضمن قيمتهما)؛ لأن الخمر لهم: كالخلِّ لنا، والخنزير في حقهم: كالشاة لنا، ونحن أُمرنا أن نتركهم وما يتديَّنون، والسيفُ موضوعٌ، فتعذّر الإلزام، إلا (١) أي أصول البزدوي: ((كنز الوصول إلى معرفة الأصول))، ص١٤٢، في طبعتي المحققة، ومعه: تخريج أحاديث أصول البزدوي، للعلامة قاسم بن قطلوبغا. (٢) تحفة المحتاج ٤٥/٦. ١٤٢ كتاب الغصب وإن استهلكهما لمسلمٍ : لم يَضمن. أنه تجب قيمة الخمر وإن كان مثلياً؛ لأن المسلم ممنوعٌ من تمليكه وتمتُگه. - بخلاف ما إذا أتلفه ذميُّ لذمي: فإنه يجب مثله؛ لأن الذمي غير ممنوعٍ من تمليكه وتملُّگه. * قوله: (وإن استهلكهما مسلمٌ لمسلم: لم يضمن). - وكذا إذا استهلكهما ذميٌّ لمسلم: لا ضمانَ عليه أيضاً. - ولو غصب مسلمٌ خمرَ المسلم، فتخلَّلت عنده، أو خلَّلها الغاصبُ: کان للمغصوب منه أن یستردَّها. فإن هلكت عند الغاصب بعد ما صارت خلاً: فلا ضمان عليه؛ لأن الغصب لم يوجب عليه الضمان، فلا يجب عليه بعد ذلك. - وإن استهلكها الغاصبُ: ضمن مثلَها خلاً؛ لأن الاستهلاك بسبب آخر، وهو يوجب الضمان. - وإن غصب جلدَ ميتةٍ، فدَبَغَه بما له قيمةٌ، واستهلكه: لا يضمنه عند أبي حنيفة؛ لأن التقوُّم إنما حصل بفعله. وعندهما: يضمن الجلدَ مدبوغاً، ويعطيه ما زاد الدِّبَاغ فيه. - وإن هلك: لا ضمان عليه، إجماعاً؛ لأن الدباغ ليس بإتلاف، والغصب المتقدم لا يتعلق به ضمانٌ؛ لأن الجلد لا قيمةً له. ١٤٣ كتاب الغصب . - وأما إذا دبغه بما لا قيمة له، فهلك بعد الدباغ: لا ضمان عليه؛ لأن الدباغ ليس باستهلاك. - وإن استهلكه: ضمن، إجماعاً؛ لأن الجلد صار مالاً، وهو على ملك صاحبه، فإذا أتلفه الغاصبُ: ضمنه بالإتلاف. - هذا كله في حالة هلاك الجلد، أما حال وجوده: فنقول: إذا غصب جلدَ ميتةٍ، فدبغه بما لا قيمة له: فلصاحبه أن يأخذه منه بغير شيء؛ لأنه استحال مالاً على حكمٍ مِلْكه من غير زيادةٍ؛ لأنه إنما استحال بالشمس والتراب. - وإن دبغه بما له قيمةٌ: فلصاحبه أن يأخذه، ويَغْرَم ما زاد الدباغُ فيه؛ لأن الجلد صار مالاً بمال الغاصب. وصورة ذلك: أن ينظر إلى قيمته ذكياً غيرَ مدبوغ، وإلى قيمته مدبوغاً، فيضمن فضلَ ما بينهما. وللغاصب أن يحبسه حتى يستوفي حقه. ــ وهذا كله إذا أخذ جلدَ الميتة من منزل صاحبها، أما إذا ألقاها المالك في الطريق، فأخذه إنسانٌ، فدبغه: فقد قيل: لا سبيلَ له عليه؛ لأن إلقاء الميتة في الطريق إباحةٌ لأخذها، فلم يثبت له الرجوعُ، وقيل: له أن يرجع. ١٤٤ کتاب الغصب - مسائلُ شتى: قال في ((الهداية)) (١): ومَن غصب ألفاً، فاشترى بها جاريةً، فباعها بألفين، ثم اشترى بالألفين جاريةً، فباعها بثلاثة آلاف: فإنه يتصدق بجميع الربح، وهذا عندهما، خلافاً لأبي يوسف. - وكذا المودَع على هذا. ـ ومَن كَسَرَ لمسلم بَرْبَطاً أو طَبْلاً أو مِزْماراً أو دُفَّاً: فهو ضامنٌ، وبيع هذه الأشياء جائزٌ، وهذا عند أبي حنيفة. وعندهما: لا يضمن، ولا يجوز بيعُها؛ لأن هذه الأشياء أُعدَّت للمعصية(٢)، فبطل تقويمها، كالخمر. ولأبي حنيفة: أنها أموالٌ؛ لأنها تصلح لما يَحِلُّ من وجوه الانتفاع وإن صلحت لما لا يحل، فصار كالأمة المغنّية. وتجب قيمةُ هذه الأشياء غيرَ صالحةٍ للَّهو. ـ ومَن غصب أمَّ ولد أو مدبَّرةً، فماتت في يده: ضمن قيمة المدبرة، ولم يضمن قيمة أم الولد، عند أبي حنيفة. وعندهما: يضمن قيمتَهما جميعاً؛ لأن مالية المدبّرة متقوِّمة، بالاتفاق، بدليل أنها تسعى للغرماء وللورثة، وأمُّ الولد في معناها؛ لأن الثابت لها حقُّ الحرية كالمدبرة. (١) ٤/ ١٤. (٢) قلتُ: إلا الدف. ١٤٥ کتاب الغصب ولأبي حنيفة: أن المولىُ لا يملك منها إلا المنافع، لا غيرَ، بدلالة أنها لا تسعى بعد موته بحال، وأنها حرةٌ من جميع المال، والمنافعُ إذا تلفت: لا قيمة لها. - ولو غصب صبياً حراً، فمرض، فمات في يده: فعند أبي حنيفة لا ضمان علیه. - وإن لم يَمرض، ولم يمت، ولكن عَقَرَه سَبُعٌ، فقتله، أو نهشتْه حيةٌ، فمات: فعلى عاقلة الغاصب الديةُ. - وإن قتله رجلٌ في يد الغاصب خطأً: فإن للأولياء أن يتّبعوا أيَّهما شاؤوا بالدية، فإن اتَبعوا الغاصبَ: رجع على القاتل، وإن اتَّبعوا القاتلَ: لم يرجع على الغاصب، وكلّ هذا الضمان على العاقلة. - وإن قتله عمداً: كان أولياؤه بالخيار: إن شاؤوا قتلوا القاتل، وبرئ* الغاصب، وإن شاؤوا اتَّبعوا الغاصبَ بالدية علىُ عاقلته، وترجعُ عاقلة الغاصب في مال القاتل. - ولو أن الصبيَّ هو الذي قتل رجلاً في يد الغاصب، فرده إلى أبيه، فضمن عاقلةُ الصبي الديةَ: لم يكن لهم أن يرجعوا على الغاصب بشيء؛ لأن الصبيَّ لا يضمن باليد، فلا تضمن جنايته، وإنما يضمن الغاصب الجنايةَ علیه. - ولو قتل الصبيُّ نفسَه، أو طرح نفسَه من دابةٍ: لا ضمان على ١٤٦ كتاب الغصب الغاصب؛ لأنه هو الجاني على نفسه. - قال أبو يوسف: فإن أصابته صاعقةٌ: ضمن الغاصب. - وإن فتح رجلٌ بابَ قَفَصٍ، فطار منه طائرٌ: لم يضمن، إلا إذا نفَّره. - وكذا إذا فتح بابَ دارٍ، فهرب منه العبدُ، أو حَلَّ قَيْد العبد، فهرب: لا يضمن، إلا أن يكون العبد مجنوناً. - وعن محمد: في دابةٍ مربوطةٍ في مَرْبِض، فحلَّها رجلٌ، أو كانت في بيت، ففتح البابَ، فذهبت الدابةُ: قال: هو ضامنٌ. - فإن حَلَّ رِباطَها رجلٌ، وفتح البابَ آخرُ: فالضمان على فاتح الباب. - وقال في العبد إذا حلَّ قَيْدَه، أو فَتَحَ الباب عليه: فهرب: لا يضمن؛ لأن له اختياراً في نفسه، إلا أن يكون مجنوناً. وقال أبو حنيفة: لا ضمانَ في جميع ذلك. وقال الشافعي(١): إن طار الطائرُ من فوره: ضمن، وإن طار بعد مُهلة: لا يضمن. - وإن حَلَّ رِباط الزِّقِّ: فإن كان السمن الذي فيه ذائباً: ضمن، وإن كان جامداً: فذاب بالشمس: لم يضمن؛ لأنه سال بفعل الشمس، لا بفعله. - قال في ((الواقعات)): إذا استهلك لرجل ثوباً، فجاء إليه بقيمته، فقال: لا آخذها، ولا أجعلك في حِلّ: يُرفع الأمر إلى الحاكم حتى يُجبره (١) مغني المحتاج ٢٧٨/٢. ١٤٧ کتاب الغصب على القبول؛ لأن في ذلك حقَّ المستهلك، وهو براءةُ ذمته. - فإن لم یرفعه إلی الحاکم، ولکن وضعه في حِجْر صاحبه: برئ. - وإن وضعه بین یدیه: لا يبرأ. - بخلاف الوديعة: فإنه يبرأ إذا وضعها بين يدي صاحبها. ۔ و کذلك عینُ المغصوب یبرأ بوضعه بین یدیه. والفرق: أن الواجب في قبض الدين حقيقة القبض؛ لتحقق المعاوضة، وفي الوديعة والغصب يتحقق الرد بالتخلية؛ لعدم المعاوضة. ـ وطلبةُ العلم إذا كانوا في مجلس، ومعهم محابرُ، فكتب واحدٌ منهم من مَحبرَة غيره بغير إذنه: لا بأس به؛ لأنه مأذونٌ فيه دلالةً، إلا إذا عَلِم أنه لا يرضىُ. - مسألة: روى عليُّ بن الجَعْد قال: سمعت عليَّ بن عاصم قال: سألتُ أبا حنيفة عن درهمٍ لرجل، ودرهمين لآخر اختلطوا، فضاع درهمان، وبقي درهمٌ من الثلاثة لا يُعرَف مِن أيِّها هو؟ فقال: الدرهم الباقي بينهما أثلاثاً. فلقيتُ ابنَ شُبْرُمَةَ، فسألته عنها، فقال أسألتَ عنها أحداً؟ قلت: نعم، سألت أبا حنيفة. فقال: إنه قال لك: الدرهمُ الباقي بينهما أثلاثاً؟ ١٤٨ كتاب الغصب قلت: نعم. قال: أخطأ أبو حنيفة؛ لأنا نقول: درهمٌ من الدرهمين الضائعين لصاحب الدرهمين بلا شك، والدرهم الثاني من الضائعين: يحتمل أنه الثاني من الدرهمين، ويحتمل أنه الدرهم الواحد، فالدرهم الباقي بينهما نصفان. فاستحسنتُ جوابَه جداً، وعُدْتُ إلى أبي حنيفة، وقلتُ له: خولفتَ في المسألة، فقال: ألقيَكَ ابنُ شُبْرُمة، وقال لك كذا وكذا، وذكر جوابَه بعینه؟ قلت: نعم. قال: إن الثلاثة لما اختلطت: صارت شركةً بينهما، بحيث لا تتميز، فلصاحب الدرهمين ثُلُنا كلِّ درهمٍ، ولصاحب الدرهم ثلثُ كلِّ درهم، فأيُّ درهم ذَهَبَ: ذَهَبَ بحصته، فالدرهمُ الباقي بينهما أثلاثاً، والله أعلم. ١٤٩ کتاب الوديعة كتاب الوديعة الوديعةُ أمانةٌ في يد المودَع، إذا هَلَكت في يده: لم يضمنها. كتاب الوديعة هي مشتقةٌ من: الوَدْعِ، وهو التَّرْك، قال الشاعرُ: سَلْ أميري ما الذي غيَّرَه عن وِصالي اليومَ حتىُ وَدَعَه أي: تَركَه. وفي الشرع: عبارةً عن تَرْك الأعيان مع مَن هو أهلٌ للتصرُّف في الحفظ، مع بقائها على حكم مِلْك المالك. - والفرقُ بين الوديعة والأمانة: أن الوديعة هي: الاستحفاظ قصداً، والأمانةَ هي: الشيءَ الذي وقع في يده من غير قصد، بأن ألقتِ الريحُ ثوباً في حِجْره. والحُكم في الوديعة: أنه يَبرأ من الضمان إذا عاد إلى الوِفاق، وفي الأمانة: لا يبرأ إلا بالأداء إلى صاحبها. * قال رحمه الله: (الوديعةُ أمانةٌ في يد المودَع، إذا هلكت: لم يضمنها)؛ لأن بالناس حاجةً إليها، فلو كانت مضمونةً؛ لامتنع الناس من قبولها، فتتعطل مصالحهم. ١٥٠ كتاب الوديعة وللمودَع أن يحفظَها بنفسه، وبمَن في عياله. فإن حَفظَها بغيرهم، أو أَودعها : ضَمِن. * قوله: (وللمودَع أن يَحفَظَها بنفسه، وبمَن في عياله)؛ لأنه لا يتمكن من الحفظ إلا بهم، ولأنه لا يجد بُدَّاً مِن دَفْعها إليهم؛ لأنه لا يمكنه ملازمةُ بيته، ولا استصحابُ الوديعة في خروجه. والذي في عياله: هو الذي يَسكنُ معه، ويُجري عليه نفقتَه، من امرأته وولدِهِ وأجیرِه وعبدِه. وفي ((الفتاوى)): هو مَن يُساكنُه، سواء كان في نفقته أوْ لا. - ويُشترط في الأجير: أن يكون أجيراً مُشاهَرَةً، وطعامُه وكسوتُه على المستأجر. فأما إذا كان أجيراً مياومةً، ويعطيه نفقتَه دراهمَ: فليس هو في عياله، فیضمنُ بالدفع إلیه إذا هلكت عنده. - وإن دفعها إلى شريكه شركةَ عِنان أو مفاوضةٍ، أو إلى عبدٍ له مأذونٍ، فضاعت: لم يضمن؛ لأن هؤلاء يَحفظون أموالَه، فيدُهم كيده. * قوله: (فإن حفظها بغيرهم، أو أودعها: ضمن)؛ لأنه رضيَ بيده، لا بيد غيره، والأيدي تختلف في الأمانة، ولأن الشيء لا يتضمَّن مثلَه، کالو کیل لا یوكِّل غيره. - والوضعُ في حِرز غيرِهِ: إيداعٌ، إلا إذا استأجر الحِرْزَ، فيكون حافظاً بحرز نفسه. ١٥١ كتاب الوديعة - وقولُه: فإن حفظها بغيرهم: يعني بأجرة. - وقولُه: أو أودعها: يعني بغير أجرة، فإن أودعها، فضاعت في يد الثاني: فالضمان على الأول، وليس لصاحبها أن يُضمِّن الثاني عند أبي حنيفة. وعندهما: هو بالخيار: إن شاء ضمَّن الأولَ، وإن شاء ضمَّن الثاني. فإن ضمَّن الأولَ: لا يرجع على الثاني؛ لأنه مَلَكَه بالضمان، وظهر أنه أودع ملكَ نفسه، وإن ضمَّن الثاني: رجع على الأول؛ لأنه عاملٌ له، فيرجع عليه بما لَحِقَه من العُهدة. لهما: أن المالك لم يرض بأمانة غيرِه، فيكون الأولُ متعدِّياً بالتسليم، والثاني متعدياً بالقبض، فيُخيَّر بينهما. ولأبي حنيفة: أن قَبْضَ الثاني قبضُ الأول، وإذا تعلَّق الضمان على الأول بهذا القبض: لم يجب به ضمانٌ على الثاني؛ لأن قَبْضَ الواحد لا یوجب على اثنين. - وإن استهلكها الثاني: ضمن، إجماعاً، ويكون صاحبُها بالخيار: إن شاء ضمَّن الأولَ، أو الثاني، فإن ضمَّن الأولَ: رجع على الثاني، وإن ضمَّن الثاني: لا يرجع على الأول. - وأجمعوا أن مودَع الغاصب يضمن إذا هلكت الوديعة في يده؛ لأن هناك قَبْضين مضمونَيْن، والمغصوب منه بالخيار: إن شاء ضمَّن الغاصبَ، ولا يرجع على المودَع، وإن شاء ضمَّن المودَع، ويرجع على الغاصب. ١٥٢ كتاب الوديعة - وكذا إذا غصب من الغاصب غاصبٌ آخرُ، فهلكت عند الثاني: فالمالك بالخيار: إن شاء ضمَّن الأولَ، وهو يرجع على الثاني، وإن شاء ضمَّن الثاني، وهو لا يرجع على الأول، وإنما يستقر حاصل الضمان على الثاني. - وكذا إذا وهب المودَع الوديعةَ، أو أعارها، فهلكت عند الثاني؛ لأن هناك قبضين؛ لأن الموهوب له والمستعيرَ يقبضان لأنفسهما، فهو مخالفٌ للقبض الأول، فيكون المالكُ بالخيار في تضمين أيِّهما شاء. ـ ومَن أودع صبياً وديعةً، فهلكت في يده: لا ضمان عليه، بالإجماع. - فإن استهلكها: إن كان مأذوناً له في التجارة: ضمنها، إجماعاً. وإن كان محجوراً عليه: إن قَبَضَها بإذن وليه: ضمن أيضاً، إجماعاً. وإِن قَبَضَها بغير إذن وليه: لا ضمان عليه عندهما، لا في الحال، ولا بعد الإدراك. وقال أبو يوسف: يضمن في الحال. - وإن أودعه عبداً، فقَتَلَه: ضَمِنَ، إجماعاً. والفرق: أن الصبيَّ من عادته تضييعُ الأموال، فإذا سَلَّم إليه مع علمه بهذه العادة: فكأنه رضيَ بإتلافه، فلم يكن له تضمينه، وليس كذلك القتل؛ لأنه ليس من عادة الصبيان، فيضمنُه، وتكون قيمته على عاقلته. - وإن جنى عليه فيما دون النفس: كان أرشُه في مال الصبي. - وإن أودع عند عبدٍ وديعةً، فهلكت عنده: لا ضمانَ عليه. ١٥٣ کتاب الوديعة إلا أن يقع في داره حريقٌ، فيُسلِّمَها إلى جاره. أو يكونَ في سفينةٍ يَخافُ الغرقَ، فيُلِقِيَها إلى سفينةٍ أخرى. وإن استهلكها: إن كان مأذوناً أو محجوراً، وقَبَضَها بإذن مولاه: ضَمِنَها، إجماعاً، وتكون ديناً عليه إلى بعد العتق. وإن كان محجوراً، وقَبَضَها بغير إذن مولاه: لم يضمنها في الحال، ويضمنها بعد العتق إذا كان بالغاً عاقلاً عندهما. وقال أبو يوسف: يضمنها في الحال، ويُباع فيها. * قوله: (إلا أن يقع في داره حريقٌ، فيُسلِّمَها إلى جاره، أو يكون في سفينة، فخاف الغَرَقَ، فَيَنقلها(١) إلى سفينةٍ أخرى: لم يضمن). لأن ذلك تعيّن طريقاً للحفظ في هذه الحالة، ويرتضيه المالك. - ولا يُصدَّق على ذلك إلا ببينةٍ؛ لأنه يدعي ضرورةً مسقِطةً للضمان، فصار كما إذا ادعى الإذنَ في الإيداع. ءِ - قال الحَلوانيّ: إذا وقع في داره حريقٌ: فإن أمكنه أن يدفعها إلى بعض عياله، فدفعها إلى أجنبيٍّ: ضمن. - وشَرَطَ الإمامُ خُوَاهَر زاده في الحريق الغالب: أن يُحيط بالوديعةَ، فإن لم يكن بهذه الصفة: ضمن. كذا في ((المستصفى)). (١) وفي نسخ القدوري: فيُلقيها. ١٥٤ كتاب الوديعة وإن خَلَطَها المودَع بماله حتى لا تتميَّزُ : ضَمِنَها. * قوله: (فإن خَلَطَها المودَعُ بماله حتى صارت لا تتميّز: ضمنها)؛ لأنه استهلاكٌ. - ثم لا سبيلَ للمودع عليها عند أبي حنيفة. وعندهما: إذا خَلَطَها بجنسها: صارت شركةً إن شاء، مثل أن يخلط الدراهم البيض بالبيض، أو السودَ بالسود، أو الحنطةَ بالحنطة، أو الشعيرَ بالشعير. لهما: أنه لا يمكنه الوصولُ إلى عين حقِّه صورةً، وأمكنه معنىً بالقسمة، فكان استهلاكاً من وجه، دون وجه، فيَميل إلى أيهما شاء. وله: أنه استهلاكٌ من كل وجهٍ؛ لأنه يتعذر الوصول إلى عين حقِّه. - ولو أبرأ الخالط: لا سبيلَ له على المخلوط عند أبي حنيفة؛ لأنه لا حقَّ له إلا في الدين، وقد سقط. وعندهما: بالإبراء سقط خيرةُ الضمان، فتتعيَّن الشركةُ في المخلوط. - وخَلْطُ الخلِّ بالزيت، وكلُّ مائعٍ بغير جنسه: يوجبُ انقطاعَ حقِّ المالك إلى الضمان، بالإجماع. - وكذا خَلْطُ الحنطة بالشعير، في الصحيح؛ لأن أحدهما لا يخلو من حبَّات الآخر، فيتعذر التمييزُ والقسمة. - ولو خَلَطَ المائعَ بجنسه: ينقطع حقُّ المالك إلى الضمان عند أبي حنيفة. ١٥٥ كتاب الوديعة فإن طَلَبَها صاحبُها، فحَبَسَها عنه، وهو يقدر على تسليمها : ضَمِنَها. وإن اختلطت بماله من غير فِعْله : فهو شريكٌ لصاحبها. وإن أنفق المودَعُ بعضَها، وهلك الباقي : ضمن ذلك القدر. وعند أبي يوسف: يُجعَل الأقلُّ تَبَعاً للأكثر. وعند محمد: شرکةٌ بکل حال. - وقد قالوا: لا يسع الخالط أكله، حتى يؤدي مثله إلى صاحبه. أما عند أبي حنيفة: فلأنه مَلَگه من وجهِ محظور. وأما عندهما: فلأن العين باقيةٌ على ملك صاحبها. * قوله: (فإن طلبها صاحبُها، فحَبَسَها عنه وهو يقدر على تسليمها: ضمنها)؛ لأنه إذا طلبها: فقد عَزَلَه عن الحفظ، فإذا أمسكها بعد ذلك: كان غاصباً، مانعاً له، فيضمنها؛ لكونه متعدياً بالمنع. - وأما إذا لم يقدر على تسليمها، بأن يكون في موضعٍ ناءٍ، لا يقدر في الحال على ردِّها: لا يضمنها؛ لأنه غيرُ قادرٍ على الرد. * قوله: (وإن اختلطت بماله من غير فعله: فهو شريكٌ لصاحبها). كما إذا انشقَّ الكِيسان، فاختلطا؛ لعدم الصُّنْع منه، فيشتركان فيه، وهذا بالاتفاق. ١٥٦ كتاب الوديعة وإن أنفق المودَعُ بعضَها، ثم ردَّ مثلَه، فخلطه بالباقي، فتلفت : ضمن الجميعَ. وإذا تعدَّى المودَعُ في الوديعة، بأن كانت دابةً فركبها، أو ثوباً فلبسه، أو عبداً فاستخدمه، أو أودعها عند غيره، ثم أزال التعدي، وردّها إلى يده : زال الضمان. : قوله: (وإن أنفق المودَعُ بعضَها، ثم ردَّ مثلَه(١)، فخَلَطَه بالباقي: ضَمِن الجميعَ)؛ لأنه جُعل متلِفاً لها بإنفاق بعضِها، وخَلْطِ باقيها بماله؛ لأن المثل الذي دَفَعَه هو مالُه، والخَلْطُ: بمعنى الاستهلاك. - وإن أخذ بعضَها ليُنفقَه، ثم بدا له، فردَّه، ووَضَعَه في موضعه، فضاع: لا يضمن؛ لأن النيةَ من غير فعلٍ: لا توجِب الضمان. - وقوله: فخَلَطَه بالباقي: إنما ذَكَرَ الخَلْطَ: احترازاً عما إذا هلك الباقي قبل الخلط: فإنه يَهلك أمانةً، أما إذا خَلَطَه بالباقي: صار متعدياً. كذا في ((الينابيع)). * قوله: (وإذا تعدَّى المودَعُ في الوديعة، بأن كانت دابةً، فركِبَها، أو ثوباً، فلَبِسَه، أو عبداً، فاستخدمه، أو أودعها عند غيره، ثم أزال التعدي، وردّها إلى يده: زال الضمان). (١) وفي نسخة القدوري ١٣٠٩ هـ زيادةٌ قبل هذه الجملة، كما يلي: ((وإن أنفق المودَعُ بعضَها، وهلك الباقي: ضمن ذلك القدرَ، وإن أنفق المودَع بعضَها، ثم ردَّ مثله، فخَلَطَه بالباقي، فتلفت: ضمن الجمیعَ)). ١٥٧ كتاب الوديعة فإن طلبها صاحبُها، فجَحَدَه إياها : ضمنها. وقال الشافعي(١): لا يبرأ؛ لأن عقد الوديعة ارتفع حين صار ضامناً، فلا يبرأ إلا بالردِّ على المالك. ولنا: أن أَمْره بالحفظ عامٌّ في سائر الأوقات، والأمر لا يَبطل بالتعدي؛ بدلالة أن مَن وكّل رجلاً ببيع عبده، فشجَّه الوكيل شجةً، أو ضربه ضربةً، ثم باعه: صحَّ بيعُهُ بالأمر المتقدم. - وهذا إذا كان الركوبُ والاستخدامُ واللَّبْسُ لم يُنقصها، أما إذا نَقَصها: ضمنها. - وأما المستعير إذا تعدى، ثم أزال التعدي: لا يبرأ من الضمان، إلا بالردِّ إلى المالك. * قوله: (وإن طلبها صاحبُها، فجَحَدَه إياها: ضمنها)؛ لأنه لما طالبه بالرد: فقد عَزَلَه عن الحفظ، فبعد ذلك هو بالإمساك غاصبٌ مانعٌ، فيضمن. - وفيه إشارةٌ إلى أنه لو جَحَدَها عند غير المالك: لم يضمن. - وإن جَحَدَها بحضرة المودع، أو بحضرة وكيله: ضمنها. - وإن جَحَدَها عند غيرهما: لم يضمن عند أبي يوسف. وقال زفر: يضمن. (١) كنز الراغبين ١٨٦/٣. ١٥٨ كتاب الوديعة فإن عاد إلى الاعتراف : لم يبرأ من الضمان. وللمودَع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حَمْلٌ ومُؤْنةٌ . - قال في ((الينابيع)): وبقول أبي يوسف نأخذ؛ لأن الإنسان قد يُخفي وديعتَه، فجحودُه في هذا الموضع: من باب الحفظ؛ لأن فيه قطعَ طَمَعٍ الطامعين. * قوله: (فإن عاد إلى الاعتراف: لم يبرأ من الضمان)؛ لأنه لمَّا جَحَدَها: حُكِم له فيها بالملك؛ لثبوت يده عليها؛ لأن كل مَن في يده شيء: فالظاهر أنه له، فإذا اعترف به لغيره بعد هلاكه: لزمه ضمانه. - وإن طلب الوديعةَ صاحبُها، فقال المودَعُ: قمتُ، فنسيتُها، فضاعت: ضمن. وإن قال: سقطتْ مني: لا يضمن. وإن قال: أسقطتُها: ضمن. * قوله: (وللمودَع أن يسافر بالوديعة وإن كان لها حَمْلٌ ومؤنةٌ) عند أبي حنيفة. - هذا إذا كان الطريق آمناً، أما إذا كان مَخُوفاً: يضمن، إجماعاً. - وكذا إذا كان الطريق آمناً، ونهاه صاحبُها عن السفر بها، فسافر بها: يضمن؛ لأن التقييد مفيدٌ؛ لأن الحفظ في المصر أبلغ، إلا أن يضطر إلى ذلك، بأن قَصَدَ السلطانُ أَخْذَها. ١٥٩ كتاب الوديعة • وقال أبو يوسف ومحمدٌ: إذا كان لها حَمْلٌ ومؤنةٌ: لم يسافر بها، فإن سافر بها: ضمن؛ لأنه يلزم المالك أجرة النقل من بلد إلى بلد، والظاهر أنه لا يرضى بذلك. ولأبي حنيفة: إطلاق الأمر بالحفظ، والمفازة محلّ للحفظ إذا كان الطريق آمناً، ولهذا يملكه الأبُ والوصيُّ في مال الصبي. ولأن الإنسان لا يلتزم الوديعةَ ليترك أشغالَه، والسفرُ من أشغاله، فلا تمنعُه الوديعةُ من ذلك. قال صاحبُ المنظومة(١): لا يضمن المودَع بالمسافَرَة عند انعدام النهي والمخاطرَة ويَجعلان هذه مضمونَة في كل ما لحَمْله مؤنة - قيَّد بانعدام النهي والمخاطرة؛ لأنه إذا نهاه، فخرج بها: يضمن، إجماعاً، وكذا إذا كان الطريق مخوفاً. - وأما إذا لم يكن لها حَمْلٌ، ولا مؤنة: لا يضمن بالمسافرة، إجماعاً. - والذي له حَمْلٌ ومؤنةٌ هو: ما كان يُحتاج في حَمْله إلى ظَهْرٍ، أو أجرة حمَّال. (١) منظومة النسفي ص١٤٨. ١٦٠ كتاب الوديعة وإن أَودع رجلان عند رجل وديعةً، ثم حضر أحدُهما، فطلب نصيبَه منها : لم يَدفع إليه شيئاً حتى يَحضُرَ الآخرُ عند أبي حنيفة، وقالا: يدفع إليه نصيبه. وإن أَودَع رجلٌ عند رجلين شيئاً مما يُقْسَم: لم يجز أن يدفعه أحدُهما إلى الآخر، ولكنهما يقتسمانه، فيحفظُ كلَّ واحدٍ منهما نصفَه. وإن كان مما لا يُقْسَم : جاز أن يحفظه أحدُهما بإذن الآخر . قوله: (وإذا أودع رجلان عند رجلٍ وديعةً، ثم حضر أحدُهما فطلب نصيبَه منها: لم يَدفع إليه شيئاً منها حتى يحضُرَ الآخرُ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يَدفع إليه نصيبه). والخلاف في المكيل والموزون. لهما: أنه طالَبَه بدفع نصيبه، فيؤمر بالدفع إليه، كما في الدين المشترك، ولأنه يُطالبه بتسليم ما سَلَّم إليه، وهو النصف. ولأبي حنيفة: أنه يُطالبه بدفع نصيب الغائب؛ لأنه يطالبه بالمُفْرَز، وحقُّه في المُشاع، والمفرَزُ المعَيَّن يشتمل علىُ الحقَّيْن، ولا يتميز حقُّه إلا بالقسمة، وليس للمودَع ولاية القسمة، بخلاف الدين المشترك؛ لأنه يُطالبه بتسلیم حقه إليه؛ لأن الدیون تُقضى بأمثالها. قوله: (وإن أودع رجلٌ عند رجلين شيئاً مما يُقْسَم: لم يجز أن يدفعه أحدهما إلى الآخر، ولكنهما يقتسمانه، ويَحفظُ كلّ واحدٍ منهما نصفه، وإن كان مما لا يُقْسَم: جاز أن يحفظه أحدُهما بإذن صاحبه).