Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ كتاب الهبة وكذلك ما وَهَبَ أحدُ الزوجين للآخر . وإذا قال الموهوبُ له للواهب : خُذْ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً عنها، أو في مقابلتها، فقَبَضَه الواهبُ: سقط الرجوعُ. وإن عوَّضه أجنبيٌّ عن الموهوب له متبرِّعاً، فقَبَضَ الواهبُ العوضَ: سقط الرجوعُ. * قوله: (وكذلك ما وَهَبَه أحدُ الزوجين للآخر)؛ لأن المقصود بها صلةُ الرحم؛ لأن الزوجية أُجريت مجرى القرابة، بدليل أنه يحصل بها الإرثُ في جميع الأحوال. وإنما يُنظر إلى هذا وقت الهبة، حتى لو تزوجها بعد ما وهب لها: فله الرجوعُ؛ لأن العقد أوجب له الرجوعَ قبل التزويج، فكذا بعده. - وإن أبانها بعد ما وهب لها، والعينُ باقية في يدها: فلا رجوعَ له؛ لأن العقد وقع غير موجِبٍ للرجوع. - وإن وهب لذي رَحِمٍ غيرِ مَحرَم، أو مَحرمٍ غيرِ رَحِمٍ: جاز له الرجوعُ فیما وَهب له. : قوله: (وإذا قال الموهوبُ له للواهب: خُذْ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلاً منها، أو في مقابلتها، فقَبَضَه الواهبُ: سقط الرجوع). وله أن يرجع في العوض قبل أن يقبضه الواهب؛ لأنه لا يتمُّ إلا بالقبض. * قوله: (وإن عوَّضه أجنبيٌّ عن الموهوب له متبرِّعاً، فقَبَضَ الواهبُ العوضَ: سقط الرجوع)؛ لأن العوض لإسقاط الحق، فيصح من ٨٢ كتاب الهبة الأجنبي، كبدل الخلع والصلح. - وليس للمتبرِّع أن يرجع على الواهب فيما تبرَّع به من العوض إذا قَبَضَه الواهب؛ لأنه قد حصل له في مقابلته إسقاطُ حق الواهب من الرجوع، فصار كالهبة بعوض. - فإن قيل: ما الفائدة في قوله: متبرِّعاً، والحكم في غير المتبرع يُبطل الرجوع، بأن أمره الموهوب له بالتعويض، فعوَّضه بشرط أن يضمنه الموهوبُ له؟ قلنا: الحكم في ذلك بطريق الأَوْلى، فإنه لمَّا بطل بتعويض المتبرع، فَأَوْلى أن يَبطل بتعويض غير المتبرع. - قال في ((النهاية)): هنا مسألةٌ لا بدَّ من معرفتها، وهي: أن الأجنبي إذا عوَّض الواهبَ عن هبته: لا يرجع على الموهوب له، سواء كان بأمره أو بغير أمره، ما لم يَضمن له صريحاً، بأن يقول: عَوِّضْه عني على أني ضامنٌ. بخلاف قضاء الدين: فإنه إذا أمر إنساناً بقضاء دينه، فقضاه: فإنه يرجع عليه من غير شرط ضمان الآمر. والفرقُ أن هنا التعويض لم يكن مستَحَقاً على الموهوب له، وإنما أمره أن يتبرع بمال نفسه على غيره، وذلك لا يُثبت الرجوعَ من غير ضمان. ٨٣ كتاب الهبة وإذا استُحِقَّ نصفُ الهبة : رَجَعَ بنصف العوض. وإن استُحقَّ نصفُ العوض: لم يرجع في الهبة، إلا أن يردَّ ما بقي من العوض، ثم يرجعُ في كلِّ الهبة. وأما الدين: فهو مطالَبٌ به، فقد أمره أن يُسقط عنه المطالبةَ بمال مستحَقِّ عليه. * قوله: (وإذا استُحِقَّ نصفُ الهبة: رجع بنصف العوض)؛ لأنه لم يُسلِّم له ما يقابل نصفَ العوض، وهذا فيما لا يحتمل القسمة. وأما فيما يحتملها إذا استُحقَّ بعضُ الهبة: بطل في الباقي، ويرجع بالعوض. * قوله: (وإن استُحِقَّ نصفُ العوض: لم يرجع في الهبة، إلا أن يرد ما بقيَ من العوض، ثم يرجع في الهبة)، إلا أن يزيد زيادةً متصلةً. وقال زفر: يرجع بالنصف؛ اعتباراً بالعوض الآخر. ولنا: أن ما بقيَ من العوض يصلح أن يكون عوضاً للكل من الابتداء، إلا أنه يتخير؛ لأنه ما أسقط حقَّ في الرجوع إلا ليسلُّم له كلِّ العوض، فإذا لم يسلُّم له: فله أن يردَّه، ويرجعَ فیما وَهب. - وإن وهب له داراً، فعوَّضه من نصفها: رجع في النصف الذي لم یُعوّض عنه. - وقد جمع بعض المشايخ الموانعَ في قوله: ومانعٌ عن الرجوع في الهبة يا صاحبي حروفُ: دَمْعُ خَزْقَه ٨٤ كتاب الهبة ولا يصحُّ الرجوعُ في الهبة إلا بتراضيهما، أو بحكم الحاكم. فالدال: الزيادة، والميم: موتهما، والعين: العوض، والخاء: الخروج من ملك الموهوب له، والزاي: الزوجية، والقاف: القرابة، والهاء: هلاك الموهوب. - مسألة: رجلٌ وهب لرجل تمراً ببغداد، فحمله الموهوبُ له إلى بلخ: فلا رجوعَ للواهب فيه. - وكذا إذا وهب له جاريةً في دار الحرب، فأخرجها إلى دار الإسلام: فلا رجوعَ فيها. كذا في ((الواقعات)). - ولو أن مريضاً وهب لرجل جاريةً، فوطئها الموهوبُ له، ثم مات الواهبُ وعليه دينٌ مستغرِق: تُردُّ الهبةُ، ويجب على الموهوب له العُقْرُ، هذا هو المختار. ذكره في (الواقعات)) أيضاً. * قوله: (ولا يصح الرجوعُ في الهبة إلا بتراضيهما، أو بحُكم الحاكم)؛ لأنه مختلَفٌ فيه بين العلماء، فلا بدَّ من الرضا أو القضاء، حتى لو كانت الهبة عبداً، فأعتقه الموهوب له قبل قبض الراجع في الهبة: نفذ عتقُه. - ولو منعه، فهلك: لم يضمن؛ لقيام ملكه فيه. - وكذا إذا هلك في يده بعد القضاء، إلا أن يمنعه بعد ما طلبه؛ لأنه تعدی. ٨٥ كتاب الهبة - وإذا لم يقبض الواهب الهبةَ بعد الفسخ حتى هلكت في يد الموهوب له: هلكتْ أمانةً؛ لأن القبض للهبة لا يتعلق به ضمانٌ، فإذا انفسخ عقدُها: بقي العقد على ما اقتضاه العقد، غيرَ موجِبٍ للضمان. - ولا تُضمن إلا بما تُضمن به الأمانات من التعدي. - ولو أن العبد الموهوب نقص، أو جُنيَ عليه فيما دون النفس، فأخذ الموهوبُ له أرشَه: فليس للواهب أن يرجع عليه بالأرش، ولا أن يُضمِّنْه شيئاً من النقصان. وإنما له أن يرجع في العبد خاصةً ناقصاً؛ لأن الأرش زيادةٌ لم يقع عليها العقد، فلا يجوز أن يقع عليها الفسخ. - وقوله: إلا بتراضيهما: حتى لو وهب له ثوباً، فقبضه الموهوب له، ثم اختلسه منه الواهب، واستهلكه: ضمن قيمتَه للموهوب له؛ لأن الرجوعَ لا يصح إلا بتراضيهما، أو بحُكم الحاكم، ولم يوجد واحدٌ منهما. كذا في ((الينابيع)). - وألفاظ الرجوع: رجعتُ في هبتي، أو: ارتجعتُها، أو: رددتُّها إلى ملكي، أو: أبطلتُها، أو: نقضتُها. فإن لم يتلفظ بذلك، لكنه باعها أو رهنها أو أعتق العبدَ الموهوب أو دَبَّره: لم يكن ذلك رجوعاً. - وكذا لو صَبَغَ الثوبَ، أو خلط الطعامَ بطعامٍ نفسه: لم يكن رجوعاً. ٨٦ كتاب الهبة وإذا تلفت العينُ الموهوبة، واستحقَّها مستَحِقٌّ، فضمَّن الموهوبَ له : لم يرجع على الواهب بشيء. وإذا وَهَبَ بشرط العوض : اعتُبر التقابضُ في العوضين جميعاً. - ولو قال: إذا جاء رأسُ الشهر فقد ارتجعتُها: لم يصح؛ لأن الفسوخ لا تَقبل التعليقَ إذا كان فيها معنى التمليك. ــ وإذا اتفقا على الرجوع في موضعٍ لا يصح الرجوعُ فيه، كالهبة للأرحام، وشبهه: جاز. - ثم إذا انفسخت الهبةُ بحكم الحاكم، أو بالتراضي: عادت إلى ملك الواهب، والقبضُ لا يُعتبر في انتقال الملك، كما لا يُعتبر في البيع. * قوله: (وإذا تلفت العينُ الموهوبة، أو استحقَّها مُستَحِقٌّ، فضمَّن(١) الموهوبَ له: لم يرجع على الواهب بشيءٍ)؛ لأن الواهب لم يوجب للموهوب له سلامةَ العين الموهوبة، ولأنه حصل له ملكُها بغير عوض، فإذا استُحِقّت: لم يرجع على من ملكه، كما لو وَرِثَها فاستحقت: لم يرجع في مال الوارث بقيمتها، كذا هذا. - وكذا المستعير لا يرجع على المعير بشيء؛ لأنه عَقْدُ تبرعٍ، فلا تُستحَقُّ فيه السلامة. * قوله: (وإذا وَهَبَ بشرط العوض: اعتُبر التقابض في العوضين)؛ لأن العوض هبةٌ مبتدأةً، وما لم يتقابضا: كان لكل واحد منهما أن يمنع (١) أي المستَحِقُّ. ٨٧ کتاب الهبة فإذا تقابضا: صحَّ العقدُ، وكان في حكم البيع : يُرَدُّ بالعيب، وخيارٍ الرؤية، وتجبُ فيها الشفعةُ. صاحبه، ويَبطل بالشيوع. - ولا تصحُّ من الأب في مال ابنه الصغير، يعني إذا وُهب للصغير هبةٌ، فعوَّض الأبُ عنها من مال الصغير: لم يجز تعويضُه وإن كانت الهبة بشرط العوض؛ لأنه يصير بذلك متبرِّعاً، ودَفْعُ مال الصغير على وجه التبرع: لا يجوز. قال الخُجَندي: الهبةُ بشرط العوض: هبةٌ في الابتداء، بيعٌ في الانتهاء، فاللفظ لفظُ الهبة، والمعنى معنى البيع. - فقوله: هبةٌ في الابتداء: يعني إذا كان مشاعاً: لا يجوز، ولا يقع الملك فيها إلا بالقبض، بخلاف البيع. - وقوله: بيعٌ في الانتهاء: وهو أنهما إذا تقابضا: كان لكل واحد منهما الرد بالعيب، وخيارِ الرؤية، وتجب فيها الشفعة. وقال زفر: الهبةُ بشرط العوض: كالبيع ابتداءً وانتهاءً. : قوله: (فإذا تقابضا: صحَّ العقدُ، وصار في حكم البيع، يُرد بالعيب، وخيارِ الرؤية، وتجب فيها الشفعة). - وكذا يرجع عند الاستحقاق؛ لأنه بيعٌ انتهاءَ. وقال زفر: هو بيعٌ ابتداءً وانتهاءً. ٨٨ كتاب الهبة والعُمْرَىُ جائزةٌ للمُعْمَر له في حال حياته، ولورثته من بعده. والرُّقْبِىُ باطلةٌ عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف : جائزةٌ. - قال في ((النهاية)): والخلاف فيما إذا ذَكَرَ التعويض فيه بكلمة: على، أما بحرف الباء، بأن قال: وهبتُ منك هذا العبد بثوبك هذا، أو بألفٍ، وقَبِلَ الآخرُ: فإنه يكون بيعاً ابتداءً وانتهاءً، إجماعاً. [العُمْرىُ والرُّقبىُ: ] * قوله: (والعُمْرى جائزةٌ للمُعمِر في حال حياته، ولورثته من بعده)، ومعناه: أن يَجعل دارَه له عُمُرَه، وإذا مات يردُّها عليه، فيصح التمليك، ويبطل الشرط، والهبةُ لا تَبطل بالشروط الفاسدة. وفي ((الينابيع)): صورةُ العُمرى: أن يقول: جعلتُ داري هذه لك عُمُري، أو: جعلتُها لك عُمُرَك، أو: هي لك حياتَك، فإذا متُّ فهي ردُّ عليَّ، فهذه الألفاظ كلّها هبةٌ، وهي له ولورثته من بعده، والشرط باطل. وإذا كانت هبةً: اعتُبر فيها ما يُعتبر في الهبة، ويُبطلها ما يُبطل الهبة. * قوله: (والرُّقبىُ باطلةٌ عند أبي حنيفة ومحمدٍ). وصورتُها: أرقبتُك هذه الدارَ .. وهي من المراقبة، وهي الانتظار، ومعناها: إن متُّ قبلكَ: فهي لك، وإن متَّ قبلي: عادت إلي. فإذا سلَّمها إليه على هذا: تكون عاريةً عندهما، يجوز له أخذها متى شاء. (وقال أبو يوسف: هي هبةٌ صحيحةٌ)؛ لأن قوله: داري لك: تمليكٌ، وقولُه: رُقبىُ: شرطٌ فاسدٌ. ٨٩ كتاب الهبة و ومَن وهب جاريةً إلا حَمْلَها : صحَّت الهبةُ، وبطل الاستثناء. - ولو قال: داري رقبىُ لك، أو حَبِيسٌ لك: كانت عاريةً، إجماعاً. - وإذا وهب هبةً، وشرط فيها شرطاً فاسداً: فالهبةُ جائزةٌ، والشرط باطلٌ، كمن وهب لرجل جاريةً، واشترط عليه أن لا يبيعها، أو أن يتخذها أمَّ ولد، أو يردها عليه بعد شهر: فالهبة جائزةً، وهذه الشروط باطلة؛ لأنه لا يقتضيها العقد. - والأصل في هذا: أن كل عقد من شَرْطه القبض: فإن الشرط لا يُفسده، كالهبة والرهن. - وفي ((الهداية))(١): الرهن يَبطل بالشرط، والذي يُفسده الشرط: البيع، والإجارة، والرجعة، والإبراء عن الدين، والحَجرُ على المأذون، وعزل الوكيل، في رواية الخُجندي. والذي لا يبطل بالشرط: الطلاق، والعتاق، والخلع، والرهن. وفي رواية: والهبة، والوصاية، والوصية، والكفالة، والحوالة، والإقالة، وإذن العبد في التجارة. قوله: (ومَن وهب جاريةً إلا حملَها: صحَّت الهبة، وبطل الاستثناء): أي صحت في الجارية والولد. - وإن أعتق ما في بطنها، ثم وهبها: جازت الهبةُ في الأم. (١) لم أجد هذا في الهداية، وهذا النقل مخالف لما قرَّره المؤلف. يحرر. ٩٠ كتاب الهبة والصدقةُ كالهبة، لا تصح إلا بالقبض. ولا تجوز الصدقةُ في مُشَاعٍ يحتمل القسمة. وإذا تصدّق على فقيرَيْن بشيءٍ : جاز. - ولو دَبَّره، ثم وهبها: لم تجز؛ لأن الحمل باقٍ على ملكه، ولا يمكن تنفيذ الهبة فيها؛ لمكان التدبير، فيقع هبةُ المشاع، أو هبة شيءٍ مشغول بملك الواهب. وأما في البيع والإجارة والرهن إذا عقد فيه على الأم، دون الحمل: فإنه يبطل العقد، والاستثناء جميعاً. وصورتُه في الإجارة: إذا استأجر الأمَّ إلا ولدَها: لم تصح. ـ ومَن له على آخر ألف درهم، فقال: إذا جاء غدٌ فهي لك، أو: أنت بريء منها، أو إذا أدَّيتَ إليّ النصفَ فأنت بريء من النصف الباقي: فهذا كله باطلٌ؛ لأن الإبراء تمليكٌ، والتعليقُ بالشرط يختص بالإسقاطات المحضة، كالطلاق والعتاق، فلا يتعداها. : قوله: (والصدقة: كالهبة، لا تصح إلا بالقبض)؛ لأنها تبرُّعٌ كالهبة. * قوله: (ولا تجوز الصدقةُ في مُشاعٍ يحتمل القسمة)؛ لأنها كالهبة. وصورتُه: إذا تصدّق على غنيين بشيءٍ يحتمل القسمة: لم يجز. * قوله: (وإذا تصدَّق على فقيرَيْن بشيءٍ: جاز)، بخلاف الهبة، وقد بيَّنَّا ذلك. ٩١ کتاب الهبة ولا يصحُّ الرجوعُ في الصدقة بعد القبض. ومَن نَذَرَ أن يتصدق بماله: لزمه أن يتصدَّق بجنس ما تجب فيه الزكاة . · قوله: (ولا يصح الرجوع في الصدقة بعد القبض)؛ لأنه قد كَمُل فيها الثوابُ من الله تعالى. - وكذا إذا وهب لفقير؛ لأن الثواب قد حصل. - وأما إذا تصدق على غنيٌّ: فالقياس أن له الرجوعَ؛ لأن المقصود بها العوض، كالهبة، إلا أنهم استحسنوا، فقالوا: لا رجوعَ فيها؛ لأنه عبّر عنها بالصدقة، ولو أراد الهبةَ لعبَّر بلفظها. ولأن الثواب قد يُطلَب بالصدقة على الأغنياء، ألا ترى أن مَن له نصابٌ، وله عيالٌ لا يكفيه ذلك، ففي الصدقة عليه ثوابٌ، فلهذا لم يرجع فیها. * قوله: (ومَن نَذَرَ أن يتصدَّق بماله: لزمه أن يتصدق بجنس ما تجب فيه الزكاة). والقياس أن يلزمه التصدق بجميع ماله؛ لأن المال عبارةٌ عما يُتْموَّل، كما أن الملك عبارةٌ عما يُتملَّك، ولو نَذَرَ أن يتصدق بملكه: لزمه أن يتصدق بجميع ما يملك، فكذا هذا. وجه الاستحسان: أن النذور محمولةٌ على أصولها في الفروض، والمالُ الذي يتعلق به فرضُ الصدقة: هو بعض ما يملكه، بدلالة الزكاة، ٩٢ كتاب الهبة ومَن نَذَرَ أن يتصدَّق بمِلْکه : لَزِمَه أن يتصدَّق بالجميع، فعلى هذا: يجب أن يتصدَّق بالذهب والفضة وعروض التجارة والسوائم. ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه؛ لأن ذلك مما تتعلق به الزكاة إذا ضُمَّ إليه غيرُه، فكأنهم اعتبروا الجنس، دون القدر. - ولهذا قالوا: إذا نذر أن يتصدق بماله، وعليه دينٌ يُحيط به: لزمه أن یتصدق به. فإن قضى به دينه: لزمه أن يتصدق بمثله؛ لأن المعتبر جنسُ ما تجب فيه الزكاة وإن لم تكن واجبةً. - ولا يلزمه أن يتصدق بدور السكنى، وثياب البدن، وعبيد الخدمة، والأثاثِ، والعواملِ، والعروضِ التي ليست للتجارة؛ لأن هذه الأشياء لا زکاةً فیها. - وإن نوى بهذا النذر جميعَ ما يملك: دخل جميعُ ذلك في نذره؛ لأنه شدّد على نفسه. - ولو كان له ثمرةُ عُشرية، أو غَلَّةٌ عُشرية: تصدَّق بها، إجماعاً. * قوله: (ومَن نذر أن يتصدق بملكه: لزمه أن يتصدق بالجميع)؛ لأن الملك عبارةٌ عما يُتملّك، وذلك يتناول جميع ما یملکه. ويروى أنه والأول سواء. كذا في ((الهداية))(١). (١) ٢٣١/٣. ٩٣ كتاب الهبة ويُقال له : أمسِك منه مقدارَ ما تُنفِقُه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالاً، فإذا اكتسبتَ مالاً: تصدَّقْ بمثل ما أمسكتَ. - ومَن قال: مالي في المساكين صدقةً: فهو على ما فيه الزكاة. :- وإن أوصى بثلث ماله: فهو على كل شيء. والقياس في مسألة الصدقة: أن يلزمه التصدقُ بالكل، وهو قول زفر؛ لعموم اسم المال، كما في الوصية. وجه الاستحسان: أن إيجاب العبد معتبرٌ بإيجاب الله، فينصرف إيجابه إلى ما أوجب الشارع فيه الصدقة من المال. - أما الوصية: فهي أخت الميراث، فلا تختص بمال دون مال. - ولو قال: ما أملكه صدقةٌ في المساكين: فقد قيل: يتناول الكلَّ؛ لأنه أعمُّ من لفظ: المال. والصحيحُ أنهما سواء. ذكره في ((الهداية))(١) في مسائل القضاء. قوله: (ويُقال له: أمسك منه ما تُنفقُه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب مالاً، فإذا اكتسب مالاً: قيل له: تصدَّق بمثل ما أمسكتَ)؛ لأنا لو ألزمناه أن يتصدق بجميع ماله في الحال: أضررنا به؛ لأنه يَحتاج إلى أن يُتصدق عليه، ويمكنه أن يَتوصل إلى إيفاء الحقَّيْن من غير إضرارٍ بما ذَكَرَ في ((الكتاب)). (١) ١١٤/٣، ٢٣١. ٩٤ كتاب الهبة - وإنما لم يُقدِّر للذي يُمسكه قدراً معلوماً: لاختلاف أحوال الناس في ذلك. وفي ((الجامع الكبير))(١): إذا كان ذا حِرفةٍ: أمسك قوتَ يومه. وإن کان ذا غلة: أمسك قوت شهر. وإن كان صاحب ضيعة: أمسك قوتَ سنة. وإن كان تاجراً: أمسك إلى حين يرجع إليه مالُه. - مسألة: رجلٌ قال لآخر على وجه المِزاح: هَبْ لي هذا الشيء، فقال: وهبتُه لك، فقال: قَبِلتُ، وسلَّم الهبةَ: جاز. لما رُوي ((أن عبد الله بن المبارك مرَّ على قومٍ يضربون في طُنبورٍ، فقال لهم: هَبُوا لي هذا حتى تَرَوْا كيف أضربُ، فدفعوه إليه، فضرب به الأرضَ، فكَسَرَه، وقال: أرأيتم كيف ضربتُ؟ قالوا: خدعتَنا أيها الشيخ))(٢). وإنما قال ذلك: تحرزاً عن قول أبي حنيفة في وجوب الضمان. * مسائل من ((الواقعات))، وغيرها: - رجلٌ بَعَثَ إليه بهديةٍ في إناء، أو في ظرفٍ: هل يباح له أن يأكلها في ذلك الإناء؟ (١) لم أقف عليه في النسخة التي أعمل على تحقيقها. (٢) لم أقف عليه. ٩٥ كتاب الهبة إن كان ثريداً أو نحوه: يباح له؛ لأنه مأذونٌ له في ذلك دلالة؛ لأنه إذا حوَّله إلى إناءٍ آخر: ذهبت لذَّته. وإن كان فاكهةً أو نحوها: إن كان بينهما انبساطٌ: يباح له أيضاً، وإلا: فلا. وقيل: إذا بعث بها في ظرفٍ أو إناءٍ من العادة ردُّهما: لم يملكهما، كالقِصاع والجِرَاب وشبه ذلك، فلا يسعه أن يأكلها فيه. وإن كان من العادة أن لا يردَّ الظرفَ، كقواصر التمر: مَلَكَ الظرفَ، ولا يلزمه ردُّه. - رجلٌ كتب إلى آخر كتاباً، وذكر فيه: اكتب الجوابَ على ظهره: لزمه ردُّه، وليس له التصرُّف فيه، وإلا: مَلَكَه المكتوبُ إليه عرفاً. - رجلٌ دعا قوماً على طعامٍ، وفرَّقهم علىُ أَخْونةٍ: ليس لأهل خِوانٍ أن يتناولوا من خوانٍ آخر؛ لأنه إنما أباح لهم خِوانهم، دون غيره. - وكذا ليس لأهل خِوانٍ أن يناولوا أهل خِوان آخر من طعامهم؛ لأنه إنما أُبيح لهم خاصةً، فإن ناولوهم: لم يجز لهم أن يأكلوه. - رجلٌ كان ضيفاً عند إنسان: لا يجوز له أن يُعطيَ سائلاً؛ لأنه لم يُؤذَن له في ذلك. - ولا أن يُعطيَ بعضَ الخدم الذي هو قائمٌ على رأس المائدة. - ولا هِرَّةً لغير صاحب البيت، فإن كانت هرةً صاحب البيت: جاز؛ استحساناً. ٩٦ كتاب الهبة - وإن كان عنده كلبٌ لصاحب البيت: لا يجوز أن يعطيَه؛ لأنه لا إذنَ له فیه عادةً. فإن ناوله الخبزَ المحترِق: وَسِعَه ذلك؛ لأن فيه الإذنَ عادةً. - رجلٌ مات، فبعث رجلٌ إلى ابنه بثوبٍ ليكفِّنْه فيه: هل يملكه الابن، حتى يكون له أن يكفّنَه في غيره، ويُمسكه لنفسه إن كان الميت ممن يُتبرَّك بتکفینه؛ لفقهٍ، أو ورع؟ فإن الابن لا يملكه. وإن کفّنه في غيره: وجب عليه ردُّه على صاحبه. - وإن لم يكن كذلك: جاز للابن أن يَصرِفه إلى حيث أحبَّ. - المُبْرَىُ من الدين إذا سكت: جاز، وإن قال: لا أقبل: بطل، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٩٧ كتاب الوقف کتاب الوقف لا يزولُ ملْكُ الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة، إلا أن يحكم به الحاکمُ، . کتاب الوقف الوقف في اللغة: هو الحبس، يقال: وقفتُ الدابة، وأوقفتُها: أي حبستُها. وفي الشرع: عبارةٌ عن حَبْس العين على حكم ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة، بمنزلة العارية، وهذا قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: هو عبارةٌ عن حَبْس العين على حكم ملك الله تعالى، على وجهِ تصل المنفعةُ إلى العباد، فيزول ملكُ الواقف عنه إلى الله تعالى، فيلزم، ولا يباع ولا يُرهن ولا يُورَث. * قال رحمه الله: (لا يزول ملكُ الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة، إلا أن يَحكم به الحاكم)، يعني: المولّى، أما المحكّم: ففيه خلاف المشايخ، والأصح: أنه لا يصح. وطريق الحكم في ذلك: أن يسلِّم الواقفُ ما وَقَفَه إلى المتولِّي، ثم يريد أن يرجع فيه، محتجًّاً بعدم اللزوم، فيتخاصمان إلى القاضي، فيقضي بلزومه. ٩٨ كتاب الوقف أو يعلِّقَه بموته، فيقولُ: إذا مِتُّ فقد وقَفْتُ داري على كذا. وقال أبو يوسف : يزول الملك بمجرد القول. وقال محمد : لا يزول الملكُ حتى يَجْعَلَ للوقف وليَّاً، ويسلِّمَه إليه. ــ وكذا إذا أجازه الورثة: جاز؛ لأن الملك لهم، فإذا رضوا بزوال ملکھم: جاز، کما لو أوصى بجميع ماله. قوله: (أو يُعلِّقَه بموته، فيقول: إذا مِتُّ فقد وقفتُ داري على كذا)؛ لأنه إذا علَّقه بموته: فقد أخرجه مَخرَج الوصية، وذلك جائزٌ، ويُعتبر من الثلث؛ لأنه تبرُّعٌ علَّقه بموته، فكان من الثلث، كالهبة والوصية في المرض. * قوله: (وقال أبو يوسف: يزول الملكُ بمجرد القول)؛ لأنه بمنزلة الإعتاق عنده، وعليه الفتوى. قوله: (وقال محمد: لا يزول الملكُ حتى يَجعلَ للوقف ولياً، ويسلِّمَه إليه)؛ لأن من شَرْط الوقف عنده: القبضُ؛ لأنه تبرُّعٌ في حال الحياة، كالهبة، وإذا اعتُبر فيه القبضُ: أقام إنساناً يتولى ذلك؛ ليصح. - ثم إذا جعل له ولياً، وسلَّمه إليه: هل له أن يعزله بعد ذلك؟ إن كان شَرَط في الوقف عَزْلَ القُوَّام، والاستبدالَ بهم: فله ذلك، وإن لم يَشرط: لا يصح عند محمد، وعليه الفتوى. وعند أبي يوسف: إذا عَزَلَه في حياته: يصح. ٩٩ كتاب الوقف فإذا استُحِقَّ الوقفُ على اختلافهم: خَرَجَ من ملك الواقف، ولم يدخل في ملك الموقوف عليه. وكذا إذا مات الواقف: بطلت ولاية القُوَّام؛ لأن القَيِّم بمنزلة الوكيل، إلا إذا جعله قيِّماً في حياته وبعد وفاته: فحينئذ يصير وصياً. كذا في ((الفتاوى)). - ثم إذا صح الوقف عندهما، وكان ذلك في صحته: كان من جميع المال. - وإن وقفه في مرض موته: كان من الثلث، كالهبة. قوله: (وإذا استُحِقَّ الوقفُ على اختلافهم: خرج من ملك الواقف)، حتى لو كانوا عبيداً، فأعتقهم: لا يَعتقون. قوله: (ولم يدخل في ملك الموقوف عليه)؛ لأنه لو دخل في ملکه: نفذ بيعُه فیه کسائر أملاكه. ـ ومعنى قوله: إذا استُحِقَّ الوقف: أي ثبت على قول أبي حنيفة بالحكم، أو بالتعليق بالموت، وعلى قولهما بالوقف والتسليم. - مسألة: رجلٌ باع أرضاً، وادعى بعد ذلك أنه أوقفها قبل البيع: فهذا على وجهين: إن أقام البينةَ على ذلك: قُبِلت، وبطل البيعُ، وإن لم يقم البينةَ: لم يُقبل قوله؛ للتناقض. - ثم إذا عجز عن إقامة البينة، وأراد تحليفَ المدعى عليه: ليس له ذلك، لأن التحليف بناء على صحة الدعوى، والدعوى لم تصح؛ للتناقض. ١٠٠ كتاب الوقف ووقْفُ المُشَاع جائزٌ عند أبي يوسف، وقال محمد : لا يجوز. - وإن ادعى مشتري الأرض أنها وقفٌ، فقال للبائع: إنك بعتني هذه الأرضَ وهي موقوفة، فليست هذه المخاصمة إلى البائع، وإنما هي إلى المتولي للوقف، فإن لم يكن متولُّ: فإن القاضي ينصب متولياً، فيخاصمه، فإن أثبت الوقفَ بالبينة: بطل البيع، ويستردُّ الثمنَ من البائع. · قوله: (ووَقْفُ المُشاع جائزٌ عند أبي يوسف)، يعني فيما يحتمل القسمةَ، (وقال محمدٌ: لا يجوز). - أما فيما لم يحتملها: فيجوز مع الشيوع أيضاً عند محمد، إلا في المسجد والمقبرة، فإنه لا يتمَّ مع الشيوع فيما لا يحتمل القسمة أيضاً عند أبي يوسف؛ لأن بقاء الشركة يمنع الخُلوص لله تعالى. ولأن المهاياةَ في ذلك في غاية القُبح، بأن يُقْبَرَ فيها الموتى سنةً، وتُزرع سنةً، ويُصلى في المسجد في وقت، ويُتخذ إصطبلاً في وقت. - بخلاف ما عدا المقبرة والمسجد؛ لإمكان الاستغلال وقسمة الغلة. - وقوله: وقال محمد: لا يجوز: يعني فيما يحتمل القسمة؛ لأن أصل القبض عنده شرطٌ، ولأنه نوعُ تبرُّعٍ، فلا يصح في مشاع يحتمل القسمة، کالهبة. - ولو وقف الكلّ، ثم استُحقَّ جزء منه: بطل في الباقي عند محمد؛ لأن الشيوع مقارِنٌ. وإن استُحقَّ جزءً منه مميَّزٌ بعينه: لم يبطل في الباقي؛ لعدم الشيوع.