Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ كتاب الكفالة إلا في مسألةٍ واحدةٍ، وهي : أن يقول المريضُ لوارثه: تكفّل عني بما عليَّ من الدين، فتكفّل به عنه مع غيبة الغرماء : فتصحٌ. يتوقف على ما وراء المجلس، ولأن الكفالة عقدٌ يتعلق به حق المكفول له، فتوقف على رضاه وقبوله كالبيع. وأما أبو يوسف: فقد روي عنه أنه لا يحتاج إلى الإجازة؛ لأن الكفالة إيجابُ مالٍ في الذمة بالقول، فصار کالإقرار. وروي عنه أيضاً: أنه يحتاج إلى الإجازة؛ لأن قوله: تكفَّلتُ لفلانٍ كلَّ العقد على أصله، فيقف على غائبٍ عن المجلس، كما قال في المرأة إذا قالت: زوَّجتُ نفسي من فلان، وهو غائبٌ: أن ذلك يقف على إجازته عنده. - وصورة مسألة الكتاب: إذا قال الذي عليه الدين لرجل: إن لفلان عليَّ كذا من الدين، فاكفل له به عني، أو احتل له به، فقال: كفلت أو ضمنت أو احتلت، ثم بلغ الطالبَ ذلك، فأجازه: فإنه لا يجوز عندهما، وقال أبو يوسف: يجوز. - وكذا لو أن فضولياً قال: ضمنتُ ما لفلانٍ على فلانٍ، وهما غائبان، فبلغهما الخبرُ، فأجازا: فعندهما: لا يجوز، وعند أبي يوسف: يجوز. - وإذا قَبِل عن الغائب أحدٌ: فإنه يتوقف في قولهم جميعاً. * قوله: (إلا في مسألةٍ واحدةٍ: وهي أن يقول المريضُ لوارثه: تكفَّل عني بما عليَّ من الدين، فتكفَّل به مع غَيْبة الغرماء: فإنه تجوز). ٢٢ كتاب الكفالة وإذا كان الدَّينُ على اثنين، وكلُّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامِنٌ عن الآخر، فما أدَّى أحدُهما : لم يرجع به على شريكه حتى يزيدَ ما يؤدِّيْه على النصف، فيرجعُ بالزيادة. يعني إذا أجاز الطالبُ بعد ذلك، وذلك لأن هذه وصيةً في الحقيقة، ولهذا تصح وإن لم يُسمِّ المكفولَ لهم. - ولهذا قالوا: إنما تصح إذا كان له مالٌ، أو يقال: إنه قام مقام الطالب؛ لحاجته إلى ذلك؛ تفريغاً لذمته، وفيه نَفْعُ الطالب، كما إذا حضر بنفسه. ولأنه لما مَرِضَ مَرَضَ الموت: صار كالأجنبي في الدين؛ لأن ذمته أشرفت على الهلاك، وصار كأن الدين انتقل من ذمته إلى التركة، فصار خطابه كخطاب الأجنبي، وقد ذكرنا أن المخاطبَ إذا كان أجنبياً: فإن الضمان يتوقف. * قوله: (وإذا كان الدين على اثنين، وكلّ واحدٍ منهما كفيلٌ ضامنٌ = وِ عن الآخر)، كما إذا اشتريا عبداً بألفٍ، وكَفَلَ كلّ واحد منهما عن صاحبه، (فما أدى أحدُهما: لم يرجع به على شريكه حتى يزيدَ ما يؤديه على النصف، فيرجع بالزيادة)؛ لأن المال على كل واحد منهما نصفان، نصفٌ من جهة المداينة، ونصفٌ من جهة الكفالة، فإذا أدى النصفَ أو أقل: وقع عن نفسه بسبب المداينة، وما زاد على ذلك: يلزمه بسبب الكفالة، فإن كفل بأمره، وأدَّه: رجع عليه؛ لأنه أدخله في الضمان، وإن كَفَل بغير أمره: لم يرجع عليه. ٢٣ كتاب الكفالة وإذا تكفَّل اثنان عن رجل بألفٍ، على أن كلَّ واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فما أدَّاه أحدُهما: يرجع بنصفه على شريكه، قليلاً كان أو كثيراً. ولا تجوز الكفالةُ بمال الكتابة : حُرٌّ تكفَّل به، أو عبدٌ. قوله: (وإذا تكفَّل اثنان عن رجلٍ بألفِ درهم، وكلُّ واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فما أدَّاه أحدُهما: رجع بنصفه على شریکه، قليلاً كان أو كثيراً). يعني إذا تكفل كل واحد منهما بجميع المال، وهو ألفٌ على الانفراد، ثم تكفل كل واحد منهما عن صاحبه بجميع المال أيضاً. وأما إذا تكفَّلا له بالألف معاً، وتكفل كلَّ واحد منهما عن الآخر: فإنه مثل مسألة المداينة، فما أداه أحدهما: لا يرجع على صاحبه بنصفه حتى يزيدَ ما أداه على النصف، فإذا زاد: رجع عليه بجميع الزيادة. : قوله: (ولا تجوز الكفالةُ بمال الكتابة: حرٌّ تكفَّل به، أو عبدٌ)؛ لأنه ليس بدينٍ صحيحٍ، بدليل أن للعبد إزالته عن نفسه بالعجز من غير أداء، والكفيلُ لا يبرأ إلا بالأداء، ومِن شَرْط الكفالة: الاتحادُ بين ثبوت المال في ذمة الأصيل وذمة الكفيل. - فإن قلتَ: إذا لم تصح كفالةُ الحر: لا تصح كفالةُ العبد، فلأيِّ معنىً ذكر العبد؟ قلت: لأن الحرَّ أشرفُ من العبد، والكفيلُ تبعٌ للأصيل، فربما يقال: عدم الجواز؛ باعتبار أن الحر يصير تبعاً لو صحت الكفالة، فقال: حرٌّ أو ٢٤ كتاب الكفالة وإذا مات الرجلُ، وعليه ديونٌ، ولم يترك شيئاً، فتكفَّل رجلٌ عنه للغرماء : لم تصحَّ الكفالةُ عند أبي حنيفة، وقالا: تصحُّ. عبدٌ؛ لدفع ذلك الظن، فعدم صحتها؛ باعتبار أن بدل الكتابة ليس بدين مضمون، لا باعتبار عدم تبعية الحر للعبد. كذا في ((المشكل)). - وقيَّد بمال الكتابة: لأنه إذا كان على المكاتب دينٌ لرجل، فكَفَل به إنسانٌ عنه: جاز. - وإذا كُوتب العبدان كتابةً واحدةً، وكلَّ واحد منهما كفيلٌ عن صاحبه، فكل شيء أداه أحدُهما: رجع على صاحبه بنصفه؛ لاستوائهما، ولو لم يؤديا شيئاً حتى أُعتق أحدُهما: جاز العتق، وبرئ عن النصف، وبقي النصفُ على الآخر. وللمولى أن يأخذ بحصة الذي لم يعتق أيَّهما شاء: المعتق بالكفالة، وصاحبه بالأصالة، فإن أَخَذَ الذي أُعتق: رجع على صاحبه بما أدى؛ لأنه مؤدٍّ عنه بأمره، وإن أخذ الآخرَ: لم يرجع على المعتق بشيء؛ لأنه أدى عن نفسه. * قوله: (وإذا مات الرجلُ، وعليه ديونٌ، ولم يترك شيئاً، فتكفل عنه رجلٌ للغرماء: لم تصحَّ الكفالة عند أبي حنيفة)، سواء كان ابنَه أو أجنبياً؛ لأنه قد سقط حق الغرماء من المطالبة والملازمة، فصار كما لو دفع المال، ثم كفل عنه إنسان. (وقال أبو يوسف ومحمد: تصحُ) الكفالة بعد الموت. ٢٥ كتاب الكفالة لما رُوي ((أن رجلاً مات، فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليصليَ عليه، فقال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم، عليه ديناران. فقال عليه الصلاة والسلام: صلّوا على صاحبكم. فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله! فصلى عليه حينئذ، وقال: الآن برَّدْتَ عليه مَضجعه))(١). قلنا: يَحتمل أن يكون قد تكفَّل بهما قبل الموت، فأخبر بذلك، والله تعالى أعلم. (١) سنن أبي داود (٣٣٤٣)، سنن الترمذي (١٠٦٩)، وقال: حسن صحيح، صحيح ابن حبان (٣٠٥٨). ٢٦ كتاب الحوالة كتاب الحوالة الحوالةُ جائزٌ بالديون. كتاب الحوالة الحوالةُ في اللغة: مشتقةٌ من التحويل والنَّقْل، وهو: نَقْلُ الشيء من محلٌّ إلى محلّ آخر. وفي الشرع: عبارةٌ عن تحويل الدين من ذِمَّة الأصيل إلى ذِمَّة المُحال عليه، على سبيل التوثّق به. - ويُحتاج إلى معرفة أسماءِ أربعة: المُحيل: وهو الذي عليه الدين الأصلي. والمُحال له: وهو الطالِب. والمُحال عليه: وهو الذي قَبِل الحوالةَ. والمُحال به: وهو المال. * قال رحمه الله: (الحوالةُ جائزةٌ بالديون). - قيَّد بالديون: احترازاً عن الأعيان والحقوق، فإن الحوالة بها لا تصح، وإنما اختصت بالديون؛ لأن الديون هي التي تنتقل من ذمة إلى ذمة، فكل دينٍ لا تجوز به الكفالة، كمال الكتابة: فإن الحوالة تجوز به، ٢٧ كتاب الحوالة ولا تجوز به الكفالة. - والحوالة على ضربين: مطلَقةٌ، ومقيدةٌ. فالمطلقةُ أن يقول لرجلٍ: احتل لهذا عني بألف درهم، فيقول: احتلتُ. والمقيَّدة: أن يقول: احتَلْ بالألف التي لي عليك، فيقول: احتلتُ. وكلاهما جائزان، وفي كليهما يبرأ المحيل من دين المُحال له، وليس له بعد الحوالة على المحيل سبيلٌ، إلا أن يَتوىُ ما على المحال عليه. لكن بين المطلَقة والمقيدة فرقٌ، وهو: أنها إذا كانت مقيدةً: انقطعت مطالبةُ المحيل من المحال عليه. فإن بَطَلَ الدين في المقيدة، أو تبيَّن براءةُ المحال عليه من الدين الذي قُيِّدت به الحوالة: بطلت الحوالة، مثل أن يشتري من رجل شيئاً بألف، ولم يؤد الألفَ حتى أحال بها لرجل عليه، فقَبِل، ثم استُحِقَّ المبيعُ، أو كان المبيع عبداً، فظهر حراً: فإن الحوالة في هذين الوجهين تبطل، وكان للمحال له أن يرجع على المحیل بدينه. - وكذا لو قيَّد الحوالةَ بألفِ درهم عند رجلٍ وديعةً، فهلكت الألف عند المودَع قبل تسليمها إلى المحال له: فإن الحوالة تبطل. - وأما إذا سقط الدين الذي قُيِّدت به الحوالةُ بأمرٍ عارض، ولم تتبين براءته من الأصيل: لا تبطل الحوالة، مثل أن يحتال بألف من ثمن مبيع، فهلك المبيع قبل تسليمه إلى المشتري: سقط الثمنُ عنه، ولا تبطل الحوالة، ولكنه إذا أدى: رجع على المحيل بما أدى؛ لأنه قضى دينه بأمره. ٢٨ كتاب الحوالة وتصحُّ برضا المُحِيل، والمُحتالِ له، والمُحالِ عليه. - وأما إذا كانت مطلقةً: فإنها لا تبطل بحال من الأحوال، ولا تنقطع فيها مطالبةُ المحيل عن المحال عليه، إلا أن يؤديَ، فإذا أدى: سقط ما عليه قصاصاً. - ولو تبيَّن براءةُ المحال عليه من دين المحيل: لا تبطل أيضاً. - ولو أن المحال له أبرأ المحالَ عليه من الدين: صحَّ الإبراء، سواء قَبِلَ المحال عليه أو لم يقبل، ولم يرجع المحال عليه على المحيل بشيء؛ لأن البراءة إسقاطٌ، وليست بتمليكٍ، فلهذا لم يرجع. - وإن وهبه له: يحتاج إلى القبول، وله أن يرجع على المحيل، كما لو أدى؛ لأنه مَلَكَ ما في ذمته بالهبة، فصار كما لو مَلَكَه بالأداء. - وكذا لو مات المحال له، وورثه المحال عليه: له أن يرجع على المحيل؛ لأنه مَلَكَه بالإرث، فصار كما لو ملكه بالأداء. - ولو رضيَ المحال له من المحال عليه بدون حقه، وأبرأه عن الباقي، نحو أن يصالحه على بعض حقه، وأبرأه عن الباقي: فإنه يرجع عن المحيل بذلك القدر، لا غير. - وإن صالح على خلاف جنس حقه، كما إذا صالح على الدراهم عن الدنانير، أو على العكس، أو على العروض: فإنه يرجع بجميع الدين؛ لأن ما أدى: يصلح أن يكون عوضاً عن جمیع الدین. * قوله: (وتصح برضا المُحيل، والمُحتال له، والمُحال عليه). أما المحتال له: فلأن الدين حقُّه، والذِّممَ متفاوتةٌ، فلا بدَّ من رضاه. ٢٩ كتاب الحوالة وإذا تمَّت الحوالةُ : برىء المُحيلُ من الدَّيْن، وأما المحال عليه: فإنه يلزمه الدين، ولا لزومَ بدون التزامه. وأما المحيل: فالحوالة تصح بدون رضاه؛ لأن التزام الدين من المحال عليه تصرُّفُ في حق نفسه، وهو لا يتضرر به، بل فيه نفعُه؛ لأنه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره. كذا في ((الهداية))(١). وكذا قال في ((النهاية)): رضا مَن عليه الدينُ، وأمرُه ليس بشرط، حتى إن مَن قال لغيره: إن لك على فلان كذا من الدين، فاحتَلْ به عليَّ، ورضيَ بذلك صاحبُ الدين: صحت الحوالة، فإن أدى المالَ: لا يرجع على الذي عليه الدين، وقد برئ الذي عليه الأصل. * قوله: (فإذا تمَّت الحوالةُ: برىء المُحيل من الدين) بالقبول. وقال زفر: لا يبرأ؛ اعتباراً بالكفالة، ولهذا يُجبر على القبول إذا نَقَدَ المحيلَ، ولا يكون متبرعاً. ولنا: أن الحوالة للنقل، والدينُ متى انتقل من ذمةٍ: لا يبقى فيها، أما الكفالة فللضمِّ، والأحكام الشرعية على وفاق المعاني اللغوية. - وإنما يُجبر على القبول إذا نَقَدَ المحيل؛ لأنه يحتمل عودَ المطالبة إليه بالتوى، فلم يكن متبرعاً. - قال الخُجَندي: الحوالة مُبْرِئَةٌ، والكفالة غير مُبرئة، ويكون الطالب في الكفالة بالخيار: إن شاء طالب الأصيلَ أو الكفيلَ، إلا أن تكون الكفالة بشرط براءة الأصيل: فحينئذ تكون حوالةً. (١) ٩٩/٣. ٣٠ كتاب الحوالة ولم يرجع المحتالُ على المحيل إلا أن يَنْوىُ حقّه. والتَّوَىُ عند أبي حنيفة بأحدِ أمرين: إما أن يَجحدَ الحوالةَ، ويحلفَ ولا بينةَ عليه، أو يموتَ مفلساً. وقال زفر: الحوالة والكفالة سواءً، وكلاهما غير مُبرئة. وقال مالك(١): كلاهما مبرئة؛ لأنه الحقُّ واحدٌ، فلو لم يبرأ الأصيلُ: لصار حقَّين. قلنا: الحوالة مشتقةٌ من التحويل، والحقُّ إذا تحول من ذمة إلى ذمة: تبقى ذمة الأول فارغةً؛ لأنك إذا حوَّلت الشيء إلى موضع آخر: بقي مكانُ الأول فارغاً، والكفالة مشتقة من الكفيل، وهو الضمّ، وضم الشيء إلى الشيء: لا يوجب فراغ الأول. * قوله: (ولم يرجع المحتال على المحيل، إلا أن يَتْوىُ حقّه). وعند الشافعي(٢): لا يرجع وإن توئ. * قوله (والتَّوَى عند أبي حنيفة بأحد أمرين: إما أن يجحد الحوالةَ، ويحلف، ولا بينةَ عليه، أو يموت مفلساً): أي ولا بينةً للمحال له على المحال عليه بقبول الحوالة. وقال التُّمُرتاشيُّ: ولا بينة للمحيل، ولا للمحال له. - وقوله: أو يموت مفلساً: أي لم يترك عيناً ولا ديناً ولا كفيلاً عن المحال عليه للمحال له. (١) شرح الخرشي ٢٣٥/٤، ٢٤٣. (٢) مغني المحتاج ١٩٥/٢. ٣١ كتاب الحوالة وقالا : هذان، ووجهٌ ثالثٌ، وهو : أن يحكم الحاكمُ بإفلاسه في حال حياته . وإذا طالب المُحالُ عليه المحيلَ بمثل مال الحوالة، فقال المحيلُ : أحلتُ بدَيْنٍ لي عليك: لم يُقبَل قولُه، وكان عليه مثلُ الدَّين. - فإن مات المحالُ عليه، فقال المحتال: مات مفلساً، وقال المحيل خلاف ذلك: قال في ((المبسوط))(١): القول قول المحتال، مع يمينه على العلم؛ لأنه يَتمسك بالأصل، وهو العُسرة. وفي غير ((المبسوط)): القول قول المحيل، مع يمينه على العلم. كذا في ((النهاية)). * قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد وجهاً ثالثاً، وهو: أن يحكم الحاكم بفَلَسه في حال حياته). هذا على أصلهما: أن القضاء بالإفلاس صحيحٌ. وأما على أصل أبي حنيفة: فلا يتحقق الإفلاسُ بحكم القاضي؛ لأن رزق الله تعالى غادٍ ورائحٌ. * قوله: (وإذا طالب المحال عليه المحيلَ بمثل مالِ الحوالة، فقال المحيل: أحلتُ بدين لي عليك: لم يُقبل قولُه، وكان عليه مثل الدين)؛ لأن سبب الرجوع قد تحقق، وهو قضاء دينه بأمره؛ لأن المحيل يدعي (١) ٣٧/١٩. ٣٢ كتاب الحوالة وإن طالب المحيلُ المحتالَ بما أحاله به، فقال: إنما أحلتُك لتَقْبِضه لي، وقال المحتالُ له : بل أحلتَني بدَيْنٍ لي عليك: فالقولُ قولُ المحيل مع یمینه. وتُكره السَّفَاتِجُ، وهي قَرْضُ استفاد به المقرِضُ أَمْنَ خَطَر الطريق. عليه ديناً، وهو ينكر، والقول قول المنكر، ولا تكون الحوالة إقراراً منه بالدين عليه؛ لأنها قد تكون بدونه. * قوله: (وإن طالب المحيل المحتالَ بما أحاله به، وقال: إنما أحلتُك لتقبضه لي، وقال المحتال: أحلتَني بدين لي عليك: فالقول قول المحيل، مع يمينه)؛ لأن المحتال يدعي عليه الدينَ، وهو منکرٌ. - ولفظة: الحوالة: مستعملة في الوكالة، فيكون القول قوله، مع يمينه، فإذا حلف: أَخَذَ الألفَ المقبوضة، ولا يصدق المحتال على ما ادعى من الدين إلا ببينة؛ لأنه قد يُحيله ليستوفيَ له المالَ. * قوله: (وتُكره السَّفَاتِج، وهي: قَرْضُ استفاد به المقرِضُ أمنَ خَطَرٍ الطريق). مناسبةُ هذه المسألة بالحوالة: أن الحوالة هي: النقل، وفي هذه المسألة: نقل حالة التوى من ماله إلى المستقرض؛ لأنه لو لم يُقْرِض: لكان التوى في ماله، فبالقرض يُحيل التوى إلى مال المستقرض. كذا في ((المشكل)). - والسفاتج: جمع: سُفْتَجَة: بضم السين، وفتح التاء: وهي الورقة. وصورته: أن يقول لتاجر: أقرضتُك هذه الدراهمَ بشرط أن تكتب لي کتاباً إلى وكيلك ببلد كذا، فيُجيبُه إلى ذلك. ٣٣ كتاب الحوالة - وأما إذا أعطاه من غير شرطٍ، وسأله ذلك، ففعل: فلا بأس به. وإنما يكره: إذا كان أَمْنُ خطر الطريق مشروطاً؛ لأنه نوعُ نفع استفيد بالقرض، وقد ((نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن قرضٍ جرَّ منفعةً))(١). (١) رواه مرفوعاً الحارث بن أبي أسامة (ت ٢٨٢ هـ) في مسنده (بغية الحارث) للهيثمي ٥٠٠/١ (٤٣٧) بلفظ: ((كل قرض جرَّ منفعة فهو رباً))، وذكره عبد الحق في أحكامه، وأعلَّه بسوار بن مصعب، وأنه متروك، كما في نصب الراية ٦٠/٤، والتلخيص الحبير ٣٤/٣، وفي فيض القدير ٢٨/٥ عن السخاوي: أن إسناده ساقط. لكن وردت عدة آثار عن الصحابة رضي الله عنهم بمعنى الحديث، ففي المصنَّف لابن أبي شيبة ٦٤٧/١٠ (٢١٠٧٧)، عن عطاء قال: ((كانوا يكرهون كل قرض جَرَّ منفعة))، كما في نصب الراية ٦٠/٤، وينظر سنن البيهقي ٣٤٩/٥. وقد قال عن الحديث الشيخ محمد حجازي (ت ١٠٣٥ هـ) في شرحه (١٢ مجلداً) على الجامع الصغير للسيوطي: ((فتح المولىُ النصير))، قال عنه: حديث حسنٌ لغيره، كما نقل هذا عنه تلميذه العزيزي (علي بن أحمد، ت ١٠٧٠هـ) في شرحه: السراج المنير على الجامع الصغير للسيوطي، ٩٣/٣، وينظر إعلاء السنن ٤٩٩/١٤. ٣٤ کتاب الصلح كتاب الصُّلْح كتاب الصلح هو مشتقٌ من: المصالحة، وهي المسالَمَة بعد المخالفة. وفي الشرع: عبارةٌ عن عقدٍ وُضع بين المتصالحين؛ لدفع المنازعة بالتراضي، يُحمَل على عقود التصرفات. - وركنُه: الإيجابُ والقبولُ الموضوعان للصلح. - وشرطُه: أن يكون المصالَح عنه مالاً، أو حقّاً يجوزُ الاعتياضُ عنه، كالقصاص، بخلاف ما إذا كان حقاً لا يجوز الاعتياضُ عنه، كحقِّ الشفعة والكفالة بالنفس. - والدليلُ على جواز الصلح: الكتابُ، والسَّنَّةُ، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. النساء/١٢٨. وأما السُّنَّة: فقوله عليه الصلاة والسلام: ((الصلحُ جائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحلَّ حراماً، أو حرَّم حلالاً))(١)، وأجمعت الأمةُ على جوازه. (١) سنن أبي داود (٣٥٩٤)، سنن الترمذي (١٣٥٢)، وقال: حسن صحيح، ٣٥ كتاب الصلح الصُّلْحُ على ثلاثة أَضْرُبٍ : صلحٌ مع إقرارٍ . وصلحٌ مع سكوتٍ، وهو : أن لا يُقِرَّ المدعى عليه، ولا يُنكِرَه. وصلحٌ مع إنکارٍ. وكلُّ ذلك جائزٌ. وقال عمرُ رضي الله عنه: ((ردِّدوا الخصومَ؛ لكي يصطلحوا، فإن فَصْلَ القضاء: يُورِثُ الضغائن))(١). ـ ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((إلا صلحاً أحلَّ حراماً)): هو الصلح على الخمر. - وقوله: ((أو حرَّم حلالاً)): وهو الصلح على عبدٍ على أن لا يبيعه، ولا يستخدمه. وفي ((الهداية))(٢): الحرام المذكور: هو الحرام لعينه، كالخمر، والحلالُ المذكور: هو الحلال لعينه، كالصلح على أن لا يطأ الضَّرَّة. * قال رحمه الله تعالى: (الصلحُ على ثلاثة أضرُبٍ: صلحٌ مع إقرارٍ، وصلحٌ مع سكوتٍ، وهو أن لا يُقِرَّ المدَّعى عليه، ولا يُنكِرَ، وصلحٌ مع إنكارٍ، وكلّ ذلك جائزٌ). وينظر البدر المنير ١٧ /١٣٩. (١) مصنف عبد الرزاق (١٥٣٠٤)، المصنف لابن أبي شيبة (٢٣٣٤٩). (٢) ١٩٢/٣. ٣٦ كتاب الصلح فإن وقع الصلحُ عن إقرارٍ : اعتُبر فيه ما يُعتبر في البِياعات إن وَقَعَ عن مالٍ بمال. - أما مع الإقرار: فلا خلاف فيه؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَالضُّلَّحُ خَيْرٌ﴾. النساء /١٢٨. وأما مع السكوت: فهو جائزٌ عندنا؛ لأن الساكت يجوز أن يكون مقراً، ويجوز أن يكون منكِراً، فإذا صالح: حملنا ذلك على الصحة، دون الفساد. وأما مع الإنكار: فهو جائزٌ أيضاً عندنا؛ لأنه موضوعٌ لقطع الدعوى والمخاصمة، وذلك جائزٌ. * قوله: (فإن وقع الصلحُ على الإقرار: اعتُبر فيه ما يُعتبر في البياعات إن وقع عن مالٍ بمال)؛ لوجود معنى البيع، وهو مبادلة المال بالمال في حق المتعاقدين بتراضيهما. فتجري فيه الشفعة إذا كان عقاراً، ويُرد بالعيب، ويثبت فيه خيار الرؤية والشرط، وتُفسده جهالةُ البدل، وتُشترط القدرةُ على تسليم البدل. - قال الخُجَندي: الصلحُ على عينِ ما يدعيه: قبضٌ واستيفاءٌ. وعلى غير ما يدعيه: بيعٌ وشراءً. وعلى أقلَّ مما يدعيه: حطٌّ وإبراءٌ. وعلىُ أكثرَ مما يدعيه: فضلٌ ورباً. ثم الصلح على شيءٍ مجهول عن معلوم، أو مجهولٍ: لا يصح. ٣٧ كتاب الصلح وإن وقع عن مالٍ بمنافعَ : فُيُعتبر بالإجارات. وعلى شيءٍ معلوم عن معلومٍ أو مجهولٍ: يصح. - وقوله: اعتُبر فيه ما يُعتبر في البياعات: حتى لو كان المدَّعى ذهباً أو فضةً، وبدل الصلح من جنسه: لا يجوز إلا مثلاً بمثل، ويُشترط التقابض في المجلس. قوله: (وإن وقع عن مالٍ بمنافع: اعتُبر بالإجارات)؛ لوجود معناها، فيُشترط التوقيت فيها. - ويبطل الصلح بموت أحدهما في المدة؛ لأنه إجارةً، فإذا كان موته قبل الانتفاع بما وقع عليه الصلح: رجع المدعي على دعواه، وإن كان قد انتفع بنصف المدة أو ثلثها: بطل من دعواه بقدر ذلك، ورجع على دعواه فيما بقي، وهذا قول محمدٍ، جعله كالإجارة. وقال أبو يوسف: الصلح مخالفٌ للإجارة، فإذا مات المدعى عليه: لا يبطل الصلح، وللمدعي أن يستوفيَ المدةَ بعد موته. - وكذا إذا مات المدعي: لا يَبطل الصلح أيضاً في خدمة العبد، وسكنى الدار، وزراعةِ الأرض، وتقوم ورثتُه مَقامَه في الاستيفاء، ويبطل في ركوب الدابة، ولَّبْس الثوب، ولا تقوم ورثتُه مقامه في الاستيفاء؛ لأن الناس يتفاوتون فيه. - قال صاحب ((المنظومة))(١) في مقالات أبي يوسف على خلاف قول محمد : (١) النسفي ص ٤٨٠. ٣٨ كتاب الصلح والصلحُ عن السكوت والإنكار في حق المدَّعى عليه: لافتداء اليمين، وقَطْعِ الخصومة، وفي حق المدعي : بمعنى المعاوضة. وإذا صالح عن دارٍ : لم تجب فيها شفعةٌ. وقال في الصلح على المنافع هلاكُ ربِّ العين غيرُ قاطع كذاك موتُ المدعي في الدار والعبدِ لا في الثوب والحِمَار - وإن هلك الشيء الذي وقع الصلح على منفعته، أو استُحق: بطل الصلح، بالإجماع. * قوله: (والصلحُ عن السكوت والإنكار في حق المدعى عليه: لافتداء اليمين، وقطع الخصومة، وفي حق المدعي: بمعنى المعاوضة)؛ لأن المدعى عليه يزعم أن الشيء المدعى: على ملكه، فلا يكون المدفوع و عوضاً عنه، وقد لزمته الخصومة، فجاز له الافتداء منها. وأما المدعي: ففي زعمه أن الذي ادعاه: حقٌّ، وأن الذي يأخذه عوضُ حقه. * قوله: (وإذا صالح عن دارٍ: لم تجب فيها الشفعة)، يعني إذا كان عن إنكارٍ أو سكوتٍ. وصورتُه: ادعى عليه داراً أو عقاراً، فأنكر، أو سكت، ثم صالحه على دراهم: لم تجب فيها الشفعةُ؛ لأن المدعى عليه يزعم أن الدار لم تَزَّل على ملكه، وأنه لم يملكها بالصلح، وإنما دفع العوضَ لافتداء اليمين، وقطعِ الخصومة، وله ذلك، وزَعْمُ المدعي: لا يلزمه؛ لأنه لا ٣٩ کتاب الصلح وإذا صالح على دارٍ : وجبت فيها الشفعةُ. وإذا كان الصلحُ عن إقرارٍ، فاستُحق بعضُ المصالَح عنه: رجع المدَّعىّ عليه بحصة ذلك من العوض. وإن وَقَعَ الصلحُ عن سكوتٍ، أو إنكارٍ، فاستُحِقَّ المتنازَعُ فيه : رجع المدعي بالخصومة، وردّ العوضَ. يُصدَّق عليه، فلهذا لم تجب الشفعة. ولهذا لو ظهر بالدار عيبٌ: لا يرجع بأرشه، ولا يردُّها؛ لأن في زَعْمه أنه لم یملکھا من جهته. قوله: (وإذا صالح على دارٍ: وجبت فيها الشفعة)؛ لأن المدعي يأخذها عوضاً عن حقِّه. ـ ومَن مَلَكَ داراً على وجه المعاوضة: وجبت فيها الشفعةُ، ويأخذُها الشفيع بقيمة الحق المدعى به؛ لأن المصالح أخذها عوضاً عن ذلك الحق. - ولو أقرَّ المدعى عليه، والمسألةُ بحالها: وجبت الشفعةُ فيهما جميعاً، ويأخذ الشفيعُ كلَّ واحدةٍ منهما بقيمة الأخرى. * قوله: (وإذا كان الصلحُ عن إقرار، فاستُحِقَّ بعضُ المصالَح عنه: رَجَعَ المدعى عليه بحصة ذلك من العوض)؛ لأن الصلح إذا كان عن إقرار: كان معاوضةً، كالبيع. * قوله: (وإن وقع الصلحُ عن سكوت أو إنكارٍ، فاستُحِقَّ المتنازَعُ فيه: رجع المدعي بالخصومة): أي مع المستَحقِّ، (وردَّ العوض)؛ لأن ٤٠ كتاب الصلح وإن استُحِقَّ بعضُ ذلك : ردَّ حصتَه، ورَجَعَ بالخصومة فيه. وإن ادَّعىُ حقاً في دارٍ ولم يبيِّنْه، فصولح من ذلك على شيء، ثم استُحق بعضُ الدار: لم يَردَّ شيئاً من العوض؛ لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي. ولو استُحِقَّ الكلَّ : يرجعُ بما أخذه. المدعى عليه ما بذل العوض إلا لدفع خصومته عنه، فإذا ظهر الاستحقاقُ: تبيّن أنه لا خصومةً له، فقد أخذ عوضاً عن غير شيء. * قوله: (وإن استُحقَّ بعضُ ذلك: ردَّ حصته، ورجع بالخصومة فيه): أي في ذلك القدر. * قوله: (وإن ادعى حقاً في دارٍ ولم يُبيِّنْه، فصولح عنه على شيءٍ، ثم استُحِقَّ بعضُ الدار: لم يَردَّ شيئاً من العوض؛ لأن دعواه يجوز أن تكون فيما بقي). - بخلاف (ما إذا استُحِقَّ كلَّه)؛ لأنه يَعرىُ العوضُ عند ذلك عن شيءٍ یقابله، (فیرجع بکله). - وقوله: حقّاً في دار: يعني حقاً في عين الدار، لا حقّاً له بسبب الشفعة؛ لأن الصلح على الشفعة لا يجوز. - وقوله: لم يبيِّنْه: أي لم يَنسبه إلى جزء معلوم، كالنصف أو الثلث، ولا إلى جانب معلومٍ، كالشرقي أو الغربي أو القِبْلي. فإن نَسَبَه إلى جزءٍ شائع، ثم استُحق بعضُ الدار: نُظِر: