Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
كتاب الوكالة
وإذا اشترىُ الوكيلُ، وقَبَض المبيعَ، ثم اطلع على عيبٍ : فله أن يَرُدَّه
بالعيب ما دام المبيعُ في يده.
فإن سلَّمه إلى الموكّل: لم يَردَّه إلا بإذنه.
- وإن قال: اشتر لي جاريةَ تخدُّمني، أو للخدمة، أو للخبز، فاشترى
عمياء أو مقطوعةَ اليدين: لم يلزم الموكل، إجماعاً؛ لأنها لا تصلح
للعمل.
- وإن قال: اشتر لي رقبةً: لم يجز شراء العمياء، ولا مقطوعة الیدین،
إجماعاً.
فإن اشترى عوراءَ أو مقطوعة إحدى اليدين: لزمت الموكل، إجماعاً؛
لأن تنصيصه على الرقبة: يقتضي ما يجوز عتقُها في الكفارة.
- وإن قال: اشتر لي جارية أطؤها، أو أستولدها، فاشترى له رَتْقاء،
أو أخته من الرضاعة، أو ذات رحم مَحرمٍ منه، أو مجوسيةً: لم تلزم
الموكل، ونفذ الشراء على الوكيل؛ لأنه خالف القيد.
* قوله: (فإذا اشترى الوكيلُ، وقبض المبيعَ، ثم اطلع على عيبٍ: فله
أن يَردَّه بالعيب ما دام المبيعُ في يده)؛ لأنه من حقوق العقد، وهي كلها
إليه.
* قوله: (فإن سلَّمه إلى الموكِّل: لم يُردَّه إلا بإذنه)؛ لأنه قد انتهى
حكم الوكالة، ولأن فيه إبطالَ يده الحقيقية، فلا يتمكن منه إلا بإذنه،
ولأن أَخْذ الآمِرِ المبيعَ من يده: حَجْرٌ عليه في الوكالة.

٤٨٢
كتاب الوكالة
ويجوز التوكيلُ بعقد الصرف، والسَّلَم.
فإن فارق الوكيلُ صاحبَه قبل القبض : بَطَل العقدُ، ولا تعتبر مفارقةُ
الموكِّل.
و
: قوله: (ويجوز التوكيل بعقد الصرف والسلم)؛ لأنه عقدٌ يملكه
بنفسه، فیملك التوکیلَ به.
- ومراده: التوكيل بالإسلام، وذلك من قِبَل ربِّ السلم، أما التوكيل
من قِبَل المسلَم إليه، بأن وكَّه يَقبلُ له السلمَ: فإنه لا يجوز، لأنه توكيلٌ
ببيع طعام في ذمته، على أن يكون الثمن لغيره، وهذا لا يصح.
* قوله: (فإن فارق الوكيلُ صاحبَه قبل القبض: بطل العقد)؛ لوجود
الافتراق من غیر قبض.
* قوله: (ولا تُعتبر مفارقةُ الموكِّل)؛ لأنه ليس بعاقد، والمستَحقُّ
بالعقد: قبضُ العاقد، وهو الوكيل، فيصح قبضه وإن كان لا تتعلق به
الحقوق، کالصبي والعبد المحجور عليه.
بخلاف الرسول؛ لأن الرسالة في العقد، لا في القبض، وينتقل كلامه
إلى المرسِل، فصار قبضُ الرسول: قبضَ غير العاقد، فلم يصح.
- قال في ((شرحه)): لا يصح الصرف بالرسالة؛ لأن حقوق العقد لا
تتعلق بالرسول، وإنما تتعلق بالمرسِل، وهما مفترقان في حالة العقد،
فلهذا لم يجز.

٤٨٣
كتاب الوكالة
وإذا دَفَعَ الوكيلُ بالشراء الثمنَ من ماله، وقَبَضَ المبيعَ : فله أن يرجع
به على الموكّل.
فإن هلك المبيعُ في يده قبل حَبْسه: هَلَكَ من مال الموكِّل، ولم يَسقط
لثمنُ.
وله أن يحبسَه حتى يستوفيَ الثمنَ.
- قال في ((المستصفى)): قوله: ولا تُعتبر مفارقة الموكِّل: إنما لا يعتبر
إذا جاء بعد البيع قبل القبض، أما إذا جاء في مجلس عقد الوكيل: فإنه
ينتقل العقد إلى الموكل، وتُعتبر مفارقة الموكل؛ لأنه إذا كان حاضراً في
المجلس: يصير كأنه صارِفٌ بنفسه، فلا تُعتبر مفارقة الوكيل بعد ذلك.
* قوله: (وإذا دفع الوكيلُ بالشراء الثمنَ من ماله، وقَبَضَ المبيعَ: فله
أن يرجع به على الموكِّل).
- وإنما كان له أن يدفع الثمنَ من ماله؛ لأن الثمن متعلق بذمته، فكان
له أن يُخلِّص نفسَه منه.
وإنما رجع به على الموكل؛ لأنه هو الذي أدخله في ذلك.
* قوله (فإن هلك المبيعُ في يده قبل حَبْسه: هلك من مال الموكل،
ولم يَسقط الثمن)؛ لأن يده كيد الموكل، فإذا لم يحبس: يصير الموكل
قابضاً بيده.
* قوله: (وله أن يحبسه حتى يستوفي الثمن)، سواء كان نَقَدَ الثمن،
أو لم ینقده.

٤٨٤
كتاب الوكالة
فإِن حَبَسَه، فهلك في يده : كان مضموناً ضمانَ الرهن عند أبي
یوسف .
وضمانَ المبيع عند محمد .
وقال زفر: ليس له أن یحبسه.
لنا: أن الوكيل بمنزلة البائع من الموكل، فكان حبسُه لاستيفاء الثمن،
فكما أن للبائع أن يَحبس المبيعَ حتى يستوفيَ الثمنَ من المشتري، فكذا
للوكيل أن يحبس المبيعَ حتى يستوفيَ الثمنَ من الموكِّل.
: قوله: (فإن حَبَسَه، فهلك في يده: كان مضموناً ضمانَ الرهن عند
أبي يوسف، وضمانَ المبيع عند محمد)، وعليه الفتوى(١)، وهو قولُ أبي
حنيفة.
وضمانَ الغصبِ عند زفر؛ لأنه مَنْعٌ بغير حقٍّ، على أصله: أنه ليس له
أن يحبسَه، فهو بحَبْسه متعدٍّ، فكان عليه ضمانُ التعدي.
ولهما: أنه بمنزلة البائع منه، فكان حبسُه لاستيفاء الثمن، فيسقط
بھلاکه.
ولأبي يوسف: أنه مضمونٌ عليه بالحبس، مع ثبوت حق الحبس له،
فأشبه الرهنَ.
ـ ومعنى قوله: ضمانَ الرهن عند أبي يوسف: أي يُعتبر الأقل من
قيمته ومن الثمن، كما إذا كان الثمن خمسةَ عشر، وقيمةُ المبيع عشرةً:
(١) وعليه الفتوى: مثبتٌ في نسخة ١٠٣١ هـ، وينظر اللباب ٣٥٦/٣.

٤٨٥
كتاب الوكالة
وإذا وكَّل رجلَيْن: فليس لأحدهما أن يتصرَّفَ فيما وُكُّلا فيه، دون
الآخر،
يرجع الوكيل بخمسةٍ على الموكل.
- وصورة ضمان المبيع: أن يسقط الثمن، قلَّ، أو كثُر، وذلك أن
الوكيل يُجعل كالبائع، والموكلَ كالمشتري منه، ويُجعل المبيعُ كأنه هلك
في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري، فينفسخ البيعُ بين الوكيل والموكل،
ولا يكون لأحدهما على الآخر شيء، كما في البائع والمشتري.
- وصورة ضمان الغصب هو: أن تجب قيمتُه بالغةً ما بلغت، فيرجع
الوكيل على الموكل إن كان ثمنُه أكثرَ، ويرجع الموكل على الوكيل إن
کانت قیمتُه أكثر.
* قوله: (وإذا وكّل رجلٌ رجلين: فليس لأحدهما أن يتصرف فيما
وگِلا فيه، دون الآخر).
هذا إذا وكَّلهما بكلامٍ واحد، بأن قال: وكلتُكما ببيع عبدي هذا، أما
إذا وكَّلهما بكلامَيْن، بأن وكَّل أحدَهما ببيعه، ثم وكَّل الآخرَ أيضاً أن
یبیعه، فأُّهما باع: جاز.
- بخلاف الوصيين إذا أوصى إليهما كل واحد على الانفراد، حيث لا
ءِ
يجوز أن ينفرد كلّ واحد منهما بالتصرف، على الأصح؛ لأن وجوب
الوصية بالموت، وعند الموت صارا وصيين جملةً واحدةً.

٤٨٦
كتاب الوكالة
إلا أن يوكِّلَهما بالخصومة، أو بطلاق زوجته بغير عوض، أو بعِثْق عبده
بغير عوض، أو بردِّ وديعةٍ عنده، أو بقضاء دَیْنٍ عليه.
- فإن وكَّلهما، فباع أحدُهما أو اشترىُ، والآخرُ حاضرٌ: لا يجوز إلا
أن يُجيزه.
وقال في ((المنتقى)): يجوز.
وإن كان غائباً، فأجاز: لم يجز عند أبي حنيفة. كذا في ((الذخيرة)).
- ولو وكَّلهما وأحدُهما عبدٌ محجورٌ، أو صبيٌّ محجورٌ: لم يجز
للآخر أن ينفرد ببيعه؛ لعدم رضاه برأي واحد.
- فإن مات أحدُ الوكيلين، أو ذهب عقلُه: لم يكن للآخر أن يبيعه؛
للعلة التي ذكرناها في الصبي والعبد. كذا في ((النهاية)).
* قوله: (إلا أن يوكلهما بالخصومة، أو بطلاق زوجته بغیر عوض،
أو بعتق عبده بغير عوض، أو بردٍّ وديعةٍ عنده) أو عاريةٍ أو غصب، (أو
بقضاء دينٍ عليه)، فإنه يجوز أن يَنفرد به أحدُهما؛ لعدم الفائدة في
اجتماعهما على ذلك؛ لأن الاجتماع في الخصومة متعذَّرٌ؛ للإفضاء إلى
الشَّغَب في مجلس القضاء.
ولأنهما إذا اشتركا في الخصومة: لم يَفهما، فيقوم أحدهما فيها مقام
الآخر، إلا إذا انتهيا إلى قبض المال: فلا يجوز القبض حتى يجتمعا عليه.
- وأما طلاق زوجته بغير عوض، وعتقُ عبده بغير عوض، وردّ
و
الوديعة، وقضاء الدين: فأشياء لا تحتاج إلى الرأي، بل هي تعبيرٌ محضٌ،

٤٨٧
کتاب الوكالة
فعبارة الاثنين والواحد فيه سواء.
- بخلاف ما إذا قال لهما: طلِّقاها إن شئتُما، أو أمرُها بأيديكما: فإن
أحدهما إذا طلَّق، وأبىُ الآخرُ: لم يقع، حتى يجتمعا على الطلاق؛ لأنه
تفويضٌ إلى رأيهما، ولأنه علَّق الطلاق بفعلهما، فاعتُبر بدخولهما الدار.
- ولو قال: طلِّقاها جميعاً ثلاثاً، فطلَّقها أحدُهما واحدةً، ثم طلقها
الآخر طلقتين: لم يقع شيء، حتى يجتمعا على ثلاث. كذا في ((النهاية)).
- وقوله: أو بردِّ وديعة: قيَّد بالرد؛ لأنه إذا وكّلهما بقبضها: ليس
لأحدهما أن ينفرد بالقبض. كذا في ((الذخيرة)).
- قال محمدٌ في ((الأصل)): إذا قبضها أحدُهما بغير إذن صاحبه:
ضمن؛ لأنه شَرَطَ اجتماعَهما، وهو ممكنٌ، وله فيه فائدة؛ لأن حفظ
اثنين أنفع، فإذا قبض أحدهما: صار قابضاً بغير إذن المالك، فيضمن،
وأما إذا قبض بإذن صاحبه: لا یضمن.
- وقوله: أو بطلاق زوجته، أو بعتق عبده: يعني زوجةً بعينها، أو
عبداً بعينه؛ لأن ذلك لا يحتاج إلى الرأي.
- أما إذا وكَّلهما بطلاق زوجةٍ بغير عينها، أو بعتق عبدٍ بغير عينه: لم
يجز، حتى يجتمعا على ذلك؛ لأن هذا يُرجع فيه إلى الرأي؛ لأن له
غرضاً في إخراج زوجة، دون زوجة، وعتقِ عبدٍ، دون عبد، فلم یکن
لأحدهما أن ینفرد بذلك، دون صاحبه.

٤٨٨
كتاب الوكالة
وليس للوكيل أن يوكِّلَ فيما وُكِّل به، إلا أن يأذن له الموكِّلُ، أو يقولَ
له : اعمَلْ برأيك.
- وكذا إذا وكِّلهما بعتق عبدٍ بعينه على مال، أو خلع زوجته؛ لأن ما
طريقه العوض: يُرجع فيه إلى الرأي.
- وإن كان له على رجل دينٌ، فوكل رجلين بقبضه: فليس لأحدهما
أن يقبضه دون الآخر؛ لأنه رضيَ برأيهما، ولم يرض برأي أحدهما،
٩
والشيء يختلف باختلاف الأيدي.
قوله: (وليس للوكيل أن يؤكِّل بما وُكِّل به، إلا أن يأذن له
الموكِّل)؛ لأنه فوَّض إليه التصرفَ، دون التوكيل به، ولأنه لا يُستفاد
بمقتضى العقد مثله، ولأنه رضي برأيه، والناس متفاوتون في الآراء، وأما
إذا أذن له: جاز؛ لأنه رضي بذلك.
* قوله: (أو يقول له: اعمل برأيك)؛ لإطلاق التفويض إلى رأيه.
- ثم إذا أذن له الموكّل، أو قال له: اعمل برأيك، فوكَّل وكيلاً: كان
الوكيل الثاني وكيلاً عن الموكّل، حتى لا يملكُ الوكيلُ الأول عَزْلَه.
- وكذا لا ينعزل بموت الوكيل، وينعزلان جميعاً بموت الموكل
الأول. كذا في ((الهداية))(١).
وفي ((الفتاوى)): إذا وكّل رجلاً، وفوَّض إليه الأمرَ، فوكّل الوكيل
رجلاً: صح تو کیله، وله عزله.
(١) ١٤٩/٣.

٤٨٩
کتاب الوكالة
فإن وکَّل بغير إذن موكِّله، فعَقَدَ و کیلُه بحضرته : جاز.
- أما لو قال له الموكل: وكُّل فلاناً، فوكَّله الوكيل: لا يملك عزلَه،
إلا برضا الموكل الأول.
* قوله: (فإن وكَّل بغير إذن موكِّله، فعَقَدَ وكيلُه بحضرته: جاز)؛ لأن
المقصود حضورُ رأي الأول، وقد حصل رأيه.
- وتكلموا في العُهدة، وحقوق العقد على مَن هي؟
قال البقَّلِي: على الأول.
وفي ((العيون))، و((قاضي خان)): على الثاني.
- قال في ((المحيط)): وهل تُشترط إجازة الوكيل الأول ما عَقَدَ الثاني
بحضرته، أم لا؟
قال في ((الأصل)): لا يشترط.
وعامة المشايخ يقولون: يشترط.
والمطلَق: محمولٌ على ما إذا أجازه.
- وقوله: فعَقَدَ وكيلُه بحضرته: قيَّد بالعقد: حتى لو وكَّله بالطلاق، أو
بالعتاق، ولم يأذن له، فوكّل الوكيلُ غيرَه بذلك، فطلق الوكيلُ الثاني، أو
أعتق بحضرة الوكيل الأول: لا يقع الطلاق والعتاق؛ لأن توكيله للأول
كالشرط، فكأنه علَّق الطلاق بتطليق الأول، فلا يقع بدون الشرط؛ لأن
الطلاق والعتاق يتعلقان بالشروط، بخلاف البيع ونحوه، فإنه من الإثباتات،
فلا تحتمل التعليق بالشرط.

٤٩٠
كتاب الوكالة
وإن عَقَدَ بغير حضرته، فأجازه الوكيلُ الأولُ: جاز.
وللموكِّل أن يَعزلَ الوكيلَ عن الوكالة.
* قوله: (وإن عَقَدَ بغير حضرته، فأجازه الوكيلُ الأول: جاز).
- إنما ذلك في البيع، أما لو اشترى: فالشراء ينفذ على الوكيل.
- وفي ((الهداية))(١): إذا عقد في حال غيبته: لم يجز؛ لأنه فاته رأيُه،
إلا أن يبلغه، فیجیزه.
- وكذا لو باع غيرُ الوكيل، فأجازه: جاز؛ لأنه حَضَرَه رأيُه.
* قوله: (وللموكل أن يعزل الوكيلَ عن الوكالة متى شاء)؛ لأن
الوكالة حقّه، فله أن يُبطله، إلا إذا تعلق به حقُّ الغير، فإنه لا يملك عزلَه
بغير رضا مَن له الحق، كما لو وضع الرهنَ عند عدل، وسلَّطه على بيعه
عند محل الأجل، ثم عزله الراهن: لم يصح عزلُه إذا كانت الوكالة
مشروطة في الرهن.
- ولو كان الوكيل غائباً، فكتب إليه كتاباً بالعزل، فبلغه الكتابُ،
وعَلِم ما فيه: انعزل.
- وكذا إذا أرسل إليه رسولاً، كائناً من كان الرسول، عدلاً كان أو غير
عدل، حراً كان أو عبداً، صغيراً كان أو كبيراً، بعد أن يبلِّغ الرسالة،
ويقول: إن فلاناً أرسلني إليك يقول: إني عزلتُك عن الوكالة: فإنه ينعزل.
(١) ١٤٩/٣.

٤٩١
كتاب الوكالة
فإن لم يبلغه العزلُ: فهو علىُ وكالته، وتصرُّفُه جائزٌ حتى يَعلم.
- ولو لم يكتب إليه، ولا أرسل إليه، ولكنه عَزَّلَه، وأشهد على عَزْله،
والو کیلُ غائبٌ: فإنه لا ينعزل.
- فإن أخبره بالعزل رجلان، عدلان أو غير عدلين، أو رجلٌ واحدٌ
عدلٌ: انعزل، إجماعاً، سواء صدَّقه الوكيل أو لم يصدِّقه، إذا ظهر صِدْق
الخبر.
- وإن كان الذي أخبره واحدٌ غير عدل، فإن صدَّقه: انعزل، إجماعاً،
وإن كذّبه: لم ينعزل عند أبي حنيفة.
وعندهما: ينعزل إذا ظهر صدقُ الخبر وإِن كذَّبه.
- وأما العزل الحكمي: فإنه لا يُحتاج فيه إلى علم الوكيل، وينعزل،
سواء عَلِم أو لم يعلم، نحو أن يموت الموكل، أو يوكل ببيع عبده، ثم إنه
أخرج العبدَ عن ملكه قبل أن يبيعه الوكيلُ، أو دبّره، أو كاتبه، أو وهبه:
انعزل، علم أو لم یعلم.
- فإن عاد العبدُ إلى ملك المولىُ: إن عاد بفسخٍ: عادت الوكالة، وإن
عاد بحكم ملكٍ جدید: لم تعد.
* قوله: (وإن لم يبلغه العزلُ: فهو على وكالته، وتصرُّفه: جائزٌ حتى
يعلم)؛ لأن العزل نهيٌّ، والأوامر والنواهي لا يثبت حكمها إلا بعد العلم بها.
- فعلى هذا: إذا وكّله ببيع عبدٍ، ثم عزله وهو لا يعلم، فباع الوكيل
العبدَ، وقبض الثمن، فهلك في يد الوكيل، ومات العبد في يد الموكل

٤٩٢
كتاب الوكالة
قبل أن يُسلِّمه إلى المشتري: فإنه يرجع بالثمن على الوكيل، ويرجع
الوكيلُ على مولى العبد؛ لأنه لم ينعزل.
فما تصرف فيه: فهو على موكله، وما لزمه من الضمان: رجع به عليه.
- وكذا لو لم يمت العبدُ، ولكن المولى باعه، ولم يعلم الوكيل؛ لأن
البيع وإن زال به ملكُ الموكل، فقد عزل الوكيل، وغرَّه حين لم يُعلمه
بالعزل، فرجع عليه بحكم الغرور حتى لو رجع العبدُ إلى ملك الموكل
علی حکم الملك الأول.
مثل أن يُردَّ عليه بعيبٍ بقضاء: جاز للوكيل بيعُه عند محمد؛ لأن
الوكالة لم تبطل؛ لأنه إن رجع إليه على حكم ملكٍ مستأنف، مثل أن يُردَّ
عليه بغير قضاء، أو بإقالة: بطلت الوكالة؛ لأنه دخل دخولاً مستأنفاً، كما
لو اشتراه شراء مستقبلاً.
فرعٌ: رجلٌ وكَّل رجلاً ببيع عبده غداً: كان وكيلاً في الغد وفيما
بعده، ولا یکون و کیلاً قبل الغد.
والأصل في هذا: أن تعليق الإطلاقات بالخطر جائزٌ، كالتوكيل، وهو
أن يقول: إذا جاء غدٌ فقد وكلتك، أو: إذا دخلتُ الدار فقد وكلتك،
وكالإذن للعبد في التجارة والطلاق والعتاق.
وأما تعليق التمليكات والتقييدات بالخطر: فلا يجوز، كالبيع، والهبة،
والصدقة، والإبراء من الديون، وعزل الوكيل، والحَجْر على العبد

٤٩٣
كتاب الوكالة
وتبطلُ الوكالةُ بموت الموكِّل، وجنونِه جنوناً مُطْبِقاً، ولَحَاقِه بدار
الحرب مرتداً إلا أن يعود مسلماً.
المأذون، والرجعة، وما أشبه ذلك.
- فإذا قال للوكيل: إذا جاء غدٌ فقد عزلتُك: لا ينعزل.
[مبطلات الوكالة : ]
قوله: (وتبطل الوكالةُ بموت الموكِّل، وبجنونه جنوناً مُطبقاً،
وبلَحَاقه بدار الحرب مرتداً).
- هذا إنما يكون في موضعٍ يملك الموكلُ عزلَه، أما في الموضع الذي
لا يملك عزلَه: لا ينعزل بالجنون، كما إذا جعل أَمْرَ امرأته إليها في
الطلاق، ثم جُنَّ، وكذا العدل إذا سلَّطه على بيع الرهن. كذا في ((النهاية).
- وإنما بطلت بموت الموكّل، وجنونه؛ لأن الوكيل يتصرف من طريق
الآمر، وبموته وجنونه یبطل أمرُه، فیحصل تصرُّفه بغير أمر، فلا يجوز.
- فإن أفاق من جنونه: تعود الوكالة. كذا ذكر الخجندي في باب
المأذون.
- وإنما شرط كونه مطبقاً؛ لأن قليله: بمنزلة الإغماء، والإغماء
مرضٌ، والمرضُ لا يُبطل الوكالة.
- وحدُّ المُطبق: شهرٌ عند أبي يوسف؛ اعتباراً بما يَسقط به الصوم.
وعنه: أكثر من يوم وليلة؛ لأنه تسقط به الصلوات الخمس.

٤٩٤
کتاب الوكالة
وقال محمدٌ: حولٌ كاملٌ؛ لأنه تسقط به جميع العبادات، فقدَّر به
احتياطاً. كذا في ((الهداية))(١).
وفي ((الكرخي)): حدُّ المُطبِقِ عند أبي حنيفة شهرٌ، كما قال أبو
يوسف، وعند محمد: حولٌ كاملٌ.
وحُكي عن محمد أيضاً أكثر الحول؛ لأن للأكثر: حكمَ الكل.
- وقوله: بلَحاقه بدار الحرب مرتداً: هذا قول أبي حنيفة؛ لأن تصرف
المرتد موقوفٌ عنده، وكذا وكالته، فإن أسلم: فهو على وكالته، وإن
قُتل، أو لَحِقِ بدار الحرب: بطلت.
وأما عندهما: فتصرفاته نافذةً، فلا تبطل وكالته، إلا أن يموت أو يُقتل
على ردته، أو يُحكم بلحاقه.
- وإن کان الموکل امرأةً، فارتدت: فالو کیل علی وکالته حتى تموت،
أو تَلحق بدار الحرب ويُحكَم بلَحاقها؛ لأن ردتها لا تؤثر في عقودها،
ولا تزيل أملاكها.
- وإن جاء المرتد من دار الحرب مسلماً قبل الحكم بلَحاقه: فكأنه لم
يَزَل كذلك، ويكون الوكيل على وكالته، وإن جاء مسلماً بعد الحكم
بَلَحاقه: لم يَعُدِ الوكيل في الوكالة الأُولىُ.
(١) ١٥٣/٣.

٤٩٥
كتاب الوكالة
وإذا وَكَّل المكاتَبُ رجلاً، ثم عَجَز، أو المأذونُ له، فحُجِر علیه، أو
الشريكان، فافترقا : فهذه الوجوهُ كلَّها تُبطِل الوكالةَ: عَلِم الوكيلُ، أو لم
يَعلَم.
- وإن ارتد الوكيل، ولحق بدار الحرب: انقطعت وكالتُه، وإن عاد:
لم تَعُد عند أبي يوسف، وعند محمد: تعود. كذا في ((الكرخي)).
- وإذا لحق المرتد بدار الحرب، فأخذ الورثةُ مالَه بغير أمر القاضي،
فأكلوه، ثم رجع مسلماً: كان له أن يُضمِّنهم.
ولو أن القاضي حكم بلَحاقه، وقضى بماله للورثة، ثم رجع مسلماً،
فوجد جاريةً في يد الوارث، فأبى الوارث أن يردها عليه، وأعتقها
الوارث، أو باعها، أو وهبها: كان ما صنعه جائزاً، ولا شيء للمرتد.
* قوله: (وإذا وكَّل المكاتبُ رجلاً، ثم عَجَزَ، أو المأذونُ له، فحُجر
عليه، أو الشريكان، فافترقا: فهذه الوجوهُ تُبطِل الوكالةَ، عَلِم الوكيل، أو
لم يعلم)؛ لأن عجز المكاتب يُبطل إذنَه كموته، وكذا الحَجْر على
المأذون، وافتراقُ الشريكين يُبطل إذن كل واحدٍ منهما فيما اشتركا فيه.
ولأن بقاء الوكالة يعتمد قيام الأمر، وقد بطل بالعجز، والحجرِ،
والافتراقِ.
ولا فرقَ بين العلم وعدمه؛ لأن هذا عزلٌ حكميٌّ، فلا يتوقف على
العلم، کالموت.
- قولُه: أو الشريكان، فافترقا: سواء اشتركا عناناً أو مفاوضةً، ثم وكَّل
أحد الشريكين ثالثاً.

٤٩٦
كتاب الوكالة
وإذا مات الوكيلُ، أو جُنَّ جنوناً مُطْبَقاً: بطلت وكالتُه.
وإن لَحِقِ بدار الحرب مرتدًّاً: لم يجز له التصرُّفُ، إلا أن يعود
مسلماً.
ومَن وَكَّل آخرَ بشيءٍ، ثم تصرَّف الموكِّلُ فيما وَكَّل به: بطلت
الوكالةُ.
* قوله: (وإذا مات الوكيل، أو جُنَّ جنوناً مطبقاً: بطلت وكالته)؛ لأنه
لا یصح فعلُه بعد جنونه وموته.
* قوله: (فإن لحق بدار الحرب مرتداً: لم يجز له التصرف، إلا أن
يعود مسلماً) قبل الحكم بلَحاقه.
- هذا إذا لم يقض القاضي بلَحاقه حتى عاد مسلماً: فإنه يعود وكيلاً،
إجماعاً، وإن قضى القاضي بلحاقه، ثم عاد مسلماً: فعند أبي يوسف: لا
یعود، وعند محمد: يعود.
قوله: (ومَن وَكَّل آخرَ بشيءٍ، ثم تصرَّف فيما وَكَّل به: بطلت
الوكالةُ)؛ لأنه إذا تصرَّف فيما وكَّل به: تعذَّر تصرُّف الوكيل فيه بعد ذلك.
- قال في ((الهداية))(١): وهذا اللفظ ينتظم وجوهاً:
مثل أن يوكله بإعتاق عبده أو بكتابته، فأعتقه أو كاتبه الموكِّلُ بنفسه،
أو يوكله بتزويج امرأةٍ، أو بشراء شيء، فيفعله بنفسه، أو يوكله بطلاق
امرأته، فيطلقُها الزوج ثلاثاً أو واحدةً، وانقضت عدتها.
(١) ١٥٤/٣.

٤٩٧
كتاب الوكالة
والوكيلُ بالبيع والشراءِ لا يجوز له أن يَعقِدَ عند أبي حنيفة مع أبيه،
وجَدِّه، وولدِهِ، وولدِ ولدِهِ، وزوجتِهِ، وعبدِهِ، ومكاتبه.
- وإنما قيَّد بانقضاء عدتها؛ لأنها إذا لم تنقض: يجوز للوكيل أن
يطلقها أيضاً، أما إذا انقضت: فلا يجوز له ذلك.
- وكذا إذا وكَّله بالخُلع، فخالع بنفسه، فإن الوكيل ينعزل في هذه
الصور كلها؛ لتعذر التصرف بعد تصرف الموكل.
- وكذا إذا وكَّله ببيع عبده، فباعه بنفسه، فلو رُدَّ عليه بعيبٍ بقضاء:
فعن أبي يوسف: ليس للوكيل أن يبيعه؛ لأن بيعه بنفسه مَنْعٌ له من
التصرف، فصار کالعزل.
وقال محمد: له أن يبيعه مرةً أخرى.
بخلاف ما إذا وكّله بالهبة، فوهب بنفسه، ثم رجع في الهبة: لم يكن
للوكيل أن يهب؛ لأنه مختارٌ في الرجوع، فكان دليل عدم الحاجة.
أما الردُّ بقضاء قاضٍ: فهو بغير اختياره، فلم يكن دليلَ زوال الحاجة،
فإذا عاد إليه قدیمُ ملکِهِ: كان له أن يبيعه.
وإن رُدَّ عليه بغير قضاء قاض: فليس للوكيل أن يبيعه؛ لأن بيع
الموكِّل إخراجٌ للوكيل عن الوكالة.
* قوله: (والوكيلُ بالبيع والشراء لا يجوز أن يَعقد عند أبي حنيفة مع
أبيه، وجدِّه، وولدِهِ، وولدٍ ولده، وزوجته، وعبدِهِ، ومكاتبِه).

٤٩٨
كتاب الوكالة
وقالا : يجوز بيعُه منهم بمثل القيمة، إلا في عبده، ومكاتَبه.
- وكذا مَن لا تجوز شهادتُه له؛ لأن الوكيل مؤتمَنٌ، فإذا باع من
هؤلاء: لحقته تهمةٌ؛ لأن المنافع بينه وبين هؤلاء متصلةٌ.
- والإجارة والصرف: على هذا الخلاف.
: قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز بيعُهُ منهم بمثل القيمة، إلا
في عبده ومكاتبه)؛ لأن التوكيل مطلَقٌ، ولا تهمةَ؛ لأن الأملاك متباينة،
بخلاف العبد؛ لأنه بيعٌ من نفسه؛ لأن ما في يد العبد: للمولىُ.
- وكذا للمولى حقٌّ في كسب المكاتب، وينقلبُ حقيقةً بالعجز.
- وفي قوله: بمثل القيمة: إشارةٌ إلى أنه لا يجوز عندهما أيضاً في
الغَيْن اليسير، وإلا: لم يكن للتخصيص فائدة. كذا في ((النهاية)).
لكن ذكر في ((الذخيرة)) أن البيع منهم بالغبن اليسير: يجوز عندهما.
قال في ((الذخيرة)): الوكيل بالبيع إذا باع ممن لا تُقبل شهادته له: إن
كان بأكثر من القيمة: يجوز بلا خلاف.
وإن كان بأقلّ : بغَبْنٍ فاحش: لا يجوز، بلا خلاف.
وإن كان بغَبْنٍ يسيرٍ: لا يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز.
وإن كان بمثل القيمة: فعن أبي حنيفة روايتان.
- ولو أمره الموكل بالبيع من هؤلاء، أو قال له: بع ممن شئتَ: فإنه
يجوز بيعُه من هؤلاء، بالإجماع، إلا أن يبيعه من نفسه، أو من ولده

٤٩٩
كتاب الوكالة
والوكيلُ بالبيع يجوز بيعُهُ بالقليل والكثير عند أبي حنيفة.
الصغير، أو من عبده ولا دينَ عليه: فإنه لا يجوز ذلك قطعاً وإن صرَّح
الموکل له بذلك.
- وقيَّد في ((المبسوط))(١) بالعبد الذي لا دينَ عليه، كأن فيه إشارةً إلى
أنه إذا كان مديوناً: يجوز بيعُه منه عند تعميم المشيئة.
- وكذلك حكم الوكيل بالشراء إذا اشترى من هؤلاء.
- ولو وكَّله أن يزوِّجه امرأةً، فزوَّجه الوكيلُ ابنتَه:
إن كانت صغيرةً: لا يجوز، بالإجماع.
وإن كانت بالغةً: فكذا أيضاً لا يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما: يجوز.
- وكذا إذا زوَّجه الوكيلُ أمتَه، أو مَن لا تجوز شهادتُه لها: فهو على
هذا الخلاف.
- وإن زوَّجه أختَه، أو مَن تجوز شهادتُه لها: جاز، إجماعاً.
* قوله: (والوكيلُ بالبيع يجوز بيعُه بالقليل والكثير عند أبي حنيفة).
- وكذا بالعُروض؛ لأن أمره بالبيع عامٌّ، ومِن حُكم اللفظ أن يُحمل
على عمومه، وهذا عند أبي حنيفة.
- والخلاف في الوكالة المطلقة، أما إذا قال: بعه بمائة أو بألف: لا
يجوز أن يُنقص، بالإجماع.
(١) ٣٣/١٩.

٥٠٠
كتاب الوكالة
وقالا : لا يجوز بيعه بنقصانٍ لا يَتَغابنُ الناسُ في مثله.
والوكيلُ بالشراء يجوز عَقْدُه بمثل القيمة وزيادةٍ يَتغابنُ الناسُ في
مثلها .
: قوله: (وقالا: لا يجوز بيعُه بنقصان لا يَتَغابنُ الناسُ في مثله).
- ولا يجوز إلا بالدراهم والدنانير؛ لأن مطلَق الأمر يتقيد بالمتعارف،
وهو البيع بثمن المثل، أو بالنقود، ولأن البيع بغبنٍ فاحشٍ هبةً من وجه؛
لأنه إذا حصل من المريض: كان معتبراً من ثلثه.
إلا أن أبا حنيفة يقول: هو مأمورٌ بمطلق البيع، وقد أتى ببيعٍ مطلق؛
لأن البيع: اسمٌ لمبادلة مالٍ بمال، وذلك يوجد في البيع بالعروض، كما
يوجد في البيع بالنقود.
- وكذا البيع بالمحاباة: بيعٌ؛ لأن مَن حلف: لا يبيع، فباع محاباةً:
حنث.
- ثم مطلق الأمر: ينتظم نقداً ونسيئةً إلى أيِّ أجل كان عند أبي حنيفة،
وقالا: يتقيد بأجلٍ متعارف.
- فإن اختلف الآمرُ والوكيل، فقال الآمر: أمرتُك أن تبيع بنقد، فبعتَ
بنسيئة، وقال الوكيل: أمرتَني ببيعه، ولم تقل شيئاً: فالقولُ قول الآمر.
- وجائزٌ لمن وُكِّل ببيع شيءٍ، ولم يُسمِّ له نقداً ولا نسيئةً: أن يبيعه
نسيئةً، إجماعاً.
* قوله: (والوكيلُ بالشراء يجوز أن يشتريَ بمثل القيمة وزيادةٍ يَتغابنُ
الناسُ في مثلها).