Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ کتاب الحَجْر إقرارُه فيها، وحضرة المولى ليست بشرط. - وهذا إذا أقرُّوا، أما إذا أُقيم عليه البينةُ: فحضرة المولى شرطٌ عندهما. وقال أبو يوسف: ليست بشرط. - ولو استهلك العبد مالاً: فإنه يؤاخذ به في الحال، محجوراً كان، أو مأذوناً. - وأما الإقرار من المحجور بالديون والغصوب: لا يصح، ومن المأذون: يصح، ويؤاخذ به في الحال. - وأما الإقرار بالجناية التي توجب الدفع، أو الفداء: فإنها لا تصح منه، محجوراً كان، أو مأذوناً. - وأما المأذون فإقرارُه بالديون والغصوب واستهلاك الودائع والعواري، والجنايات في الأموال: جائزٌ. - وإن أقرَّ بمهر امرأة، وصدَّقته المرأة: فإنه لا يصح في حق المولى، ولا يؤاخذ به إلا بعد الحرية. - وإن أقرَّ بافتضاض امرأةٍ بالأصبع: فعندهما هذا إقرارٌ بالجناية: فلا يصح إلا بتصديق المولى. وعند أبي يوسف: هذا إقرارٌ بالمال: فيصح. ٢٤٢ کتاب الحَجْر وإن أقرَّ بحدٍّ، أو قصاصٍ : لزمه في الحال. * قوله: (وإن أقرَّ بحدٍّ أو قصاصٍ: لزمه في الحال)؛ لأن هذا إقرارٌ على نفسه، وهو غيرُ متّھم فیه. - واعلم أن العبد إذا قتل رجلاً عمداً: وجب عليه القصاص. - وإن كان خطأً، أو كان فيما دون النفس عمداً أو خطأ: فإنه يجب على المولىُ: إما دفعُه، وإما فداؤه بأرش الجناية، فإن اختار الفداء: وجب الأرشُ حالاً، وكذا إذا اختار دفعَ العبد: دَفَعَه حالاً أيضاً. - ولو أنه لمَّا قتل رجلاً عمداً، ووجب عليه القصاصُ: أعتقه مولاه: فإن المولى لا يلزمه شيء؛ لأن العبد صار حراً، وهو محلٌّ للقصاص. - ولو كان للقتيل وليان، فعفا أحدُهما: بطل حقّه، وانقلب نصيب الآخر مالاً، وله أن يستسعيَ العبدَ في نصف قيمته، ولا يجب على المولىُ شيء؛ لأنه انقلب مالاً بعد الحرية، ويجب نصفُ القيمة؛ لأن أصل الجناية كان في حال الرق. - ولو أقرَّ العبد بقتل الخطأ: لم يلزم المولى شيء، وكان في ذمة العبد، يؤاخذ به بعد الحرية. كذا في ((الخُجَندي)). وفي ((الكرخي)): إذا أقرَّ العبد بجناية الخطأ، وهو مأذونٌ، أو محجورٌ: فإقراره باطلٌ. - فإن أُعتق بعد ذلك: لم يُتَّبع بشيءٍ من الجناية، أما المحجور: فلأنه أقرَّ بمالٍ، فلا يتعلَّق بإقراره حكمٌ، كإقراره بالدين، وأما المأذون: فإقراره ٢٤٣ کتاب الحَجْر ويَنْفُذُ طلاقُه. جائزٌ بالديون التي تلزمه بسبب التجارة؛ لأنها هي المأذونُ فيها، فأما الجناية: فلم يأذن فيها المولى، والمأذون فيها كالمحجور. * قوله: (ويَنفذُ طلاقُه)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل طلاق واقع إلا طلاق الصبيِّ، والمعتوه))(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يملك العبدُ والمكاتب شيئاً، إلا الطلاق))(٢). ولأنه غير متَّهم في ذلك، وليس فيه إبطال ملك المولى، ولا تفويت منافعه، فینفذ. - قال في ((النوازل)): المعتوه مَن كان مختلطَ الكلام، فاسدَ التدبير، لكنه لا يضربُ ولا يشتم، کما يفعله المجنون. * قوله: (ولا يقع طلاقُ مولاه على امرأته(٣))؛ لقوله عليه الصلاة (١) تقدم ص ٢٠٨. (٢) في نصب الراية ١٦٥/٤: غريب، وقال العلامة قاسم في تخريج أحاديث الاختيار ٣٦٠/٢: قال المخرِّجون: لم نره. اهـ، وينظر لمعناه عدة طرق عند سنن ابن ماجه (٢٠٨١)، ومعجم الطبراني الكبير (١١٨٠٠)، وسنن البيهقي ٣٦٠/٧، وبمجموعها یقوی الحدیث. (٣) هذه الجملة من القدوري غيرُ مثبتةٍ في نُسخ القدوري الكثيرة التي حققتُه عليها مع اللباب، وقد نَبَّهتُ هناك ١٦٧/٣ إلى هذا، وأنها مثبتةٌ في الجوهرة. ٢٤٤ كتاب الحجر وقال أبو حنيفة: لا يُحْجَر على السفيه إذا كان بالغاً عاقلاً حُرّاً. والسلام: ((الطلاق بيد مَن ملك الساق))(١). ولأن الحلّ حصل للعبد، فكان الرفع إليه، دون المولى. * قوله: (وقال أبو حنيفة: لا يُحجَرُ على السفيه إذا كان حراً بالغاً عاقلاً). و السفيهُ: خفيفُ العقل، الجاهلُ بالأمور، الذي لا تمييز له، العامل بخلاف موجَب الشرع. - وإنما لم يُحجَر عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه مخاطَبٌ عاقلٌ، ولأن في سَلْب ولايته إهدارَ آدميته، وإلحاقَه بالبهائم، وذلك أشدُّ عليه من التبذير، فلا يُحتمَل الأعلىُ لدفع الأدنى، إلا أن يكون في الحَجْر عليه دَفْعُ ضررٍ عامٍ، كالحَجر على الطبيب الجاهل، والمفتي الماجِن، والمكاري المفلس، فإن هؤلاء يُحجر عليهم فيما يروى عن أبي حنيفة؛ إذ هو دَفْعُ الأعلى بالأدنى. - المفتي الماجِنُ هو: الذي يُعلُّم الناسَ حِيَلاً باطلةً، كارتداد المرأة؛ لتفارق زوجَها، أو الرجلِ ليُسقط الزكاةَ، ولا يبالي أن يُحلِّل حراماً، أو يُحرِّم حلالاً. - والطبيبُ الجاهلُ هو: أن يَسقيَ الناسَ دواءً مهلكاً. - والمكاري المفلس: أن يُكريَ إبلاً، وليست له إبلٌّ، ولا مالٌ يشتريها به، وإذا جاء أوانُ الخروج: يُخفي نفسه. (١) ينظر حاشية (٢) السابقة، ففي ألفاظ تلك الطرق هذا اللفظ. ٢٤٥ کتاب الحَجْر وتصرُّفه في ماله جائزٌ وإن كان مبذِّراً مفسِداً يُتِلِفُ مالَه فيما لا غَرَضَ له فيه ولا مصلحةَ، مثلُ أن يُتْلفَه في البحر، أو يُحرِقَه في النار. إلا أنه قال : إذا بلغ الغلامُ غيرَ رشيدٍ : لم يُسلِّم إليه ماله حتى يبلغَ خمساً وعشرين سَنَّةً. وإن تَصرَّف فيه قبل ذلك : نَفَذَ تصرُّفه. قوله: (وتصرُّفه في ماله جائزٌ)؛ لأنه مخاطَبٌ عاقلٌ؛ لقوله: (وإن كان مبذِّراً مفسِداً). - فقوله: مفسداً: تفسيرٌ لقوله: مبذِّراً، وسواء كان يبذِّر مالَه في الخير، أو الشر. * قوله: (يُتلف مالَه فيما لا غَرَضَ له فيه، ولا مصلحة، بأن يُلقيه في البحر، أو يُحرِقِه). * قوله: (إلا أنه قال (١) : إذا بلغ الغلامُ غيرَ رشيد: لم يسلّم إليه مالُه حتى يبلغ خمساً وعشرين سنةً، فإن تصرف قبل ذلك: نفذ تصرفه). - ولا يُقال: كيف يجوز تصرُّفه فيه، وهو ممنوعٌ من قَبْضه؟ لأن مثل ذلك لا يمتنع، ألا ترى أن المبيع في يد البائع يمنع المشتري من قبضه قبل تسليم الثمن، ولو أعتقه: جاز. (١) أي الإمام أبو حنيفة رحمه الله. ٢٤٦ کتاب الحَجْر وإذا بلغ خمساً وعشرين سنةً: سُلِّم إليه مالُه وإن لم يُؤنَس منه الرشدُ. وقالا : يُحجَر على السفيه، ويُمنَع من التصرف في ماله. : قوله: (فإذا بلغ خمساً وعشرين سنةً: سُلِّم إليه مالُه وإن لم يُؤنس منه الرشد)؛ لأن مَنْع المال عنه بطريق التأديب، ولا تأديبَ بعد هذه المدة غالباً، ألا ترى أنه قد يصير جَدّاً في هذا السن. - قال في ((الينابيع)): إنما قدَّره أبو حنيفة بخمسٍ وعشرين سنةً؛ لأنه قد يصير جَدَّاً في هذا السن، وولدُه قاضياً، وفي حِجْر ولده ولدٌ، مع كونه حراً بالغاً عاقلاً، فيؤدي الحَجر عليه إلى أمرٍ قبيحٍ. وبيانُه: أن أدنى مدة يبلغ فيها الغلام اثنتا عشرة سنة، ثم يتزوج وتحبل له، فتلدُ امرأتُه لستة أشهر، فيكبر ولدُه، ويبلغ لاثنتي عشرة سنة، ثم يتزوج، وتحبل له، فتلد امرأتُه لستة أشهر، فذلك خمسٌ وعشرون سنة، ومُحالٌ أن يكون جَدّاً ولم يبلغ أشدَّه. قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: يُحجَر على السفيه، ويُمنع من التصرف في ماله). ثم اختلفا فيما بينهما، فقال أبو يوسف: لا يصير محجوراً عليه إلا بحَجر الحاكم، ولا يصير مطلقاً بعد الحَجر حتى يُطلِقَه الحاكم. وقال محمد: فسادُه في ماله: يَحجرُهُ، وصلاحُه فيه: يُطلقه، يعني أنه يَنحجر بنفس السَّفَه، ويذهب عنه الحَجر بنفس الإصلاح في ماله. ٢٤٧ کتاب الحَجْر فإن باع: لم يَنْفُذْ بيعُه في ماله، وإن كان فيه مصلحةً : أجازه الحاكم. وفائدة الخلاف: فيما باعه قبل حَجْر القاضي: فعند أبي يوسف: یجوز، وعند محمد: لا يجوز. - ثم إذا صار محجوراً عليه عندهما: يصير حكمُهُ حكمَ الصبيِّ الذي لم يبلغ، إلا في أشياء معدودة، فإن حكمه فيها: كحكم البالغ العاقل، وهي: - أنه إذا تزوج امرأةً: جاز نكاحه. - وإن أعتق: جاز عتقُه، ولكنه يسعى العبدُ في قيمته. - ويصح تدبيرُهُ واستيلادُه وطلاقُه، وتجب في ماله الزكاةُ، ويجب عليه الحج إذا كان قادراً على الزاد والراحلة، وتنفذ وصيتُه في الثلث، ويجوز إقراره على نفسه بما يوجب العقوبةَ، كما إذا أقر بوجوب القصاص في النفس وفیما دونها. - قال في ((الينابيع)): إذا صار محجوراً: فهو بمنزلة الصغير، إلا في أربعة أشياء: لا يجوز تصرف وصيِّ الأب عليه، وتجوز وصيته بالثلث، وتزويجه بمقدار مهر المثل، وإقرارُه جائزٌ. وأما بيعه وشراؤه، وهبته، وصدقته، وإقراره بالمال، وإجارتُه: فلا تجوز منه، كما لا تجوز من الصبي والمجنون. * قوله: (فإن باع: لم ينفذ بيعُه في ماله، وإن كان فيه مصلحةٌ: أجازه الحاكم). ٢٤٨ كتاب الحجر وإن أعتق عبداً: نَفَذَ عتقُه، وكان على العبد أن يسعى في قيمته. يعني إذا كان الثمن قائماً في يد السفيه، وفيه ربحٌ، أو بمثل القيمة. فأما إذا ضاع الثمنُ في يد السفيه: فلا يُجيزه القاضي. كذا في ((المبسوط))(١). - وإنما قيَّد بالحاكم؛ لأن تصرُّفَ وصيِّ أبیه علیه لا يجوز. * قوله: (وإن أعتق عبداً: نَفَذَ عتقُه)؛ لأن العتق لا يلحقه الفسخ بعد وقوعه. وقال الشافعي(٢): لا ينفذ عتْقُه. والأصل عند أبي يوسف ومحمد: أن كل تصرفٍ يؤثر فيه الهزل: يؤثر فيه الحجر، وما لا: فلا؛ لأن السفيه في معنى الهازل من حيث إن الهازل يخرج كلامُه لا على نهج كلام العقلاء؛ لاتباع هواه، والعتقُ مما لا يؤثر فیه الهزل: فیصح منه. والأصل عند الشافعي: أن الحَجْر بسبب السفه: بمنزلة الحَجْر بسبب الرق، حتى لا ينفذُ عنده من تصرفاته شيءٌ إلا الطلاق، كالمرقوق، والإعتاقُ لا يصح من الرقيق: فكذا من السفيه. * قوله: (وكان على العبد أن يسعى في قيمته)؛ لأن الحجر لمعنى النظر، وذلك في إبطال العتق، إلا أنه متعذّرٌ، فيجب ردُّه برد القيمة. (١) ١٢٥/٢٤. (٢) مغني المحتاج ١٤٨/٢. ٢٤٩ کتاب الحَجْر ــ وكذا لو دبّر عبدَه: صح تدبيره؛ لأن التدبير لا يلحقه الفسخ، كالعتق، إلا أنه لا تجب السعايةُ ما دام المولى حياً؛ لأنه باقٍ على ملكه، فإذا مات، ولم يؤنس منه الرشد: سعى في قيمته مدبراً؛ لأنه عَتَقَ بموته وهو مدبر، فصار كما إذا أعتقه بعد التدبير. - وقيمة المدبر: ثلثا قيمته قتَّاً. وقيل: نصف قيمته قناً، وعليه الفتوى؛ لأنه قبل التدبير كان فيه نوعا منفعةٍ، وهما: البيع، والإجارة، وقد بطل أحدهما، وهو البيع. - وقيمة أم الولد: ثلث قيمتها قِناً؛ لأن البيع والاستسعاء قد انتفيا، وبقي ملك الإعتاق. - وقيمة المكاتب: نصف قيمته قناً؛ لأنه حرٌّ يداً، لا رقبةً، والقن مملوكٌ يداً ورقبة، فكان المكاتب نصفَه. - وإن جاءت جاريتُه بولد، فادعاه: ثبت نسبُهُ منه، وكانت أمَّ ولده؛ لأن في الاستيلاد إيجابَ الحرية، فصار كالعتق، فإن مات: كانت حرةً لا سعايةً عليها؛ لأن الاستيلادَ فعلٌ منه، والحجرُ لا يتعلق بالأفعال، ولهذا سقطت السعاية عنها لهذا المعنى، بخلاف التدبير، فإن العتق يثبت فيه من طريق القول. فعلى هذا: لو لم يكن معها ولدٌ، فقال: هذه أمُّ ولدي: كانت أمَّ ولده، ولزمتها السعايةُ بموته؛ لأن هذا حقُّ حرية ثبتت من طريق القول، فصار کالتدبير. ٢٥٠ کتاب الحَجْر وإن تزوَّج امرأةً : جاز نكاحُه. فإن سمَّى لها مهراً: جاز منه مقدار مهر مثلها، وبَطَلَ الفضلُ. قوله: (فإن تزوج امرأةً: جاز نكاحُهُ). وله أن يتزوج أربعاً مجتمعات ومتفرقات. قال في ((الهداية))(١): لأنه لا يؤثر فيه الهزل، ولأنه من حوائجه الأصلية. قال محمد: المحجور يُزُوِّج نفسَه، ولا يزوِّج ابنتَه ولا أختَه؛ لأنه محجورٌ علیه في حق غيره. قوله: (وإن سمَّى لها مهراً: جاز منه مقدارُ مهر مثلها، وبطل الفضلُ). وهذا قولهما؛ لأن دخول البضع في ملك الزوج متقوِّم، وقَدْر مهر المثل قد حصل له بإزائه بدل، وهو ملك البضع، فإن طلقها قبل الدخول: وجب لها نصف المسمى من ماله؛ لأن التسميةَ صحيحةٌ إلى مقدار مهر المثل. - وكذا يجوز له أن يتزوج بأربع نسوة، وكلّ يومٍ واحدة. كذا في (الهداية))(٢). - ولو أن امرأة مفسدة تزوجت كفؤاً بمهر مثلها، أو بأقلّ مما يُتُغابن فيه: جاز؛ لأن النكاح يصح مع الحجر. وإن کان المهر أقلّ من مھر مثلها بما لا يُتغابن فیه: فإن کان لم يدخل (١) ٢٨٣/٣. (٢) ٢٨٣/٣. ٢٥١ کتاب الحَجْر بها: قيل له: إن شئتَ فتمِّمْ لها مهرَ مثلها، وإلا فُرِّق بينكما. وإن كان قد دخل بها: فعليه أن يُتَمَّ لها مهرَ مثلها. - فإن كان زوجُها محجوراً مثلها: فإن كان سمى أكثر من مهر مثلها: بطل عنه الفضل، وإن كان أقل: خوطب بالإتمام، أو الفرقة. - وأما إذا تزوجت بغير كفء: فللقاضي أن يفرِّق بينهما؛ لأنها أدخلت الشَّيْن على أوليائها، فيفسخ النكاح؛ لأجلهم. - ولو أنها اختلعت من زوجها بمال: جاز الخلع، ولم يلزمها المال؛ لأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له، فصارت ببذل المال متبرعةً، وتبرعها: لا يجوز. - وأما جواز الخلع: فلأن الزوج علّق الطلاق بقبولها، وقد وُجد، فصار كما لو علَّقه بدخول الدار، فدخلت. - فإن كان طلَّقها بلفظ الطلاق تطليقةً واحدة على ذلك المال: فهو رجعيٌّ، لأن المال لما بطل: بقيَ مجرد لفظ الطلاق، وذلك يكون رجعياً إذا کان دون الثلاث. - وإن كان ذَكَرَه بلفظ الخلع: كان بائناً؛ لأن المال إذا لم يثبت: بقي لفظ الخلع، وذلك إذا أُريد به الطلاق: كان بائناً. - ولا يشبه هذا الأمةَ التي يطلقها زوجُها تطليقةً على مال، وقد دخل بها: أن ذلك يكون بائناً وإن كان بلفظ الطلاق؛ لأن الأمة إنما يُحجر عليها ٢٥٢ كتاب الحجر وقالا فيمَن بَلَغَ غيرَ رشيدٍ : لا يُدفع إليه ماله أبداً حتى يُؤْنَسَ منه الرشدُ، ولا يجوز تصرُّفه فيه. وتُخرَجُ الزكاةُ من مال السفيه. ويُنفَقُ منه على أولاده، وزوجته، ومَن تجب عليه نفقتُه من ذوي أرحامه. الحقِّ المولى، ولهذا يلزمُها ما بذلته له في خلعها إذا أُعتقت، فتُؤخذ به. وإن كان ما بذلته ثابتاً: كان الطلاق بائناً. قوله: (وقالا فيمن بلغ غيرَ رشيد: لا يُدفع إليه مالُه أبداً حتى يُؤنس منه الرشدُ، ولا يجوز تصرُّفه فيه)، وقد بيًَّا ذلك. * قوله: (وتُخرَج الزكاةُ من مال السفيه)؛ لأنها وجبت بإيجاب الله تعالى، كالصلاة والصوم، وتُخرج بإذنه. وقيل: في السائمة بغير إذنه. وفي ((الهداية))(١): يدفع القاضي قدرَ الزكاة إليه؛ ليُفرِّقها إلى مصرفها؛ لأنها عبادة، ولا بدَّ فيها من نيته، ولكن يبعث معه أميناً كي لا يصرفَه في غیر وجهه. * قوله: (ويُنْفَق منه على أولاده، وزوجته، ومَن تجب عليه نفقتُه من ذوي أرحامه)؛ لأن هذه حقوقٌ واجبة عليه، والسفه لا يبطل حقوقَ الناس. (١) ٢٨٣/٣. ٢٥٣ کتاب الحَجْر فإن أراد حَجَّةَ الإِسلام: لم يُمنَع منها، ولكن لا يُسلِّم القاضي النفقةَ إلیه، - ويدفع القاضي النفقة إلى أمينه؛ لأنها ليست بعبادة، فلا يُحتاج إلی نیته. - وهذا بخلاف ما إذا حلف، أو نذر، أو ظاهَرَ، حيث لا يلزمه المال، فيكفر يمينَه وظهارَه بالصوم؛ لأنه مما وجب بفعله، فلو فتحنا هذا الباب: لنفذت(١) أموالُه بهذا الطريق، ولا كذلك ما يجب ابتداءً بغير فعله. - ويُصدّق المحجور عليه في إقراره بالولد، والوالد. - ولا يُصدَّق في غيرهما من القرابة، إلا ببينة. - ويُقبل إقرارُه بالزوجية؛ لأنه لو ابتدأ التزويج: يصح، فكذا يجوز أن يُقِرَّ به. * قوله: (فإن أراد حجةَ الإسلام: لم يُمنع منها)؛ لأنها واجبةٌ عليه بإیجاب الله تعالى من غیر صُنْعه. - وإن أراد أن يعتمر عمرةً واحدةً: لم يُمنع منها؛ استحساناً. - ولا يُمنع من القِران؛ لأنه لا يُمنع من إفراد السفر لكل واحد منهما، فلا يُمنع من الجمع بينهما. * قوله: (ولا يُسلِّم القاضي النفقةَ إليه)؛ كي لا يُتْلِفَها في غير هذا الوجه. (١) وفي نسخ: (البَذَّر))، وما أثبتُّه أولىُ. ٢٥٤ کتاب الحَجْر ويسلِّمُها إلى ثقةٍ من الحاجٌّ، يُنفِقُها عليه في طريق الحج. قوله: (ويُسلِّمُها إلى ثقةٍ من الحاجِّ ينفقُها عليه في طريق الحج)؛ لأنه لا يؤمَن منه إتلافُ ما يُدفع إليه، فَيَحتاط الحاكمُ في ذلك بدفعها إلى ثقةٍ يقوم بذلك. - فإن أفسد هذا المحجورُ الحجَّ، بأن جامع قبل الوقوف: فعليه و القضاء، ويدفع القاضي نفقةَ الرجوع؛ لأن القضاء يتوجَّه عليه، فصار كالابتداء. ولا تلزمه الكفارةُ؛ لأنه لا يقدر على أدائها في حال الحَجْر، فيتأخر عنه الوجوب إلى وقت الإمكان، وذلك بعد زوال الحجر، كالعبد، والمعسر. - وأما العمرة إذا أفسدها: لا يلزمه قضاؤها، إلا بعد زوال الحجر؛ لأنه ارتكبها وهو لا يقدر على أدائها، وإنما جوَّزناها؛ لاختلاف العلماء في وجوبها. - فإن أُحصر في حجته: فإنه ينبغي للذي أعطي نفقته أن يبعث بهدي فُيُحِلّ به؛ لأن الإحصارَ ليس من فعله، وقد احتاج إلى تخليص نفسه، كما لو مرض فاحتاج إلى الدواء. - وإن اصطاد في إحرامه، أو حلق من أذىً، أو صنع شيئاً من ذلك: لزمه، وكان فرضُه الصوم؛ لأنه عاجزٌ عن أداء المال، كالمعسر. ٢٥٥ کتاب الحَجْر فإن مَرِضَ، وأوصىُ بوصايا في القُرَب، وأبواب الخير : جاز ذلك في ثُلُث ماله. - وإن ظاهَرَ: صح ظهارُه؛ لأنه لا يمكن فسخُه، ويجزيه الصوم؛ لأنه ممنوعٌ من ماله، ولأنه لو أعتق عن ظهاره: سعى المعتَق في قيمته، ولا يجزيه العتق. - فإن صام شهراً، ثم صار مصلِحاً: لم يُجزه إلا العتق؛ لأنه زال المعنى العارض، فصار كالمعسر إذا صام شهراً، ثم وَجَدَ ما يُعتق. - وهذا التفريع كله إنما هو على قولهما، فأما عند أبي حنيفة فهو كغير المحجور. * قوله: (فإن مرض، فأوصىُ بوصايا من القُرَب، وأبواب الخير: جاز ذلك في ثلث ماله). لأن الوصية مأمورٌ بها من قِبَل الله تعالى، فلا يُمنع منها، ولأنها تُقرِّب إلى الله، فكان له في ذلك مصلحة. - والفرقُ بين القُرَب وأبواب الخير: أن القُربة هي ما تصير عبادةً بواسطة، كبناء السقاية، والمساجد، والقناطر، والرِّباطات. وأبواب الخير عامٌّ يتناول القُربةَ وغيرها، كالكفالة والضمان، فكأن أبواب الخير أعمُّ من القُرَب. ٢٥٦ کتاب الحَجْر * وبلوغُ الغلامِ بالاحتلام، والإنزالِ، والإحبالِ إذا وطىء. فإن لم يوجد ذلك : فحتى يَتِمَّ له ثمانيَ عشرةَ سنةً عند أبي حنيفة. وقيل: القُربة هي الوسيلة إلى العبادة، وأبواب الخير يتناول العبادة، والوسيلةَ. - والفرق بين الكفالة والضمان: أن من الضمان ما لا يكون كفالة، بأن قال أجنبي: خالع امرأتَك على ألفٍ على أني ضامنٌ، أو بِعْ عبدَك من فلان على أني ضامنٌ لك خمسَمائةٍ من الثمن: فإن الضمان هنا على الضامِن، لا على المشتري، والمرأة. * قوله: (وبلوغُ الغلام: بالاحتلام، والإنزالُ، والإحبال إذا وطىء). - فقوله: بالاحتلام: أي مع رؤية الماء، والاحتلامُ يكون في النوم، فإذا احتلم وأنزل عن شهوة: حُكِمٍ ببلوغه، والإنزال يكون في اليقظة والنوم. - وهذا البلوغ الأعلى، وأما الأدنى: فأقلَّ ما يُصدَّق فيه الغلام: اثنتا عشرة سنة، والأنثى: تسع. * قوله: (فإن لم يوجد ذلك: فحتى يتمَّ له ثماني عشرة سنةً، عند أبي حنيفة). لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. الأنعام / ١٥٢، وأشُدُّ الصبي: ثماني عشرة سنة، كذا قال ابن عباس(١)، وهو أقل ما قيل في الأشد، فيُبنى (١) قال في نصب الراية ١٦٦/٤: غريب. ٢٥٧ کتاب الحَجْر وبلوغُ الجارية بالحيض، والاحتلامِ، والحبلِ. فإن لم يوجد ذلك : فحتى يَتِمَّ لها سبعَ عشرةَ سنةً عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تمّ للغلام والجارية خمس عشرة سنةً : فقد بَلَغَا . الحکم علیه؛ للتیقن به. * قوله: (وبلوغ الجارية: بالحيض، والاحتلام، والحَبَل، فإن لم يوجد ذلك: فحتى يَتمَّ لها سبعَ عشرةَ سنةً)؛ لأن الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع من إدراك الذكور، فنقصنا منه سنةً. : قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تمّ للغلام والجارية خمسَ عشرة سنةً: فقد بلغا). - ولا معتبر بنبات العانة. وعن أبي يوسف: أنه اعتبر نباتَها الخشن بلوغاً، وهو الذي يحتاج في إزالته إلى حلق. - وأما نهود الثدي: فلا يُحكم به بلوغاً، في ظاهر الرواية. وقال بعضهم: يُحكم به. كذا في ((الخُجندي)). - وأما شعر الإبط والشارب: فقد قيل على الخلاف في شعر العانة، وقيل لا عبرة به. - وأما الزَّغَب، وهو الشعر الضعيف، وثِقَل الصوت: فلا اعتبار به. ٢٥٨ كتاب الحجر وإذا راهق الغلامُ والجاريةُ وأشكل أمرُهما في البلوغ، فقالا: قد بَلَغْنا: فالقولُ قولُهما، وأحكامُهما أحكامُ البالغين. وقال أبو حنيفة: لا أحجرُ على المفلِس في الدَّيْن. وإذا وجبتِ الديونُ على رجلٍ، وطَلَب غرماؤه حَبْسَه، والحجرَ عليه : لم أحجُرْ عليه. قوله: (وإذا راهق الغلامُ والجاريةُ، وأشكل أمرُهما في البلوغ، فقالا: قد بلغنا: فالقول قولهما، وأحكامهما أحكام البالغين). المراهَقة: مقارَبة الاحتلام. - وإنما كان القول قولَهما؛ لأنه معنىَ لا يُعرف إلا من جهتهما، فقَبل و قولهما، كما يُقبل قول المرأة في الحيض. - مسألة: صبيٌّ باع واشترى، وقال أنا بالغ، ثم قال بعد ذلك: أنا غير بالغ: فإن كان قوله الأول في وقتٍ يمكن البلوغ فيه: لم يُلتفت إلى جحوده بعد ذلك، ووقت إمكانه: اثنتا عشرة سنة. - ولو أقرَّ أنه أتلف مالاً في صباه: لزمه الآن، كما لو قامت به بينةٌ. * قوله: (وقال أبو حنيفة: لا أحجُر في الدَّيْن): أي لا أحجر بسبب الدین. فإذا لم يَحجر عليه: جاز تصرفه، وإقرارُه؛ لأنه بالغ عاقل. * قوله: (وإذا وجبت الديون على رجل، وطلب غرماؤه حَبْسَه، والحجرَ عليه: لم أحجُر عليه)، وهذا ابتداء كلام. ٢٥٩ کتاب الحَجْر وإن كان له مالٌ : لم يَتصرَّف فيه الحاكمُ، ولكن يحبسُه أبداً حتى یبیعَه في دَیْنه. * قوله: (وإن كان له مال: لم يتصرَّف فيه الحاكم)، يعني عند أبي حنيفة. - وهذا في حال حياة المديون، أما إذا مات وعليه ديونٌ قد ثبتت عند القاضي بالبيئة، أو بإقراره: فإن القاضي يبيع جميعَ أمواله، منقولاً كان أو عقاراً، ويقضي به دیونَه. - وتكون عهدةً ما باع: على الغرماء، دون القاضي وأمينه. - وكذا إذا باع القاضي التركة لأجل الموصى له: تكون العهدة عليه، دون القاضي. - أو باع لأجل الصغير: تُجعل العُهدة على الصغير، وكذا أمين القاضي. * قوله: (ولكن يحبسُه أبداً حتى يبيعَه في دَيْنِه)؛ إيفاءً لحقِّ الغرماء، ودفعاً لظُلمِه. - اعلم أن الحبس ثابتٌ بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله: تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. المائدة/ ٣٣، أي يُحبسوا؛ لأن نفيهم من جميع الأرض لا يتصور. وأما السُّنَّة: ((فإن النبي عليه الصلاة والسلام حَبَسَ رجلاً أعتق شِقصاً ٢٦٠ کتاب الحَجْر فإن كان له دراهمُ، ودينُه دراهمُ : قضاها القاضي بغير أَمْره. وإن كان دينُه دراهمَ، وله دنانيرُ: باعها القاضي في دينه. له من عبد حتى باع غنيمةً له في ذلك))(١). وأما الإجماع: ((فإن علياً رضي الله عنه بنى حَبْساً بالكوفة، وسمَّاه: نافعاً، فهرب الناس منه، فبنى حبساً أوثق منه، وسمَّاه: مخيَّساً، وقال: أما تراني كيِّسا مكيِّساً، بَنَيْتُ بعد نافع مَخيَّساً))(٢)، وذلك بحضرة الصحابة من غیر خلاف. يقال: مخيَّس: بكسر الياء وفتحها: أي مذلِّل، يقال: خَيَّسه: أي أذلَّه. - وقوله: أبداً حتى يبيعه: ويبيعُ العروضَ، ثم العقار. ** قوله: (فإن كان دينُه دراهمَ، وله دراهم: قضاها القاضي بغير أمره). وهذا بالإجماع؛ لأن مَن له الدين إذا وَجَدَ جنس حقه: جاز له أخذه بغير رضاه، فدَفْع القاضي أولى. قوله: (وإن كان دينُه دراهمَ، وله دنانيرُ، أو على ضدٍّ ذلك: باعها القاضي في دينه)، وهذا عند أبي حنيفة؛ استحساناً؛ لأن الدراهم والدنانير قد أُجريا في بعض الأحكام مَجرى الجنس الواحد. (١) سنن البيهقي ٤٨/٦، وقال: هذا منقطعٌ، ينظر البدر المنير ٨٥/١٧، التلخيص الحبير ٤٠/٣. (٢) ذكره أيضاً السرخسي في المبسوط ٨٩/٢٠، وينظر ((فقه المعتقلات والسجون))، للأستاذ الدكتور حسن أبو غدة ص٣٠٣.