Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ باب الصّرْف وإن اختلفا في الجَوْدة والصياغة، ولا بدَّ من قَبْض العوضين قبل الافتراق. المصنوع منهما عدداً. كذا في ((النهاية)). * قوله: (وإن اختلفا في الجَوْدة والصياغة)؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها فیما يثبت فيه الربا: لا قيمة لها. - ولهذا قالوا فيمن غصب قلبَ فضةٍ، فكَسَرَه: فالمغصوب منه بالخيار: إن شاء أخذ قيمتَه مصوغاً من الذهب، وإن شاء أخذ القلب مکسوراً، ولا شيء له. - وإذا تبايعا فضةً بفضة، ووزنُ أحدهما أكثر، ومع الأقل منهما شيء آخر من خلاف جنسه: فالبیع جائزٌ. - فإن كانت قيمة الخلاف تبلغ قيمةَ الزيادة، أو أقلّ بما يُتغابَن فيه: يجوز من غير كراهة. وإن كانت قليلةَ: كالفَلس، والجوزة، والبيضة، وإنما أدخلاه ليجوز العقد: فإن العقد جائزٌ، من طريق الحكم، ولكنه مكروهٌ. - هكذا روي عن محمد أنه كرهه، فقيل له: كيف تجده في قلبك؟ قال: أجده مثل الجبل. - وإن لم يكن للخلاف قيمةٌ، ككفءٍّ من تراب ونحوه: فإن البيع لا يجوز؛ لأن الزيادة لا يكون بإزائها بدلٌ، فيكون رباً. * قوله: (ولا بدَّ من قبض العوضين قبل الافتراق)؛ لقوله عليه الصلاة ١٦٢ باب الصَّرْف والسلام: ((يداً بيد، وهاءَ وهاء))(١). ((وقال لابن عمر حين ذَكَرَ له أن يبيع الذهب بالفضة: لا تفارقه وبينكما لَبْسٌ)(٢). وفي بعض الأخبار: ((وإن وثب من سطحٍ: فثِبْ معه، ولا تفارقه حتى (٣) تستوفي))(٣). ((وقال عمر: وإن استنظرك أن يدخل بيتَه: فلا تُنظِرْه))(٤). أي أن يدخل بيتَه لإخراج بدل الصرف، أو غيره: فلا تُمهله. ـ وسواء كانا يتعينان، كالمصوغ، أو لا يتعينان: كالمضروب، أو یتعین أحدهما دون الآخر. - والمراد: الافتراق بالأبدان، حتى لو ذهبا يمشيان معاً في جهة واحدة فرسخاً، أو أكثر، أو ناما في المجلس، أو أُغمي عليهما: لا يبطل الصرف؛ لأنهما ليسا بمفترقين. (١) تقدم تخريجه ص١٢٥. (٢) سنن أبي داود (٣٣٤٧)، سنن الترمذي (١٢٤٢)، سنن النسائي الكبرى ٥٠/٦، مسند أحمد ٣٢/٢، قال الترمذي كالإعلال له: لا نعرفه مرفوعاً إلا من حدیث سماك بن حرب. (٣) عزاه في الهداية لابن عمر، لكن قال في نصب الراية ٤ /٥٦: غريب جداً. (٤) نصب الراية ٥٦/٤، وعزاه للموطأ ٦٣٤/٢. ١٦٣ باب الصّرْف وإذا باع الذهبَ بالفضة: جاز التفاضلُ، ووَجَبَ التقابضُ. وإن افترقا في الصرف قبل قَبْض العِوضَين، أو أحدِهما: بطل العقد. ولا يجوز التصرُّفُ في ثمن الصرف قبل قبضه. : قوله: (وإذا باع الذهبَ بالفضة: جاز التفاضل، ووجب التقابض). أما التفاضل: فلاختلاف الجنس، وأما التقابض: فلقوله عليه الصلاة والسلام: ((الذهب بالوَرِق رباً، إلا هاءً وهاء))(١). * قوله: (وإن افترقا في الصرف قبل قبض العوضين أو أحدهما: بطل العقد). وفائدته: أنه لو قبضه بعد ذلك: لا ينقلب جائزاً. - ويدل هذا القول أن التقابض في الصرف شرطُ الجواز، لا شرطُ الانعقاد. قال في ((النهاية)): التقابض في الصرف شرطٌ لبقاء العقد، لا لانعقاده وصحته؛ لأنه قال في ((الكتاب)): بطل العقد: ولا بطلان إلا بعد الانعقاد والصحة. * قوله: (ولا يجوز التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه). حتى لو باع ديناراً بعشرة دراهم، فقَبْل قبض العشرة اشترى بها ثوباً، أو مكيلاً أو موزوناً: فالبيع فاسدٌ، وثمنُ الصرف على حاله، يقبضه ويتمُّ الصرف بينهما. (١) بهذا اللفظ في سنن أبي داود (٣٣٤١)، وسكت عنه. ١٦٤ باب الصَّرْف ويجوز بيعُ الذهب بالفضة مجازفةً. ومَن باع سيفاً محلَّىَ بمائة درهم، وحِلْيتُه خمسون درهماً، فدَفَع من ثمنه خمسين درهماً: جاز البيعُ، وكان المقبوضُ حصةَ الفضة وإن لم يبيِّن ذلك. - وكذا إذا أبرأه من ثمن الصرف قبل قبضه، أو وهبه له: لم يجز؛ لأنه تصرّف فيه قبل قبضه. - فإن قَبِلَ البراءةَ أو الهبة: بطل الصرف، وإن لم يقبلهما: لم يبطل. قال في ((الكرخي)): إذا وهب له ثمنَ الصرف، فلم يقبل الهبة، فأبى الواهبُ أن يأخذ ما وهب له: أُجبر على القبض؛ لأنه يريد فسخ العقد بالامتناع من القبض، فيُجبر على ما يَتِمُّ به العقد؛ لأن في تمامه حقَّ الآخر. * قوله: (ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفةً). لأنه ليس في المجازفة أكثرُ من التفاضل، والتفاضل بين الذهب والفضة جائزٌ، فكذا المجازفة، إلا أنه يُشترط القبض في المجلس. : قوله: (ومَن باع سيفاً محلَّىَ بمائة درهم، وحِليتُه خمسون درهماً، فدفع من ثمنه خمسين درهماً: جاز البيع، وكان المقبوضُ حصةَ الفضة وإن لم يبِّن ذلك). لأن حصة الفضة يُستحقُّ قبضُها في المجلس، وحصةَ السيف لا ١٦٥ باب الصَّرْف وكذلك إن قال: خُذْ هذه الخمسينَ من ثمنهما. فإن لم يتقابضا حتى افترقا: بطل العقدُ في الحِلْية والسيف جميعاً إذا کان لا یتخلَّصُ إلا بضررٍ . وإن كان يتخلَّصُ بدون ضررٍ : جاز البيعُ في السيف، وبَطَل في الحلية. يُستَحقُّ قبضُها في المجلس، فإذا نقد مقدارَ الحلية: وقع ما نقد عن المستحق. * قوله: (وكذلك إذا قال: خُذ هذه الخمسين من ثمنهما)؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، ولا يمكن ذلك إلا بأن يصرف المقبوضَ إلى ما يُستحقُّ قبضه. ولأن الاثنين قد يُعبَّر بهما عن الواحد وعن الجماعة، قال الله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُقُ وَالْمَرْجَانُ﴾. الرحمن/٢٢، وإنما يخرجان من المالح، وإنما قال: منهما، مع أن الخروج من أحدهما؛ لأن المالح والعذبَ يلتقيان، فيكون العذبُ كاللقاح للمالح، كما يقال: يخرج الولدُ من الذكر والأنثى. : قوله: (فإن لم يتقابضا حتى افترقا: بطل العقد في الحِلية)؛ لأنها صرفٌ. ــ (و) كذا (السيف إن كان لا يتخلَّص إلا بضرر)؛ لأنه لا يمكن تسليمه بدون الضرر، ولهذا لا يجوز إفراده بالبيع، كالجذع في السقف. * قوله: (وإن كان يتخلَّص بغير ضرر: جاز البيعُ في السيف، وبطل في الحِلية)؛ لأنه أمكن إفرادُه بالبيع. ١٦٦ باب الصَّرْف ومَن باع إناءَ فضةٍ، ثم افترقا وقد قَبَض بعضَ ثمنه : بَطَلَ العقدُ فيما لم يَقبض، وصحَّ فيما قَبَض، وكان الإناء مُشْتَركاً بينهما. وإن استُحِقَّ بعضُ الإناء : كان المشتري بالخيار : إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن شاء ردَّه. - وهذا إذا كانت الفضةُ المفرَدة أزيدَ من الحلية، فإن كانت مثلَها، أو أقلَّ، أو لا يُدرى: لا يجوز البيع. * قوله: (ومَن باع إناءَ فضةٍ، ثم افترقا وقد قبضٍ بعضَ ثمنه: بطل البيعُ فيما لم يَقِض، وصحَّ فيما قبض)؛ لأنه صرفٌ كلُّه، فصحَّ فيما وُجد شرطُه، وبطل فيما لا يوجد، والفسادُ طارئٌ؛ لأنه يصح، ثم يبطل بالافتراق، فلا يشيع، بخلاف مسألة السيف. ومعنى الشيوع: أن يكون لكل واحدٍ من البدلين حظٍّ من جملة الآخر، فقولنا: صرفٌ كلُّه: احترازاً عن مسألة السيف. * قوله: (وكان الإناء شركةً بينهما)، ولا خيارَ لكل واحد منهما. - وإنما لم يثبت الخيارُ مع أن الصفقة تفرقت عليه؛ لأن ذلك جاء من قِبَله، وهو الافتراق من غير قبض، فكأنه رضي بذلك. * قوله: (وإن استُحِقَّ بعضُ الإناء)، يعني بعضاً يتعدى إلى نصيب المشتري، أوْ لا يتعدى: (كان المشتري بالخيار: إن شاء أخذ الباقي بحصته، وإن شاء ترك)؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، وفي قطع الإناء: ضررٌ، ولم يأت التفريق من قِبَله. ١٦٧ باب الصَّرْف وإن باع قطعةَ نُقْرَةٍ، فاستُحِقَّ بعضُها : أَخَذَ ما بقي بحصته، ولا خيارَ له . - فإن أجاز المستَحِقُّ قبل أن يُحكَم له بالاستحقاق: جاز العقد، وكان الثمنُ له، يأخذه البائعُ من المشتري، ويُسلِّمه إليه إذا كانا لم يفترقا بعد الإجازة. ويصير العاقد وكيلاً للمُجيز، فتتعلق حقوقُ العقد بالوكيل، دون المجيز، حتى لو افترق المتعاقدان قبل إجازة المستَحِقُّ: بطل العقد. - وإن فارقه المستَحِقُّ قبل الإجازة والمتعاقدان باقيان في المجلس: صح العقد. * قوله: (ومَن باع نُقرةَ فضةٍ، فاستُحِقَّ بعضُها: أخذ ما بقيَ بحصته، ولا خيارَ له)؛ لأنه يقدرُ على أن يَقْطِعِ النُّقْرةَ، ويسلِّمَ إليه حصتَه(١)، وفي المسألة الأُولىُ في قَطْع الإناء ضررٌ، فلا يمكن التسليم. (١) هكذا جاء النص في غالب نُسخ الجوهرة، وكذلك في أصلها السراج الوهاج، والمطبوع من الجوهرة، لكن جاءت زيادة بعد جملة القدوري في ثلاث نُسخ من الجوهرة (٩٧٧هـ، و١٠٥٨ هـ، و١٠٩٧ هـ)، وكذلك أُثبتت في نسخة ١١١١هـ، ثم شُطب عليها، وقد رأيتُ إثباتَ هذه الزيادة في الحاشية للاحتياط، حيث أُقحمت هذه الزيادة قبل التعليل لمسألة القدوري، وهي كما يلي: ( ... ولا خيار له، هذا إذا استُحِقُّ بعد القبض، أما لو استُحقَّ قبل القبض: ثبت له الخيار؛ لتفرُّق الصفقة عليه قبل التمام. ولا يقال: إن فيه تفريقَ الصفقة؛ لأن التفريق من جهة الشارع باشتراط القبض، لا من العاقد، فصار كهلاك أحد العبدين. لأنه يقدر على أن يَقطعَ النقرة، ويسلِّمَ إليه حصتَه، وفي المسألة الأُولىُ ... ). ١٦٨ باب الصَّرْف ومَن باع درهمين وديناراً، بدينارين ودرهمٍ : جاز البيعُ، وجُعِلَ كلّ واحدٍ من الجنسين بالجنس الآخر. - والدينارُ والدرهمُ: نظير النُّقْرة؛ لأن الشركة في ذلك لا تُعدُّ عيباً. كذا في ((الكرخي)). * قوله: (ومَن باع درهمين وديناراً، بدينارين ودرهم: جاز البيع، وجُعل كلّ واحدٍ من الجنسين بالجنس الآخر). لأن العقد إذا كان له وجهان، أحدهما يصححه، والآخر يُفسده: حُمل على ما یصححه. وقال زفر: لا يجوز هذا البيع. - ولو باع مائة درهم وديناراً بألف درهم: جاز، ولا بأس به؛ لأن مائةً تُجعل بمائةٍ من الألف، ويُجعل الدينارُ بتسعمائة درهم. - ولو اشترى عشرة دراهم وديناراً باثني عشر درهماً، وتقابضا: جاز، وتكون العشرةُ بمثلها، والدينارُ بالفضل، وهذه تسمىُ: قسمةُ الاعتبار. - وإذا اشترى ديناراً ودرهمين بدينارين ودرهمين، وتقابضا: جاز، ويكون الدينارُ بدرهمين، وديناران بدرهمين، وهذه تسمى: قسمة المخالفة بين البدلين؛ لأن القسمة فيما فيه الربا على ضربَيْن: أحدهما: قسمة الاعتبار، وهو أن يبيع الجنسَ بجنسه، وبغير جنسه: لا يجوز فيه العقد، حتى يكون الجنس المنفرد أكثرَ مما يقابله، حتى يُجعل بمثله، والفضلُ بالجنس الآخر، وهذا كبيع عشرة دراهم بخمسة دراهم و دینار. ١٦٩ باب الصَّرْف ومَن باع أحدَ عشرَ درهماً بعشرة دراهمَ ودينارٍ : جاز البيعُ، وكانت العشرةُ بمثلها، والدینارُ بالدرهم. والثاني: قسمة المخالفة، وهو أن يبيع جنسين فيهما الربا بجنسهما، وهناك تفاضلٌ، مثل درهمين ودينار بدينارين ودرهم، ومثل صاعين حنطةً وصاعٍ شعيرٍ بصاعين شعيراً وصاعٍ حنطة: فهو جائزٌ عندنا، ويُجعل كل جنس في مقابلة الجنس الآخر. - قال في ((الأصل)): إذا اشترى مثقالَيْن فضةً ومثقالاً من نحاس بمثقال فضة وثلاثة مثاقيل حديد: جاز، وتكون الفضة بمثلها، وما بقيَ من الفضة والنحاس بذلك الحدید. ــ وكذلك مثقال صُفْر ومثقال حديد بمثقال صُفر ومثقال رصاص، فالصُّفْر بمثله، والرصاص بما بقي. * قوله: (ومَن باع أحدَ عشر درهماً بعشرة دراهم ودينار: جاز البيع، وكانت العشرة بمثلها، والدينار بالدرهم). ـ ولو اشترى عشرةَ دراهم بعشرة دراهم، فتوازنا، فزادت إحدى العشرتين دانقاً، فوهبه له، ولم يُدخله في البيع: إن كانت الدراهم صحاحاً: جاز البيع، وصحت الهبة؛ لأنه باعه و العشرة بمثلها، ووهب له الدانقَ، وهي هبةً مشاع فيما لا يحتمل القسمة، فصحت. وإن كانت الدراهم مكسَّرة: لم تجز الهبة؛ لأن الدانق يتميز من ١٧٠ باب الصَّرْف ويجوز بيعُ درهمين صحیحین ودرهمٍ غَلَّةٍ، بدرهمٍ صحيح ودرهمين غَلَّة. وإذا كان الغالبُ على الدراهم الفضةَ: فهي في حُكْمِ الفضة. وإذا كان الغالبُ على الدنانير الذهبَ : فهي في حُكْمِ الذهب. ويُعتبر فيهما من تحريم التفاضل، ما يُعتبر في الجِياد . الدراهم إذا كانت مكسرة، فهي هبةَ مشاع فيما يحتمل القسمة، فلم تصح، ولا يجوز البيع. : قوله: (ويجوز بيع درهمين صحيحين بدرهمين غَلّة، ودرهم صحيح بدرهم غَلَّة). صوابه: ويجوز بيع درهم صحيح ودرهمين غلة بدرهمين صحيحين ودرهم غلة. - والغَلَّة هي: المكسرة قِطَعاً، وقيل: هي: ما يردُّ بيت المال، ويأخذه التجار. وإنما جاز ذلك؛ لتحقق المساواة في الوزن. - ولا بأس بالاحتيال في التحرز عن الدخول في الحرام. * قوله: (وإذا كان الغالب على الدراهم الفضةَ: فهي فضةٌ، وإن كان الغالب على الدنانير الذهبَ: فهي ذهبٌ، ويُعتبر فيهما من تحريم التفاضل: ما يُعتبر في الجياد)، حتى لا يجوزُ بيع الخالص بهما، ولا بيعُ بعضها ببعض إلا متساويا في الوزن. ١٧١ باب الصَّرْف وإن كان الغالبُ عليهما الغشَّ: فليسا في حُكْم الدراهم والدنانير، وهما في حُكْم العروض، فإذا بيعت بجنسها متفاضلاً: جاز البيع. - وكذا لا يجوز استقراضها إلا وزناً، لا عدداً. * قوله: (وإن كان الغالبُ عليهما الغِشَّ: فليسا في حكم الدراهم والدنانير، وكانا في حكم العُروض)؛ لأن الحكم للغالب. - وهذا إذا كانت لا تخلُّص من الغش؛ لأنها صارت مستهلكةً، أما إذا كانت تخلُّص منه: فليست بمستهلكة، فإذا بيعت بفضةٍ خالصة: فهي كبيع نحاسٍ وفضةٍ بفضة، فيجوز على وجه الاعتبار. قوله: (فإذا بيعت بجنسها متفاضلاً: جاز)، يعني الدراهم المغشوشة؛ لأنها خرجت من حكم الذهب والفضة، وهي معدودة، فصارت في حكم الفلوس. - وفي ((الهداية))(١): وإن بيعت بجنسها متفاضلاً: جاز؛ صرفاً للجنس إلى خلاف الجنس، وهي في حكم شيئين: فضةٍ وصُفْر، ولكنه صرفٌ، حتى يُشترط التقابضُ في المجلس؛ لوجود الفضة من الجانبين، وإذا شُرط القبضُ في الفضة: شُرط في الصُّفْر؛ لأنه لا يتميز عنها إلا بضرر. - وإن كانت الفضة والغش سواء: لم يجز بيعُها بالفضة إلا وزناً؛ لأنه إذا باع ذلك وزناً: صار بائعاً للفضة بمثل وزنها، وما بقي من الغش بمثل وزنه فضة. كذا في ((شرحه)). (١) ٨٥/٣. ١٧٢ باب الصَّرْف وإذا اشترى بها سلعةً، ثم كَسَدت، فَتَرَك الناسُ المعاملةَ بها قبل القبض : بَطَل البيعُ عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: عليه قيمتُها يوم البيع . وقال محمدٌ : عليه قيمتُها آخرَ ما تعامل الناسُ بها . ويجوز البيعُ بالفلوس النافقة وإن لم تُعَيَّن . قوله: (وإذا اشترى بها سلعةً، ثم كسدت، وترك الناسُ المعاملةَ بها قبل أن يسلِّمها إلى البائع: بطل البيعُ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه قيمتُها يوم البيع). قال في ((النهاية)): وعليه الفتوى. (وقال محمد: قيمتُها آخرَ ما تعامل الناس بها). ـ ومعنى قوله: كسدت: أي في جميع البلدان، أما إذا كانت تروج في هذا البلد، ولا تروج في غيره: لا يفسد البيع؛ لأنها لم تهلك، ولكنها تعيَّت، فكان البائع بالخيار: إن شاء قال: أعطني مثلَ النقد الذي وقع عليه البيع، وإن شاء أخذ قيمةً ذلك دنانیر. - وقيَّد بالكساد؛ لأنها إذا غَلَتْ أو رَخُصت: كان عليه ردُّ المثل، بالاتفاق. كذا في ((النهاية)). : قوله: (ويجوز البيع بالفلوس)؛ لأنها مالٌ معلوم. * قوله: (فإن كانت نافقةً: جاز البيع بها وإن لم تُعيَّن)؛ لأنه لا فائدة في تعيّنها، وإذا لم تُعيَّن: فالعاقد بالخيار: إن شاء سلّم ما أشار إليه منها، ١٧٣ باب الصّرّف وإن كانت كاسدةً : لم يجز البيعُ بها حتى يعيِّنَها . وإذا باع بالفلوس النافقة، ثم كَسَدت قبل القبض : بطل البيعُ عند أبي حنيفة. ومَن اشتری شیئاً بنصف درهمٍ فلوساً: جاز البيئُ، وعليه ما يباع بنصف درهمٍ من الفلوس . وإن شاء سلَّم غيرَه، وإن هلكت: لم ينفسخ العقدُ بهلاكها. * قوله: (وإن كانت كاسدةً: لم يجز البيع بها حتى يعيِّنها)؛ لأنها خرجت من أن تكون ثمناً، وما ليس بثمن: لا بدَّ من تعيينه في حالة العقد، كالثياب. - وقيَّد بالكساد؛ لأنها إذا غَلَتْ أو رَخُصت: كان عليه ردُّ المثل، بالاتفاق. كذا في ((النهاية)). * قوله: (وإذا باع بالفلوس النافقة، ثم كسدت: بطل البيع عند أبي حنيفة). والكلام فيها: كالكلام في الدراهم المغشوشة إذا كسدت. - ولو استقرض فلوساً، فكسدت: قال أبو حنيفة: عليه مثلُها؛ لأن القرض إعارةٌ موجبةٌ ردَ العین معنىً. وقال أبو يوسف ومحمد: عليه قیمتُها، لكن عند أبي يوسف: قيمتُها يوم القبض، وعند محمد: يومَ الکساد. * قوله: (ومَن اشترى شيئاً بنصف درهم فلوساً: جاز البيع، وعليه ما يباع بنصف درهم من الفلوس). ١٧٤ باب الصّرّف ومَن أعطىُ لصيرفيّ درهماً، فقال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه نصفاً إلا حَبَّةً: فَسَد البيعُ في الجميع عند أبي حنيفة. وقالا : جاز البيعُ في الفلوس، وبطل فيما بقي. ولو قال: أعطني نصفَ درهم فلوساً، ونصفاً إلا حبة : جاز البيعُ، وكانت الفلوسُ والنصفُ إلا حبة : بدرهم. - وكذا إذا قال: بدانق فلوساً، أو بقيراط فلوساً. وقال زفر: لا يجوز؛ لأن الفلوس تغلو وترخص، فيصير الثمن مجهولاً. ولنا: أن هذه عبارة معلومة عن مقدارٍ معلوم من الفلوس، فقد باع معلوماً بمعلوم: فجاز. - وقيَّد بنصف درهم فلوساً؛ لأنه لو قال: بدرهم فلوساً، أو بدرهمين فلوساً: لا يجوز عند محمد، وإنما يجوز عنده فیما دون الدرهم. : قوله: (ومَن أعطى الصيرفيَّ درهماً، فقال: أعطني بنصفه فلوساً، وبنصفه نصفاً إلا حبةً: فسد البيع في الجميع عند أبي حنيفة، وقالا: جاز البيع في الفلوس، وبطل فيما بقي. ولو قال: أعطني نصفَ درهم فلوساً ونصفاً إلا حبةً: جاز البيع، وكانت الفلوس والنصفُ إلا حبةً بدرهم). وذلك لأنه جعل الفلوس ونصفاً إلا حبة في مقابلة الدرهم إذا كان لم يُضف كلّ واحد من النصفين إلى الدرهم: فصار كما لو قال: أعطني به فلوساً ونصفاً إلا حبة، وذلك جائزٌ. ١٧٥ باب الصَّرْف - وكذلك لو قال: أعطني بنصفه كذا فلوساً، وأعطني درهماً صغيراً وزنُه نصفُ درهم: فهو جائزٌ أيضاً؛ لأنه جعل نصفَ الدرهم في مقابلة الفلوس، والنصفَ الباقي في مقابلة الدرهم الذي وزنُه نصفُ درهم. - وأما إذا قال: أعطني بنصفه كذا فلوساً، وبنصفه الباقي درهماً صغيراً وزنُه نصف درهم إلا حبةَ: ففي قياس قول أبي حنيفة يفسد العقد في الجميع. وعندهما: يجوز في حصة الفلوس، ويبطل في الدرهم؛ لأن من أصلهما: أن تفصيل الثمن وتفسيرَه يَجعلُ العقد الواحدَ كعقدين، فبطلان العقد في أحدهما: لا يوجب بطلانُه في الآخر. ولأبي حنيفة: أن مِن أصله: أن تفسيرَ الثمن وتفصيلَه لا يجعل العقد الواحد عقدين، وإن كان عقداً واحداً: فبيع نصف درهم بنصف درهم إلا حبة: لا يجوز، فيبطل العقد فيه، وقد جعله شرطاً في الباقي من الدرهم، فيبطل في الجميع، كمَن جمع بين حرٍّ وعبد، والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٧٦ كتاب الرهن کتاب الرَّهْن کتاب الرهن الرهنُ في اللغة هو: الحَبْسُ، أي حَبْسُ الشيء بأيِّ سببٍ كان، مالاً، أو غيرَ مال. قال الله تعالى: ﴿كُلُّنَفْسٍ بِمَاكَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. المدثر / ٣٨، أي محبوسةٍ بوَبَالِ ما اكتسبت من المعاصي. وفي الشرع: عبارة عن عقد وثيقة بمال. احترازاً عن الكفالة، فإنها عقدُ وثيقةٍ في الذمة. واحترازاً أيضاً عن المبيع في يد البائع، فإنه وثيقةً، وليس بعقد على وثيقة. - ويقال: هو في الشرع: جَعْلُ الشيء محبوساً بحقٍّ يمكن استيفاؤه من الرهن، كالديون، حتى إنه لا يجوز الرهن بالحدود والقصاص، ولا رهنُ المدبّر. - ومِن محاسن الرهن: أن فيه النظرَ من الجانبين: جانبِ الراهن، وجانب المرتهن: ١٧٧ کتاب الرهن الرَّهْنُ ينعقدُ بالإيجاب والقبول، أما جانب الراهن: فإن المرتهن قد يكون ألدُّ الخصام، خصوصاً إذا وَجَد رخصةً من جانب الشارع بصريح البيان، وهو قوله: عليه الصلاة والسلام: (لصاحب الحقِّ: اليدُ، واللسانُ)(١). فربما يزيد في تشدده، بحيث لا يدع الراهنَ يقتاتُ، ولا يتركه یباتُ، فالله تعالىْ رَحِمَه، وشرع الرهنَ ليُسهِّل أمره، وينفسح به صدرُه إلى أن يقدر على تحصيل ما يؤدي به دينَه في فسحته، ويصون به عرضَه في مُهلته. وأما جانب المرتهن: فإن دَيْنِه علىُ عُرضة التَّوى والتلف؛ لِمَا عسىُ أن يُذهب الراهنُ مالَه بالتبذير والسرف، أو يقومَ له غرماءُ يستوفون مالَه، أو يُجحَد وليس للمرتهن بينةٌ، أو يموت مفلساً بغير كفالة متعينة، فنظر الشارعُ للمرتهن، فشرع الرهنَ؛ ليصل إلىُ دَيْنِه بآكد الأمور، وأوثقِ الأشياء، حتى لو لم يُقِرَّ بدينه: کان فائزاً بما يعادله من رهنه. * قال رحمه الله تعالى: (الرهنُ ينعقد بالإيجاب والقبول). الإيجاب: ركن الرهن بمجرده، وهو أن يقول الراهن: رهنتُك هذا الشيءَ بدَّيْنك الذي لك عليَّ. - وإنما جُعل الركنُ مجردَ الإيجاب من غير قبول؛ لأن الرهن عقدُ (١) نصب الراية ١٦٦/٤، وعزاه للدارقطني في سننه ٢٣٢/٤، وابن عدي في الکامل، مرسلاً. ١٧٨ کتاب الرهن تبرع؛ لأن الراهن بما أثبت للمرتهن من اليد على الرهن: لم يستوجب بإزاء ذلك شيئاً على المرتهن، فكان تبرُّعاً من هذا الوجه، وما هذا سبيله: لا يصير لازماً إلا بالتسليم، كالهبة، فكان الركن مجردَ الإيجاب من غير قبول، كالهبة والصدقة، والحكمُ فيهما كذلك، حتى لو حلف: لا يهب، أو لا يتصدق، فوهب أو تصدق، ولم يقبل الآخر: حنث في يمينه. - بخلاف البيع؛ لأنه معاوِضةٌ وتمليكٌ من الجانبين، فكان الركن في البيع الإيجاب والقبول، ولهذا لو حلف: لا يبيع، فباع، ولم يقبل المشتري. لا یحنث في یمینه. - وإنما كان الإيجابُ ركناً؛ لأن الرهن به يوجد، وركنُ الشيء: ما يوجَد به الشيء. - والأصل في شرعية جواز الرهن: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾. البقرة / ٢٨٣. وروي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهوديِّ طعاماً، ورهنه به درعه. قالت أسماء بنت زيد: توفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهونةٌ عند يهودي بوَسْق من شعير))(١). (١) سنن الترمذي (١٢١٤)، وقال: حسن صحيح، سنن ابن ماجه (٢٤٣٩)، وینظر نصب الراية ٣١٨/٤. ١٧٩ كتاب الرهن - الرِّهان: جمع: رهن، كالعِباد، والحِبال، والخِبَات: جمعُ: عبدٍ، وحَبْلٍ، وخَبْت(١). - ثم إن المشايخ استخرجوا من هذا الحديث أحكاماً، فقالوا: - فيه دليلُ جواز الرهن في كل ما هو متقوِّم، سواء كان المال مُعَدَّاً للطاعة، أوْ لا، فإن درعه عليه الصلاة والسلام كان مُعدّاً للجهاد، فيكون دليلاً لنا على جواز رهن المصحف. بخلاف ما يقوله المتقشِّفة: إن ما يكون معداً للطاعة: لا يجوز رهنه؛ لأنه في صورة حبسه عن الطاعة. - وفيه دليلٌ أيضاً على جواز الرهن في الحضر والسفر، فإن رَهْنَه عليه الصلاة والسلام كان بالمدينة في حال إقامته بها. بخلاف ما يقوله أصحابُ الظواهر: إن الرهن لا يجوز إلا في السفر؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾. البقرة / ٢٨٣، والتعليق بالشرط: يقتضي الفصلَ بين الوجود والعدم. ولكنا نقول: ليس المراد به الشرط حقيقةً، بل ذِكْرُ ما يعتاده الناس في معاملاتهم، فإنهم في الغالب يميلون إلى الرهن عند تعذّر إمكان التوثق وُ بالكتاب والشهود، والغالبُ أن ذلك يكون في السفر. (١) الخَبْتُ: المتَّسع من الأرض. القاموس المحيط (خبت). ١٨٠ کتاب الرهن ويَتِمُّ بالقبض. والمعاملة الظاهرة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بالرهن في الحضر والسفر: دليلُ جوازه بكل حال. قوله: (وَيَتِمُّ بالقبض)، يعني قبضاً مستمراً إلى فَكَاكِه. - وهذا يدل على أن القبض ليس بشرط في انعقاده، وإنما هو شرطٌ في لزومه، كنفي الخيار في البيع شرطٌ في لزوم البيع، وليس بشرط في انعقاده؛ لأن البيع ينعقد مع شرط الخيار، فكذا هنا القبضُ شرطُ اللزوم، لا شرطُ الجواز، فإن الرهن جائزٌ قبل القبض، إلا أنه غير لازم. وإنما يصير لازماً بالتسليم، كالهبة، حتى لو مات الراهنُ قبل أن يقبض المرتهنُ الرهنَ: لم تُجبر ورثةُ الراهن على الإقباض، بخلاف المبيع؛ لأن الرهن عقدُ تبرُّع، بدليل أن الإنسان لا يُجبر عليه، فلا يتعلق به الاستحقاق إلا بالقبض، كالهبة، فما لم يقبضه: لا يكون لازماً. - وفي ((الذخيرة)) أن محمداً رحمه الله قال: لا يجوز الرهنُ إلا مقبوضاً. فقد أشار إلى أن القبض شرطُ جواز الرهن. - ثم قال في ((الذخيرة)) أيضاً: قال شيخ الإسلام خُواهَر زاده: الرهن قبل القبض جائزٌ، إلا أنه غيرُ لازم، وإنما يصير لازماً في حق الراهن بالقبض، فكان القبض شرطَ اللزوم، لا شرطَ الجواز، كما في الهبة.