Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ باب البيع الفاسد نحو أن يشتريَ ثوباً بشرط الخياطة، أو حنطةً بشرط الحمل إلى منزله، أو ثمرةً بشرط الجُذاذ على البائع، أو رَطبةً بشرط الجُذاذ: فالبيع فاسدٌ؛ لأن هذا شرطٌ لا يقتضيه العقد، وفيه منفعةً للمشتري. - وكذا إذا كان الشرط فيه منفعةٌ للبائع، مثل أن يشتريَ داراً بشرط أن يَسكنها البائع شهراً، أو أرضاً بشرط أن يزرعها البائع سنةً، أو دابةً بشرط أن يركبها، أو ثوباً بشرط أن يلبسه شهراً، أو بشرط أن يُقرضه المشتري دراهم. - وكذا إذا كان في الشرط منفعةٌ للمعقود عليه، وهو من أهل الخصومة، نحو أن يبيع عبداً بشرط العتق، أو التدبير، أو جاريةً بشرط الاستيلاد. - وقال الكرخي: إذا اشترى عبداً بشرط العتق: فالبيع فاسدٌ، فإذا قبضه وأعتقه: وجب عليه المسمى عند أبي حنيفة؛ استحساناً. وعندهما: عليه القيمة؛ لأنه بيعٌ فاسد، كالبيع بشرط التدبير. ولأبي حنيفة: أنه ينعقد على الفساد، ثم ينقلب إلى الجواز بالعتق. ٣- وأما الوجه الذي يجوز فيه البيع، والشرط باطلٌ: فهو أن يبيع طعاماً على أن لا يأكله المشتري، أو دابةً على أن لا يبيعها: فالبيع جائز، والشرط باطل؛ لأن هذا شرطٌ لا منفعة فيه. - ولو شرط المَضرَّة، مثل أن يبيع ثوباً على أن يَخرقه، أو جاريةً على أن لا يطأها، أو داراً على أن يهدمها: فعند أبي يوسف البيع فاسدٌ. وقال محمد: البيع جائزٌ، والشرط باطلٌ. ٨٢ باب البيع الفاسد وكذلك لو باع عبداً على أن يستخدمه البائعُ شهراً، أو داراً على أن يسكنَها البائعُ مدةً معلومةً، أو على أن يُقْرِضِه المشتري درهماً، أو على أن يُهدي له هدیةً. - ولو باع جاريةً بشرط أن يطأها: فالبيع جائزٌ، إجماعاً؛ لأن هذا شرطٌ يقتضيه العقد. - قال الخُجَندي: وعن أبي حنيفة: أنه إذا اشتراها على أن يطأها، أو لا يطأها: فالبیع فاسدٌ فيهما. وعند محمد: جائزٌ فيهما. وأبو يوسف فرَّق بينهما، فقال: إذا باعها بشرط الوطء: يجوز؛ لأنه شرطٌ يقتضيه العقد، وبشرط أن لا يطأها: فاسدٌ. : قوله: (وكذلك لو باع عبداً على أن يستخدمه البائع شهراً، أو داراً على أن يسكنها شهراً، أو على أن يُقرضه المشتري دراهم، أو على أن يهديَ له هديةً): فالبيع فاسدٌ؛ لأنه شرطٌ لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين. ولأنه لو كان الخدمة والسكنى يقابلهما شيء من الثمن: تكون إجارة في بیع. ولو كان لا يقابلهما شيء: يكون إعارة في بيع، وقد «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة))(١). (١) مسند أحمد ٣٩٨/١، صحيح ابن خزيمة (١٧٦)، صحيح ابن حبان ٨٣ باب البيع الفاسد ((ونهى عن بيع وشَرْطٍ))(١). ((وعن شرطين في بيع، وعن بيعٍ وسلف، وعن ربحٍ ما لم يُضمن))(٢). ((وعن بيعِ ما لم يقبض))(٣). ((وعن بيع ما ليس عند الإنسان))(٤). - أما بيعٌ وشرطٌ: فهو أن يبيع بشرطِ فيه منفعةً لأحد المتعاقدين. - وأما نهيُهُ عن شرطين في بيع: فهو أن يبيع عبداً بألفٍ إلى سنة، أو بألف وخمسمائة إلى سنتين، ولم يثبت العقد على أحدهما. أو يقول: على إن أعطيتني الثمنَ حالاً فبألف، وإن أخَّرَتَه إلى شهر: فبألفین. أو أبيعُك بقفيز حنطة، أو بقفيزي شعيرٍ: فهذا لا يجوز؛ لأن الثمن مجهولٌ عند العقد، ولا يدري البائع أيَّ الثمنين يلزم المشتري. (١٠٥٣)، وينظر البدر المنير ١٦/ ٤٤٢، نصب الراية ٢٠/٤. (١) تقدم قريباً ص٧٩. (٢) صحيح ابن حبان (١٢٣٤) سنن أبي داود (٣٥٠٤)، سنن الترمذي (١٢٣٤)، وقال: حسن صحيح، وينظر البدر المنير ١٦ /٤٤٨. (٣) صحيح البخاري (٢١٣٥)، صحيح مسلم (١٥٢٥). (٤) ينظر في النهي عن شرطين في بيع. ٨٤ باب البيع الفاسد ومَن باع عَيْناً على أن لا يُسلِّمها إلى رأس الشهر : فالبيعُ فاسد. ومَن باع جاريةً أو دابةً إلا حَمْلَها : فَسَد البيعُ. - وأما صفقتان في صفقة: أن يقول: أبيعُك هذا العبد بألف على أن تبيعني هذا الفرس بألف. وقيل: هو أن يبيع ثوباً بشرط الخياطة، أو حنطةً بشرط الحمل إلى منزله، فقد جعل المشتري الثمنَ بدلاً للعين والعمل، فما حاذى العين: يكون بيعاً، وما حاذى العمل: يكون إجارة، فقد جمع صفقتين في صفقة. - وأما نهيه عن بيعٍ وسَلَف: فهو أن يبيع بشرط القَرْض، أو الهبة. - وأما رِبْحُ ما لم يضمن: فهو أن يشتري عبداً، فيوهَب له هبةً قبل القبض، أو اكتسب كسباً قبل القبض من جنس الثمن أو من خلافه، فقبض العبد مع هذه الزوائد: لا يُطيِّب له الزوائد؛ لأنه رِبْحُ ما لم يضمن. - وأما نهيه عن بيع ما لم يَقبض: يعني في المنقولات. - وأما نهيه عن بيع ما ليس عنده: فهو أن يبيع ما ليس في ملكه، ثم مَلَكَه بوجه من الوجوه: فإنه لا يجوز، إلا في السَّلَم، فإنه رُخِّص فيه. * قوله: (ومَن باع عيناً على أن لا يُسلِّمها إلا إلى رأس الشهر: فالبيع فاسدٌ)؛ لأنه لا فائدة للبائع في تأجيل المبيع، وفيه شرطُ نفي التسليم المستحق بالعقد. * قوله: (ومَن باع جاريةً، أو دابةً إلا حَمْلَها: فالبيع فاسدٌ). الاستثناء لِمَا في البطون على ثلاثة مراتب: ٨٥ باب البيع الفاسد ومَن اشترىُ ثوباً على أن يَقطَعَه البائعُ، ويَخيطَه قميصاً، أو قَبَاءً، أو نعلاً على أن يَحْذُوها، أو يُشرِّكَها : فالبيعُ فاسد . - في وجه: العقدُ فاسدٌ، والاستثناءُ فاسدٌ. - وفي وجه: العقدُ جائزٌ، والاستثناء فاسدٌ. - وفي وجه: كلاهما جائزان. ١ - أما الذي كلاهما فاسدان: فهو البيع والإجارة والكتابة والرهن؛ و لأن هذه العقود تُبطلها الشروطُ الفاسدة، واستثناءً ما في البطن: بمنزلة شرطٍ فاسد. ٢- وأما الذي يجوز العقد فيه، ويبطل الاستثناء: فالهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد؛ لأن هذه العقود لا تُبطلها الشروط الفاسدة، فيصح العقد، ويبطل الاستثناء. ويدخل في العقد الأمُّ والولدُ جميعاً. - وكذا المعتق إذا أعتق الجارية، واستثنى ما في بطنها: صح العتق، ولم يصح الاستثناء، يعني أنها تعتق هي وحملُها. ٣- وأما الوجه الذي كلاهما جائزان: فالوصية. إذا أوصى لرجل بجارية، واستثنى ما في بطنها: فإنه يصح الاستثناء، وتكون الجارية للموصى له، وما في بطنها للورثة. * قوله: (ومَن اشترىُ ثوباً على أن يَقطَعَه البائعُ، ويَخيطه قميصاً، أو قَبَاءَ، أو نعلاً على أن يَحْذُوَها، أو يُشَرِّكِها: فالبيع فاسدٌ). ٨٦ باب البيع الفاسد والبيعُ إلىُ النَّيْروز، والمِهْرَجَانِ، وصومِ النصارى، وفِطْرِ اليهود إذا لم يَعرفِ المتبایعان ذلك : فاسدٌ. ولا يجوز البيعُ إلىُ الحَصَادِ، والدِّيَاسِ، والقِطَافِ، وقدومِ الحاجِّ. معنى: يحذوها: يقطعها من الجلد، ويعملها؛ لأن هذا شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحدهما. * قوله: (والبيعُ إلى النَّيْروز، والمِهْرَجان، وصوم النصارىُ، وفِطْر اليهود: إذا لم يعرف المتبایعان ذلك: فاسدٌ). النَّيْروز: أول يوم من الصيف، وهو أول يوم تَحُلُّ الشمس فيه الحَمَل(١). والمِهْرجان: أولُ يوم من الشتاء، وهو أول يوم تَحُلُّ فيه الشمسُ الميزانَ. - فإن قيل: لمَ خُصَّ الصوم بالنصارى، والفطر باليهود. قيل: لأن صوم النصارىُ غيرُ معلوم، وفطرَهم معلومٌ، واليهودُ بعكسه. * قوله: (ولا يجوز البيع إلى الحصاد، والدِّيَاسِ، والقَطَاف، وقُدُوم الحاج)؛ لأن هذه آجالٌ تتقدم وتتأخر، فتصير مجهولة. - ولو كفل إلى هذه الأوقات: جاز؛ لأن الجهالة اليسيرةَ محتمَلَةٌ في الكفالة، وهذه الجهالة يسيرةٌ يمكن استدراكها بإزالة جهالتها. ثم الجهالة اليسيرة هي: ما كان الاختلافُ فيها في التقدم والتأخر، أما (١) الحَمَلَ: أول البروج في السماء. مختار الصحاح (حمل). ٨٧ باب البيع الفاسد فإن تراضيا على إسقاط الأجل قَبْلَ أن يأخذ الناسُ في الحصاد، والدِّياسِ، وقبلَ قدوم الحاج : جاز البيع. وإذا قَبَضَ المشتري المبيعَ في البيع الفاسد بأمر البائع، وفي العقد عوضان، كلُّ واحدٍ منهما مالٌ : مَلَكَ المبيعَ، ولزمَتْه قیمتُه، إذا اختلفت في وجودها، كهبوب الرياح: كانت فاحشةً. ولأن الكفالة تحتمل الجهالةَ في أصل الدَّيْن، بأن يكفل بما ذاب على فلان، أي وجب عليه، ففي الوصف أولئُ. - بخلاف البيع فإنه لا يحتمل الجهالة في أصل الثمن، فكذا في وصفه. - وإن باع مطلقاً، ثم أجَّل الثمن إلى هذه الأوقات: جاز؛ لأن هذا تأجيلَ الدَّيْن، وهذه الجهالة فيه محتملةٌ، بمنزلة الكفالة، ولا كذلك اشتراطه في أصل العقد؛ لأنه يَبطل بالشروط الفاسدة. * قوله: (فإن تراضيا بإسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناسُ في الحصاد والدِّياس والقطاف وقدوم الحاج: جاز). وقال زفر: لا يجوز؛ لأنه وقع فاسداً، فلا ينقلب جائزاً. ولنا: أن الفساد للمنازعة، وقد ارتفعت قبل تقرره، وهذه الجهالة في شرطِ زائدٍ، لا في صلب العقد، فيمكن إسقاطه. قوله: (وإذا قبض المشتري المبيعَ في البيع الفاسد بإذن البائع، وفي العقد عوضان، كل واحد منهما هو مالَ: مَلَكَ المبيعَ، ولزمته قيمته). يعني إذا كان العوض مما له قيمةٌ. ٨٨ باب البيع الفاسد قال ابنُ سَمَاعة عن محمد: إذا قال أبيعُك بما ترعى إيلي في أرضك، أو بما تشرب من ماء بئرك: أنه يملك المبيعَ بالقبض؛ لأنه سمى في مقابلته مالاً. ألا ترى أنه لو قطع الحشيشَ، أو استقى الماء في إناء: جاز بيعه، فاشتمل العقد على عوضین. قال أبو يوسف: وكذا إذا باعه، وسكت عن الثمن؛ لأن البيع يقتضي العوض، فإذا سكت عنه: ثبتت القيمة، وهي مال. - وليس كذلك إذا قال: أبيعك بغير ثمن؛ لأنه نفيُ العوض، والبيع بغیر عوض: لیس ببيع. - وقوله: مَلَكَ المبيع: قال بعضهم: المشتري لا يملك العين، لكن يملك التصرف، وهو قول أهل العراق. وقال مشايخ بلخ: يملك العين، والمختار ما ذكره مشايخ بلخ؛ لأن محمداً نصَّ على أنه يملك الرقبة. يدل عليه أن المشتري إذا أعتقه: ثبت الولاء منه، دون البائع. - ولو باعه المشتري: فالثمن له، وعليه القيمة لبائعه. - وإذا كان المشترى داراً، فبيعت دارٌ إلى جنبها: ثبتت الشفعة للمشتري. - ولو كان عبداً، فأعتقه البائع: لم يعتق وإن فسخ البيع بعد ذلك، وردًّ علیه العبد. ٨٩ باب البيع الفاسد وهذا يدل على أن المشتري قد ملك العين. - ووجه قول العراقيين: أن المشترى لو كان طعاماً: لا يحل أكله، ولو كانت جاريةً: لا يحل وطؤها ولو استبرأها بحيضة، ولو كانت داراً: لا تجب فيها شفعة الشفيع. - قال الخُجَندي: ولا حجة لأهل العراق فيما ذكروه؛ لأن الحِلَّ والحُرمة ليسا من الملك في شيء، ألا ترى أن ربح ما لم يُضمن: مملوك لمن استفاده، ومع ذلك لا يَحِلّ له. ألا ترى أن مَن ملك جاريةً وهي أختُه من الرضاعة، أو بينهما مصاهرة: فإنه يملكها، ومع ذلك لا يحل له الاستمتاع بها. - وإنما لم تجب الشفعة للشفيع؛ لأن حق البائع لم ينقطع عنها، والشفعةُ إنما تجب بانقطاع حق البائع، لا بثبوت ملك المشتري، ألا ترى أن مَن أقرَّ ببيع داره: تجب الشفعة فيها وإن كان المشتري جاحداً. - ومن فوائد قوله: مَلَكَ المبيعَ: أنه لو سرقه البائع من المشتري بعد القبض: قُطع. - وقوله: ولزمته قيمته: يعني يوم القبض. - وهذا إذا كان من ذوات القِيَم، أما إذا كان من ذوات الأمثال: يلزمه مثلُه؛ لأنه مضمونٌ بنفسه بالقبض، فشابه الغصبَ، والقولُ بالقيمة والمثل: قولُ المشتري مع يمينه؛ لأنه هو الذي يلزمه الضمان، والبينة بينة ٩٠ باب البيع الفاسد ولكل واحدٍ من المتعاقدين فَسْخُه. البائع؛ لأنها تُثبت الزيادةَ. - وقوله: بإذن البائع: هذا إذا كان قبل قبض البائع الثمنَ، أما إذا قبض الثمنَ: فلا حاجة إلى الإذن. * قوله: (ولكل واحدٍ من المتعاقدين فسخُه). - هذا إذا لم يزدد المبيعُ، أما إذا ازداد، وكانت الزيادة متصلةً، غيرَ حادثةٍ منه: انقطع حق الفسخ، مثل الصَّبْغ، والخياطة، ولتِّ السويق بالسَّمْن، أو جاريةً علقت منه، أو قطناً، فغزله. - وإن كانت متصلةً، متولِّدة منه: لا ينقطع حقُّ الفسخ. - وكذا إذا كانت منفصلةً، متولدة منه، كالولد، والعُقْر، والأرش. - ولو هلكت هذه الزوائدُ في يد المشتري: لا ضمان عليه، وإن استهلكها: ضمن. - فإن هلك المبيعُ، والزوائدُ قائمةً: فللبائع أن يستردَّ الزوائد، ويأخذ من المشتري قيمة المبيع يوم القبض. - وإن كانت الزيادة منفصلةً، غيرَ حادثة منه، كالكسب، والهبة: فللبائع أن يستردَّ المبيع مع الزيادة، ولا تطيبُ له، ويتصدق بها. - وإن هلکت في يد المشتري: لا ضمان علیه. - وإن استهلكها: لم يضمنها أيضاً عند أبي حنيفة، وعندهما يضمنها. ٩١ باب البيع الفاسد فإن باعه المشتري : نَفَذَ بيعه. - وإن استهلك المبيعَ، والزوائدُ قائمةً في يده: تقرر عليه ضمانُ المبيع، والزوائدُ له؛ لتقرر ضمان الأصل. - وأما إذا انتقص المبيع في يد المشتري: إن كان بآفة سماوية: فللبائع أن يأخذ المبيعَ مع أرش النقصان؛ لأن المبيع صار مضموناً عليه بالقبض بجميع أجزائه. - وكذا إذا كان النقصان بفعل المشتري، أو بفعل المبيع. وإن كان بفعل البائع: صار مُسترَدَّاً، وبطل عن المشتري الضمان إذا هلك في يده، ولم يوجد منه حَبْسٌ عن البائع. * قوله: (وإن باعه المشتري: نفذ بيعُه). يعني أنه لا ينقض؛ لأنه قد ملكه، فمَلَكَ التصرف فيه، وسقط حق الاسترداد؛ لتعلَّق حق العبد بالبيع الثاني، ونُقض الأول بحق الشرع، وحقُّ العبد مقدَّمٌ على حق الشرع؛ لحاجته إليه. - وإن أجَّره المشتري: صحَّت الإجارة، غير أن للبائع أن يُبطلها، ويستردَّ المبيعَ؛ لأن الإجارة تُفسخ بالأعذار، وفسادُ البيع صار عذراً في فسخ الإجارة. - ولو كان المبيع جاريةً، فزوَّجها المشتري: فإن ذلك لا يمنع الفسخَ، والنكاحُ على حاله لا يفسخ؛ لأن النكاح عقدٌ على المنافع، فلا يمنع الفسخ، كالإجارة، إلا أن النكاح مما لا يُفسخ بالأعذار، فبقي بحاله؛ لأن ٩٢ باب البيع الفاسد ٠٠ المشتري عَقَدَه وهو على ملکه. - ولو أوصى بالعبد، ومات: سقط الفسخ؛ لأن المبيع انتقل من ملكه إلى ملك الموصى له، وهو ملكٌ مبتداً، فصار كما لو باعه. - ولو ورث المبيعَ من المشتري: لم يسقط الفسخُ؛ لأن الوارث يَقومُ مقام المورِّث، ولهذا يثبت له الفسخ بالعيب، وكذا يُفسخ عليه؛ لأجل الفساد. - ولو وهب المشتري العبدَ أو الثوبَ: سقط حقُّ الفسخ؛ لأنه خرج عن ملكه، وتعلَّق به حقُّ الغير، فتعذَّر الفسخُ، كما لو باعه. - فإن رجع في الهبة، أو ردَّ عليه المبيعَ بعيبٍ بقضاء قاضٍ: كان للبائع أن يسترد المبيعَ؛ لأنه إذا رجع في الهبة: انفسخ العقد من أصله. - وكذا إذا قضى عليه القاضي لأجل العيب: انفسخ البيع من أصله، وصار کان لم یکن. - ولو اشترى جاريةً شراءً فاسداً، وقَبَضَها، وباعها، وربح فيها: تصدق بالربح. - فإن اشترى بثمنها شيئاً آخر، فربح فيه: طاب له الربح. - وكذا إذا ادعى عليه رجلٌ مالاً، وقضاه إياه، ثم تصادقا أنه لم يكن له عليه شيء، وقد ربح المدعي في الدراهم: یطیبُ له الربح. كذا ٩٣ باب البيع الفاسد ومَن جَمَعَ بين حُرٍّ وعبدٍ، أو شاةٍ ذَكِيَّةٍ وميتةٍ : بَطَلَ البيعُ فيهما. وإن جَمَعَ بين عبدٍ ومُدَبٍَّ، أو بين عبدِهِ وعبدٍ غيرِهِ: صحَّ العقدُ في العبد بحصته من الثمن. في ((الهداية))(١). * قوله: (ومَن جمع بين حرِّ وعبد، أو بين شاةٍ ذَكية وميتةٍ: بطل البيع فيهما جميعاً). وهذا عند أبي حنيفة، سواء سمى لكل واحد منهما ثمناً علىُ حِدَة، أو لم يسمِّ؛ لأن الصفقة تضمنت صحيحاً وفاسداً، والفسادُ في نفس العقد، فوجب أن يبطل في الجمیع، کما لو اشتراهما بثمن واحد. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا سمى لكل واحد منهما ثمناً: جاز في العبد والذكية، وبطل في الحر والميتة، وإن لم يسمِّ لكل واحد منهما ثمناً: فكما قال أبو حنيفة. * قوله: (وإن جَمَعَ بين عبدٍ ومدبّر، أو بين عبده وعبدٍ غيره: صحَّ في العبد بحصته من الثمن)، وبطل في الآخر، وهذا قول أصحابنا الثلاثة. وقال زفر: يَفسد فيما إذا جمع بين عبدٍ ومدبّر؛ لأن بيع المدبّر لا یجوز، فصار کالحر. ولنا: أن المدبّر يدخل تحت العقد، وتلحقُه الإجازة لو حكَمَ حاكمٌ بجوازه. (١) ٥٣/٣. ٩٤ باب البيع الفاسد ونهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن النَّجَّشَ. وعن السَّوْمِ علىُ سَوْم غيره. - والمكاتب وأم الولد: مثل المدبَّر إذا ضُمَّ إلى العبد القِنِّ. - وإذا باع عبدين، فمات أحدهما قبل التسليم، أو استُحِقَّ، أو وُجد مدبراً، أو مكاتباً: صح البيع في الباقي بحصته من الثمن. * قوله: (ونهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن النَّجَش، وعن السَّوْمِ على سوم أخيه(١)). النَّجَش: بفتحتين، ويروى بالسكون أيضاً. وهو: أن يزيد في ثمن المبيع، ولا رغبة له فيه، ولكنه يَحمِل الراغب على أن يزيد في الثمن. - وهذا النهي محمول على ما إذا طلبه المشتري بمثل قيمته، أو أكثر، أما إذا طلبه بأقل من قيمته: فلا بأس أن يزيد في ثمنه إلى أن يبلغ قيمة المبيع وإن لم یکن له رغبةٌ فیه. - وأما السَّوْم على سَوْم أخيه فهو: أن يتساوم الرجلان في السلعة، ويطمئن قلبُ كل واحد منهما على ما سمى من الثمن، ولم يبق إلا العقد، فعارضه شخصٌ آخر، فاشتراه. (١) وفي نسخ من الجوهرة: ((غيره))، والنهي عن النجش وعن السوم على سوم أخيه، وعن تلقي الجلب وعن بيع الحاضر للبادي، في صحيح البخاري (٢١٤٠)، وصحيح مسلم (١٥١٥). ٩٥ باب البيع الفاسد وعن تَلَقِّي الجَلَب. وبيع الحاضرِ للبادي. أما إذا كان قلب البائع غير مستقر بما سمى من الثمن، ولم يجنح إلیه، ولم يرض به: فلا بأس بذلك؛ لأن هذا بیعُ مَن یزید. * قوله: (وعن تلقّي الجَلَب، وبيع الحاضر للبادي). وصورة تلقّي الجَلَب: أن الرجل من أهل المصر إذا سمع بمجيء قافلةٍ معهم طعامٌ، وأهلُ المصر في قَخْطٍ وغلاء، فيخرج يتلقاهم، ويشتري منهم جميعَ طعامهم، ويدخل به المصرَ، ويبيعُهُ على ما يريد من الثمن، ولو تركهم حتى دخلوا: باعوا على أهل المصر متفرّقاً: توسّع أهل المصر بذلك. وأما إذا كان أهل المصر لا يتضررون بذلك: فإنه لا يكره. وقال بعضهم: صورتُه: أن يتلقاهم رجلٌ من أهل المصر، فيشتري منهم بأرخص من سعر المصر، وهم لا يعلمون بسعر أهل المصر، فالشراء جائزٌ في الحكم، ولكنه مكروهٌ؛ لأنه غرَّهم، سواء تضرَّر به أهل المصر، أوْ لا. - وأما بيع الحاضر للبادي فهو: أنه إذا وصل الجالبُ بالطعام: لقِيَه الحاضر، وقال له: سلِّم إليَّ طعامَك لأتوثَّق لك في بيعه، فيتوفر عليك ثمنُه. وقيل: معنى بيع الحاضر من البادي هو: أن الرجل من أهل المصر إذا كان له طعامٌ، أو علفٌ، وأهل المصر في قحط، وهو لا يبيعه من أهل المصر، ولكنه يبيعه من أهل البادية بثمن غالٍ: فهذا مكروه. ٩٦ باب البيع الفاسد وعن البيع عند أذان الجمعة. وكلُّ ذلك يكره، ولا يَفسدُ به العقدُ. ومَن مَلَكَ مملوكَيْن صغيرَيْن، أحدُهما ذو رَحِم مَحْرَمٍ من الآخر: لم یُقرِّق بينهما . وكذلك إن كان أحدُهما كبيراً والآخرُ صغيراً. وأما إذا كان أهل المصر في سعة، ولا يتضررون بذلك: فلا بأس به. * قوله: (وعن البيع عند أذان الجمعة)، يعني الأذانَ الأول بعد الزوال. * قوله: (وكل ذلك يكره): أي المذكور من قوله: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش ... إلى هنا. * قوله: (ولا يفسدُ به البيع)، حتى إنه يجب الثمنُ دون القيمة، ویثبت به الملكُ قبل القبض. * قوله: (ومَن مَلَكَ مملوكين صغيرين، أحدهما ذو رَحِم مَحْرَمٍ من الآخر: لم يُقرِّق بينهما. وكذلك لو كان أحدهما كبيراً، والآخر صغيراً): لم يُفرِّق بينهما إلى أن يبلغ الغلام، وتحيض الجارية. - وإنما ذكر لفظ: مَلَكَ؛ ليتناول وجوه الملك: من الهبة، والشراء، والإرث، والوصية، وغير ذلك؛ لأن الصغير يستأنس بالصغير، والكبير يتعاهده، فكان في بيع أحدهما قَطْعُ الاستئناس، والمنعُ من التعاهد، وفيه ترك المَرحمة على الصغار. ٩٧ باب البيع الفاسد - ثم المنع معلول بالقرابة المحرِّمة للنكاح، حتى لا يدخلُ فيه مَحرَمٌ غير قريب، ولا قريبٌ غيرُ مَحرم، ولا يدخل فيه الزوجان، حتى جاز التفريق بينهما. ــ وكل ما يكره من التفريق في البيع: فكذا يكره في القسمة في الميراث، والغنائم. - ولو اجتمع في ملكه صغيرٌ وكبيران، وكل واحد منهما ذو رحم مَحرم من الصغير: إن كانت قرابةُ أحدهما أقرب إلى الصغير من الآخر، نحو أن يكون أحدهما أباً، والآخر جداً، أو أحدهما أماً، والأخرى جدة، أو أحدهما أخاً لأب وأم، والآخر أخاً لأب، أو لأم: فلا بأس أن يبيع الأبعدَ منهما، أو يبيع الصغيرَ مع الأقرب. - وأما إذا كانت قرابتهما إلى الصغير سواء، نحو أن يكون كلاهما أخوين لأب وأم، أو كلاهما أخوين لأب، أو كلاهما أخوين لأم، أو عمين، أو خالين: فالقياس أن لا يبيع أحدَهما؛ لأن حق كل واحد منهما سواء، وفي الاستحسان: لا بأس أن يبيع أحدَ الكبيرين. - ولو كانت قرابة الكبيرين إلى الصغير من الجانبين، وقرابتُهما إليه سواء، نحو أن يكون له أبٌ وأم، أو أخٌ لأب، أو أخٌ لأم، أو خالٌ وعمٌّ: فالذي يُدلي بقرابة الأم: قام مقام الأم، والذي يدلي بالأب: كالأب. - وإذا كان للصغير أبٌ وأمِّ، واجتمعوا في ملكٍ واحد: فليس له أن يفرق بين أحد منهم، فكذا هنا. ٩٨ باب البيع الفاسد فإن فَرَّق بينهما : کره له ذلك، وجاز البيع. وإن كانا كبيرَيْن : فلا بأس بالتفريق بينهما. - وكذا إذا كان له عمةٌ وخالة، أو أمُّ أب وأمُّ أم: لم يفرِّق بينه وبين أحد منهما. : قوله: (فإن فرَّق بينهما: كره له ذلك، وجاز البيع)، ويأثم. (فإن كانا كبيرين: فلا بأس بالتفريق بينهما). وقال أبو يوسف: البيع باطلٌ في الوالدين، وجائزٌ في الأخوين. - ثم التفريق إذا كان لمعنىً فيهما: فلا بأس به، مثل أن يجنيَ أحدُهما جنايةً في بني آدم: فلا بأس أن يدفع الجاني منهما، ويُمسك الآخر وإن حصل فيه التفريق. ــ وكذا لو استهلك واحدٌ منهما مالاً لإنسان: فإنه يباح فيه وإن كان يؤدي إلى التفريق. - وكذا إذا اشتراهما، فوجد بأحدهما عيباً: فله أن يرد المعيبَ خاصةً. وعند أبي يوسف: يردهما جميعاً، أو يُمسكهما جميعاً، ولا يرد المعیبَ خاصةً. - ولا بأس أن يكاتب أحدَهما، أو يُعتقه على مال، أو على غير مال؛ لأنه لا تفريق فيه؛ لأن المكاتب، أو المعتَق يصير أحقُّ بنفسه، فيدور حیث ما دار صاحبُه. ٩٩ باب الإقالة باب الإقالة الإقالةُ جائزةٌ في البيع، للبائع، والمشتري، بمثل الثمنِ الأولِ. فإِن شَرَطَ أقلَّ منه، أو أكثرَ : فالشرطُ باطلٌ، ويَرُدُّ مثلَ الثمن الأول. باب الإقالة الإقالة في اللغة هي: الرَّفْع، وفي الشرع: عبارةٌ عن رفع العقد. * قال رحمه الله: (الإقالةُ جائزةٌ في البيع للبائع والمشتري، بمثل الثمن الأول)؛ لأن العقد حقَّهما، فيملكان رفعَه. - وخَصَّ البيعَ؛ لأن النكاح والطلاق والعتاق لا يقبلها. - وتصح بلفظين يُعبَّر بأحدهما عن الماضي، والآخر عن المستقبل، مثل النكاح؛ لأنه لا يحضرها المساومة، كالنكاح، وهذا قولهما. وقال محمد: لا تصح إلا بلفظين ماضيين، كالبيع. - ولا تصح إلا بلفظ الإقالة، حتى لو قال البائع للمشتري: بعني ما اشتريتَ مني بكذا، فقال: بعتُ: فهو بيعٌ، بالإجماع، فيُراعى فيه شرائط البيع. - ولا يصح قبول الإقالة إلا في المجلس، كما في البيع. * قوله: (فإن شَرَطَ أكثرَ منه، أو أقلَّ: فالشرط باطلٌ). ١٠٠ باب الإقالة وهي فَسْخٌ في حق المتعاقدَيْن، بيعٌ جديدٌ في حقٍّ غيرِهما، في قول أبي حنيفة. - هذا إذا لم يدخله عيبٌ، أما إذا تعيب: جازت الإقالة بأقل من الثمن، ويكون ذلك بمقابلة العيب. - ولا يجوز بأكثر من الثمن، فإن أقال بأكثر من الثمن: فهي بالثمن، لا غیر. * قوله: (وهي فسخٌ في حق المتعاقدين، بيعٌ جديدٌ في حق غيرهما في قول أبي حنيفة). - في هذا تفصيلٌ: إن كانت قبل القبض: فهي فسخٌ، إجماعاً، وإن كانت بعد القبض: فهي فسخٌ عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: هي بيعٌ. وقال محمد: إن كانت بالثمن الأول، أو بأقلّ: فهي فسخٌ، وإن كانت بأكثر، أو بجنسٍ آخر: فهي بیعٌ. ولا خلاف بينهم أنها بيعٌ في حق الغير، سواء كانت قبل القبض، أو بعده. وقال زفر: هي فسخٌ في حقهما وحق الغير. - ولا يقال كيف تكون فسخاً في حقهما، بيعاً في حق غيرهما، وهي عقدٌ واحد؟