Indexed OCR Text
Pages 1-20
۵ الجوهرةُ الثَّيَّرَة ، ١ شَرْح ◌ِخْتَصَر الإمَامِ القُدُورِيّ ٣٦٢- ٤٢٨ هـ فِي الفِقْهِ الخَنَفِيّ للإمَامِ أبي بَكْرِ بْن عَليّ الحَتَّاد ٧٢٠ - ٨٠٠ هـ رَحِمَهُ اللهُتعَالى تَحْقِيْقُ أ.د.سَائِدبكداش الجُزْءُ القَّالِثُ أروقة 3 core - لِلُحُوثِ وَالاسْتِشَارَاتِ الْمَصْرِفِيَّةِ الإِسْلَامِيَّة شَرَكَةٍ غَيْرِ رِبْحِيَّة أسَّسَتْهَا المَصَارِف الإِسْلَامِيَّةِ فِي دَوْلَةقَطَر، وَهِيَ شَرِكَة تُعنى بِالمُحُثِ وَالدِّرَاسَاتِ التِي تَخْدِمُ تَطْوُّرِ الصِّنَّاعَة المَصَرِفِيَّة الإِسْلَامِيَّة وَفْقَ آخِرِ المُتَجَدَّات الفِقْهِيَّة وَتَعْمَل ◌َعَلَى إِعْدَادِ دَلِيْل عَمَلِ الزَّامِيّ يَسْتَنِدُ إلى مَعَايِيْر وَضْوَابِطَ شَرْعِيَّة مُوَحَّدَة لِكُلْ مُنْتَجَ وَتَعْمَل ◌َعَلَى تَخْطِ العُقُدِ الشّرْعِيَّةِ، وَاللّه نسأل أن يَجْعَل شَرَكَة ((دِرَاسَات)) حِصْنًا مِنْ حُصُون الدّفَاعِ عَنْ دِيْنِهِ وَ شَرْعِهِ، وَأَنْ يُوَقِّقَ القَائِمِينَ عَلَيْها إلى مَافِيهِ الخَيْرِ وَالرَّشَاد د.وَلِيْدِبْنِهَادِي رَئِسْ هَيْة الرَّقَابَة الشّرْعِيَّة المُشْرِفُ العَامَ عَلَى شَرَكَة ((دِرَاسَات)) ■الجوهرة النيرة شرح لمختصر الإمام القدوري في الفقه الحنفي تأليف : الإمام أبي بكر بن علي الحداد تحقیق : الأستاذ الدكتور سائد بكداش الطبعة الأولى : ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥م جميع الحقوق محفوظة باتفاق وعقد قياس القطع : ١٧ × ٢٤ الناشر شركة دراسات للبحوث والاستشارات المصرفية الإسلامية Research Studies & Consulting Islamic Banking الدوحة - قطر التنفيذ الطباعي والتوزيع أَزْوَقَةٌ لِلدّرَاسَاتِ وَالنّشْرِ هاتف وفاكس : ٤٦٤٦١٦٣ (٠٠٩٦٢٦) ص.ب : ١٩١٦٣ عمّان ١١١٩٦ الأردن البريد الإلكتروني : info@arwiqa.net الموقع الإلكتروني : www.arwiqa.net ٥ كتاب البيوع كتاب البيوع كتاب البيوع إنما عَقَّب الشيخُ البيعَ بالعبادات، وأخَّر النكاحَ؛ لأن احتیاجَ الناسِ إلى البيع أعمّ من احتياجِهم إلى النكاح؛ لأنه يَعُمُّ الصغيرَ والكبيرَ، والذكرَ والأنثى. والبقاء بالبيع أقوى من البقاء بالنكاح؛ لأن به تقوم المعيشةُ التي هي قوام الأجسام. - وبعضُ المصنِّفين قدَّم النكاحَ على البيع، كصاحب ((الهداية))(١) وغيره؛ لأن النكاح عبادة، بل هو أفضلُ من الاشتغال بنفل العبادة؛ لأنه سببٌ إلى التوحيد بواسطة الولد الموحِّد. وكلّ منهم مصيبٌ في مَقصِده. - والبيع في اللغة: عبارةٌ عن تمليك مالٍ بمالٍ آخر. وكذا في الشرع، لكن زِيدَ فيه قيدُ: التراضي؛ لما في التغالب من الفساد، والله لا يحب الفساد. (١) ينظر ١٨٩/١. ٦ كتاب البيوع البيعُ یَنعقدُ بالإيجاب والقبول - ويقال: هو في الشرع: عبارةً عن إيجابٍ وقبولٍ في مالَيْن ليس فيهما معنى التبرع، وهذا قولُ العراقيين، كالشيخ، وأصحابه. - وقيل: هو عبارةٌ عن مبادلة مالٍ بمالٍ، لا على وجه التبرع، وهو قول الخراسانيين، كصاحب ((الهداية)) (١)، وأصحابه. ــ وفائدته: انعقاده بالتعاطي في النفيس، فعند الخراسانيين: ينعقد، وعند العراقيين: لا ينعقد. وأما في الخسيس: فينعقد بالتعاطي، إجماعاً، مثل شراء البَقْل والخبز وأشباه ذلك. والصحيحُ قول الخراسانيين؛ لأن العبرة للتراضي. ** قال رحمه الله: (البيعُ يَنعقدُ بالإيجاب والقبول). - الانعقاد: عبارةٌ عن انضمام كلامِ أحدِ المتعاقدين إلى الآخر. - والبيع: عبارةٌ عن أثرٍ شرعي يظهر في المحل عند الإيجاب والقبول، حتى يكون العاقدُ قادراً على التصرف. وإليه أشار الشيخ بقوله: ينعقد، ولم يقل: البيع هذان اللفظان. - والإيجاب هو: الإثبات؛ لأنه ما كان ثابتاً للمشتري، وقد ثبت الآن بقوله: بعتُ. (١) ٣/ ٤٢. ٧ كتاب البيوع إذا كانا بلفظَي الماضي. - والقبولُ هو: اللفظ الثاني الذي هو جوابٌ للأول. فالإيجاب: مثل قوله: بعتُ، أو أعطيتُ، أو هذا لك، وما أشبه ذلك. والقبول: مثل: اشتريتُ، أو قَبِلتُ، أو أخذتُ، أو أجزتُ، أو رضيتُ، أو قبضتُ، وما أشبه ذلك. - ولا فرق بين أن يكون البادي البائعَ أو المشتري، كما إذا قال المشتري أوَّلاً: اشتريتُ منك هذا العبد بمائة، فقال البائع: بعتُ، أو هو لك: فإنه يتمُّ البيع. - وهذا معنى قوله (١): وإذا أوجب أحدُ المتعاقدين البيعَ: فالآخر بالخيار: ولم يعيِّن أنه البائع أو المشتري. : قوله: (إذا كانا بلفظ الماضي). أما إذا كانا بلفظ الأمر: فلا بدَّ من ثلاثة ألفاظ، كما إذا قال البائع: اشتر مني، فقال: اشتريتُ: فلا ينعقد ما لم يقل البائع: بعتُ. أو يقول المشتري: بع مني، فيقول: بعتُ: فلا بدَّ من أن يقول ثانياً: اشتریتُ. وأما النكاح: فينعقد بلفظين: أحدهما ماضٍ، والآخر مستقبلٌ. (١) أي قول القدوري، وسيأتي بعد قليل في مختصره. ٨ کتاب البيوع وإذا أوجب أحدُ المتعاقدَيْن البيعَ : فالآخرُ بالخيار : إن شاء قَبِلَ في المجلس، وإن شاء ردَّه. قوله: (وإذا أوجب أحدُ المتعاقدين البيعَ: فالآخرُ بالخيار: إن شاء قَبِلَه في المجلس، وإن شاء ردّ)، وهذا يسمىُ: خيار القَبول، وهو غيرُ موروثٍ. فإن أوجب أحدُهما البيعَ وهما يمشيان، أو يسيران على دابة في مَحمِل، أو على دابتين: إن أخرج المخاطَب جوابَه متصلاً بخطاب صاحبه: تمَّ العقد، وإن فَصَلَه عنه: لا ينعقد وإن قلّ. - والسيرُ من أحدهما: كالسير منهما. - وإن أوجب أحدُهما وهما واقفان، فسارا، أو سار أحدُهما بعد خطاب صاحبه قبل القبول: بطل، ولا ينعقد بقوله بعد ذلك. - ولو تبايعا في السفينة وهي تسيرُ، فوُجدت سكتةٌ بين الخطابين: لا يمنع ذلك الانعقاد، وهي بمنزلة البيت؛ لأنهما لا يملكان إيقافَها، بخلاف الدابة، فإنهما يملكان إيقافها. - ولو قال: بعتُ منك هذا العبدَ بكذا، فقال: فهو حرُّ: فهو قَبولٌ، ويَعتقُ العبدُ. - وأما إذا قال: وهو حرٌّ: بالواو، أو: هو حرٌّ: بغير الواو: لم يكن قَبولاً، ولم يجز البيع. - واعلم أن البيع عقدٌ على الإبهام، والتوقيتُ يُبطله، بخلاف الإجارة فإنها عقدٌ على التوقيت، والإبهامُ يُبطلها. ٩ کتاب البيوع وأيُّهما قام من المجلس قَبْل القبول : بَطَلَ الإيجابُ. وإذا حَصَلَ الإيجابُ والقبولُ : لزم البيعُ. - ثم لا بدَّ في البيع من ذكر الثمن، وتعيين المبيع، وإلا: فلا يكون بيعاً وإن حصل الإيجاب والقبول. : قوله: (وأيُّهما قام من المجلس قبل القبول: بَطَلَ الإيجابُ). لأن القيام: دليلُ الإعراض. - وكذا لو لم يقم، ولكن تشاغل في المجلس بشيءٍ غير البيع: بطل الإيجاب. - فإن كان قائماً، فقعد، ثم قَبِلَ: فإنه يصح القبول؛ لأنه بالقعود لم يكن مُعرضاً. * قوله: (فإذا حصل الإيجابُ والقبول: لزم البيعُ). ولا بدَّ من تقدير الثمن، وتعيين المُثْمَن. - قال في ((العيون)): عن أبي يوسف: إذا قال: بعتُك هذا العبد بألف، فلما أراد المشتري أن يقول قبلتُ: قال البائع: رجعتُ، وخرج الكلامان معاً: فالفسخ أَوْلِىُ؛ لأنه لم يتمَّ البيع. - وإذا قال: بعتك هذين الثوبين بكذا، فقَبِل في أحدهما: لا يجوز. - كما لا يجوز إذا قال: بعتُك هذا العبدَ بألف، فقال: قبلت بخمسمائة. ١٠ كتاب البيوع ولا خيارَ لواحدٍ منهما إلا مِن عيبٍ، أو عدمِ رؤیةٍ . والأعواضُ المشارُ إليها: لا يُحتاجُ إلى معرفة مقدارها في جواز البيع . ــ وكذا لو قال: بعتُك هذا العبد، فقال: قبلتُ في بعضه: لا يجوز؛ لما فيه من تفريق الصفقة على البائع. - ولو فرَّق الإيجابَ، فقال: أبيعك هذين العبدين: بعتُك هذا بمائة، وهذا بمائتين: فللمشتري أن يقبل في أيهما شاء؛ لأنه لم يكن في القبول تفريق الصفقة، بخلاف المسألة الأولى، فإن هناك الإيجاب فيهما بلفظ واحد. قوله: (ولا خيارَ لواحدٍ منهما إلا من عيبٍ أو عدمِ رؤيةٍ). وقال الشافعي(١): لكل واحد منهما الخيار ما داما في المجلس، يعني لكل واحد منهما فسخُه، رضيَ الآخر بالفسخ أو لم يرض. - وقوله: إلا من عيب، أو عدم رؤية: وكذا خيار الشرط، وإنما خَصَّ العيبَ وعدم الرؤية مع أن خيار الشرط مانعٌ لزومَ البيع أيضاً؛ لأنهما في كل بيعٍ يوجدان، أما خيار الشرط فعارِضٌ مبنيٌّ على الشرط. : قوله: (والأعواضُ المشارُ إليها: لا يُحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع). لأن بالإشارة كفايةً في التفريق، سواء كان المشار إليه ثمناً أو مُثمناً بعد أن لم يكن في الأموال الربوية. (١) مغني المحتاج ٤٣/٢. ١١ کتاب البيوع والأثمانُ المطلَقةُ: لا يصح إلا أن تكون معروفةَ القَدْر، والصفة. - أما في الربوية إذا بيعت بجنسها: فلا يجوز البيع مع جهالة مقدارها وإن أُشير إليها؛ لاحتمال الربا، كما إذا باع حنطةً بحنطة، أو شعيراً بشعير، فلا بدَّ أن يُعلَم تساويهما. - وقوله: في جواز البيع: احترازاً عن السَّلَم، فإن رأس المال فيه إذا كان مكيلاً أو موزوناً: يشترط معرفة مقداره عند أبي حنيفة، ولا يُكتفى بالإشارة. - وقوله: والأعواض: سمَّها أعواضاً قبل العقد وإن لم تصر عوضاً؛ باعتبار المآل؛ لأنها تصير عوضاً بعدُ، كما قال تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رَّجَالِكُمْ﴾. البقرة/ ٢٨٢، وإنما يصيران شاهدين بعد الإشهاد. * قوله: (والأثمانُ المطلَقةُ: لا يصح إلا أن تكون معروفةَ القدر والصفة). صورة المطلَقة: أن يقول: اشتريتُ منك بذهب أو بفضة أو بحنطة أو بِذُرَة، ولم يعيِّن قدراً، ولا صفةً. وفي ((الينابيع)): صورته: أن يقول: بعتُ هذا منك بثمنٍ، أو بما يساوي، فيقول: اشتريتُ: فهذا لا يجوز حتى يبيِّن قدر الثمن، وصفته. فالقدر: مثل: عشرة أو عشرين، والصفةُ: مثل: بخاري أو سمرقندي، أو جيد أو وسط أو رديء. - وقوله: مطلقة: احترازٌ عن كونها مشاراً إليها. ١٢ كتاب البيوع ويجوز البيعُ بثمنٍ حالٌّ، ومؤْجَّلٍ إذا كان الأجلُ معلوماً. ومَن أطلق الثمنَ في البيع : كان على غالب نَقْدِ البلد . * قوله: (ويجوز البيع بثمن حالٌ، ومؤجَّلٍ إذا كان الأجل معلوماً). - إنما قَيَّد بالثمن؛ لأن المبيع إذا كان معيَّناً: لا يجوز تأجيله، فإن شُرط فيه الأجل: فالبيع فاسد؛ لأن التأجيل في الأعيان لا يصح؛ لأنه لا منفعة للبائع في تأجيلها؛ لأنها موجودة في الحالين على صفة واحدة، والعقد يوجب تسليمها، فلا فائدة في تأخيرها. ولا كذلك الثمن، لأن شَرْط الأجل في الديون فيه فائدة، وهي اتساع المدة التي يتمكّن المشتري من تحصيل الثمن فيها، فلذلك جاز فيه. - وقوله: إذا كان الأجلُ معلوماً: لأنه إذا كان مجهولاً: أثَّر في التسليم، فيطالبُه البائع بالثمن في قريب المدة، والمشتري في بعيدها. وإن اختلفا في الأجل: فالقول قول مَن ينفيه؛ لأن الأصل عدمُه. وكذا لو اختلفا في قدره: فالقول لمدعي الأقلَ، والبينة بينة المشتري في الوجهين. وإن اتفقا على قدره، واختلفا في مُضيِّه: فالقول للمشتري أنه لم يمض، والبينة بينته أيضاً؛ لأن البينة مقدَّمةٌ على الدعوى. * قوله: (ومَن أطلق الثمنَ في البيع: كان على غالب نَفْد البلد). معناه: ذَكَرَ قدر الثمن، ولم يذكر صفته، مثل أن يقول: بعتُ منك بعشرة دراهم، وفي البلد دراهم مختلفة، فإذا كان كذلك: جاز البيع، ١٣ كتاب البيوع فإن كانت النقودُ مختلفةً: فالبيعُ فاسدٌ إلا أن يُبيِّن أحدَها. وتتعين الدراهم التي يتعامل الناس بها في البلد غالباً. فيكون معنى قوله: ومَن أطلق الثمن: أي أطلقه عن ذكر الصفة. - وأما القدر: فقد ذكره، لأنه لو لم يكن كذلك: كانت هذه المسألة عينَ تلك الأُولىُ، فيلزم التكرار. فبان لك أن قوله: والأثمان المطلقة: أنها مطلَقة عن ذكر القدر والوصف جميعاً. - وأن قوله: ومَن أطلق الثمن: مطلَقٌ عن ذكر الصفة، لا غير، وذلك بأن يقول: اشتريتُ بعشرة دراهم، ولم يقل: بخارية أو غطريفية(١) أو غير ذلك. : واعلم أن حكم المبيع والثمن يختلفان في أحكام: - منها: أنه لا يجوز التصرُّف في المبيع المنقول قبل قبضه، ويجوز في الثمن قبل قبضه. - ومنها: أن هلاك المبيع قبل القبض: يوجب فسخَ العقد، وهلاكَ الثمن: لا يوجبه؛ لأن العقد لا يقع على عينه، وإنما يقع على ما في الذمة، فإذا هلك ما أشار إليه: بقي ما في الذمة بحاله. * قوله: (فإن كانت النقود مختلفةً: فالبيع فاسدٌ، إلا أن يبيِّن أحدَها). يعني مختلفةَ المالية، إلا أن التعامل بها سواء؛ لأن الجهالة تُقضي إلى (١) أي من غطريف اليمن. ١٤ كتاب البيوع ويجوز بيعُ الطعام والحبوبِ كلِّها مكايلةً، ومجازفةً، وبإناءٍ بعَيْنِه لا يُعرف مقداره، المنازعة، وأما إذا كانت سواء في المالية: جاز البيع إذا أطلق اسمَ الدراهم، ويُصرف إلى ما قدَّر به من أي نوع كان؛ لأنه لا منازعة، ولا اختلاف في المالية، كالذهب التركي والخَلِيفَتِي، فإن الخليفتيَّ كان أفضلَ في المالية من التركي. - وقوله: إذا كانت سواء في المالية: معناه: كالثنائي والثلاثي، والثنائي: ما كان اثنان منه دانقاً، والثلاثي: ما كان الثلاثة منه دانقاً، ففي هذه الصورة يجوز البيع إذا أطلق اسمَ الدراهم؛ لأنه لا منازعة ولا اختلاف في المالية. * قوله: (ويجوز بيع الطعامِ والحبوب كلُّها مكايلةً ومجازفةً). يعني إذا باعها بخلاف جنسها، أما بجنسها مجازفةً: فلا يجوز؛ لما فيه من احتمال الربا، والمجازفةُ هي: أخذُ الشيء بلا كيل ولا وزن. - وكذا القسمة إذا وقعت فيما يثبت فيه الربا: لا تجوز مجازفةً أيضاً؛ لأنها کالبيع. - وقوله: بيع الطعام: اسمُ الطعام في العرف يقع على الحنطة ودقيقها، فعلى هذا لا يكون ذِكْره الحبوبَ بعد الطعام تكراراً، ويكون المراد من الحبوب: ما سوى الحنطة، كالذَّرَة والعدس والحِمِّص وغير ذلك. * قوله: (وبإناءِ بعَيْنه لا يُعرَف مقدارُه). ١٥ كتاب البيوع وبوزنٍ حجرٍ بعينه لا يُعرف مقداره. هذا إذا كان الإناء من خزف أو حديد أو خشب وما أشبه ذلك، مما لا يحتمل الزيادة والنقصان، مثل أن يقول: بعتُ منك ملءَ هذا الطَّسْت، أو ملءَ هذه القَصعة: فإنه يجوز؛ لأن الجهالة فيه لا تُفضي إلى المنازعة؛ لما أنه یتعجّل فيه التسلیمَ؛ لأنه بيعُ عین حاضرة، فیندُر هلاكه قبله. بخلاف السَّلَم؛ لأن التسليم فيه متأخِّرٌ، والهلاك ليس بنادر قبله، فتتحقق المنازعة فيه، فلا يجوز. - وأما إذا كان الإناء مما يحتمل الزيادة والنقصان، كالزنبيل والجراب والغرائر(١) والجَوالق: لا يجوز؛ لأن هذه الأشياءَ تنقبض وتنبسط. إلا أن أبا يوسف استحسن في الماء، وأجازه وإن كان يحتمل الزيادة والنقصان، وهو أن يشتريَ من هذا الماء كذا كذا قِربةً بهذه القِربة، وعيَّنها: فإنه يجوز عنده. * قوله: (وبوزن حَجَرٍ لا يُعرف مقداره). هذا إذا كان الإناء والحجر بحالهما، أما لو تلفا قبل أن يُسلِّم ذلك: فسد البيع؛ لأنه لا يُعلم مبلغ ما باعه منه. - وإن قال: بوزن هذه البطيخة، أو هذا الطين، وما أشبهه: لم يجز؛ لأنه یزید وینقص. (١) جمع: الغِرارة: بالكسر: شبه العدل. المصباح المنير (غرر). ١٦ كتاب البيوع ومَن باع صُبْرةَ طعامٍ، كلّ قفيزٍ بدرهمٍ : جاز البيعُ في قفيزٍ واحدٍ عند أبي حنيفة، وبطل في الباقي، إلا أن يُسمِّيَ جملةَ قُفْزانها. وقالا : يجوز، سواء ذَكَرَ أو لم يَذكر . · قوله: (ومَن باع صبرةَ طعامٍ، كلَّ قفيز بدرهم: جاز البيع في قفیزٍ واحدٍ عند أبي حنيفة، إلا أن يُسمِّيَ جُملةَ قُفْزانها، وعندهما: يجوز في الوجهين، سمَّى جملةَ قُفزانها، أو لم يُسمِّ). لأبي حنيفة: أنه يتعذَّر الصرفُ إلى الكل؛ لجهالة المبيع والثمن، فيُصرف إلى الأقل، وهو معلومٌ، إلا أن تزول الجهالةَ بتسمية جميع القُفزان، أو بالكيل في المجلس. ولأنه لا يُعلم قدر القُفزان، فجُهِل الثمنُ عند المتعاقدَيْن، وتسميتُه لكل قفيز درهما: لا يوجب معرفتُه في الحال، وإنما يُعرف في الثاني، وذلك يمنع صحة العقد. ولهما: أن هذه الجهالةَ بيدهما إزالتُها، ومثلُها غير مانع. - ثم إذا جاز في قفيزٍ واحد عند أبي حنيفة: للمشتري الخيار في القفيز: إن شاء أخذه، وإن شاء تركه؛ لتفرق الصفقة عليه. - وكذا إذا كِيل الطعام في المجلس، وعُرف مبلغه: فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذه بحساب ذلك، وإن شاء تركه؛ لأنه إنما عَلِمَ بذلك الآن، فله الخيار. ١٧ كتاب البيوع ومَن باع قطيعَ غنمٍ، كلَّ شاةٍ بدرهمٍ : فالبيعُ فاسدٌ في جميعها. - وأما إذا افترقا قبل الكيل، وكيل بعد ذلك: فإن الفساد قد تقرر، فلا يصح إلا باستئناف العقد علیه. قال في ((المبسوط))(١): الأصل عند أبي حنيفة: أنه متى أضاف كلمة: كل: إلى ما لا يُعلم منتهاه: يتناولُ الأدنى، وهو الواحد، كما إذا قال: لفلانٍ عليَّ کل درهم: یلزمه درهمٌ واحدٌ. وقال أبو يوسف ومحمد: هو كذلك فيما لا يكون منتهاه معلوماً بالإشارة إليه، وأما ما تُعلم جملتُه بالإشارة إليه: فالعقدُ يتناول الكلَّ؛ لأن الإشارة أبلغُ في التعريف من التسمية. وأبو حنيفة يقول: إن كانت العبرة للإشارة: فثمن جميع ما أشار إليه عند العقد مجهول، وجهالة مقدار الثمن تمنع صحةَ العقد. قوله: (ومَن باع قطيعَ غنمٍ، كلّ شاة بدرهم: فالبيع فاسدٌ في جميعها) عند أبي حنيفة، وقالا: هو جائزٌ في الجميع. - وكذا كلّ عدديٌّ متفاوت. هما قاساه على القفيز من الصُّبْرة، وهو يصرف العقد إلى الواحد على أصله، إلا أن بيع شاةٍ من قطيع: لا يصح؛ للتفاوت بين الشِّياه، وبيع قفيز من صبرة: يجوز؛ لعدم التفاوت، فلا تُفضي الجهالة إلى المنازعة فيه، وتُفضي إليها في الأول. (١) للسرخسى ١٩٤/٥. ١٨ کتاب البيوع وكذلك مَن باع ثوباً مذارعةً، كلَّ ذراعٍ بدرهم، ولم يُسَمِّ جملةَ الذُّرْعان. ومَن ابتاع صبرةَ طعامٍ على أنها مائةُ قفیزٍ، بمائة درهمٍ، - ولو قال بعتك هذا القطيع، كل شاتين منه بعشرين درهماً، وسمى جملتَه مائةً: لا يجوز البيع في الكل، بالإجماع. - وإن وجده كما سمى، يعني وإن علم الجملة في المجلس، واختار البيع: فإنه لا يجوز؛ لأن ثمن كل واحدة منها مجهولٌ؛ لأن حصة كل واحدة من الثمن إنما تُعرف إذا ضُمَّت إليها أخرى، ولا يدري أيَّ شاة يُضم إليها، فإذا ضُمَّ إليها أردأُ منها: تكون حصتها أكثرَ، وإن ضُمَّ إليها أجودُ منها: تكون حصتُها أقلّ، فلهذا لا يجوز. - وإن قال: بعتُكَها على أنها مائةُ شاة بمائة دينار: فإن وجدها مائةً: فالبیع جائزٌ في جميعها. وإن وجدها ناقصةً: لزمه کل شاة بدینار، وله الخيار. وإن وجدها زائدةً: فسد البيع في الكل. : قوله: (وكذلك مَن باع ثوباً مذارعةٌ، كلَّ ذراع بدرهم، ولم يُسمِّ جملة الذُّرعان): فهو على هذا الاختلاف، لا يصح في ذراعٍ عند أبي حنيفة؛ لوجهين: أحدهما: أن الذراع من الثوب يختلف، والثاني: أنه لا يمكن تسليمُه إلا بضرر على البائع. * قوله: (ومَن ابتاع صبرةَ طعام على أنها مائة قفير بمائة درهم، ١٩ کتاب البيوع فوجدها أقلّ : كان المشتري بالخيار : إن شاء أَخَذَ الموجودَ بحصته من الثمن، وإن شاء فَسَخ البيعَ. وإن وجدها أكثرَ من ذلك : فالزيادةُ للبائع. ومَن اشترىُ ثوباً على أنه عشرةُ أذرعٍ، بعشرة دراهم، أو أرضاً على أنها مائةُ ذراع، بمائة درهمٍ، فوجدها أقلّ: فالمشتري بالخيار : إن شاء أَخَذها بجملة الثمن، وإن شاء تَرکها . وإن وجدها أكثرَ من الذَّرْع الذي سمَّاه: فهي للمشتري، ولا خيارَ للبائع. فوجدها أقلّ: فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ الموجودَ بحصته من الثمن، وإن شاء فسخ البيع)؛ لتفرُّق الصفقة عليه، ولم يَتَمَّ رضاه بالموجود. قوله: (وإن وجدها أكثرَ من ذلك: فالزيادةُ للبائع)؛ لأن العقد وقع على مقدارٍ معيَّن، والقدرُ ليس بوصف، بل هو أصلٌ بنفسه. قوله: (ومَن اشترى ثوباً على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم، أو أرضاً على أنها مائة ذراع بمائة درهم، فوجدها أقلّ من ذلك: فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذها بجملة الثمن، وإن شاء تركها). لأن الذرع وصفٌ في الثوب؛ لأنه عبارةٌ عن الطول والعرض، والوصف لا يقابله شيء من الثمن، كالأطراف في الحيوان، بخلاف القدر في الصبرة؛ لأن المقدار يقابله شيء من الثمن، إلا أنه يتخير هنا؛ لفوات الوصف المذكور. * قوله: (وإن وجدها أكثرَ من الذَّرْع الذي سمَّاه: فهي للمشتري، ولا خيارَ للبائع)؛ لأن الذرع صفةً فيه، فهو مثل صفة أطراف العبد، كما لو ٢٠ كتاب البيوع وإن قال : بعتُكَهَا على أنها مائةُ ذراعٍ، بمائة درهم، كلّ ذراع بدرهم، فوجدها ناقصةً: فهو بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن، وإن شاء تر کها . اشترى عبداً على أنه أعور، أو مقطوعُ اليد، فوجده صحيحاً: كان للمشتري من غير زيادة في الثمن، ولا خيارَ للبائع. - وإن اشتراه على أنه صحيحٌ، فوجده أعورَ: فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذه بكل الثمن، وإن شاء تركه. - وكذا إذا اشترى جاريةً على أنها بِكرٌ، فوجدها ثيباً: فهو بالخيار: إن شاء أخذها بكل الثمن، وإن شاء تركها. - وإن اشتراها على أنها ثيبٌ، فوجدها بكراً: فهي له، ولا خيار للبائع. قوله: (وإن قال: بعتُگها على أنها مائةُ ذراع بمائة درهم، كل ذراع بدرهم، فوجدها ناقصةً: فهو بالخيار: إن شاء أخذها بحصتها من الثمن، وإن شاء تركها). لأن الوصف هنا صار أصلاً بإفراده بذكر الثمن، فنُزِّل كل ذراع بمنزلة ثوب، وهذا لأنه لو أخذه بكل الثمن: لم يكن آخذاً كل ذراع بدرهم. - وإنما قال: بعتُكَها: فأَنَّث الضمير، وقد ذَكَرَ لفظ: الثوب: على تأويل الثياب، أو المزروعات.