Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ كتاب الحج ورَفَعَ يديه مع التكبير، واستَلَمه، وقَبَّله إن استطاع من غير أن يؤذيَ مسلماً. وفيه أدعيةٌ غیر هذه. قوله: (ورَفَعَ يديه مع التكبير): الرفع هنا: من السَّبْع المواطن، ويَستقبل بباطن كفيه إلى الحَجَر. قوله: (واستلمه). صورة الاستلام: أن يضع كفيه على الحجر، ويضع فمَه بين كفيه، ويُقبِّله إن استطاع. - فإن لم يستطع: جعل كفيه نحوه، وقبَّل کفیه. قال في ((النهاية)): استلام الحجر للطواف: بمنزلة التكبير للصلاة، يبتدئ فيه الرجلُ طوافَه، قال عليه الصلاة والسلام: (ليُبعثنَّ هذا الحَجَرُ يوم القيامة، وله عينان ينظر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه، واستقبله بالحق))(١). : قوله: (وقَبَّله إن استطاع من غير أن يؤذيَ مسلماً)؛ لأن التحرز عن إيذاء المسلم واجبٌ. (١) صحيح ابن خزيمة ٢٢١/٤، صحيح ابن حبان (الإحسان) ٢٥/٩، سنن ابن ماجه ٩٨٢/٢، قال النووي في المجموع ٣٦/٨: رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقوَّاه بشواهده ابن حجر في فتح الباري ٤٦٢/٣، وينظر لكاتب هذه الحروف غفر الله له: كتاب: ((فضل الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ص٥٠. ٣٤٢ كتاب الحج ثم أخذ عن يمينه مما يلي البابَ، وقد اضطبع رداءه قبل ذلك، فيطوفُ بالبيت سبعة أشواط. - فإن لم يستطع تقبيلَه، ولا مسَّه بيده: أمسَّ الحجرَ شيئاً في يده من عُرِجُونٍ أو غيره، ثم يقبِّل ذلك الشيء. - فإن لم يستطع شيئاً من ذلك: استقبله، وكَبَّر وهلَّل. - وهذا الاستقبال مستحبٌّ، وليس بواجب، يدل عليه قوله: إن استطاع، کما في قوله: ومسَّ طیباً إن كان له. * قوله: (ثم يأخذُ عن يمينه مما يلي الباب): أي عن يمين الطائف، لا عن يمين الحجر. - فإن أخذ عن يساره: أجزأه، وعليه دمٌّ، وهو الطواف المنكوس. وقال الشافعي(١): لا يُعتدُّ بطوافه. : قوله: (وقد اضطبع رداءه قبل ذلك): أي اضطبع بردائه، وهو: أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويلقيَه على كتفه الأيسر، ويُبْدِيَ مَنْكِبِه الأيمنَ، ويغطيَ الأيسرَ. - وهو سنَّةٌ. - وسُمِّي اضطباعاً: لإبداء ضَبُعه، وهو عضده. * قوله: (فيطوفُ بالبيت سبعةَ أشواط)، والشوطُ: من الحَجَر إلى الحجر. (١) مغني المحتاج ١/ ٤٨٥. ٣٤٣ كتاب الحج ويجعلُ طوافَه من وراء الحَطيم. ويَرْمُلُ في الأشواط الثلاثة الأُوَّل، ويمشي فيما بقيَ علىْ هِينته. * قوله: (ويجعلُ طوافَه من وراء الحَطِيم)؛ لأنه من البيت. وهو موضعٌ يَصبُّ فيه الميزابُ، سُمِّي به؛ لأنه حُطِم من البيت، أي كُسِر. ويُسمَّى: الحِجْرُ أيضاً؛ لأنه حُجِر من البيت، أي مُنع. ويسمى: حَظيرة إسماعيل. وفي الحديث: ((مَن دعا علىُ مَن ظَلَمَه فيه: حَطَمَه الله))(١). * قوله: (ويَرمُلُ في الأشواط الثلاث الأُول). الرَّمَل: بفتحتين: سرعةُ المشي، مع تقارب الخُطى، وهَزِّ الكتفين، مع الاضطباع، وهو السُّنَّة. قال في ((الهداية)(٢): كان سببه إظهارَ الجَلَدِ للمشركين حين قالوا: أضنَتْهم حُمَّى يَثرب، ثم بقيَ الحكم بعد زوال السبب، كالإخفاء في صلاة الظهر والعصر، كان لتشويش الكفرة، وأذاهم للمسلمين عند قراءتهم القرآن في صلاتهم. * قوله: (ويمشي فيما بقيَ علىُ هِيْنته): أي علىُ السَّكينة والوقار على رِسْله. (١) لم أقف عليه. (٢) ١ / ١٤٠. ٣٤٤ كتاب الحج ويستلمُ الحَجَرَ كلَّما مرَّ به إن استطاع، - والرَّمَل من الحَجَر إلى الحَجَر: هو المنقول من رَمَل رسول الله صلى الله عليه وسلم(١). - فإن زَحَمَهَ الناسُ في الرَّمَل: قام، فإذا وجد مسلَكاً: رَمَل، ولا يطوف بدون الرمل في تلك الثلاثة؛ لأنه لا بَدَلَ له، فيقف حتى يقيمَه على وجه السُّنَّة، بخلاف الاستلام؛ لأن الاستقبال بدله. * قوله: (ويَستلم الحجرَ الأسود كلَّما مرَّ به إن استطاع)؛ لأن أشواط الطواف: كركعات الصلاة، فكما يفتتح كل ركعة بالتكبير: يفتتح كل شوط باستلام الحجر. - وإن لم يستطعِ الاستلامَ: استقبل، وكَبَّر وهلل. - ويستلم الركنَ اليماني، وهو مستحبٌّ، في ظاهر الرواية. وعن محمد: سنةٌ. - ولا يستلم غيرَهما من الأركان؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان El يستلم هذين الركنين، وهما: اليمانيّ، وركن الحجر الأسود(٢). ولا يستلم غيرَهما؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم عليه السلام، والقواعدُ: هنَّ أساس البيت. (١) صحيح مسلم (١٢١٨). (٢) صحيح البخاري (١٦٠٨)، مسلم (١٢٦٧). ٣٤٥ كتاب الحج ويختمُ الطوافَ بالاستلام. ثم يأتي مقام إبراهيمَ، - ولا يُسنُّ تقبيلُ الركن اليماني؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام استلمه، ولم يُقُبِّلْه(١). * قوله: (ويَختم الطوافَ بالاستلام)، يعني استلامَ الحجر الأسود. * قوله: (ثم يأتي المقامَ)، يعني مقام إبراهيم، وهو ما ظهر فيه أثر قدمیه حین کان يقوم عليه حین نزوله ورکوبه، حین یأتي إلى زيارة هاجر وولده إسماعيل (٢). (١) بل روي تقبيله من النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح ابن خزيمة ٢١٧/٤، سنن الدارقطني ٢٩٠/٢، أخبار مكة للفاكهي ١٣٨/١، أخبار مكة للأزرقي ٣٣٨/١، سنن البيهقي ٧٦/٥، وقال: تفرَّد به عبد الله بن مسلم بن هرمز، وهو ضعيف. اهـ، قلت: بل قال عنه الذهبي في الكاشف ٦٠٥/١: حسَّن الترمذي له. اهـ، وأيضاً وثَّقه ابن حبان، كما في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢١٧/١، وعلى هذا، فالحديث لا ينزل عن رتبة الحسن، والله أعلم. وقد قال بسنية تقبيله محمد بن الحسن، ورواية عن أبي يوسف، وهو ما رجحه الطحاوي وغيره، ينظر للزيادة: ((فضل الحجر الأسود))، لكاتب هذه الحروف ص٩٢. (٢) بل الصحيح المشهور أن ذلك كان حين بنى البيتَ مع ولده إسماعيل عليهما السلام، ينظر صحيح البخاري ٣٩٨/٦، مع الفتح، وأما ما ذكره المؤلف رحمه الله فهي رواية ضعيفة مرجوحة ضعَّفها سعيد بن جبير وغيره، ينظر الجامع لأحكام القران للقرطبي ١١٣/٢، وابن كثير في التفسير ١٦٩/١، والسيرة الحلبية ١٥٧/١، وما کتبته في «فضل الحجر الأسود)» ص١٠٥. ٣٤٦ کتاب الحج فیصلِّي عنده ركعتين، أو حيثما تيسّر من المسجد. والمقام: بفتح الميم: موضع القيام، وبضمها: موضع الإقامة. : قوله: (فيصلي عنده ركعتين): أي عند المَقام، (أو حيثُما تيسّر من المسجد). - وهما واجبتان عندنا، فإن تَرَكَهما: ذكر في بعض المناسك: أن عليه دماً. - وإن صلاهما في غير المسجد: أو في غير مكة: جاز؛ لأنه روي أن عمر رضي الله عنه نسيهما، وصلاهما بذي طُوئ. ذكره ((في الكرخي)». وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الطواف: صلى في المقام ركعتين، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾. البقرة/ ١٢٥. وقال عليه الصلاة والسلام: ((مَن صلى خلف المقام ركعتين: غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وحُشر يوم القيامة من الآمنين)). كذا في كتاب ((الشَّفَا))(١). - والمستحب أن يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، و: ﴿قُلْ هُوَ اُللَّهُ أَحَدُّ﴾. - فإذا فرغ: يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين. - ولا يصليهما إلا في وقتٍ مباح. (١) ذكره القاضي عياض في الشفا ص ٦٠٠ بدون سند، وبدون عزو لأحد. ٣٤٧ کتاب الحج وهذا الطواف طوافُ القدوم، وهو سُنَّةٌ وليس بواجب. وليس على أهل مكة طوافُ القدوم. ثم يخرجُ إلى الصفا، فيصعدُ عليه، - ثم يعود إلى الحَجَرِ، فيستلمُه؛ لأن الطواف لما كان يُفتتح بالاستلام: فکذلك السعي يُفتتح به. - بخلاف ما إذا لم يكن بعد الطواف سعيٌّ: فإنه لا يعود إلى الحَجَر فیه. : قوله: (وهذا الطواف: طوافُ القُدوم)، ويسمىُ: طواف التحية، وطواف اللقاء، وطوافُ أول عهدٍ بالبيت. * قوله: (وهو سُنَّةٌ، وليس بواجبٍ)، حتى لو تركه: لم يكن عليه شيءٌ. كذا في ((الخُجندي)). * قوله: (وليس على أهل مكة طواف القدوم)؛ لانعدام القدوم منهم. - وكذا مَن كان من أهل المواقيت، ومَن دونها إلى مكة؛ لأنهم في حُكم أهل مكة. * قوله: (ثم يخرجُ إلى الصفا)، والأفضلُ أن يخرج من باب الصفا، وهو باب بني مخزوم، وليس ذلك سنة عندنا، ولو خرج من غيره: جاز. وسمي الصفا؛ لأن آدم عليه السلام لما أتاه قال: أرحب يا صفيَّ الله. * قوله: (فيصعدُ عليه): أي يصعدُ بحيث يرى البيتَ؛ لأن الاستقبال هو المقصود بالصعود. ٣٤٨ كتاب الحج ويستقبلُ البيتَ، ويكبِّرُ ويهلِّلُ، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله تعالی بحاجته. ثم يَنحطُّ نحو المروة، ويمشي علی هِینته، * قوله: (ويستقبلُ البيتَ، ويُكبِّر ويُهلِّل، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو الله تعالىُ بحاجته)، ويرفعُ يديه عند الدعاء نحو السماء. - قوله: ويدعو الله بحاجته: إنما ذكر الدعاء هنا، ولم يذكره عند استلام الحجر؛ لأن الاستلام: حالةُ ابتداء العبادة، وهذا: حالةُ ختمها، فإن خَتْمَ الطواف بالسعي والدعاء إنما يكون عند الفراغ من العبادة، لا عند ابتدائها، كما في الصلاة. م - ((قال الحسن البصري: الدعاء مستجابٌ في خمسة عشر موضعاً: في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصفا، وعلى المروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة، وفي منىّ، وعند الجمرات الثلاث))(١). فمحرومٌ مَن لا يجتهد في الدعاء في هذه المواضع. - ويستحب أن يقرأ في أيام الموسم خَتْمةً في الطواف. * قوله: (ثم يَنحطّ نحو المروة، ويمشي على هِيْنته): أي على السكينة والوقار، ويقول في سعيه: ربِّ اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت (١) وبعدِ الجمرات ثلاثاً: تكون المواضع خمسة عشر، تنظر رسالته التي فيها ها النص: في أخبار مكة للفاکھي ٢٨٨/٢. ٣٤٩ كتاب الحج فإذا بلغ إلى بطن الوادي : سعى بين المِيلَيْن الأخضرَيْن سعياً حتى يأتيَ المروةَ، فيصعدُ عليها، ويفعلُ كما فَعَل على الصفا، وهذا شوطٌ. فيطوفُ سبعة أشواطٍ، يبتدىُ بالصفا، ويختمُ بالمروة. الأعزُّ الأكرم، واهدني للتي هي أقوم، فإنك تَعلَم ولا أَعلَم. * قوله: (فإذا بلغ إلى بطن الوادي: سعىُ بين المِيلَيْن الأخضرَيْن سعياً). وهما علامتان لموضع الهرولة، وهما شيئان منحوتان من جدار المسجد الحرام، لا أنهما منفصلان عن الجدار. وسماهما: أخضرين: على طريق الأغلب، وإلا فأحدهما أخضر، والآخر أحمر. ولم يكن اليوم بطن وادي؛ لأنه قد كبسته السيول، فجعل هناك ميلان؛ علامةً لموضع الهرولة؛ ليُعرف أنه بطن الوادي. * قوله: (حتى يأتيّ المَرْوةَ): بإسكان الياء؛ لأنه لو نصب: لأفهم أن السعي إلى أن يأتيَ المروة، وليس هو كذلك. : قوله: (فيصعد عليها، ويفعل كما فعل على الصفا)، يعني من التكبير، والتهليل، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء، والرفع. * قوله: (وهذا شَوْطٌ)، وهو الصحيح. : قوله: (فيطوف سبعة أشواط، يبتدئ بالصفا، ويختم بالمروة)؛ ٣٥٠ كتاب الحج ثم يقيمُ بمكة مُحرِماً، يطوفُ بالبيت كلَّما بدا له، ويصلي لكل أسبوع رکیتین. احترازاً عن قول الطحاوي، فإنه قال: يبتدئ بالصفا، ويختم بالصفا، فيكون على قوله: أربعة عشر مرةً، وهو غير صحيح(١). * قوله: (ثم يقيمُ بمكة حراماً، يطوف بالبيت كلَّما بدا له)؛ لأنه يُشبه الصلاة. قال عليه الصلاة والسلام: ((الطواف بالبيت صلاةٌ)(٢). والصلاة خير موضوع، فكذا الطواف، إلا أنه لا يسعى عقيب هذه الأطوفة؛ لأن السعي لا يجب إلا مرة، والتنفل به غير مشروع. - وإنما قال: يطوف بالبيت كلَّما بدا له: ليُنَبِّه بهذا على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، ولأهل مكة: الصلاة أفضل منه؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف إذا رجعوا إلى بلادهم، ولا تفوتهم الصلاة، وأهل مكة: لا يفوتهم الأمران، وعند اجتماعهما: فالصلاة أفضل. * قوله: (ويصلي لكل أسبوعٍ ركعتين)، وهما ركعتا الطواف. - ويكره الجمع بين أسبوعين، أو أكثر من غير صلاةٍ بينهما عند أبي حنيفة ومحمد، سواء انصرف عن وتر أو شفع؛ لأن الركعتين مرتبتان على الطواف. (١) قلت: الذي في مختصر الطحاوي ص ٦٣: أنه يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة. (٢) سنن الترمذي (٩٦٠)، المستدرك للحاكم ٤٩٥/١، وصححه ابن الملقن في البدر المنير ٤١١/٤، وتوسع في ذكر طرقه، وردَّ على مَن ضعَّفه. ٣٥١ كتاب الحج فإذا كان قبلَ يومِ التروية بيومٍ : خَطَب الإمامُ خطبةً يعلِّم الناسَ فيها الخروجَ إلىُّ مِنِىٌّ، والصلاةَ بعرفات، والوقوفَ، والإفاضةَ. وقال أبو يوسف: لا يكره إذا انصرف عن وتر، نحو أن ينصرف على ثلاثة أسابيع، أو خمسة، أو سبعة. - وهذا الخلاف إذا لم يكن في وقتٍ مكروه، أما في الوقت المكروه: فإنه لا يكره، إجماعاً، ويؤخِّرُ ركعتي الطواف إلى وقتٍ مباح. * قوله: (فإذا كان قبلَ يوم التروية بيومٍ: خَطَبَ الإمامُ الناسَ خطبةً)، يعني يوم السابع بعد صلاة الظهر. وفي ((النهاية)): قبل صلاة الظهر، ويوم التروية هو: اليوم الثامن. * قوله: (يُعلِّم الناسَ فيها الخروجَ إلى منىًّ، والصلاةَ بعرفات، والوقوفَ، والإفاضةَ). وإنما جمع عرفات؛ على جهة التعظيم. وبين مكة وعرفات: ثلاثة فراسخ، وقيل: أربعة، وهي من الحِلِّ. وسمي: منىَّ؛ لما يُمنى فيه من الدماء، أي يُراق، وهي قريةٌ فيها ثلاث سكك، بينها وبين مكة فرسخ، وهي من الحرم. - والمستحبُّ أن يصليَ بها الصلوات الخمس. - والمبيتُ بها سنةٌ. - وفي الحج ثلاث خُطَب: أولها هذه. ٣٥٢ کتاب الحج فإذا صلى الفجرَ يومَ التروية بمكة : خَرَج إلى مِنىًّ، فأقام بها حتى يصليَ الفجرَ يومَ عرفة. والثانية: بعرفة يوم عرفة، خطبتين قبل صلاة الظهر، يجلس بينهما كما في الجمعة. والثالثة: بمنىَ، يوم الحادي عشر، خطبة واحدة بعد صلاة الظهر، یفصل بین کل خطبتین بیوم. وقال زفر: يخطب في ثلاثة أيام متواليات: يوم التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر. - وكل هذه الخطب: بعد الزوال بعد صلاة الظهر، إلا يوم عرفة: فإن الخطبتين فيه قبل الصلاة. - ولو خطب قبل الزوال: جاز، ويكره، بخلاف الجمعة: فإنه إذا ترك الخطبةَ فیھا، أو خطب قبل الزوال: لا يجوز. [الخروج إلى منىَّ : ] * قوله: (فإذا صلى الفجر بمكة يوم التروية: خرج إلى منىَ، فأقام بها حتى يصلي الفجر من يوم عرفة). والمستحب أن يكون خروجه بعد طلوع الشمس؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى منىّ بعد طلوع الشمس، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم راح إلى عرفات))(١). (١) صحيح مسلم (١٢١٨). ٣٥٣ كتاب الحج ثم يتوجَّهُ إلى عرفات، فیقیمُ بها. فإذا زالت الشمسُ من يوم عرفةَ : صلىُ الإمامُ بالناس الظهر والعصرَ. يبتدئُ فيخطُبُ خُطبتين قبل الصلاة، يعلِّم الناسَ فيهما الصلاةَ، والوقوفَ بعرفة، وبالمزدلفة، ورميَ الجِمار، والنحرَ، والحلقَ، وطوافَ الزيارة . - ولو بات بمكة ليلة عرفة، وصلى بها الفجر، ثم غدا إلى عرفات، ومرَّ بمنىَّ: أجزأه، ويكون مسيئاً. [الذهاب إلى عرفات: ] چ قوله: (ثم يتوجه إلى عرفات، فیقیم بها). والمستحب أن يكون توجهه بعد طلوع الشمس، فإذا بلغ إلى عرفة: أقام بها حيث أحبَّ، إلا بطن عُرَنَة، ويكره أن ينزل في موضع وحده. * قوله: (فإذا زالت الشمس من يوم عرفة: صلى الإمامُ بالناس الظهر والعصر بأذان واحد، وإقامتين)، ولا يجهر فيهما بالقراءة؛ لأنهما صلاتا نهارٍ، کسائر الأيام. قوله: (يبتدئ* فَيَخطبُ خطبتين، يُعلُّم الناسَ فيهما الصلاةَ، والوقوف بعرفة، وبالمزدلفة، ورميَ الجمار، والنحرَ، والحلقَ، وطوافَ الزيارة)، قائماً، ويَفصلُ بينهما بجلسة خفيفة، كما في الجمعة، فإذا فرغ من الخطبة: أقام المؤذِّن. - وإن خطب قاعداً: أجزأه، إلا أن القيام أفضل؛ لأن المقصود تعليمُ الناس، وتبليغُهم، والقيامُ: أمكن في ذلك. ٣٥٤ كتاب الحج ويصلي بهم الظهر والعصرَ في وقت الظهر بأذانٍ، وإقامتين. - وإن ترك الخطبة، أو خَطَبَ قبل الزوال: أجزأه، وقد أساء. * قوله: (ويصلي بهم الظهر والعصرَ في وقت الظهر بأذانٍ وإقامتين). - ثم إذا فرغ من صلاة الظهر: أقام المؤذِّن للعصر؛ لأنها تُؤدی قبل وقتها المعهود، فيُفرِدُ لها إقامةً؛ إعلاماً للناس بها. - ولا يَتطوع بين الصلاتين، فإن تطوع بغير سنة الظهر، أو اشتغل بعملٍ آخر من أكلٍ أو شرب: أعاد الأذان للعصر. وعن محمد: لا يعيده، وتجزئه الإقامة. قال في ((الوجيز)): أما سُنَّة الظهر الراتبةُ إذا صلاها: لا تَفصل، ولا يعاد الأذان إذا اشتغل بها. - ثم اعلم أن شرائطَ جواز الجمع عند أبي حنيفة خمسةٌ: الوقت، والمكان، والإحرام، والإمام، والجماعة. وعندهما: الإمام والجماعة ليسا بشرط. - ثم لا بدَّ من الإحرام قبل الزوال؛ تقديماً للإحرام على وقت الجمع، فإن أحرم بعد الزوال: فيه روايتان عن أبي حنيفة: إحداهما: لا يجوز له الجمع، حتى لو صلى الظهر مع الإمام قبل أن يُحرم بالحج، ثم أحرم بالحج قبل العصر: لم يجز له الجمع، وإنما يجوز إذا صلى الصلاتين جميعاً وهو محرمٌ بالحج. ٣٥٥ كتاب الحج ومَن صلى الظهرَ في رَحْله وَحْدَه : صلىُ كلِّ واحدةٍ منهما في وقتها عند أبي حنيفة. وفي الرواية الثانية: إذا كان مُحرماً قبل العصر: أجزأه، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن الظهر لا يقف فعلُها في وقتها على شرط الإحرام، وإنما يحتاج إلى ذلك لتقديم العصر على وقتها. - فإن صلى الظهرَ وحده، ثم صلى العصرَ مع الإمام: لم يُجْزه ذلك عند أبي حنيفة؛ لأن الإمام عنده شرطٌ في الصلاتين جميعاً. - فإن أدرك مع الإمام ركعة من كل واحدة من الصلاتين، أو شيئاً من الصلاتين: جاز الجمع، إجماعاً. - ولو صلى الإمامُ بالناس في يوم غَيْم، ثم استبان أنه صلى الظهر قبل الزوال، والعصرَ بعد الزوال: فإنه يعيد الخطبةَ والصلاتين جميعاً. * قوله: (ومَن صلىُ في رَحْله وحدَه: صلىُ كلّ واحدةٍ منهما في وقتها عند أبي حنيفة)؛ لأن المحافظة على الوقت فرضٌ بالنص. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَ الْمُؤْمِنِينَ كِشَبًا مَّوْقُوتًا﴾. النساء / ١٠٣، أي فرضاً مؤقتاً، فلم يجز تركه إلا فيما ورد به الشرع، وهو الجمع بالجماعة مع الإمام، يعني الإمام الأكبر. - فإن مَن صلى الظهر بجماعةٍ، لكن لا مع الإمام الأكبر: لا يجوز له الجمع عند أبي حنيفة، کالمنفرد. ٣٥٦ كتاب الحج وقال أبو يوسف ومحمد : يجمع بينهما المنفردُ. ثم يتوجه إلى الموقف، فيقفُ بقُرب الجبل. وعرفاتُ كلُّها موقفٌ، إلا بطنَ عُرَنَة. : قوله: (وقال أبو يوسف ومحمدٌ: يجمع بينهما المنفرد). لأن جواز الجمع: للحاجة إلى امتداد الوقوف، والمنفرد محتاجٌ إليه، فإنه لو صلى كل واحدة منهما في وقتها: يختلّ امتداد الوقوف؛ لأن المشروع أن يقع الوقوفُ من أوله إلى آخره متصلاً غير منقطع؛ ليكون أفضل. قلنا: تقديم العصر على وقته إنما هو لصيانة الجماعة، لا لأجل رعاية امتداد الوقوف؛ لأنه يعسر عليهم الاجتماعُ للعصر بعد ما تفرقوا في الموقف، إذ لا منافاة بين الصلاة والوقوف، فإن المصلي واقف. * قوله: (ثم يتوجه إلى الموقف)، يعني الإمامُ والقومُ معه عَقِيب انصرافه من الصلاة. * قوله: (فيقفُ بقُرْب الجبل)، وهو يسمى: جبل الرحمة، وهو عن یمین الموقف، وعلیه وقف آدم عليه السلام. والمعنى: أنهم إذا فرغوا من الصلاتين: انتشروا، ووقف كل واحدٍ منهم حيث شاء، ويكبرون ويهللون ويسبحون بخشوع وتذلّلٍ، ويصلون على النبي عليه الصلاة والسلام، ويدعون بحوائجهم إلى غروب الشمس. ويستحب أن يقف الإمامُ متوجهاً إلى الكعبة. * قوله: (وعرفاتُ كلَّها موقفٌ إلا بطن عُرَنَةَ). ٣٥٧ كتاب الحج وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته، يدعو، ويُعلِّمُ الناسَ المناسكَ. وهو وادٍ بأسفل عرفة، وقف فيه الشيطان. - وعُرَنَةُ: غيرُ مصروفٍ؛ للتأنيث، والعَلَمَية. * قوله: (وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته)؛ لأنه يدعو ويدعو الناسُ بدعائه، فإذا كان على راحلته: كان أبلغ في مشاهدتهم له. - ولو وقف على قدميه: جاز، إلا أن الأول أفضل. - والوقوف قائماً: أفضل من الوقوف قاعداً. * قوله: (يدعو، ويعلُّمُ الناسَ المناسكَ). ويرفع يديه نحو السماء؛ ((لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو يوم عرفة مادًّاً يديه، كالمستطعِم المسكين))(١). فيقفون إلى الغروب، يكبرون ويهللون ويدعون ويتضرعون، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألون الله حوائجَهم، فإنه وقتٌ مرجوٌّ فيه الإجابة. ويُكثِرِ الواقفُ من التهليل والاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاءِ بقلبٍ حاضر، فهذا اليوم أفضل أيام السنة، وهو م معظمُ الحج ومقصودُه. (١) مسند البزار (٢١٦١). ٣٥٨ کتاب الحج ويُستحبُّ أن يغتسلَ قبل الوقوف بعرفات. ويجتهدَ في الدعاء. - ويلبي في موقفه ذلك ساعةً بعد ساعة، ولا ينبغي أن يقطع التلبية حتى يرميَ جمرة العقبة. وقال مالك(١): إذا وقف بعرفة: قطع التلبية، قال: لأن الإجابة باللسان إنما هي قبل الاشتغال بالأركان. ولنا: أن التلبية في الحج: كالتكبير في الصلاة، فيأتي بها إلى آخر جزء من الإحرام، وذلك يكون عند الرمي. * قوله: (ويستحب له أن يَغتسلَ قبلَ الوقوف بعرفات)؛ لأنه يوم اجتماع، کالجمعة والعیدین. قال في ((الهداية)) (٢): وهذا الاغتسال سنةٌ، ولو اكتفى بالوضوء: جاز، كما في الجمعة والعيدين والإحرام. - فإن وقف على غير وضوءٍ، أو جُنُباً: جاز. - وكذا لو وقفت الحائض والنفساء: أجزأهما. * قوله: (ويجتهدَ في الدعاء). - والسنَّةُ: أن يُخفي صوته بالدعاء، قال الله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. الأعراف/ ٥٥. (١) جواهر الإكليل ١/ ١٧٧ . (٢) ١/ ١٤٥. ٣٥٩ كتاب الحج فإذا غربت الشمسُ: أفاض الإمامُ والناسُ معه على هِینتهم، حتى يأتوا المُزْدلفةَ، فينزلوا بها . - ولو التبس على الناس هلال ذي الحجة، فوقفوا على ظنِّ أنه يوم عرفة، فتبيّن أنه يوم التروية: لم يُجْزهم؛ لأنه يمكنهم الوقوف يوم عرفة. ولأنه أدى العبادة قبل وقتها، فلم يُجْز، كمن صلى قبل الوقت. - وإن تبيَّن أنه يوم النحر: أجزأهم، وحجُّهم تامٌّ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((حجُكُم يومَ تحجُّون))(١). [الإفاضة إلى المزدلفة : ] * قوله: (فإذا غربت الشمس: أفاض الإمامُ والناسُ معه علىُ هِينتهم، حتى يأتوا المزدلفةَ، فينزلوا بها). - ولا يدفع أحدٌ قبل الغروب، فإن دفع أحدٌ قبل الغروب: إن جاوز حدَّ عرفة بعد الغروب: فلا شيء عليه. - وإن جاوزها قبله: فعليه دمٌ، ويَسقط عنه ذلك الدم إذا عاد إلى عرفة قبل الغروب، ثم دفع منها بعد الغروب مع الإمام. وقال زفر: لا يسقط. وهذا كما قال في مجاوزة الميقات، إنه يجب عليه الدم، ولا يسقط عنه بالعود إلى الميقات. (١) قال ابن الملقن في البدر المنير ٤٩٧/١٥: لا أعلم مَن خرَّجه بهذا اللفظ. اهـ، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير ٢٥٧/٢: لم أجده هكذا. اهـ ٣٦٠ كتاب الحج والمستحبُّ أن ينزلوا بقُرْب الجبل الذي عليه المِيْقَدَةُ، يقال له : قُزَحُ. وعند الثلاثة(١): يسقط. - ولو عاد إلى عرفة بعد الغروب: لا يسقط عنه الدم، بالإجماع. - ولو أن الإمام أبطأ بالدفع، وتبيَّن للناس الليلُ: دفعوا قبله؛ لأن وقت الدفع قد حصل، فإذا تأخر الإمامُ: فقد ترك السُّنَّةَ، فلا يجوز لهم و ترکُها. - وقوله: حتى يأتوا المزدلفةَ: وهو المَشعر الحرام، فينزلون بها. وسميت: المزدلفة؛ لأن آدم عليه السلام اجتمع مع حواء فيه، وازدلف إليها، أي دنا منها. * قوله: (والمستحب أن ينزلوا بقُرب الجبل الذي عليه المِيْقَدة): أي يوقِدُ عليه الخلفاءُ النارَ. * قوله: (يُقال له: قُزَح)؛ سمي بذلك؛ لارتفاعه، وهو لا ينصرف؛ للعلمية، والعدل، من: قَزَح: إذا ارتفع. - ويَتحرزَّ عن النزول في الطريق؛ كي لا يضرَّ بالمارَّة. - ويُكثر من الاستغفار في المزدلفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. البقرة/١٩٨، إلى أن قال: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. (١) الإمامِ وصاحبيه.