Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب الحج
فاضلاً عن مسكنه، وما لا بدَّ منه،
((وعن ابن عباس أنه قال بعد ما كُفَّ بصرُه: ما تأسَّقْتُ على شيء:
كتأسُّفي على أن أحجَّ ماشياً)(١).
وروي ((أن الحسن بن علي رضي الله عنهما كان يمشي في حجه،
والجنائبُ(٢) تُقاد إلى جنبه))(٣).
- قال في ((الهداية))(٤): ومَن جعل على نفسه أن يحجَّ ماشياً: فإنه لا
یر کب حتى يطوفَ طواف الزيارة.
وفي ((الأصل)): خيَّره بين الركوب والمشي.
ففي الأول إشارةٌ إلى الوجوب؛ لأنه التزم القُربة بصفة الكمال: فلزمه
بتلك الصفة، كما إذا نذر الصوم متتابعاً، فإن ركب: أراق دماً؛ لأنه أدخل
نقصاً فیه.
* قوله: (فاضلاً): انتصب على الحال من الزاد والراحلة.
* قوله: (عن مَسكنِه، وما لا بدَّ منه)، كالخادم، والأثاث، وثيابه،
وهذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. اهـ، قال الذهبي في تلخيص المستدرك:
ليس بصحيح، أخشى أن يكون كذباً، وعيسى: قال أبو حاتم: منكر الحديث. اهـ،
وضعفه النووي في المجموع ٧/ ٩٢.
(١) وذكره عنه النووي في المجموع ٩١/٧، وأنه رواه عنه البيهقي بإسناده.
(٢) أي الأفراس.
(٣) لم أقف عليه، وقد ذكره عنه النووي في المجموع ٧/ ٩٢.
(٤) ١ / ١٨٩ .

٣٢٢
كتاب الحج
وعن نفقة عياله إلى حين عَوْدِهِ، وكان الطريقُ آمِناً.
ويُعتبرُ في حقِّ المرأة أن يكون لها مَحْرمٌ يَحُجُ بها، أو زوجٌ.
وفرسه، وسلاحه، وقضاء دیونه.
وقيل: فاضلاً عن أصدقة النساء.
وقيل: لا يُشترط ذلك.
* قوله: (وعن نفقة عياله إلى حين عَوْده)، يعني نفقةٍ وسطِ، لا نفقة
إسرافٍ ولا تقتیرٍ.
- وكذا عن نفقة خَدَمِه.
وعن أبي يوسف: ينبغي أن يكون فاضلاً عن نفقة شهرٍ بعد رجوعه؛
لأنه لا يقدر على الكسب؛ باعتبار الضعف في السفر.
ومن مشايخنا مَن لا یعتبر ذلك. كذا في ((الوجيز)).
* قوله: (وكانُ الطريق آمناً)، يعني وقت خروج أهل بلده.
- واختلفوا في أمن الطريق: هل هو من شرائط الوجوب، أو من
شرائط الأداء؟
قال بعضهم: من شرائط الوجوب، حتى إنه إذا مات قبل أن يحج: لا
يجب عليه الإيصاء به.
وقيل: من شرائط الأداء، حتى إنه إذا مات قبل أن يحج: يجب عليه
الإيصاء به. قال في ((النهاية)): وهو الصحيح.
* قوله: (ويُعتبر في المرأة أن يكون لها مَحْرَمٌ يَحِجُّ بها، أو زوجٌ)،

٣٢٣
کتاب الحج
سواء كانت عجوزاً، أو شابةً.
وهو: كل مَن لا يجوز له مناكحتُها على التأبيد، سواء كان بالرَّحِم، أو
بالمصاهرة، أو بالرضاع، وسواء كان حراً، أو عبداً، أو ذمياً.
- وأما المجوسيُّ: فليس بمَحرَمٍ.
- والصبيُّ والمجنون: ليس بمَحرمٍ.
- والمراهقُ: کالبالغ.
۔ وعبدُ المرأة: لیس بمحرمٍ لها؛ لأن تحریم نکاحھا علیه لیس علی
التأبيد، بدليل أنها إذا أعتقته: جاز له نكاحها.
- والصبيةُ التي تُشتهى: كالبالغة.
- والأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة يجوز لهن السفر بغير محرم.
- والمَحرَم إنما يُعتبر إذا كان بينها وبين مكة ثلاثة أيام، فصاعداً، وأما
إذا كان أقل: فعليها أن تخرج للحج بغير محرمٍ، ولا زوجٍ.
- إلا أن تكون معتدةً، فلا تخرج حتى تنقضيَ عدتُها.
- وأما إذا لم يكن للمرأة محرمٌ، ولا زوجٌ: لم يجب عليها أن تتزوج
بمن يحج بها، كما لا يجب عليها اكتساب الراحلة.
- ثم إذا كان لها مَحرَمٌ: تخرج لحجة الفرض وإن لم يأذن لها زوجُها؛
لأن حق الزوج لا يظهر في حق الفرائض، وأما في التطوع والمنذور: فله
منعُها.

٣٢٤
کتاب الحج
ولا يجوز لها أن تحجَّ مع غيرهما إذا كان بينها وبين مكةَ مسيرةُ ثلاثة
أيامٍ ولياليها، فصاعداً.
- ويجب عليها نفقة المَحرَم، هو الصحيح؛ لأنها لا تتوصل إلى الحج
إلا به، كما يلزمها شراء الراحلة التي لا تتوصل إلا بها.
- وفي «الخُجندي)»: لا يجب عليها ذلك.
والتوفيق بينهما: أن المَحرَم إذا قال: لا أخرج إلا بالنفقة: وجب
علیها، وإن خرج من غیر اشتراط ذلك: لم يجب عليها.
* قوله: (ولا يجوز لها أن تحجَّ بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة
ثلاثة أيامٍ ولياليها، فصاعداً).
لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تحُجَّنَّ امرأةٌ إلا ومعها مَحرَم))(١).
ولأنها بدون المَحرَم يُخاف عليها الفتنة، وتزداد بانضمام غيرها إليها،
ولهذا تحرم الخلوة بالأجنبية وإن كان معها غيرُها. هكذا في ((الهداية))(٢).
- فإن حجت بغير مَحرَم، أو زوج: جاز حجها، مع الكراهة.
- وهل المَحرَم من شرائط الوجوب، أم من شرائط الأداء؟
على الخلاف في أمن الطريق.
(١) مسند البزار (٥٢٥٩) ٤١١/١، سنن الدارقطني ٢٢٧/٣، وإسناده
صحيح، كما في التعريف والإخبار ١٤٧/٢، وينظر نصب الراية ١٠/٣.
(٢) ١٣٥/١.

٣٢٥
كتاب الحج
وإذا بلغ الصبيُّ بعد ما أحرم، أو أُعتق العبدُ، فمَضَيًا على ذلك: لم
يُجْزِهما عن حَجَّة الإسلام.
: قوله: (وإذا بلغ الصبيُّ بعد ما أحرم، أو أُعتق العبد، فمضيا علىُ
حجهما ذلك: لم يُجْزِهما عن حجة الإسلام).
لأن إحرامهما انعقد لأداء النفل، فلا ينقلب لأداء الفرض.
- فإن جدَّد الصبيُّ الإحرامَ قبل الوقوف، فنوى حجةَ الإسلام: جاز.
- والعبد لو فعل ذلك: لم يجز؛ لأن إحرام الصبيِّ غيرُ لازم؛ لعدم
الأهلية، ولهذا لو أُحصر، فتحلل: لا يلزمه القضاء، وإن تناول شيئاً من
محظورات الإحرام: لا يلزمه الجزاء، والعبد: يلزمه القضاء والجزاء.
فإذا جدَّد الصبيُّ: ينفسخ الأول بالثاني، والعبد إذا جدَّد: لا ينفسخ
الأول، فلا ينعقد الثاني.
ولأن إحرام العبد لازمٌ، فلا يمكنه الخروج عنه.
- وإذا حج الفقير: أجزأه عن حجة الإسلام، حتى لو استغنى بعد
ذلك: لا تلزمه حجةٌ أخرى؛ لأن اشتراط الزاد والراحلة في حقه؛
للتيسير، لا لإثبات أهلية الوجوب، فكان سقوط الحج عنه: نظيرَ سقوط
أداء الصوم، وصلاة الجمعة عن المسافر.
ولهذا يجب الحج على الفقير بمكة، ولا يجب على العبيد بها؛ لأنهم
ليسوا من أهل الوجوب.

٣٢٦
كتاب الحج
والمواقيتُ التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسانُ إلا مُحْرِماً خمسةٌ :
لأهل المدينة : ذو الحُلَيْفة.
ولأهل العراق : ذاتُ عِرْق.
ولأهل الشام : الجُحْفَةُ.
ولأهل نَجْدٍ : قَرْنُ المنازل.
ولأهل اليمن : يَلَمْلَمُ.
[مواقيت الحج المكانية : ]
* قوله: (والمواقيتُ التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسانُ إلا مُحرماً
خمسةٌ)، يعني لا يتجاوزها إلى مكة.
- أما إلى الحِلُّ: فإنه يجوز بغیر إحرام.
* قوله: (لأهل المدينة: ذو الحُلَيفة، ولأهل العراق: ذات عِرْق،
ولأهل الشام: الجُحْفَة، ولأهل نجد: قَرْن): بإسكان الراء، هو الصحيح،
كذا في ((شمس العلوم)).
* قوله: (ولأهل اليمن: يَلَمْلَم).
وقد نَظَمَ فيه بعضُهم بيتَيْن، فقال:
وبذي الحليفة يُحرِم المدني
عِرْقُ العراق يلملمُ اليمني
ولأهل نجد قَرْنٌ فاستِنِ
للشام جُحْفَةُ إن مررت بها

٣٢٧
كتاب الحج
فإن قدَّم الإحرامَ على هذه المواقيت : جاز.
ومَن كان منزلُه بعد المواقيت : فميقاتُه الحِلّ.
ـ ومَن حجَّ في البحر: فوَقْته: إذا حاذى موضعاً من البر، لا يتجاوزه
إلا مَحرماً.
- وكذا إذا سافر في البَرِّ من طريقٍ غيرِ مسلوك: أحرم إذا حاذى ميقاتاً
من هذه المواقيت.
- ولأهل مصر: محاذاة الجُحْفة.
ـ ومَن جاوز ميقاتَه غيرَ محرمٍ، ثم أتى ميقاتاً آخرَ، فأحرم منه:
أجزأه، إلا أن إحرامه من ميقاته أفضل.
* قوله: (فإن قدَّم الإحرامَ على هذه المواقيت: جاز)، وهو الأفضل
إذا أَمِنَ من مواقعة المحظورات، وإلا: فالتأخير إلى الميقات أفضل.
* قوله: (ومَن كان منزلُه بعد المواقيت: فوَقْتُه الحِلّ)، يعني في الحج
والعمرة.
- ويجوز لهم دخول مكة بغير إحرام إذا كان لحاجةٍ؛ لأنه يكثُر منهم
دخولُ مكة، وفي إيجاب الإحرام في كل دخلة: حرجٌ ظاهرٌ.
بخلاف ما إذا أرادوا النُّسَك: فإنه لا يباح لهم دخولها إلا بالإحرام؛
لأنه يتفق أحياناً، فلا حرج.

٣٢٨
كتاب الحج
ومَن كان بمكة : فميقاتُه في الحج : الحرمُ، وفي العمرة: الحِلّ.
ءِ
وإذا أراد الإحرامَ : اغتسل، أو توضأ، والغُسلُ أفضل.
قوله: (ومَن كان بمكة: فميقاتُه في الحج: الحرمُ، وفي العمرة:
الحِلّ)؛ لأن أداء الحج في عرفة، وعرفةُ في الحل، فيكون الإحرام من
الحرم؛ ليتحقق نوعُ سفرٍ، وهو من الحرم إلى الحل.
وأداء العمرة في الحرم، وهو الطواف والسعي، فيكون الإحرام لها
من الحِلُّ؛ ليتحقق نوعُ سفر من الحرم إلى الحِلِّ، وأداءَ العمرة في الحرم،
وهو الطواف والسعي، فيكون الإحرام لها من الحِلَّ؛ ليتحقق نوعُ سفر،
وهو الإحرام من الحل إلى الحرم.
- والأفضل: من التنعيم.
وإنما سمي التنعيم؛ لأن عن يمينه جبلاً يسمى: نعيم، وعن يساره
جبلاً يسمىُ: ناعم، والوادي نُعمان.
- ولو ترك المكيُّ ميقاتَه، وأحرم للحج في الحل، وللعمرة في الحرم:
يجب عليه دم.
[ما يفعله مَن أراد الإحرام : ]
* قوله: (وإذا أراد الإحرامَ: اغتسل أو توضأ، والغسلُ أفضل)؛ سواء
أراد الإحرام بالحج أو بالعمرة أو بهما.
- والغُسل هنا: للنظافة، لا للطهارة، حتى إنه تُؤمر به الحائض والنفساء.

٣٢٩
کتاب الحج
وَلَبِسَ ثوبَيْن جديدَيْن، أو غَسِيلَيْن: إزاراً، ورداءً.
ومَسَّ طِيْباً إنْ كان له طِيْبٌ.
- وسمي الإحرام؛ لأنه يُحرِّم المباحات قبله، من الطَّيْب، ولُبْس
المخيط، وغير ذلك.
: قوله: (وَلَبِسَ ثوبين جديدين، أو غَسِيْلَيْن)، والجديدُ أفضل؛ لأنه
أقرب إلى الطهارة من الآثام، ولهذا قدَّمه الشيخُ على الغسيل.
- وإن لبس ثوباً واحداً: أجزأه؛ لأن المقصود ستر العورة من غير
المَخيط، وإنما ذكر ثوبين؛ لأن المُحرِمَ ممنوعٌ من لُبْس المَخيط، ولا
بدَّ له من ستر العورة، ودَفْع الحر والبرد، وذلك إنما يحصل بالإزار
والرداء.
* قوله: (ومَسَّ طِيْباً إن كان له طِيبٌ).
هذا يدل على أن الطَّيْب من سنن الزوائد، وليس من سنن الهُدى.
- ولا يضرُّ أثر الطَّيْب بعد الإحرام.
وعن محمد: يكره أن يتطيب بما تبقىُ عينُه بعد الإحرام.
قلنا: ابتداءُ الطَّيب حصل من وجهٍ مباحٍ، فالبقاء عليه لا يضره،
كالحلق، ولأن الممنوع منه: التطيب بعد الإحرام.
ومحمد يقول: للبقاء حكم الابتداء، كما في لُبْس القميص إذا لبسه
قبل الإحرام، ولم يخلعه بعده.

٣٣٠
كتاب الحج
وصلَّى ركعتين، وقال عَقِيبَ الصلاة : اللهم إني أريد الحجَّ، فيسِّره
لي، وتقبَّلْه مني.
ثم يلِّي عَقِيبَ صلاته، فإن كان مُفْرِداً بالحج : نوى بتلبيته الحجَّ.
* قوله: (وصلى ركعتين)، يقرأ في الأُولى الفاتحةَ، و: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا
اُلْكَفِرُونَ﴾، وفي الثانية: الفاتحةَ، و: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾.
والمعنى بذلك: الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾.
البقرة / ٤٥، ويسأل اللهَ الإعانةَ والتوفيق في جميع أموره.
* قوله: (وقال عقيبَ الصلاة: اللهم إني أريدُ الحجَّ فيسِّرْه لي، وتقبَّلْه
مني).
وإنما لم يُذكر مثل هذا الدعاء في الصلاة والصوم؛ لأن الحج يُؤدّى
في أزمنةٍ متفرِّقة، وأماكنَ متباينة، فلا يَعرى عن المشقة، فيسأل الله تعالى
التیسیرَ.
* قوله: (ثم يلِّي عَقِيبَ صلاته).
- فإن لبى بعد ما استوت به راحلتُه: جاز، ولكن الأول أفضل.
* قوله: (فإن كان مُفرداً بالحج: نوى بتلبيته الحجّ)؛ لأنها عبادة،
والأعمال بالنيات.

٣٣١
كتاب الحج
والتلبيةُ أن يقول: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْك، لَبَّيْكَ لا شريكَ لكَ لَبَّيْك، إن
الحمد والنِّعمةَ لكَ والملكَ، لا شريكَ لك.
ولا ينبغي أن يُخِلَّ بشيءٍ من هذه الكلمات.
فإذا زاد فيها : جاز.
قوله: (والتلبيةُ أن يقولَ: لَبَّيْك اللهم لبيك، لبيك لا شريكَ لكَ
لبيك، إن الحمدَ والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
- وهذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم(١).
وهي واجبة عندنا، أو ما قام مقامها من سَوْق الهدي.
- ولو كان مكانَ التلبية تسبيحٌ، أو تهليلٌ، أو ما أشبه ذلك من ذكر
الله، ونوى به الإحرام: صار مُحرِماً.
* قوله: (ولا ينبغي أن يُخِلّ بشيءٍ من هذه الكلمات)؛ لأنها تلبيةٌ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، باتفاق الرواة، فلا يُنقِص منها.
* قوله: (فإن زاد فيها: جاز)، يعني بعد الإتيان بها، أما في خلالها: فلا.
((وكان ابن عمر رضي الله عنهما يزيد في تلبيته: لبيك وسَعْدَيْك،
والخيرُ كله في يديك، والرَّغباءُ إليك، لبيك لبيك))(٢).
وزاد بعضُهم: لبيك حقاً حقاً، لبيك تعبداً ورِقّاً.
(١) صحيح البخاري (١٥٤٩)، صحيح مسلم (١١٨٤).
(٢) صحيح مسلم (١١٨٤).

٣٣٢
کتاب الحج
وإذا لَبَّى: فقد أحرم، فليتَّقِ ما نهى الله تعالى عنه، من الرَّفَث،
م
والفسوقِ، والجِدالِ .
ولا يَقتلُ صيداً،
[محظورات الإحرام : ]
* قوله: (فإذا لبى: فقد أحرم)، يعني لبى، ونوى؛ لأن العبادة لا
تتأدى إلا بالنية، ولا يصير شارعاً بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية، أو ما
يقوم مقامها من الذكر.
* قوله: (فليتقِّ ما نهى اللهُ عنه من الرَّفَث والفسوق والجدال).
الرفث: الجماع، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآَبِكُمْ﴾. البقرة/ ١٨٧.
وقيل: هو الكلام الفاحش بحضرة النساء، وأصل الرفث: الفُحْش،
والقول القبيح.
والفسوق: جميعُ المعاصي، وهي في حالة الإحرام أشدُّ حُرمةً.
والجدال: أن تجادل رفيقَكَ حتى تُغضبه، أو يُغضبك.
قوله: (ولا يَقتلُ صيداً) لقوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
المائدة/ ٩٥، أي: وأنتم محرِمون، وحُرُم: جمع: حرام.
والصيد هو: كل حيوانٍ ممتنعٍ متوحِّشٍ بأصل خلقته، مأكولاً كان أو
غير مأكول.

٣٣٣
كتاب الحج
ولا يُشير إليه، ولا يَدلُّ علیه.
: قوله: (ولا يُشيرُ إليه): أي بيده.
* قوله: (ولا يَدُلّ عليه): أي بلسانه، لا يقول: في موضعٍ فلانٍ صيدٌ.
فالإشارة: تختص بالحضرة، والدلالة: بالغَيْبة.
- ولو قال محرمٌ لحلال: خلفَ هذا الحائط صيدٌ، فإذا هي صيودٌ
و
كثيرةٌ، فأخذها، وقتلها: فعلى الدال في ذلك كله الجزاء.
- بخلاف ما إذا رأى من الصيد واحداً، فدلَّه عليه، فإذا عنده صيودٌ
غيره، فقتلها المدلول عليه: فليس على الدال إلا جزاء الصيد الذي دلَّ عليه.
- ثم الدلالة إنما تعمل إذا اتصل بها القبض، وأن لا يكون المدلول
عالماً بمكان الصيد، وأن يُصدِّقه في دلالته، ويتبعه في أثره.
أما إذا كذَّبه في الدلالة، ولم يَتْبع أثره، حتى دلَّه آخرُ، فصدَّقه،
واتبع أثره، فقتله: فلا جزاء على الدالِّ الأول.
- ولو رأى المحرمُ صيداً في موضعٍ لا يقدر عليه إلا أن يرميه بشيء،
فدلَّه محرمٌ آخر على قوسٍ ونَشَّاب، أو دفع إليه ذلك، فرماه، فقتله:
فعلى كل واحدٍ منهما الجزاء.
۔ ولو استعار مُحرمٌ من مُحرمٍ سكيناً ليذبح بها صيداً معه، فأعاره،
فذبح الصيدَ: فلا جزاء على صاحب السكين.
وقيل: عليه الجزاء.

٣٣٤
كتاب الحج
ولا يلبسُ قميصاً، ولا سراويلَ، ولا عِمامةً، ولا قَلَتْسُوَةً، ولا قَبَاءَ، ولا
خُفَّين، إلا أن لا يجد النَّعلين، فَيَقْطَعُهما أسفلَ من الكعبين.
فالأول محمولٌ على ما إذا كان المستعير يقدر على ذبحه، والثاني
محمولٌ على ما إذا كان لا یقدر.
* قوله: (ولا يَلبسُ قميصاً، ولا سراويلَ)، يعني اللَّبْسَ المعتادَ.
- أما إذا اتزر بالقميص، أو ارتدى بالسراويل: لا شيءَ عليه.
- وأما المرأة: فلها أن تلبس ما شاءت من المَخيط، والخفين، إلا أنها
لا تُغطّي وجهَها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إحرام المرأة في
وجهها))(١).
ولأن بدنها عورةٌ، وسَتْرُه بما ليس بمَخيط يتعذر، فلذلك جُوِّر لها
لُبْس المخيط.
* قوله: (ولا عمامةً، ولا قَلَنْسَوَةً، ولا قَبَاءً، ولا خُفَّيْن، إلا أن لا
يجد النعلين: فيَقْطَعُهما أسفلَ من الكعبين).
لُبْس القَباء على وجهين: إن أدخل يديه في كُمَّيه: لم يجز، وإن لم
يدخلهما: جاز.
(١) سنن الدارقطني ٢٩٤/٢، سنن البيهقي ٤٧/٥، المعجم الكبير للطبراني
(١٣٣٧٥) ٣٧٠/١٢، وهو حديث ضعيف، وروي موقوفاً على ابن عمر، وصُحِّح،
كما في البدر المنير ٣٥/١٦، التلخيص الحبير ٢٧٢/٢، واستدل به ابن الهمام في
فتح القدير ٣٤٦/٢ على أنه قول صحابي.

٣٣٥
كتاب الحج
ولا يُغطّي رأسَه، ولا وجهَه.
ولا يَمَسُّ طِيْباً.
ولا یَحلِقُ رأسَه، ولا شعر بدنه،
- والكعبُ هنا: هو الناتئ في وَسْط القدم عند مَعقِدِ الشِّراك.
* قوله: (ولا يُغطّي رأسَه، ولا وجهَه)، يعني التغطيةَ المعهودة.
أما لو حَمَل على رأسه عِدْلَ بُرٍّ، وشبهَه: فلا شيء عليه؛ لأن ذلك لا
يحصل به المقصود من الارتفاق.
* قوله: (ولا يَمسُّ طِيْباً)، وكذا لا يدَّهنُ.
- ولا بأس أن يلبس الثوب المبخَّرَ؛ لأنه غيرُ مستعمِلٍ لجزءٍ من
الطَّيْب، وإنما يحصل له مجرد الرائحة، وذلك لا يكون تطيباً.
- ويكره له شمُّ الريحان، والطَّيْب، وليس عليه في ذلك شيء؛ لأنه
غير مستعمِلٍ لجزء منه.
- ولا بأس أن يكتحل إذا لم يكنِ الكحلُ مطيّباً.
- ولا بأس أن يحتجم، ويفتصد، ويُجبِِّ الكَسْرَ.
- وليس له أن يختضب بالحِنَّاء؛ لأنه طِيْبٌ.
- ويكره له أن يقبِّل امرأته، أو يضاجعها.
* قوله: (ولا يَحلقُ رأسَه، ولا شعرَ بدنه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِّقُواْ
رُوسَكُمٍ حَتَّى بَتْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾. البقرة/١٩٦ : أي حتى يبلغ الهديُ الحرمَ،

٣٣٦
کتاب الحج
ولا يَقصُّ من لحيته، ولا مِن ظفره.
ولا يَلبسُ ثوباً مصبوغاً بوَرْسٍ، ولا بزَعْفراٍ، ولا بعُصْفُرٍ، .
ويَعلمَ أن هدیَه قد ذُبح في الحرم.
ويستوي في ذلك الحلقُ بالموسىُ، والنُّورةِ، والنتف، والقلع بالأسنان.
* قوله: (ولا يَقصُّ من لحيته، ولا من ظُفُره)؛ لأنه في معنى الحلق،
ولأن فيه إزالة الشَّعَث، وقضاءَ التَّفَث.
قال في ((الكرخي)): قضاءُ التفث هو: قص الشعر، وحلق الرأس،
وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة.
وقيل: التفث: الوسخ من طول الشعر والأظفار، وقضاؤه: إزالته.
* قوله: (ولا يَلبس ثوباً مصبوغاً بوَرْسٍ، ولا بزعفرانٍ، ولا بعُصْفٍ).
ولا ينبغي له أن يتوسَّده، ولا ينامَ عليه.
وهل يكره لُبْسه لغير المحرم من الرجال؟
قال في ((الذخيرة)): نعم؛ لما روي ((أن ابن عمر قال: نهاني رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن لُبْس الحُمْرة، وقال: إياكم والحُمْرة، فإنها زِيُّ
الشيطان))(١).
(١) معجم الطبراني الكبير ١٤٨/١٨، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٠/٥:
رواه الطبراني بإسنادين، في أحدهما: يعقوب بن خالد بن نجيح البكري العبدي، ولم
أعرفه، وفي الآخر: بكر بن محمد: يروي عن سعيد عن شعبة، وبقية رجالهما
ثقات، ورواه في الأوسط، وفيه: أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. اهـ، وقال العلامة

٣٣٧
كتاب الحج
إلا أن يكون غسيلاً لا يَنْفُض.
ولا بأس أن يغتسلَ، ويدخلَ الحَمَّامَ، ويستظلَّ بالبيت، والمَحْمِل.
ويَشُدَّ فِي وَسْطه الهِمْیان.
ولا يَغْسلُ رأسَه، ولا لحيتَه بالخِطْمِيِّ.
- ويجوز للمُحرِمة أن تلبس الحريرَ، والحُليَ. كذا في ((الكرخي)).
* قوله: (إلا أن يكون غسيلاً لا يَنفُض): أي لا تفوح رائحته، وهو
الأصح، وقيل: لا يتناثر صِبْغُه.
قوله: (ولا بأس أن يغتسلَ، ويدخلَ الحَمَّم)، ولأن الغُسل
طهارةٌ، فلا يُمنع منها.
* قوله: (ويَستظلَّ بالبيت، والمَحْمِل)؛ لأن المَحْمِلَ لا يَمسُّ بدنه،
فأشبه البيت.
قوله: (ويَشدَّ فِي وَسْطُه الهِمْيان): بالكسر، وهو شيءٌ تُجعل فيه
الدراهم، ويُشدُّ على الحَقْو.
- وكذا له أن يشدَّ المنطقة.
وعن أبي يوسف: كراهتها إذا شدّها بإبزيم؛ لأنه يشبه المَخِيط، كمن
لَبِس الطَّيْلسان وزرَّه عليه.
* قوله: (ولا يَغْسِلُ رأسَه، ولا لحيتَه بالخِطْميِّ).
قاسم في التعريف والإخبار ٤٤٥/٣: أخرجه ابن منده في الصحابة.

٣٣٨
كتاب الحج
ويُكثِرُ من التلبية عَقِيبَ الصلوات،
- فإن فَعَلَ: فعليه دمٌ عند أبي حنيفة؛ لأن الخطميَّ له رائحةٌ مستلذَّةٌ،
فهو كالحِنَّاء، ولأنه يُزيل التَّفَث، ويقتل الهَوامَّ.
وقال أبو يوسف ومحمد: عليه صدقةٌ؛ لأنه يُزيل الوسخَ، ويقتل
الهوامَّ.
- وأجمعوا على أنه إذا غسله بالسِّدْر، أو بالصابون: لا شيء عليه.
- والرجالُ والنساء في اجتناب الطَّيْب: سواءٌ.
- وإنما يختلفان في لُبْس المَخِيط، وتغطية الرأس: فإن المرأة
تفعلُهما، دون الرجل؛ لأنها عورة.
* قوله: (ويُكثِرِ من التلبية عَقِيبَ الصلوات).
- والمستحب أن يرفع بها صوتَه، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أفضل
الحج: العجُّ والَّجُ﴾ (١).
فالعجُّ: رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ: هو ثجُّ الدماء بالذبائح، أي إسالتُها.
قال الخُجَندي: يُكثر التلبية في أدبار الصلوات، نفلاً كانت أو فرضاً.
وقال الطحاوي: في أدبار المكتوبات، دون الفائتات والنوافل.
(١) سنن الترمذي (٨٢٧)، سنن ابن ماجه (٢٩٢٤)، المستدرك للحاكم
٤٥١/١، وله عدة طرق فيها كلام، لكن يتقوى بمجموعها، ينظر البدر المنير
٣١٦/١٥، وعزاه العلامة قاسم في التعريف والإخبار ١٥٦/٢ لمسند ابن أبي شيبة
٢٢٤/١، وقال: سنده جيد.

٣٣٩
کتاب الحج
وكلَّما علا شَرَفاً، أو هَبَط وادياً، أو لقيَ رُكباناً، وبالأسحار.
* فإذا دخل مكةَ ابتَدَأ بالمسجد الحرام.
جعلها بمنزلة تكبير التشريق، أما في ظاهر الرواية: في أدبار الصلوات،
من غير تفصيل.
* قوله: (وكلَّما علا شَرَفاً): أي صَعِد مكاناً مرتفعاً.
: قوله: (أو هَبَطَ وادياً، أو لقيَ رُكباناً)؛ لأن التلبية في الإحرام: على
مثال التكبير في الصلوات؛ للانتقال، فيؤتى بها عند الانتقال من حال إلى
حال، وكذا عند الانتباه من النوم. كذا في ((الينابيع)).
* قوله: (وبالأسحار)، خصَّه؛ لأنه وقت إجابة الدعاء.
[دخول مكة، والطواف بالبيت : ]
* قوله: (فإذا دخل مكة: ابتدأ بالمسجد الحرام).
- سُمِّيت مكة؛ لأنها تَمُكُّ الذنوبَ، أي تُذهِبُها.
وتسمى أيضاً: بكَّة؛ لأن الناس يتباكَّوْن فيها، أي يزدحمون في الطواف.
وقيل: بكّة: اسمٌ للمسجد، ومكة: اسم للبلد.
- والمستحب إذا دخل مكة أن يقول: اللهم أنتَ ربي وأنا عبدك، والبلدُ
بلدك، جئتُك هارباً منك إليك؛ لأؤدِّيَ فرائضكَ، وأطلبَ رحمتك،
وألتمسَ رضوانَك، أسألك مسألة المضطرين إليك، الخائفين عقوبتَك،
أسألك أن تستقبلني اليوم بعفوك، وتدخلني في رحمتك، وتتجاوزَ عني
بمغفرتك، وتُعينَي على أداء فرائضك.

٣٤٠
کتاب الحج
فإذا عاین البيتَ كِبَّر وهلَّل.
ثم ابتدأ بالحجر الأسود، فاستقبَلَه، وكَبَّر وهلَّل،
31
اللهم نجني من عذابك، وافتح لي أبواب رحمتك، وأدخلني فيها،
وأعِذْني من الشيطان الرجيم.
- وقوله: ابتدأ بالمسجد الحرام: يعني بعد ما حطَّ أثقالَه؛ ليكون قلبُه
فارغاً.
- ولا يضرُّه ليلاً دخل مكة، أو نهاراً.
- فإذا دخل المسجد قال: اللهم هذا البيتُ بيتُك، والحرمُ حرمُك،
والعبدُ عبدُك، وهذا مقامُ العائذِ المستجيرِ بك من النار، فوفَّقني لما تحبُّ
وترضى.
: قوله: (فإذا عاين البيتَ: هلَّل، وكَبَّر): أي يقول: لا إله إلا الله،
والله أكبر، اللهم أنتَ السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فحیِّنا
ربَّنا بالسلام.
اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسُنَّة نبيك
محمدٍ عليه الصلاة والسلام.
والدعاء عند رؤية البيت: مستجابٌ.
* قوله: (ثم ابتدأ بالحجر الأسود، فاستقبَلَه، وكَبَّر وهلَّل).
ويقول عند: مشيه من الباب إلى الحَجَر: لا إله إلا الله وحده، لا
شريك له، صَدَقَ وعدَه، ونَصَرَ عبدَه، وهَزَمَ الأحزابَ وحده.